بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الخامس- شرح كتاب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،
فنحمد الله -جل وعلا- على نعمة الإسلام ونعمة الهداية لهذا الدين- ونحمده -تبارك وتعالى- على تيسيره لهذه اللقاءات التي نسأل الله -جل وعلا- أن يعم خيرها، وأن يعظم نفعها، وأن تزيد بركتها، وأن يتقبل من الجميع بقبول حسن إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب.
أيها الإخوة، إننا ندرس كتابا عظيما ومؤلفا مباركا أُلف في أعظم الأمور، وأجل المقاصد، وأنبل الغايات ألا وهو توحيد الله -جل وعلا- ونحن لا زلنا في بدايات هذا الكتاب وفي أبوابه الأولى، حيث سبق أن أخذنا ما يتعلق بفضل التوحيد ومكانته وعظيم شأنه، وأيضا سبق أن أخذنا في دروسنا الماضية ثمار التوحيد وآثار التوحيد المباركة على أهله مع مقدمات أخرى مرت معنا في لقاءاتنا السابقة.
وهنا في درس اليوم نبدأ مع مؤلفنا -رحمه الله تعالى- ومؤلَّفه القيم "كتاب التوحيد" في باب عظيم مبارك من أبواب هذا الكتاب ألا وهو باب "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب" وهذا الباب المبارك يأتي ضمن ترتيب دقيق علمي جاء في هذا المصنف المبارك، فالمؤلف أول ما بدأ تحدث عن مكانة التوحيد، ثم بدأ يعدد فضائل التوحيد، ثم أتى هنا -رحمه الله تعالى- لبيان تحقيق التوحيد.
وتحقيق التوحيد درجة عالية ومنزلة رفيعة يأتي الحديث عنها في هذه الأبواب، وفي ضمن أيضا الآيات والدلائل التي أوردها المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب العظيم، فنبدأ لقاءنا ونستمع إلى أخينا الفاضل بارك الله فيه ليبدأ معنا بمستهل هذا الباب:
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (باب من حقق التوحيد دخل الجنة وقول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾﴾ [النحل: 120] ).
بدأ المصنف كما هي عادته -رحمه الله تعالى- بوضع عنوان للترجمة، والعنوان يدل على المضمون، وتحت هذا العنوان تأتي الأدلة عليه والشواهد من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
عنوان الترجمة "من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب" أي: ولا عذاب، و"مَن" هذه شرطية تحتاج إلى فعل وجواب، فعلها "حقق" وجوابها "دخل الجنة" فمن حقق التوحيد ثمرة تحقيقه له ونتيجة تحقيقه له أن يدخل الجنة بلا حساب أي: دخولا أوليا، لا يمر قبل دخوله بمرحلة تعذيب، و أيضا لا يمر قبل دخوله بمرحلة محاسبة، وإنما يدخل الجنة بدون حساب.
وهذه رتبة علية، ومنزلة رفيعة، ومكانة سامقة يمن الله تعالى بها على محققي التوحيد، فيوم القيامة يدخلهم جنته بلا حساب، وينجيهم من النار، فلا ينالهم عذابها، ولا يمسهم شيء منها، وإنما يدخلون جنة النعيم دخولا أوليا بدون حساب ولا عذاب، وهذه منة عظمية، وعطية جليلة يمن الله -سبحانه وتعالى- على محققي التوحيد.
والمؤمن الموفق عندما يبلغه هذا الأمر ويعي هذه الحقيقة لا شك أن قلبه مهما كان سيتحرك شوقا وطمعا ورغبة في أن يكون من هؤلاء الذين مآلهم يوم القيامة دخول جنة النعيم من دون حساب ولا عذاب.
ولهذا يأتي التساؤل الكبير المهم في لقائنا وهو ما هي الصفات محققي التوحيد؟ ما هي حليتهم؟ ما هي علامتهم؟ يبحث المؤمن الموفق عن صفات هؤلاء، وعن نعوت هؤلاء؛ حتى يتحلى بها، ويتصف بها، ويكون من أهلها، يسأل: من هم المحققون للتوحيد؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي علاماتهم؟ ليتحرك قلبه شوقا في الاتساء بهم، والاقتداء بهم، وهذا الباب المبارك هو في الحقيقة عون للمؤمن أن يعي هذه الحقيقة، وأن يجاهد نفسه في تتميمها وتكميلها.
"مَن حقق التوحيد" "حقق التوحيد" هذه كما قلت درجة عالية في الإتيان بالتوحيد؛ لأن من يأتي أومن يأتون بالتوحيد من أهل ليسوا على درجة واحدة، ليسوا على رتبة واحدة؛ بل هم متفاوتون، وخير أهل التوحيد محققوه، من حققوا التوحيد، فتحقيق التوحيد هذه منزلة زائدة، أو منزلة عالية تزيد على مجرد الإتيان بالتوحيد؛ بل هي إتيان بالتوحيد مع تتميم وتكميل.
وتحقيق التوحد هذه الكلمة تعني الإتيان به على حقيقته وافيا تاما كاملا غير منقوص، وإنما يأتي به تاما كاملا، ومصفى منقى من الشوائب ومن النواقص؛ ولهذا قال أهل العلم في شرح هذا الباب من كتاب التوحيد قالوا: تحقيق التوحيد هو تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي. ولاحظوا هذه الأمور الثلاثة التي لابد من الحذر منها والبعد عنها حتى يبلغ المسلم درجة تحقيق التوحيد: الشرك والبدع والمعاصي هذه الثلاثة يسميها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "الفوائد" يسميها: "العوائق" لماذا؟ لأنها تعوق القلب وتعوق المؤمن في سيره إلى الله والدار الآخرة، عقبات في الطريق، عوائق في الطريق يحتاج أن يحترز منها، وأن يحذر من الوقوع فيها: الشرك والبدعة والمعصية. يقول: وعائق الشرك يزول بتجريد التوحيد لله، وعائق البدعة يزول بتجريد المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعائق المعصية يزول بالبعد على المعاصي وعدم الإصرار عليها والتوبة منها.
فهذا هو تحقيق التوحيد، تحقيق التوحيد بأن يأتي به المؤمن تاما وافيا غير منقوص، لا شائبة فيه توهنه وتضعفه.
وينبغي أن نعلم هنا أن أهل التوحيد في التوحيد على ثلاثة مراتب، جاءت هذه المراتب الثلاثة مبينة في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿32﴾﴾[فاطر: 32] لاحظ معي ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ كم مرتبة؟ ثلاث مراتب: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، السابق بالخيرات والمقتصد هذان كل منهما محقق للتوحيد، وأهل العلم يقولون: إن تحقيق التوحيد على درجتين؛ تحقيق واجب، وتحقيق مستحب، التحقيق المستحب هو الذي إليه الإشارة في قوله في هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ والتحقيق الواجب إليه الإشارة في هذه الآية في قوله: ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ وكل من المقتصد والسابق بالخيرات محقق للتوحيد، لكنهم في تحقيقهم له على رتبتين: المقتصد محقق له التحقيق الواجب، والسابق بالخيرات محقق له إضافة إلى التحقيق الواجب التحقيق المستحب.
ولهذا من النافع للمسلم أن يطالع كلام أهل العلم وأقاويل المفسرين في تفسير هذه الآية حتى يعلم من السابق بالخيرات ومن المقتصد، والمقتصد هو الذي فعل الواجب وترك المحرم، الواجبات التي أوجبها الله عليه يفعلها، والمحرمات التي حرمها الله عليه يتركها، والسابق بالخيرات زاد على ذلك بفعل المستحبات والمنافسة في فعل الخيرات والرغائب، وكل من المقتصد والسابق بالخيرات يدخل الجنة بدون حساب ولا عذاب كما ذكر ذلك أهل العلم.
كل منهما يدخل الجنة بدون حساب ولا عذاب لماذا؟ لأن المقتصد فعل ما يوجب عليه، وترك ما يحرم عليه، فلا يحاسب ولا يعذب، والسابق بالخيرات زاد على هذا القدر بفعل الرغائب والمستحبات.
فإذن هذان المقتصد والسابق بالخيرات كل منهما محقق للتوحيد، لكن تحقيق التوحيد على درجتين: درجة المقتصد وهي فعل الواجب وترك المحرم، ودرجة السابق بالخيرات وهي الزيادة على هذا بفعل الرغائب والمستحبات.
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ الظالم لنفسه ظلم نفسه بماذا؟ ظلمها بماذا بالشرك أو بالمعصية؟ بالمعصية لأنه لو ظلمها بالشرك لكان كافرا، ولم يكن من المصطفين والآية الحديث فيها عن المصطفين لأنه قال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَ﴾ الكافر ليس من المصطفين.
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ أي: بالمعصية، الذي ظلم نفسه بالمعصية أو بأمر دون الكفر ودون الشرك هل يعد من محققي التوحيد الذين لا يحاسبون ولا يعذبون أو لا يعد منهم؟ لا يعد من محققي التوحيد الذين لا يحاسبون ولا يعذبون؛ لأنه عنده ذنوب دون الشرك ودون الكفر يستحق بموجبها عذابا، وإن عُذب فهل يعذب يوم القيامة عذاب الكافر الذي هو التخليد الأبدي أو أنه يعذب على قدر جرمه وعلى قدر ذنبه ليتطهر ويتنقى ثم ينتقل بعد ذلك إلى الجنة؟ ولهذا لو سألتكم الظالم لنفسه هل يدخل الجنة أو لا يدخلها؟ الظالم لنفسه بالمعاصي؟ يدخلها لأن الله -سبحانه وتعالى- قال بعد هذه الآية ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَ﴾ من هم؟ الثلاثة لكن قلنا: السابق بالخيرات والمقتصد دخولا أوليا بدون حساب ولا عذاب، والظالم لنفسه عرضة للحساب والعقاب؛ لأنه نقص من إيمانه ولم يأت بمطل أو محبط لإيمانه.
أعود مرة ثانية وأقول ما ذكر أهل العلم أن تحقيق التوحيد هو تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، ولكي يسلم المسلم من الشرك يخلص العبادة لله، ويبرأ من الشرك ويبتعد عنه، وإذا أراد السلامة من البدعة عليه باتباع السنة، وإذا أراد السلامة من المعاصي يحاذر من الوقوع فيها، وإن وقع في شيء منها بادر إلى التوبة ولم يصر على ذنبه، فإذا كان بهذه الصفة يكون بإذن الله تعالى من محققي التوحيد الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
بدأ المصنف رحمى الله عليه يستدل لهذا الباب فذكرالدليل الأول وهو قول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بين يدي هذه الآية أنقل لكم فائدة لطيفة جدا من كلام المصنف -رحمه الله تعالى- في بعض رسائله يقول المصنف: التوحيد يدل عليه الكتاب والسنة والأئمة والعقل. ما معنى "يدل عليه الأئمة"؟ هذه فائدة مهمة جدا والناس يحتاجون للانتباه إليها، مامعنى "يدل عليه الأئمة"؟ جرت عادة الناس ميلهم إلى أكابرهم ولا سيما من يعرف منهم بعلم، فمن يعرف منهم بعلم جرت عادة الناس مجاراته ومتابعته والسير على منهاجه، انظروا في أقطار الدنيا عوام الناس سوءا كانوا على حق أو على ضلال لهم فيها ماذا؟ لهم فيها إمام، ولو فتشت في عقائدهم أو في أعمالهم أو تصرفاتهم أو أذكارهم تجد من ورائها ماذا؟ إماما، فإن كان إمام خير فهو قدوة ولهم في الخير، وإن كان إمام شر -والعياذ بالله- كان قدوة لهم في الشر، وسيأتي معنا عند المصنف قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) فالشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: من أدلة التوحيد الأئمة؛ لأن النفوس كما قلت تميل إلى متابعتهم، هنا يأتي سؤال: إذا كان من الأدلة الأئمة فمن هم الأئمة؟ اقرأ الآية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هل هناك خير في الإمامة من الأنبياء؟ الله -جل وعلا- قال﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] فإذا كان أراد إماما فإمام الأئمة وقدوة الموحدين إبراهيم الخليل ونبينا -عليه الصلاة والسلام- وأنبياء الله ورسله الكرام، فإذا كانت القضية قضية أئمة فلنتبع من؟ الأنبياء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[الأحزاب: 21] لا يليق بإنسان عاقل أن يترك الائتمام بالمرسلين ويأتم بأناس ضالين.
فإذن من دلائل التوحيد الأئمة، وإذا نظرت في الأئمة الذين هم قدوة فعلا تجد دعوتهم دعوة إلى ماذا؟ إلى التوحيد.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ الله -عز وجل- وصف إبراهيم بأنه أمة مع أنه شخص واحد ووصفه بأنه أمة؛ ولهذا فصاحب الحق لا يستوحش ولو كان وحده على الحق فهو أمة، ولو كان وحده، فالله -جل وعلا- وصف إبراهيم بأنه كان أمة قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ومعنى "أمة" لها معانٍ لكن معناها هنا أي: إماما وقدوة في الخير، فإذا أردت القدوة في الخير والإمامة فعليك بأنبياء الله ورسله -عليهم صلاة الله وسلامه- ولهذا دعانا الله إلىهذا في القرآن قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4] قيل في معنى ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: الأنبياء والذين معه.
إذن هذه الصفة والأولى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي: إمام في الخير ﴿قَانِتً﴾ أي: مداوما على طاعة الله، والقنوت هو المداومة على الطاعة ﴿حَنِيفً﴾ الحنيف هو المائل، مائل عن الشرك، مائل عن الضلال، مائل عن الباطل إلى الحق والهدى فوصف إبراهيم بصفتين: صفة ثبوتية وصفة سلبية، بإثبات ونفي الإثبات في قوله: ﴿قَانِتً﴾ مداوما على طاعة الله، والنفي في قوله: ﴿حَنِيفً﴾ مائلا مبتعدا عن الشرك وعن الضلال وعن البعد، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وإبراهيم من محققي التوحيد؛ بل من أئمة محققي التوحيد، فإذن هذ الصفات المذكورة في الآية هي صفات محققي التوحيد، أن يكون الإنسان إماما في الخير، بعيدا عن سفساف الأمور ورديئها، وأيضا قانتا ومداوما على طاعة الله وحنيفا مائلا عن المعاصي وعن الذنوب وعن ما يسخط الله وعن الشرك ويأتي في مقدمة ما يكون الإنسان حنيفاعنه ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ البعد عن الشرك كله دقيقه وجليه فهذه الصفات أربع ذكرها الله -عز وجل- لنبيه وخليله إبراهيم الخليل -عليه السلام- والشاهد منها للترجمة ظاهر كما تقدم.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴿59﴾﴾ [المؤمنون: 59]
وهذه الآية الثانية التي أوردها الإمام -رحمه الله تعالى- ويسبقها -وهي في سورة المؤمنون- قولُه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ﴿57﴾وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿58﴾ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴿59﴾وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿60﴾أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: 57: 61] لاحظ هذه الصفات في هذه الآيات الأربعة:
أولا: وقد جاء الترتيب فيها بديعا بحسب حالها أولا: أول ما يكون في الإنسان الخوف والشفقة من خشية الله، فإذا وجد فيه خوف جاءه الإيمان ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ فإذا وجد الإيمان تبعه بُعد الإنسان ومحاذرته مما يخل به ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ فإذا وجدت هذه الثلاثة يتبعها حفظ الإنسان لها بسؤال الله القبول ورجاء القبول ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: يقدمون ما يقدمون من طاعات وعبادات وقلوبهم خائفة ومشفقة من أن لا يقبل منهم، وبهذا جاء تفسير الآية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند وغيره في قصة سؤال عائشة للنبي -صلى الله عليه وسلم- عن معنى الآية.
الآية هنا فيها ذكر صفة عظيمة لمحققي التوحيد وهي التي اقتصر المصنف على إيرادها لمناسبتها للترجمة وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ فمن صفات محققي التوحيد بل من أبرزها وأجلها وأساسها البعد عن الشرك كله دقيقه وجليله صغيره وكبيره ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ في بعدهم عن الشرك كله.
ومناسبة الآية للترجمة واضحة لأن تحقيق التوحيد لا يكون إلا بالبعد عن الشرك كله، فإذا وقع في شرك أكبر انهدم الإيمان كله، وإذا وقع في شرك أصغر انتقص توحيده بحسب ما وقع فيه.
﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ الشاهد من الآية أن من صفات محققي التوحيد بل أعظمها وأساسها البعد عن الشرك.
لما انتهى المصنف من الآيتين شرع في ذكر الدليل من السنة:
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وماحدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصين أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل: لي هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة) )
هذ الحديث الكلام فيه واسع جدا ربما نقتصر على بعض جوانبه:
هذا الأثر أولًا أوَد أن نستفيد منه جميعا فائدة عظيمة جليلة ننظر فيها إلى حياة التابعين وطلاب العلم وأهل الفضل كيف كانوا يتحاورون، وكيف كانوا يتحدثون، وكيف كانوا يتجاذبون أطراف الحديث؟
سآخذ معكم هذا الحديث بشيء من البساطة حتى ننظر الحياة الجميلة الحلوة التي كان يعيشها هؤلاء في مجالسهم، وقبل الدخول في تفاصيل هذا الحديث أو هذا الأثر أريد أن تتخيلوا الآن أن أحد الأشخاص لدغته عقرب، ثم اجتمع به في مجلس، الغالب في حديث الناس خاصة العوام عن ماذا؟ والأسئلة التي تدور في المجلس عن ماذا؟
عن الحادثة نفسه
عن الحادثة نفسها، أحيانا يقولون مثلا: ما لون العقرب؟ وأحيانا يقولون: ما حجم العقرب؟ وأحدهم يقول: من أين طلعت؟ وكيف جاءت؟ يدخلون في تفاصيل وأسئلة عن المعتدي المجرم ولا يسألون عن المريض نفسه، ينشغلون عنه، وهذا حديث العوام لا فائدة فيه، ولكن انظروا الحوار الجميل الرائع المشرق الذي يصور لكم الحالة البهية التي كان عليه السلف في مجالسهم.
تبدأ قصة هذا الحوار أن كوكبا انقضى، والكواكب التي تنقضى هي التي جعلت رجوما للشياطين، وسيأتي معنا أن النجوم خلقت لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوما للشياطين. فالكوكب الذي ينقضى يعتبر آية عظيمة من آيات الله تشد من رآها، فيقول حصين راوي هذا الأثر: (كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟) و"البارحة" هذه كلمة تقولها العرب لليلة الفائتة، أقرب ليلة لك ولكن بعد الزوال، يعني: قبل الزوال يقولون: الليلة، فإذا زالت الشمس، ما بعد زوال الشمس يقولون: عنها الليلة البارحة، لكن في الضحى يقولون: الليلة، لو كانت في الضحى يقولون: أيكم الذي رأى الكوكب الذي انقض الليلة؟ لكن بعد الزوال يقولون: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟
فقال: أيكم الذي رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ الكوكب انقض بالليل، وحصين قال: أنا رأيته، وفي وقتهم من يكون مستيقظا في الليل الأصل فيه ماذا؟ حتى نعرف الفرق بينهم وبين واقعها الذي يكون مستيقظا بالليل ما الذي يتبادر إلى أذهان الناس في ذلك الوقت؟ أنهم يصلون، لكن الآن المستيقظ بالليل يتبادر لذهنك عنه أمورا كثيرة جدا وربما آخر ما يتبادر لذهنك هو الصلاة، بينما في وقتهم كان الذي يتبادر الصلاة.
نحن الآن في واقعنا مع الحضارة والإضاءة والأنوار أصبح الليل شبيها بالنهار حتى الآن الكواكب والنجوم التي كانت العرب تعرفها وتعرف أسماءها وتعرف مواضعها وتعرف كيف تهتدي بها في الطريق وتعرف بها القبلة ما نعرفها، حتى الهداية للطريق ما نهتدي للطريق إلا باللوحات الإرشادية: يمين يسار، هذا الذي نعرفه، وإذا ضاعت عنا اللوحة الإرشادية ضعنا!!! بينما الأول ينظر إلى السماء وإلى النجوم ويقول: الطريق من هنا في الليل، أو يقول: القبلة من هنا، فيعرفون ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16﴾﴾ [النحل: 16] لكن نحن الآن إن نظرنا إلى النجوم نقول: أشياء جميلة، هذا حدنا منها، لكن معرفة طريق، معرفة قبلة، عبرة، وهذا ضعيف فينا جدا، وهذا من آثار الحضارة.
قلت: إنه في وقتهم لا يتبادر إلى الذهبن إلا الصلاة، عمران بن حصين قال: أنا -يعني: رأيت الكوكب- أما إني لم أكن في صلاة. لماذا قال: أما إني لم أكن في صلاة. لماذا قال هذه الكلمة؟ حتى لا يتبادر ذلك للأذهان؛ لأنه أصلا أول ما يتبادر للأذهان أنه في صلاة، وأيضا حتى لا يحمد بما لم يفعل، قال: أما إني لم أكن في صلاة.
يأتي السؤال يطرح نفسه كما يقولون ويتحرى الجواب عنه: مستيقظ في هذا الوقت ولست في صلاة ماذا تفعل؟ هناك في ذاك الوقت هذا السؤال يطرح نفسه، لكن في وقتنا الأجوبة كثيرة، قال: أما إني لم أكن في صلاة. وأجاب عن السؤال الذي يطرح نفسه قال: ولكني لدغت. كنت لديغا، يعني: لدغتني عقرب، وجالس في تلك الساعة يتألم من سم العقرب، ولكني لدغت، الآن تأتي الأسئلة التي ستنم عن خير، وعن طلب فائدة، وعن تواصل علمي نافع، ما صنعت؟ لاحظ ما صنعت؟ هذا ينم عن سؤال عاطفي جميل يتعلق بالحادثة التي حصلت، لم يقل: ما العقرب؟ وما لون العقرب؟ وكيف؟ ولكن السؤال: ما صنعت؟ هذا هو السؤال المناسب ما صنعت؟ قال: ارتقيت، ما معنى "ارتقيت"؟ يعني طلب الرقية، أخذ يقرأ على هذا السم الذي أصاب جسمه بسبب اللدغة يقرأ عليه، والقرآن نافع جدا في هذا والسنة دلت على ذلك، فهوعمل بالسنة وأخذ يرتقي، والرقية لها أثر نافع بالكتاب، والأدعية المذكورة لها أثر نافع جدا في هذا الباب، قال له سعيد: ما حملك على ذلك؟ ما مقصود سعيد بقوله: ما حملك على ذلك؟ أريد أن أسمع منكم؟
كيف اهتديت للرقية
كيف اهتديت للرقية؟ ما مستندك؟ أنت تريد الآن أن تفعل شيئا لابد أن يكون لك مستند شرعي، لا تفعل هكذا بدون مستند، لا ما هو مستندك الشرعي؟ ما حملك على ذلك؟ أي: ما المستند الشرعي لك على ذلك؟ فماذا قال؟ ما هو مستنده؟
قلت حدثنا عن بريدة بن الحصين أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمى
لا، هو قال : حديث حدثناه الشعبي، أنا مستندي في ذلك حديث حدثناه الشعبي، لاحظ ارتباط القوم بماذا؟ بالسنة والأدلة، "حديث حدثناه"، لكن الآن الناس لو تسألهم عن أفعال كثيرة يفعلونها: ما مستندك؟ ما تجده مرتبطا بالسنة أما هؤلاء فمرتبطون بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الكاملة، لدغته عقرب ارتقى، قال له ما: حملك على ذلك؟ قال: السنة، حديث حدثناه، ماذا حدثكم؟ فساق له بالإسناد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) والمراد بقوله: (لا رقية) أي: أجدى وأنفع.
(إلا من عين أو حمى) هذا فيه مشروعية وجواز الرقية من العين والرقية من الحمى، والعين تعرفونها، أن يصاب الإنسان بماذا؟ بعين، ينظر إليه نظرة شريرة، نظرة مؤذية فيصيبه بعينه، فهذه تنفع فيها الرقية نفعا عظيما، والحمى هي الموضوع الذي حصل لحصين، الحمى هي السم الذي يكون بسبب اللدغة، لدغة ذوات السموم.
فإذن حصين فعل الأمر وعنده الدليل عليه، وذكر الدليل وساق الدليل بسنده، ماذا قال له سعيد؟ قال له: "قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع". هذه والله هذه كلمة جميلة، لابد أن ننتبه لها "قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" الآن سعيد أيده أم عارضه؟ أيده، يقول: أحسنت، يقول: أحسن من انتهيى إلى ما قد سمع، يعني: أنت سمعت شيئا من السنة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فانتهيت إليه، يعني: فعلته وعملته، وإذن من هو المحسن؟ الذي علم السنة وعمل بها هذا المحسن، وهذا واضح "أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" يعني: سمع السنة وعمل بها هذا هو المحسن.
طيب إذا كان هذا هو المحسن فمن المسيء؟ المسيء شخصان: شخص لم يتعلم السنة أصلا ولا اهتم بها ولا اعتنى بدراستها هذا مسيء، وآخر أيضا هو مسيء علم بالسنة ولم يعمل بها هذا أيضا مسيء، ومن المحسن؟ من انتهى إلى ما قد سمع، يعني: سمع وعمل، سعيد بن جبير لما ايده على صنيعه ذكر له أمرا آخر في الباب قال: ولكن حدثنا ابن عباس ..... وذكر هذا السياق الطويل الذي فيه الشاهد للترجمة.
هو نفسه الذي لدغ؟
لا، الآن الذي لدغ حصين، وسعيد بن جبير هو الذي يحاوره، والمجلس مجلس سعيد بن جبير.
الذي ذكر الحديث هذا ابن عباس؟
حديث ابن عباس ذكره سعيد امتدادا للموضوع، الآن حصين لدغ واستدل بحديث بريدة، وقال له سعيد بن جبير: أحسنت أنت فعلت الأمر بالدليل، لكن -يقول سعيد- ولكن حدثنا ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- فالآن سيروي شيئا لا يعارض ما سبق، وإنما يروي شيئا فيه رتبة عالية ودرجة، رفيعة درجة محققي التوحيد -فقال حدثنا ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عرضت علي الأمم) وهذا العرض قيل: إنه في المنام كما أشار إلى ذلك الحافظ في فتح الباري وغيره من أهل العلم (عرضت علي الأمم فرأت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) سبحان الله، يأتي نبي يوم القيامة ولم يتبعه أحد اتبعه!!! ومعلوم أن الأنبياء وفوا في البلاغ أو لا ؟ وفوا في البلاغ، لكن يأتي بعض الأنبياء ما اتبعه أحد، ويأتي بعضهم اتبعه رجل واتبعه رجلان؛ ولهذا على الإنسان ألا يأسى وألا ييأس إذا عملت عملا دعويا صحيحا موافقا للسنة حتى ولو لم يتبعك أحد لا ضير عليك، لكن عليك أن تسير على المنهاج الصحيح في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108] (ثم رفع إليّ سواد عظيم فقلت: هؤلاء قومي؟ فقيل هذا موسى وقومه، ثم رفع إلى سواد فقيل: هؤلاء قومك وفيهم سبعون ألف يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب).
نكمل الحديث: (ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك)
الآن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما ذكر للصحابة أن سبعين ألف يدخلون الجنة بدون حساب، سبعين ألف يدخلون الجنة من أمته بدون حساب ولا عذاب، يعني: دخولا أوليا لا يدخلون النار وإنما إلى الجنة مباشرة، سبعين ألف، وقد جاء في رواية جود إسنادها الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم أنه -عليه الصلاة والسلام- استزاد الله، يعني: طلب منه الزيادة، فزاده مع كل ألف سبعين ألف. إذا أردت أن تعرف عددهم ماذا تفعل؟ تضرب مع كل ألف سبعين ألف، هي كم ألف الآن؟ فإذن تضرب سبعين في سبعين ألف، فهذا عدد من يدخل نسأل الله الكريم من فضله.
فالصحابة -رضي الله تعالى عنهم- لما سمعوا هذا الأمر ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة خاضوا فيهم، الخوض هنا سيكون طبيعته ماذا؟
الحوار
لكن متجه إلى ماذا؟
إلى طلب الله أن يكون: مَن السبعين ألف
من هم هؤلاء؟ ما صفتهم؟ هذا الاتجاه الآن سبعين ألف يدخلون الجنة بدون حساب من هم؟ ما صفاتهم؟ فالصحابة خاضوا فيهم يحاولون معرفة الصفات، انظر ماذا قال الصحابة، بعضهم قالوا: لعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعضهم قالوا: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام.
هذه الإجابات التي جاءت منهم والتوقعات انبنت على شيء مهم يدل على فقه الصحابة ما هو؟
انتبهوا للسؤال مرة ثانية إجاباتهم بعضهم قال: لعلهم الذين صحبوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- بعضهم قال: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام. هذه الإجابات تدل على فقه هؤلاء في توقعاتهم وإجاباتهم اتجهوا إلى ذكر أعمال وخصال خير نال بها هؤلاء هذه الدرجة العالية، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- أي: نالوا ذلك الفضل بسبب الصحبة وهي عمل صالح، والآخرون قالوا: لعلهم ولدوا في الإسلام، النشأة من أول الأمر على طاعة الله هذا عمل صالح، فإذن كل أجوبتهم اتجهت إلى الأعمال وأخذوا يبحثون عن أكبر الأعمال، فخاضوا فيها فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر لهم صفات هؤلاء قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) كم صفة ذكرناها؟ أربع صفات ذكرها -عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الذين يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).
إذن عندن الآن هذا الحديث وهذا الأثر بطوله الشاهد منه ماذا؟ هنا هذا هو الشاهد أن من صفات محققي التوحيد هذه الصفات الأربعة المذكورة في الحديث: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) (لا يسترقون) أي: الرقية المعروفة، والسين للطلب، أي: لا يطلبون من يرقيهم، ما يبحث عمن يرقيه، إذا مرض أو مرض قريب له لا يبحث عمن يرقيه لماذا؟ لأن في الاسترقاء الطلب، سيكون هناك شيء من ميل القلب للشخص الراقي، فهم من تمام توكلهم لا يسترقون، وهنا ليس فيه أنه لا يرقي نفسه نبينا -عليه الصلاة والسلام- إمام المتوكلين رقى نفسه، وأيضا ليس فيه منع من يرقيه بدون طلب مثل لو أن إنسانا كان مريضا وزاره أحد من أهل الفضل وبدأ يرقيه هل يمنعه حتى يكون من السبعين أو لا يمنعه؟ ما يمنعه لأنه ما حصل منه طلب، فالحديث فيمن طلب (يسترقون) أي: يطلبون من يرقيهم والسبب أن القلب يكون فيه شيء من الميل.
(ولا يكتوون) أيضا لا يطلب من يكويه، والكي فيه شيء من الأذى والتعذيب، لكن فيه فائدة كما جاء في الحديث.
(ولا يكتوون ولا يتطيرون) والتطير هو التشاؤم، وسيأتي عند المصنف باب مستقل عن التطير.
(وعلى ربهم يتوكلون) وهي الصفة الجامعة لكل ما سبق كل ذلك بسبب تمام توكلهم على الله -سبحانه وتعالى- لما انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من وصفهم بادر الصحابي الجليل عكاشة بن محصن -رضي الله تعالى عنه- وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم. وهذا أيضا فيه علم من علامات النبوة، فجاء آخر وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة حتى لا يستمر الأمر.
فهذا الحديث عظيم، وكما أسلفت يصور لنا الحالة الجميلة والحوارات الرائعة المبنية على أصول وعلى أدب وعلى حسن الخلق وعلى ارتباط بالدليل، والشاهد من الحديث واضح، ولعلنا نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
بالنسبة لأجوبة الحلقة الماضية: يقول: بالنسبة لإجابة السؤال الأول قال الناظم: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما يحبه
لا، هذا ذكرناه في الحلقة الماضية، في اللقاء السابق المطلوب هو بيت واحد فقط، أما هذا فذكرناه في الدرس الماضي، وهو ضمن أبيات للشيخ حافظ حكمي يعدد فيها لكن المطلوب هو بيت واحد.
يقول البيت هو:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
هذه السبعة اجتمعت في بيت واحد وهي شروط لا إله إلا الله:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
ذكروا الأدلة؟
نعم الأخ ذكر إجابة مرتبة لعلها تكون إجابته شافية يقول: العلم قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: 19] ذكر الشروط بالأدلة
ثانيا: اليقين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُو﴾ [الحجرات: 15] .
لم يرتابوا أي أيقنوا ولم يشكوا.
ثالثا: الصدق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. رابعا: الإخلاص قوله تعالى ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر : 14].
خامسا: القبول ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
سادسا: الانقياد قوله تعالى﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفً﴾ [النساء: 125].
سابعا: المحبة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: 165].
إجابة ممتازة شكر الله له.
سؤال حول قوله عند قول الرجل عندما قال: ارتقيت معنى هذا أنه رقى نفسه ألا يعارض هذا قول سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: (ولا يسترقون) فيدل قوله: (ولا يسترقون) أن هذا الرجل ارتقى، أي: طلب الرقية لأنه لو كان المقصود ارتقيت أي رقى نفسه فلا إشكال فيه ما قول الشيخ في هذه المسألة؟
السؤال واضح سعيد بن جبير لما سمع الجواب، أو سمع قول حصين ومستنده وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا رقية إلا من عين أو حمى) مستشهدا بها على صنيعه وفعله قال له: "أحسنت أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" فهو عمل بموجب الدليل، واستنادا إلى الدليل "ارتقى" مستندا إلى هذا الدليل الذي ذكر إسناده فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسعيد أيده على صنيعه، وليس هناك معارضة ولو كان هناك معارضة لم يكن من سعيد تأييد له، وإنما يقول له هذا معارض لكذا، لكنه قال له: "أحسنت" أو "أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" ثم ساق له الدليل الآخر، وهو يدل على مرتبة عالية في تحقيق التوحيد وتكميله وهو عدم الاسترقاء.
هل ورد في لفظ عن مسلم: (لا يرقون ولا يسترقون)؟ وكيف تخرج هذه اللفظة: (لا يرقون)؟
هذه اللفظة نعم وردت في مسلم، وأهل العلم تكلموا عليها ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بعض مؤلفاته ذكر أن هذه اللفظة منكرة وأن الصحيح الثابت: (لا يسترقون) أما: (لا يرقون) فالراقي متفضل ومحسن، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) والنبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن إلى غير واحد بالرقية، وكان يرقي المرضى، وإذا أتى عند مريض رقاه، فالراقي محسن، و(لا يرقون) هذه اللفظة غير صحيحة والصحيح (لا يسترقون) وهذا نبه عليه جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
هذا الدرس فيه الكلام عن تحقيق التوحيد، فأرغب من الإخوة فيما يتعلق بتحقيق التوحيد وما ذكر أهل العلم أن تحقيق التوحيد هو تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع المعاصي -أرغب من الإخوة أن ينقلوا لنا كلام ابن القيم في كتابه "الفوائد" في ذكره لهذه الأمور الثلاثة ووصفها بالعوائق، وابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "الفوائد" تحدث عن هذه الثلاث في موضعين من الكتاب: موضع تحت هذا العنوان "العوائق" وموضع جاء ضمنا فأنا أرغب من الإخوة أن يستعرضوا كتاب "الفوائد" وأن يستخرجوا منه هذين الموضعين في كلامه عن العوائق الثلاث الشرك والبدعة والمعصية؟
السؤال الثاني: أن يرجعوا إلى تفسير الآية ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ عند ابن كثير وأن ينقلوا لنا كلام أهل العلم في معنى هذه الآية؟
نسأل الله -جل وعلا- أن يبارك وأن يجعل هذا في ميزان حسنات الجميع إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه أجمعين.