مشاهدة النسخة كاملة : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر
nary_jon
03-18-2008, 03:08 PM
http://www.ansaaar.com/up/uploads/cc6a355c99.jpg
http://www.ansaaar.com/up/uploads/7d6689dd2d.gif
مشاهدينا الكرام في هذا الدرس المبارك يسعدنا ويشرفنا أن يكون ضيفنا هو الأستاذ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر عضو هيئة التدريس بقسم العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، في مطلع هذا اللقاء المبارك نرحب بشيخنا أجمل ترحيب، فأهلا وسهلا بكم فضيلة الشيخ
وأنا أرحب بكم جميعًا وبجميع الإخوة.
أيها المشاهدون والمشاهدات، شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الرزاق سنتناول معه -بإذن الله تعالى- شرح كتاب التوحيد، في هذا الدرس المبارك سيكون درسنا مدخلا إلى دراسة التوحيد، نرحب مجددا بشيخنا الكريم، ونرحب أيضًا بالإخوة الذين حضروا معنا هنا في الأستديو، ونرحب كذلك بالإخوة الدارسين والدارسات في موقع الأكاديمية الإسلامية المفتوحة، ونترك المجال لشيخنا الكريم، فتفضل يا شيخنا مشكورا مأجورً
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد.
بادء ذي بدء أحيي الجميع بتحية الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكتب لنا في هذا اللقاء النفع والخير والفائدة، وأن يرزقنا تحقيق التوحيد وحسن فهمه وحسن العمل به على الوجه الذي يرضيه عنا -تبارك وتعالى-.
وكما ذكر أخونا المقدم حفظه الله سنبدأ بدراسة هذا الكتاب العظيم "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ولعل من المناسب بين يدي دراستنا لهذا الكتاب العظيم؛ بل بين دراستنا لعلم التوحيد الذي هو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها على الإطلاق -أن أبدأ بمدخل لدراسة علم التوحيد يتضمن مقدمات مهمة ومقدمات ضرورية يحتاج إليها طالب العلم بين يدي دراسة علم التوحيد، وهذه المقدمات متعددة وسنأتي عليها، أو على ما تيسر منها في لقائنا هذا.
فنبدأ أولًا بالمقدمة الأولى عن أهمية دراسة التوحيد.
ولا شك -أيها الإخوة- أن معرفة أهمية الشيء بين يدي دراسته من أهم ما يكون؛ لأن هذا يعتبر ويعد داعما للدارس والمتفقه والمتعلم إلى مزيد الاهتمام ومزيد العناية بهذا العلم الذي هو بصدد دراسة.
وعلم التوحيد، هذا العلم الذي المبارك الشريف العظيم -هو أجل العلوم على الإطلاق، وأفضلها على الإطلاق، فليس في العلوم علم أجل من هذا العلم المبارك، علم التوحيد؛ ذلك أن التوحيد هو أجل الغايات، وأعظم المطالب، وأنبل الأهداف، وليس في الغايات كلها ولا في المطالب جميعها ولا الغايات كلها شيء أجل من توحيد الله -سبحانه وتعالى- والله -جل وعلا- إنما أوجدنا وخلقنا لتوحيده كما قال -سبحانه وتعالى- ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾﴾ [الذاريات: 56] وأرسل الرسل لتوحيده، وأنزل الكتب لتوحيده، فالتوحيد هو الغاية لخلق الناس وإيجاد المخلوقات.
وإذا كان أمر التوحيد كذلك فإن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون اهتمامه بالتوحيد مقدما على اهتمامه بأي أمر آخر، وأن تكون عنايته بالتوحيد مقدمة على العناية بأي أمر آخر، وكيف لا يكون اهتمامنا به مقدما على كل أمر ونحن إنما خلقنا لأجله وأوجدنا لتحقيقه؟
وسيأتي معنا عند المصنف -رحمه الله- باب خاص بفضائل التوحيد وآثاره العظيمة الدالة على أهميته العظيمة ومكانته الرفيعة.
والتوحيد هو أجل المطالب على الإطلاق وأفضلها، وليس في المطالب مطلب أجل منه، وسيأتي معنا في فقرة خاصة ومقدمة أخرى ذكر شيء من فضائل التوحيد الدالة على أهميته وعظم شأنه.
وأما التوحيد -معاشر الإخوة الكرام- وهذه هي المقدمة الثانية أما التوحيد فحقيقته إفراد الله -سبحانه وتعالى- بخصائصه، حقيقته إفراد الله بخصائصه. وهذه الكلمة كلمة عربية، وواضحة المعنى، جميلة المبنى، جليلة الدلالة؛ بل هي دالة على أعظم المقاصد وأجل الغايات، يقال: وحد يوحد توحيدا، والتوحيد هو الإفراد، التوحيد هو الإفراد، وتوحيد الله -سبحانه وتعالى- هو إفراده، إفراده بخصائصه سبحانه، خصائصه -جل وعلا- في ربوبيته، وخصائصه -جل وعلا- في أسمائه وصفاته، وخصائصه -جل وعلا- في ألوهيته.
ودين الإسلام سمي توحيدا لأن مبناه على الإيمان بوحدانية الله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته؛ ولأجل هذا قال أهل العلم أخذا من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- واستقراءً لأدلة الكتاب والسنة -قال أهل العلم: أن التوحيد الذي خلقنا لأجله وأوجدنا لتحقيقة ينقسم إلى أقسام ثلاثة، أو هو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية فهذه أقسام التوحيد الثلاثة، ولا يكون العبد مؤمنا بالله، ولا موحدًا له -سبحانه وتعالى- إلا إذا وحده في ربوبيته -جل وعلا- وفي أسمائه وصفاته وفي ألوهيته.
وتوحيد الله في ربوبيته -وهو النوع الأول من أنواع التوحيد-
هو الإيمان بوحدانية الله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته، أو الإيمان بوحدانية الله -سبحانه وتعالى- بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماته والتصرف والتدبير وغير ذلك من معاني الربوبية.
وتوحيد الله في هذه الأمور أن نؤمن بها، وأن نثبتها لله -سبحانه وتعالى- وأن نقر بها، وأن نجعلها أو نجعل إيماننا بها إيمانا خاصًا بالرب العظيم، فلا يضاف شيء منها لغيره، ولا يسند شيء منها لسواه، وإنما هي خصائص لله -سبحانه وتعالى- تفرد بها، تفرد وحده بالخلق، وتفرد وحده بالرزق، وتفرد وحده بالإحياء، وتفرد وحده بالتدبير لا شريك له -سبحانه وتعالى- في شيء من ذلك.
ولنلاحظ هنا أن توحيدنا لله في الربوبية أو في بقية أنواع التوحيد لابد فيه من إثبات ونفي، إثبات الأمر الموحد الله -جل وعلا- به له سبحانه ونفيه عمن سواه، فلا توحيد إلا بالأمرين معًا.
فإذن توحيدنا لله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته أن نثبت له خصائص الربوبية وأن ننفيها عمن سواه، فهو الخالق لا خالق سواه، الرازق لا رازق سواه، المدبر لا مدبر سواه، لا نكون مؤمنين بهذا التوحيد إلا بالإثبات والنفي، إثبات خصائص الله -جل وعلا- له ونفيها عمن سواه، هذا توحيد الربوبية.
وتوحيد الأسماء والصفات هو إيماننا بأسماء الله -سبحانه وتعالى-
وصفاته الثابتة له في كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- نثبتها له -جل وعلا- إثباتا خاصًا به لائقا بجلاله وكماله مع التنزيه له -سبحانه وتعالى- عن مماثلة المخلوقات كما قال -عز وجل- ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11] وسيأتي إن شاء الله وبتوفيق منه -سبحانه وتعالى- بيان مفصل بعض الشيء لما يتعلق بذلك عند وروده عند مصنف الكتاب الذي نحن بدراسته.
أما توحيد الألوهية
وهو النوع الثالث:
فهو أعظم أنواع التوحيد وأجلها، أما النوع الثالث من أنواع التوحيد فهو توحيد الألوهية وهو متضمن لأنواع التوحيد التي مرت معنا، وتوحيد الله في ألوهيته أن نخلص العبادة له وأن نفرده -سبحانه وتعالى- وحده بالطاعة، وأن نعبده ولا نعبد أحدًا سواه، وتوحيد الألوهية هو تحقيق كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" لأن هذه الكلمة تعني إفراد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة ونفيها عمن سواه "لا إله إلا الله" كما مر معنى قبل قليل لابد في التوحيد من إثبات ونفي، لا يكفي في التوحيد الإثبات وحده، ولا يكفي في التوحيد النفي وحده، ولنتأمل هذا وسيأتي له مزيد تفصيل.
يسمى توحيد ماذا يا شيخ؟ يسمى توحيد العبادة؟
يسمى توحيد العبادة، ويسمى توحيد الألوهية، ويسمى توحيد الإرادة والطلب، ويسمى توحيد القصد، ويسمى التوحيد العملي، فهذه أسماء متعددة لهذا التوحيد باعتبار الأوساط المتعلقة به، فهو يسمى توحيد العبادة لأن هذا التوحيد هو إفراد لله -سبحانه وتعالى- بالعبادة ونفي لها عمن سواه، ويسمى توحيد الألوهية والإلهية لأنه مبني على التأله وهو التعبد، يقال: أله يأله إلهة وتألهًا، أي: تعبد، ومنه قول الشاعر:
لله در الغانيات المدهي *** سبحن واسترجعن من تألهي
أي: من تعبدي لله.
فإذن هذا توحيد الألوهية. ويقال له أيضًا توحيد العبادة، ويقال له توحيد القصد، ويقال له توحيد الإرادة، ويقال له التوحيد العملي.
ونلاحظ هنا هذا التوحيد يقال له التوحيد العملي، بينما النوعين السابقين يقال لهما التوحيد العلمي؛ ولأجل هذا يقول أهل العلم التوحيد ينقسم إلى قسمين:
توحيد علمي، وتوحيد عملي.
التوحيد العلمي يدخل تحته نوعا التوحيد: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات؛ لأن المطلوبة في كل منهما هو العلم.
والتوحيد العملي يشمل توحيد الألوهية؛ لأن المطلوب فيه العمل الذي هو إفراد الله -سبحانه وتعالى- وحده بالعبادة.
فهذا بشكل مختصر وموجز لهذه المقدمة التي تتعلق بحقيقة التوحيد.
نأتي الآن إلى المقدمة الثالثة، وأأكد على أهميتها قبل الحديث عنها، وهي واجبنا نحو التوحيد
ما الذي يجب علينا نحو التوحيد؟ إذا عرفنا أن التوحيد هو أعظم الأمور وأجلها وأهم المطالب وأعظمها إذا عرفنا ذلك ما الواجب علينا نحوه؟
أطرح هذا التساؤل على كل واحد يستمع إلى هذا اللقاء ويشارك معنا في هذا الموضوع المهم، التوحيد ما الواجب علينا نحوه؟ هذا سؤال مهم وعظيم للغاية ما واجبنا نحو التوحيد؟
نحن عرفنا -معاشر الإخوة الكرام- أن التوحيد أهم مطلب وأجل غاية فما الذي يجب علينا نحوه، ما هي الأمور التي يجب علينا نحوه؟
هذا السؤال عظيم وكبير ومهم جدًا، وأقول جوابًا على هذا السؤال أن الواجب علينا نحو هذا التوحيد الذي خلقنا لأجله؛ بل الواجب علينا نحو كل أمر أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به -سبعة أمور، وآمل من الجميع أن يضبطوها واحدًا واحدًا، وسأتحدث عنها بلا إطالة تداركا أو كسبا للوقت.
أولًا: الواجب الأول:
أن نتعلمه، أي أمر أمرنا الله به وأعظم الأوامر هو توحيد الله، أمرنا الله بالتوحيد، وأمرنا بالصلاة، وأمرنا بالصيام، أمرنا بالزكاة، أمرنا ببر الوالدين إلى غير ذلك من الأوامر، أول واجب علينا نحوه أن نتعلمه، وهذه هي البداية ويُبدأ بالعلم والتعلم قبل كل شيء كما قال الله –تعالى- : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ [محمد: 19] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وقد كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه: (كان كل يوم يقول بعد صلاة الصبح: اللهم إني أسألك علمًا نافعا، ورزقا طيبًا، وعملا متقبل) هذه دعوة كان يدعو بها نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- كل يوم.
وهذه الدعوة -لو تأملت- هي في الحقيقة إضافة إلى كونها دعوة واستعانة بالله -هي في الحقيقة تحديد لأهداف المسلم في يومه، تحديد لأهداف المسلم في يومه، أنا تأملت في هذا الأمر، ونظرت في هذا الحديث لما تتأمل تجد أن المسلم ليس له في يومه إلا هذه الثلاثة أهداف لا يخرج عنها، أبدًا أهداف المسلم في يومه هي هذه الأهداف الثلاثة، أنا أسألكم الآن هل يحضركم هدف ثالث للمسلم في يومه خارج عن هذه الثلاثة؟
فهذه الأهداف الثلاثة هي أهداف المسلم في يومه، العلم النافع، الرزق الطيب، العمل الصالح وكان -عليه الصلاة والسلام- يوميا إذا صلى الصبح بعد أن يسلم -كما تقول أم سلمة- يدعو بهذه الدعوة، بماذا بدأ؟ بالعلم، وهذا يدلنا على أن أولى أولويات المسلم وفي مقدمة اهتمامه في يومه؛ بل في كل أيامه البدء بالعلم.
العلم قبل العمل، وقبل القول، وقبل الكسب؛ لأنه لا يمكن أن تأتي بالعمل الصالح ولا بالقول السديد ولا بالكسب الطيب إلا إذا كان عندك علم، إذا لم يكن عندك علم لا تستطيع أن تميز بين عمل صالح وغير صالح، ولا بين قول سديد وغير سديد، ولا بين رزق طيب أو رزق خبيث، فالعلم هو الذي يميز للإنسان الخبيث من الطيب، والحق من الضلال والباطل.
إذن أول ما نبدأ فأول واجب علينا نحو التوحيد أو نتعلمه، وهذا أمر الله لنا في القرآن: قال: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾ [محمد: 19] هذا أمر بتعلم التوحيد ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾ [محمد: 19] وإذا نظرت إلى واقع كثير من الناس تجد أنهم في غفلة عن تعلم التوحيد، في غفلة عن تعلم التوحيد وعن الاهتمام به والعناية به، ربما أن بعض الناس يهتم بأمر من الأمور يتعلمه ويتفقه فيه ويبرع فيه، ويشار إليه فيه بالبنان ولم يعطِ التوحيد من لحظاته ولا قليلا من أجل أن يتعلمه!! هذه مصيبة؛ لأن الله -عز وجل- خلقك لهذا التوحيد، ثم تبرع في أمورٍ وأنت غافل عن التوحيد الذي خلقك الله لأجله لا تتعلمه ولا تسأل عنه، ولا تبحث عنه ولا تتفقه فيه!! فهذه مصيبة عظيمة.
إذن أول واجب نحو التوحيد أن نتعلمه كما أمرنا الله -سبحانه وتعالى- فقال: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾ [محمد: 19] هذا الواجب الأول، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو في الحقيقة خدمة لكل مسلم، وتيسير لكل مسلم، وإعانة لكل مسلم أن يتعلم التوحيد واضحًا بينًا، مدعمًا بالأدلة والشواهد من كتاب الله وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- ولعل هذا أيضًا يتضمن دعوة للمواصلة والاهتمام في الدراسة والتعلم والعناية بهذا العلم المبارك، وألا يستمر الإنسان في غفلة إلى أن يدهمه الموت، وينتقل من هذه الحياة وقد خرج -والعياذ بالله- خرج من الحياة ولم يعرف أغلى شيء فيها، يكون خرج من الحياة، ودع هذه الحياة الدنيا وأغلى شيء في هذه الحياة هو توحيد الله ما تعلمه، وهذه أكبر المصائب، أكبر المصائب أن يودع الإنسان الحياة الدنيا، ويغادر هذه الحياة، وأغلى شيء في هذه الحياة، أنا لا أعلم شيء في هذه الحياة أغلى من التوحيد الذي خلقنا -جل وعلا- لأجله وأوجدنا لتحقيقه، هذا الواجب الأول.
الواجب الثاني:
أن نحبه، أن نحب الذي أمرنا الله به، وأعظم الأوامر التوحيد، فالسبع نقاط التي أتحدث عنها هي لا تختص بالتوحيد، فكل أمر أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به يجب علينا نحوه سبعة أمور، والتوحيد هو أعظم أمر، التوحيد هو أعظم أمر أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به.
إذن الأمر الأول: أن نتعلمه، الأمر الثاني: أن نحبه.
فكل شيء يأمرك الله به، وأعظم شيء أمرك الله -سبحانه وتعالى- به هو التوحيد، فكل شيء أمرك الله به تحبه، وتجاهد نفسك، وتجاهد قلبك على إمارته بمحبة ما أمرك الله به، والله لا يأمرك إلا بما فيه سعادتك وصلاحك ورفعتك في الدنيا والآخرة.
فكيف لا يجب الإنسان ما فيه سعادته؟ ما فيه صلاحه؟ وانظر اللفتة الكريمة في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- للتوحيد عندما كان يمشي في فجاج مكة وينادي: (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) يعني: فلاحكم في هذا التوحيد، سعادتكم في هذا التوحيد، رفعتكم في الدنيا والآخرة في هذا التوحيد.
فإذن هذا الأمر الذي فلاحنا وسعادتنا ورفعتنا في الدنيا والآخرة علمناه، وعلمنا أمر الله لنا به، وعلمنا أيضًا فضله ومكانته نحبه ونعمر قلوبنا بمحبته، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، تحب الله، وتحب أنبياءه، وتحب دينه، وتحب ما أمرك -سبحانه وتعالى- به، ولا تجد في قلبك حرجا؛ لأن هذا خير لك ورفعة وسعادة في الدنيا والآخرة.
حتى لو ظهر في ظاهره المشقة والتعب
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (حفت الجنة بالمكاره) حتى لو كان الأمر شاقا فعلًا، يعني: الصلاة الآن، الصلاة عندما ينادي المنادي لصلاة الفجر: حي على الصلاة، والجو شاتٍ، والماء بارد أحبب ذلك، وادخل وأنت فرح محب مغتبط؛ لأن هذا أمر لك فيه فلاحك فيه سعادتك، أليس المنادي للصلاة في كل الصلاة يقول: حي على الفلاح؟ لأنه فلاحك، إذن كيف لا تحب ما فيه فلاحك؟ كيف لا يحب الإنسان ما فيه فلاحه؟ ما فيه سعادته؟ إذن هذا الواجب الثاني أن نحب ما أمرنا الله -سبحانه وتعالى- وأعظم الأوامر التوحيد فنحب التوحيد.
بعض الناس -ولابد أن نشير لهذا- بسبب الأهواء، بسبب دعاة الباطل، بسبب إثارة الشبهات -تجد نفسه قد تنقبض من التوحيد أو تنقبض من أوامر الله -سبحانه وتعالى- بسبب ما اكتنفه هو من شبهات. إذن الواجب أن أطرح كل شيء وكل أمر يخالف ما أمرني الله -جل وعلا- ولا أجد وحشة، ولا أجد حزازة لأنني إن نميت في نفسي هذه الوحشة وهذه الحزازة أو نحو ذلك سأجد قلبي منقبضا عن أبواب الخير وأبواب السعادة مثل ما قال الله -عز وجل- عن الكفار -والعياذ بالله- أنه عند ذكر التوحيد تشمئذ قلوبهم: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ ﴾ [الزمرك 45] القلب يجب أن يحبه، فقلب هذا المريض يشمئذ، فالإنسان لا، بل ينشرح ويفرح ويغتبط ويحب ويقبل على أمر الله -جل وعلا- له.
نأتي الآن إلى الأمر الثالث:
الأمر الثالث علمنا وأحببنا نعزم في قلوبنا على فعله، والعزم هو حركة في القلب لفعل هذا الشيء.
إذن أنا أتعلمه، أول ما أبدأ أتعلمه، ثم أحبه، ثم أجعل في قلبي حركة وإرادة وعزم، أعقد العزم في قلبي على فعل هذا الأمر.
هنا لما يأتي الإنسان ليدخل في التوحيد وقد كان ضالا عنه ومنحرفا وربما كان في عبادات باطلة وفي أهواء منحرفة عندما يحب هذا الأمر بسماعه لحديث عنه وبيان لفضائله ويتحرك قلبه عزما على فعله -يأتيه في قلبه بسبب الحياة التي عاشها والأهواء التي اكتنفته يأتيه في قلبه خوف من التغير، يقول: أنا الآن إذا عزمت على فعل هذا الأمر قد تتغير دنياي، ويتردد، قد أفقد كذا، قد تصيبني هذه التي أنا متعلق بها وارتبطت بعبادتها وسؤالها والخضوع لها، قد تصيبني بشيء، أرأيت الآن ماذا قال الكفار ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ﴾ [هود: 54] يعني يقول: أخشى إن عزمت الآن فتتغير حياتي.
ربما الشيطان يأتيه ببعض الأشياء وبعض الأمور التي تجعله ينهزم وربما ينكص، تجده -سبحانه وتعالى- علم وأحب وعزم على الفعل ثم انفرط منه الأمر وذهب ذلك العزم بسبب ما احتوى أو اكتنف قلبه من أمور ردته عنه.
إذن يعزم الإنسان، علمته وأحببته اعزم لا تتردد، لماذا تتردد؟ ولماذا تفكر في هذا وذاك؟ هذا أمر علمته وأحببته وعرفت صحته وسلامته لماذا تتردد؟ اعزم وتوكل على الله -سبحانه وتعالى- إذن هذا الأمر الثالث.
الأمر الرابع: العمل:
علمت وأحبتت وعزمت في قلبي على فعله اعمل، أبدأ أعمل بالتوحيد، أخلص الدين لله، أفرد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة، أخصه -جل وعلا- بالطاعة، لا أدعو غيره، لا أسأل غيره، لا أستغيث بغيره، لا أصرف شيئا من عباده لغيره، أجعل العبادة خالصة له -جل وعلا- وحده لا شريك له في شيء منها، وأوحده في ربوبيته وفي أسمائه وفي صفاته، وأعمل بالتوحيد، وأقبل على أمور التوحيد وتفاصيل التوحيد وأفراد العبادة وأعمل بها طاعة لله -سبحانه وتعالى- مقبلا عليه -جل وعلا- إذن هذا الأمر الرابع الذي هو العمل.
لاحظ هنا أن بعض الناس قد يحب، قد يعلم، وقد يحب ويعزم، ثم لما يأتي للأمر الرابع وهو العمل يقول: ماذا يقول عني الشيخ الفلاني؟ ماذا يقول عني الناس لو رأوني مثلًا تركت كذا؟ فتجده يمتنع بعد أن أحب وعلم وعزم. لاحظ هذه المقدمات المهمة التي وجدت فيه، ثم يأتي إلى مرحلة العمل، هو يريد أن يعمل وربما يبدأ فعلًا بالعمل ثم يتوقف يقول: ماذا يقول عني الناس؟ وتجده يمتنع ويقول: لا أنا على طريقة أشياخي، أنا على طريقة مثلًا أهل بلدي، أنا على الشيء الذي نشأت عليه. الآن أنا أسمع وربما سمعت أيضًا بعض الذين يدعون إلى الإسلام تجده يعرف بالإسلام ويقتنع إنه صحيح، ثم يقولون له أسلم يقول: ماذا أقول لمن حولي؟ ماذا أقول لأهلي، لأولادي، لجماعتي؟ أنا أخاف منهم، يقول أنا مقتنع.
اليوم أحد الأشخاص حدثني بمثل هذا وسمعت مثل هذا كثيرا، اقتنع شخص عنده بالإسلام وعرف إنه الدين الصحيح لكنه يقول: ما موقفي؟ فتجده يمتنع عن العمل بعد أن علم، وبعد أن أحب، وبعد أن عزم. تحركت إرادة العزم ثم يمتنع!! هذه عقبة أمامه -نسأل الله العافية- فيمتنع عن العمل، يخاف أن يطلع عليه من يعظمه، يخاف!!
وانتبهوا لهذه الكلمة، يخاف أن يطلع عليه من يعظمه من الناس لكن رب العالمين أحق بالتعظيم، رب العالمين الذي خلقك وأوجدك تخشى الناس ولا تخشاه!! تراقب الناس ولا تراقبه!! تخاف الناس ولا تخافه!! هذه بلية عظيمة، إذن نأخذها متدرجين علمنا وأحببنا وعزمنا وعملنا هذه الرابعة.
نأتي للخامسة أن نوقع العمل خالصا صوابا، ليس كل عمل يصلح أو يناسب، وإنما العمل الذي هو العمل الصالح المقبول عند الله ما كان خالصا صوابا.
إذن نوقع العمل خالصا لله، وصوابا على منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2] قال الفضيل -رحمه الله- في معنى هذه الآية: أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي، وما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا، لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة، فنوقع العمل خالصا لله وصوابا على السنة.
لاحظ هنا أيضًا في الأوامر عمومًا حسب التدريج الذي مشينا عليه أنه قد يأتي الإنسان بالمراتب الأربعة ثم يأتي للناحية العملية فيعمل بأمور أيضًا هذه الأمور يجعلها خالصة لله لكنها ليست على شرعه، يعني: مثلًا إنسان يذكر الله -جل وعلا- بأذكار مبتدعة وأدعية محدثة، ليس فيها شرك، وليس فيها مخالفة للإخلاص لكن فيها مخالفة للسنة والمتابعة للرسول -عليه الصلاة والسلام- إذن إذا علمنا وأحببنا وعزمنا وعملنا نوقع العمل خالصا صوابا.
نأتي إلى الأمر السادس:
وهو أن نحذر من محبطاته، جئنا بهذه المراتب نحذر من محبطات التوحيد ومبطلاته، وأيضًا نحذر من الأشياء التي تنقصه، وتنقص كماله؛ ولهذا فالتوحيد له نواقض وله نواقص، له نواقض تفسده تمامًا وتجتثه من أصله، تذهبه من أصله، وله نواقص تنقص كماله الواجب، وكتاب التوحيد الذي نحن بصدد دراسة بين فيه مؤلفه رحمة الله عليه التوحيد بأدلته، وبين فضله وبين حقيقته، ثم أيضًا عرج على ذكر النواقض والنواقص، لماذا؟ حتى نحذر منها.
إذن نحن مُطالَبٌ منا جهة الأمر إذا أتينا بالأمور السابقة الخمسة -أن نحذر من أي شيء يبطلها، يأتي هنا سؤال أطرحه وأجيب عنه إجمالا، وسيأتي عنه الجواب المفصل فيما بعد كيف نحذر مما يحبطه؟ نحن الآن نتحدث عن التوحيد كيف نحذر مما يحبط التوحيد؟ عرفنا أن التوحيد له محبطات، له نواقض وله نواقص، ولا يتسنى لأحد أن يحذر منها إلا إذا عرفها وإلا كما قال قديمًا أحد السلف: «كيف يتقي من لا يدري ما يتقي» وكثير من الناس يبتلى بأمور يفعلها تنقض توحيده أو تنقص توحيده وهو لا يعلم، وربما أدخلت عليه بمسميات صحيحة لكن سمو له الشيء بغير اسمه، مثل يسمون بعض الشركيات توسل، أو يسمونها شفاعة أو يسمونها بأشياء أخرى فتجده يفعل الشرك الصراح، وإذا قلت له ماذا تفعل؟ يقول: أتوسل أو أستشفع أو نحو ذلك فالمسميات لا تغير الحقائق.
إذن نحذر المبطلات، وسياتي في هذا الكتاب بيان لمبطلات التوحيد وأيضًا للأمور التي تنقص التوحيد، وهذا من الأهمية بمكان لأنْ يتعلمه المسلم حتى يحذر منه.
إذن نحن مطالب من كل مسلم أن يعرف الشرك لماذا؟
حتى يحذر منه ويتجنبه
يقول القائل: "تعلم الشر لا للشر، ولكن لتوقيه فإن من لم يعرف الشر من الناس يقع فيه" يقول حذيفة بن اليمان كما في صحيح البخاري: (كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافته) وكثير من الناس يبتلى بالوقوع في بعض النواقض أو النواقص لتوحيده بسبب جهله وعدم تعلمه، إذن هذا الأمر السادس أن نحذر من المبطلات.
السابع والأخير:
هو الثبات على هذه الأمور والاستقامة عليها إلى الممات: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿99﴾﴾ [الحجر: 99] يعني: حتى يأتيك الموت، فتثبت على هذا الأمر، والله -عز وجل- لما ذكر آية التوحيد في ذلك المثل العجيب في سورة إبراهيم ذكر عقبه أمر الثبات ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ هذه كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿24﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿25﴾ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴿26﴾ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ﴿27﴾﴾ [إبراهيم: 24- 27] فيثبت الإنسان ويستقيم على الأمر ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿13﴾﴾ [الأحقاف: 13] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ ﴾ [فصلت: 30] آيتان في كتاب الله، والرجل في حديث سفيان بن عبد الله الثقفي الذي قال للرسول -عليه الصلاة والسلام- : (قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم) فيستقيم الإنسان على هذا الأمر إلى أن يتوفاه الله.
إذن هذه الأمور السبعة هي في غاية الأهمية، في غاية الأهمية، وأعيد ثانية ليست هذه الأمور السبعة خاصة بالتوحيد؛ بل هي تتعلق بكل أمر أمرنا الله به؛ الصلاة الصيام الحج الزكاة، أي أمر أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به يجب علينا نحوه هذه الأمور السبعة.
طيب النواهي التي نهانا الله -سبحانه وتعالى- عنها ما واجبنا نحوها؟ نهانا عن الشرك، نهانا عن السرقة، نهانا عن الغش، نهانا عن الربا، نهانا عن أمور كثيرة، ما واجبنا نحو هذه النواهي؟ نحن الآن عرفنا واجبنا نحو الأوامر فما واجبنا نحو النواهي؟
الأمور السبعة نفسها أليست هي واجبنا نحو أيضًا النواهي؟
أن نعلمها ونتركه
نعم، هذه الأمور السبعة هي أيضًا واجبنا نحو النواهي، ولعل هذا أتركه يتأمل فيه الإخوة جميعًا، ونستذكره في حلقتنا القادمة إن شاء الله، وهو السؤال ما واجبنا نحو ما نهانا الله عنه؟ نهانا عن الشرك، ونهانا عن السرقة، نهانا عن الزنا، نهانا عن العقوق، نهانا عن... إلى آخره، إلى آخر النواهي.
إذن يا شيخ، هذه السبعة واجبنا نحو التوحيد ونحو كل أمر أمرنا الله به؟ سؤال ما واجبنا نحو ما نهانا الله عنه؟
أيضًا أنا أجبت، واجبنا نحو النواهي هو نفسه، لكن كيف يعرض الإخوة هذه السبعة نقاط نحو ما نهانا الله؟ وليكن نهي الله لنا عن الشرك ما واجبنا نحوه؟ الآن لما تأتي الأمر الأول أن نتعلمه، مطلوب منا أن نتعلم الشرك أو ليس مطلوبًا؟ مطلوب، مثل ما عرفنا قبل قليل كيف يتقي من لا يدري ما يتقي؟ نتعلم الشرك لكي نتقيه.
الأمر الثاني:
المحبة، نحب ماذا؟ نحب النهي لا نحب المنهي عنه، النهي، الآن لما ينهاك الله عن الحرام النهي نفسه من الأوامر ومن التكاليف الله -عز وجل- كلفك أن تبتعد عن هذا الأمر، فأنت تحب نهي الله كما تحب أمر الله، تحب ما أمرك الله به كما أنه أيضًا تحب نهي الله، فأنت تحب نهي الله، إذا أحببت نهي الله ما تجد في قلبك حرجا من ترك ما نهى الله عنه لأنك تحب نهي الله لأنه هو خالقك، يأمرك بما يشاء وينهاك عما يشاء، فأنت تحب الأمر وتحب النهي، وفي الأوامر تحب المأمور به وفي النواهي تبغض المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه هذا أمر بغيض، أمر مكروه، أمر سيء، أمر قبيح نهاك الله عنه.
أذكر وهذه فائدة عرضية، أذكر قديمًا أحد الطلاب يدرس في المرحلة المتوسطة ويحفظ كتاب الله وهو في السنة الأولى، هذا الكلام له أكثر من ست عشرة سنة أو سبع عشرة سنة، أذكر أنه وكنت أدرس له جاءني مرة بمذكرة تزيد على المائتي صفحة ربما أنه يسمعني الآن ما أدري، معه مذكرة في مائتي صفحة أو أكثر وعنوانها الأوامر والنواهي طالب الشئون المتوسطة وغير المتوسطة، عنوانها الأوامر والنواهي، وجامع فيها الأوامر التي في القرآن مرتبة التوحيد والصلاة والصيام، وكل أمر تحته آية أو آيتين، وناقل كلام ابن كثير وابن السعدي في معناه، ثم ينتقل للنواهي الشرك الزنى وكلها يجمعها، لما أعطاني الكتاب قلت له ما هذا؟ قال هذا جمعت فيه الأوامر والنواهي، قلت: الآن مبكر عليك، الآن ليس هو وقتها، يعني: أنت الآن تتعلم. قال: لا، أنا لست هنا مؤلفا، أنا -الحمد لله- أحفظ كتاب الله، ووجدت أن ربي أمرني بأوامر ونهاني عن نواهٍ فأحببت أن أجمعها لنفسي وأتفقه فيها حتى أفعل الأوامر وأنتهي عن النواهي، لكن أنا أسترشد منك هل طريقتي هذه مناسبة أو غير مناسبة؟ قلت له: يا أخي، بارك الله فيك، هذه طريقة من أنسب ما يكون، و هذا الأخ، وهذا الكلام الآن له قرابة السبع عشرة سنة تخرج .
شيخنا الكريم، إذن نحن الآن عرفنا أهمية التوحيد، وحقيقة التوحيد، وواجبنا نحو التوحيد، بقي إن شاء الله تعالى بعد الفاصل أن نأخذ ثمرات التوحيد، وما هي النقطة التي تليها إن شاء الله؟
توجد ثمرات التوحيد، وتوجد مسألة مهمة أيضًا هي مقدمة مهمة كان يحسن أن أذكرها قبل وهي ما مصدر تلقي التوحيد؟
نحن وقفنا بعد حقيقة التوحيد عند عنصر مهم وهو مصدر التلقي للتوحيد
مصدر التلقي لهذا العلم العظيم علم التوحيد هو من الأمور المهمة التي يحسن العناية بها بين يدي دراسة هذا العلم، من أين نتلقى التوحيد؟ من أين نأخذ هذا العلم؟ ما مصدرنا في أخذ هذا العلم وتلقيه؟ هنا يجب أن نعلم -معاشر الإخوة- أن الناس في تلقي عقائدهم وأديانهم وما يؤمنون به ينقسمون إلى فريقين:
قسم يتلقى دينه وعقيدته وإيمانه من مصدرها الصحيح ومنبعها العذب الذي هو وحي الله -جل وعلا- والقضية واضحة جدًا والأمر واضح، الله -جل وعلا- خلق الخلق لعبادته وتوحيده والإيمان به وبما أمر -سبحانه وتعالى- عباده بالإيمان به وأنزل في ذلك وحيه المبين، وكلامه الكريم، والرسل -عليهم صلوات الله وسلامه- لما كانوا يبينون للناس الإيمان والتوحيد وتفاصيل الشرائع -كانوا يبينون لهم ذلك بالوحي: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ﴾ [الأنبياء: 45] فإذن منبع التوحيد ومنبع الإيمان ومصدر التلقي للعقيدة هو كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نأخذ ديننا ونأخذ عقيدتنا ونأخذ إيماننا وتوحيدنا من كتاب ربنا وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- ولهذا مضت الطريقة عند علماء السلف ومن اتبعهم بإحسان أن كل أمر من أمور العقيدة مقرونا بدليله قال الله قال رسوله -صلى الله عليه وسلم- الاعتقاد، أمور الاعتقاد وأمور الإيمان ليست لأحد من الناس كائنا من كان، ليس لأحد كائن من كان أن ينشئ عقيدة من قبل نفسه، أو يخترع عقيدة أو يخترع إيمانا أو نحو ذلك، هذه أمور لله -جل وعلا- هو الخالق وهو الذي يأمر عباده بما شاء وينهاهم عما شاء فالأمر له -جل وعلا- من قبل ومن بعد، فالعقيدة والإيمان إنما تتلقى من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.
وفريق من الناس جعلوا لعقائدهم وإيمانهم وأديانهم مصادر أخرى للتلقي غير الكتاب والسنة، فهناك من مصدره في عقيدة العقل، ومنهم من مصدره الرأي، ومنهم من مصدره الذوق والوجد، ومنهم من مصدره التجارب ومنهم من مصدره القصص والحكايات والمنامات، مصادر مختلفة لدى الناس في تلقي العقيدة، وكل من كان مصدره في عقيدته وإيمانه غير الكتاب والسنة فهو منحرف؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة العقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح إلا من خلال كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- في شرح العقيدة الطحاوية قال كلمة جميلة جدًا رائعة قال: «كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير ما جاء به الرسول؟» لا يمكن، يعني: كيف يمكن أن يعرف الإنسان الإيمان الصحيح من غير طريق الرسول -عليه الصلاة والسلام- .
الله -جل وعلا- قال لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52] فمعرفة الإيمان ومعرفة العقيدة ومعرفة التوحيد لا تكون إلا من خلال كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- في الصحيحين قصة وفد عبد القيس عندما جاءوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وقالوا: يا رسول الله، مرنا بقول نخبر به من ورائنا وندخل به الجنة؟ قال: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟) واضح السؤال (أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) هذه الكلمة منهم تبين لنا أن مصدر التلقي لتعلم العقيدة هو الله ورسوله، كتاب الله وسنة نبيه -صلوات الله وسلامه عيله- فعن كتاب الله وعن سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- يتلقى المسلمون عقائدهم؛ ولهذا نوصي كل مسلم ألا يأخذ شيئًا من أمور الاعتقاد وأمور الدين عمومًا إلا بدليله من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- و"من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول" هذه كلمة كان كثيرًا ما يرددها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما ذكر ذلك تلميذه ابن القيم، كان كثيرًا ما يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-" على ضوء ما سبق يمكن أن نقسم العقائد الموجودة عند الناس -على تنوعها وتعددها- يمكن أن نقسمها إلى قسمين:
عقائد أو عقيدة نازلة وعقيدة نابتة، عقيدة نازلة وعقيدة نابتة، ما هي العقيدة النازلة؟
المنزلة من عند الله
من عند الله -جل وعلا- ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿194﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴿195﴾﴾ [الشعراء: 193- 195] عقيدة نازلة ما هي علامة العقيدة النازلة؟ وجود الدليل عليها في الكتاب والسنة، يقول صاحب العقيدة: أعتقد كذا لقوله تعالى كذا، وأأمن بكذا لقوله -صلى الله عليه وسلم- كذا، هذه عقيدة نازلة، نزلت من الله الخالق لهذا الكون، الموجد للناس، الآمر الناهي -تبارك وتعالى- أنزل بها وحيه، وعلامة العقيدة النازلة واضحة قال الله قال رسوله -صلى الله عليه وسلم- لو قال إنسان: أنا أعتقد كذا لأنه لو كان كذا إذا يكون كذا، ما يقبل مثل هذا، أو قال آخر: أنا أعتقد كذا لأني جربت وجرب فلان، أو قال آخر: أنا أعتقد كذا لأن توجد قصة استمعتها يروي قصة، أو آخر يقول: أنا أعتقد كذا لأني رأيت في المنام أو شيخي فلان رأى في المنام كذا وكذا، هذا كله ليس من المصادر، هذه كلها ليست مصادر للعقيدة، إذن علامة العقيدة النازلة وجود الدليل، يقول صاحب العقيدة: قال الله قال رسوله -صلى الله عليه وسلم- ونحن سنعرف قيمة كتب أهل العلم من أهل السنة وصفاءها من الأدلة، الآن نفتح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب بابا بابا هو فيه أكثر من ستين بابا، ما هي طريقة الشيخ فيها؟ وهذه سنتحدث عنها بتفصيل لاحق، طريقة الشيخ يقول: باب ثم يذكر عنوانا قال الله تعالى ويذكر آيتين أو ثلاثة، ثم قال -صلى الله عليه وسلم- ويذكر حديثين أو ثلاثا، ويذكر بعض الآثار التي توضح الباب وانتهى الباب، وينتقل إلى باب آخر، وعقب كل باب يذكر مسائل ينبه من خلالها ما يستفاد من الآيات والأحاديث والأدلة الواردة في الباب، بينما كتب العقائد الآخرى لا ترى فيها آية ولا ترى فيها حديثا وإنما ترى فيها منطقيات وفلسفات وعقليات وتجارب وقصصا وحكايات إلى آخره، إذن عقيدة نازلة.
والقسم الثاني: قلنا؟
عقيدة نابتة
نابتة، ما معنى نابتة؟
يعني نبتت في الأرض، ونشأت في الأرض واخترعت في الأرض عن طريق حقل، عن طريق تجربة، عن طريق منامات، عن طريق... قل ما شئت من المصادر الكثيرة، بعض طلاب العلم كتبوا في مصادر التلقي عند الناس كثيرة جدًا في، ترى الآن بعض الناس يعتقد شيئا مبنيا على منام أو على قصة أو على تجربة أو على حكاية إلى آخر ذلك.
إذن هذا -يا شيخ- المصدر الأول القرآن والسنة؟
المصدر الأول القرآن والسنة، أريد قبل أن أنتقل من هذه النقطة أن أبين لجميع الإخوة أن هذا التقرير استعمله الأنبياء في إبطال عقائد المشركين والعقائد والمنحرفة، الأنبياء استعملوا ذلك لأنهم خاطبوا أقوامهم مطالبين لهم أن يأتوا بشيء يثبت أن هذا الشيء الذي يعتقدونه نزل من الله، وهذا تكرر في آيات كثيرة في القرآن مثل قصة يوسف مع قومه، مع صاحب السجن قال: ﴿ يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: 39، 40] هذا الشاهد ﴿ مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ يعني: ما نزل دليل على صحة هذه العقيدة، هي دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- المشركين قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴿20﴾ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿21﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿22﴾ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 19- 23] فقوله ﴿ مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ يعني: أنها عقيدة وجدت واخترعت في الأرض ولم تنزل من السماء، إذن لا عقيدة، لعلنا نأخذ قاعدة مما سبق، لا عقيدة صحيحة إلا إن كانت نازلة من السماء، نزلت من رب العالمين، وعلامتها وجود الدليل، قال الله قال رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا أمر واضح لكل مسلم وكل مسلمة وجود الدليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما سوى ذلك فهي عقيدة نابتة ناشئة مخترعة في الأرض، وقد درج عامة السلف في مصنفات في العقيدة أن يبينوا مصدرهم فيها وهو كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه عليه-.
هذا الآن فيما يتعلق بمصدر التلقي، ننتقل بعد ذلك لشيء من الحديث عن بعض ثمار التوحيد وآثاره الطيبة ونتائجه المباركة على صاحبه في الدنيا والآخرة.
ويمكن أن نقول: أن التوحيد شجرة مباركة لها أصل ولها فرع ولها ثمار، أصل هذه الشجرة ومكان غرسها القلب، تغرس في القلب، ثم تتفرع منها الفروع الطيبة والأغصان الزاهية، وتثمر الثمار اليانعة، التوحيد شجرة طيبة، وقد مر معنا قريبا قول الله تعالى في سورة إبراهيم ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿24﴾﴾ [إبراهيم: 24] هذا هو التوحيد، التوحيد شجرة طيبة مباركة لها أصل ثابت، ولها فرع، ولها ثمار، وأصل هذه الشجرة في القلب ويتفرع عن هذه الشجرة الفروع المباركة، ثم هي تثمر الثمار اليانعة في الدنيا والآخرة، وقد جاء في حديث في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا أُتي بجُمَّار نخلة فأكل منه) وجمار النخلة قلبها، فأكل منه وهو حلو الطعم، حسن المذاق، أكل منه -عليه الصلاة والسلام- (ثم وضعه أمامه وقال للصحابة : أخبروني بشجرة لا يتحات ورقها ولا ولا.. وذكر صفات لها جعلها الله مثلًا للمؤمن؟ الصحابة يقول ابن عمر: خاضوا في شجر البوادي، أشجار البوادي عادة قوية ومتماسكة وأوراقها ليست سريعة التساقط فخاضوا في شجر البوادي، أمامهم جمار النخلة ما منهم واحد قال : هي النخلة، يقول ابن عمر فوقع في قلبي أنها النخلة، فلم أتكلم لمكان أبي وأبي بكر كانا في المجلس، وهذا من أدب الصحابة -رضي الله عنهم- يقول: فلما انتهى المجلس قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: هي النخلة).
إذن النخلة جعلت مثلا للمؤمن، والنخلة شجرة مباركة هي أفضل الشجر، يكفيها فضيلة أن الله جعلها مثلا للمؤمن.
التوحيد شجرة مباركة لها ثمار، ثمار التوحيد متوالية ومتتالية على صاحبها في الدنيا والآخرة، فكم للتوحيد من الفضائل وكم له من الثمار؟ وكم له من الآثار والمنافع والعوائد الحميدة على صاحبه في الدنيا والآخرة.
من فوائد التوحيد أنه سبب لنيل الفلاح وقد مر معنا قول نبينا -عليه الصلاة والسلام- (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) والله -جل وعلا- قال في القرآن: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿5﴾﴾ [البقرة: 5] وكلمة "فلاح" تعني حيازة الخير، حتى قيل: إنه أجمع كلمة قيلت في حيازة الخير. فالفلاح هو حيازة المفلح لخيري الدنيا والآخرة، فكيف يحوز المسلم الخير في الدنيا والآخرة؟ بتوحيد الله وإخلاص الدين له -سبحانه وتعالى-.
ومن ثمار التوحيد وفضائله وآثاره المباركة الطيبة أنه سبب الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة كما قال الله -عز وجل-: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ [الأنعام: 82] أمن تام واهتداء تام في الدنيا والآخرة للموحد.
وأيضًا من ثمار التوحيد المباركة العظيمة أنه يصحح الأعمال، فالأعمال أيا كانت لا تصح إلا إذا قامت على ساق التوحيد، فإن لم تقم على التوحيد مهما كثرت الأعمال وتعددت وتنوعت فلن يقبلها الله قال الله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴿23﴾﴾ [الفرقان: 23] قدمنا إلى ما عملوا، كل عمل عملوا أيا كان حتى لو كان كثيرًا ومتعددا لا يقبله الله منه إلا إذا أقامه صاحبه على توحيد الله.
هل بقي شيء من ثمار التوحيد؟
نعم بقي بعض الثمار، لكن من الضروري أن نتوسع فيها لأنه سيأتي عندنا باب فضائل التوحيد عند المصنف، ولعل هناك نقف على شيء من الفوائد، وإلا فهي باب واسع جدًا، كل خير وفضيلة ورفعة في الدنيا والآخرة فهو من ثمار التوحيد.
نحن بقي معنا في مقدمتنا كلام على عناية أهل العلم بالتوحيد، والكلام على الكتاب الذي نحن بصدد دراسته، وأيضًا نبذة عن مؤلفه والمنهج في دراسة الكتاب وبعض النقاط الأخرى.
السؤال الذي طرحتمونه يا شيخ الذي هو ما واجبنا نحو ما نهانا الله -سبحانه وتعالى- عنه؟ هذا السؤال - إن شاء الله تعالى- يجيب عنه الإخوة نستقبله إن شاء الله تعالى في خلال الدرس القادم؟ http://www.ansaaar.com/up/uploads/e3ddaa08d2.gif
nary_jon
03-18-2008, 03:17 PM
اخواني واخواتي اعضاء ورواد منتدي انصار اهل البيت الكرام
بما انه التوحيد هو اساس عقيدتنا
يسعدني ويشرفني ان ابدا معكم في دروس في شرح كتاب التوحيد للشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب
اتمنى لي ولكم الاستفادة من هذه الدروس
واان شاء الله استمر معكم في تقديم الدورس
للكنني سوف اترك بين الدرس الآول والثاني فترة من الوقت حتى يتسنى لجميع الاخوة قرات الموضوع وكذلك
الحال بين كل درس واخر الى ان ننتهي باذن الله من تقديم الشرح الكامل للكتاب
وفقنا الله واياكم الى ما يحب ويرضى
الان اترككم مع الدرس الاول
اختكم بالله ناري جون
على بركة الله
جزاكِ الله خيرا على الطرح الرائع ..
nary_jon
03-19-2008, 12:37 PM
وياكي أختي دلال حياكي الله وبياكي
محب الحسين
03-20-2008, 07:27 AM
جزاكي الله خير وبارك الله فيكي
nary_jon
03-20-2008, 02:39 PM
وياك أخي محب الحسين
شرفني مرورك
aansar
03-25-2008, 01:23 AM
جزاك الله خيرا وبانتظار المزيد
nary_jon
03-25-2008, 01:27 AM
جزاك الله خير اخي رعد
وان شاء الله لمن هذا الدرس ياخذ حقة من المشاهدة اضع الدرس الثاني
شرفني مرورك
ناري جون
nary_jon
04-05-2008, 03:57 AM
http://www.ansaaar.com/up/uploads/ab294d332f.bmp
http://www.ansaaar.com/up/uploads/89342fc645.gif
http://www.ansaaar.com/up/uploads/bc9c288630.gif
الدرس الثالث
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
أولا: أسأل الله -جل وعلا- أن يكتنب لنا في هذه اللقاء وفي كل لقاء النفع والخير والفائدة، وأن يمنحنا العلم النافع، وأن يهدينا سواء السبيل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه سميع الدعاء، وهو أهل الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كنا في الدرس الماضي والذي قبله بدأنا ببداية ذكرت فيها مقدمات مهمة عن دراسة التوحيد عموما، ودراسة كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- على وجه الخصوص.
ومضت تلك المقدمات وطرحت من خلالها على الإخوة سؤالا يتعلق بأحد شروحات هذا الكتاب وهو "كتاب القول السديد في بيان مقاصد كتاب التوحيد" للشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى- ولعله وصل إلى الإخوان هنا شيئا من الإجابة على هذا السؤال.
نؤجل موضوع السؤالين إلى منتهى الحلقة، وندخل الآن في درسنا الجديد مستهلين مبتدئين بقراءة كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وقد مر معنا مقدمات بين يدي دراسة هذا الكتاب، ونشرع الآن مستعينين بالله -تبارك وتعالى- مستمدين منه العون والتوفيق طالبين منه التسديد والتوفيق إلى الصواب فنبدأ مستعينين بالله -جل وعلا- بقراءة الكتاب.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتابه كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم، كتاب التوحيد وقول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] )
أولا: عنوان الكتاب كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد وهذا العنوان دال على مضمون هذا الكتاب ومقصوده وما جمع له، فعنوان الكتاب "كتاب التوحيد" وكتاب هذه الكلمة هي مصدر للفعل كَتَبَ يَكْتُبُ ومدار هذه الكلمة على الجمع؛ ولهذا يقال للجماعة أو المجموعة من الخيل "كتيبة" والكتابة سميت كتابة لأن ما كتب جمع فيه كلمات وأحرف في عنوان واحد أو في موضوع واحد، فإذا قال الشيخ كتاب التوحيد أي: المكتوب المجموع المؤلف في موضوع التوحيد.
والتوحيد هو موضوع هذا الكتاب ومجموع ما جمع في هذا الكتاب من معلومات وتقريرات واستدلالات كلها في التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، إذن هذا مؤلف كتبه مؤلفه -رحمه الله تعالى- لبيان التوحيد فضله وحقيقته وأنواعه، وأيضا التحذير مما يضاده ويناقضه أو ينقص كماله الواجب.
وبدأ الشيخ -رحمه الله تعالى- كتابه التوحيد بقوله (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم قال كتاب التوحيد ) وشرع في موضوع الكتاب، وكنت أشرت في درسنا السابق أن الشيخ -رحمه الله- لما يورد -كما هي العادة في كثير من المؤلفين- مقدمة يزين فيها محتوى الكتاب ومضمونه، وإنما شرع في الكتابة مباشرة وهذه الطريقة التي انتهجها هي طريقة مسلوكة ومعروفة عند أهل العلم قديما، وقد أشرت إلى أن كثيرا من مصنفات السلف كصحيح البخاري والسنن والمعاجم والمسانيد والأجزاء الحديثية وكثير من مؤلفات المتقدمين يشرع فيها مؤلفوها بالكتاب مباشرة ويعرف الكتاب من عنوانه وبالدخول فيه يتبين فيم أُلِّف الكتاب ولأي موضوع جُمِعَ.
والشيخ -رحمه الله تعالى- قال: "كتاب التوحيد" ودخل مباشرة، وهذا أيضا فيه حكمة وفيه منفعة عظيمة أن يدخل الإنسان مباشرة مع الآيات والأحاديث والأدلة المبينة لكلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب العظيم والمقصد الجليل توحيد الله -سبحانه وتعالى-.
وبَدْءُ المصنف -رحمه الله- بالبسملة في أول كتابه هذا تأس منه -رحمه الله تعالى- بكتاب الله العزيز وبسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تأس منه بما كان عليه الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وبما كان عليه خاتمهم -صلى الله عليه وسلم- في مكاتباته ومراسلاته -صلوات الله وسلامه عليه- وقد قال الله -جل وعلا- عن كتاب سليمان ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿30﴾﴾ [النمل: 30] فهذه سنة ماضية أن يبدأ الإنسان بالبسملة.
وليس فقط الكتاب الذي يُبدأ بالبسملة، وإنما كل الأمور التي ذات بال يبدأ فيها الإنسان بالبسملة في دخوله لبيته وخروجه من بيته، وتناوله لطعامه، وفي مكاتباته، وعند نومه إلى غير ذلك فإن البسملة مشروعة.
والبسملة هي استعانة بالله -سبحانه وتعالى- لأن الباء في "بسم الله" باء الاستعانة ومعنى قولك: "بسم الله" أي: بسم الله أبدأ أو أكتب أو أقرأ أو أؤلف أو حسب الأمر الذي شرعت فيه فتبدأه بـ"بسم الله" أي طالبا عون الله -سبحانه وتعالى- متبركا بذكر اسمه -جل وعلا-.
بسم الله الرحمن الرحيم، وفي هذه البسلمة ثلاثة أسماء حسنى لله -تبارك وتعالى- دالة على كماله وجلاله وعظمته -سبحانه وتعالى- وهي "الله" الدالة على الألوهية والعبودية على ما سيأتي بيانه، والرحمن الرحيم وهما اسمان دالان على ثبوت الرحمة صفة لله -سبحانه وتعالى- والرحمن دال على قيامها به، والرحيم دال على تعلقها بالمرحومين وتأمل ذلك في قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمً﴾ [الأحزاب: 43] ولم يأت رحمن ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمً﴾ فإذن اسمه الرحمن دال على صفته الرحمة القائمة به، واسمه الرحيم دال على تعلقها بالمرحوم.
فقال بسم الله الرحمن الرحيم ثم حمد الله، وحمد الله هو ثناء عليه مع حبه سبحانه، وصلى وسلم على رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- ثم قال -رحمه الله تعالى-: "كتاب التوحيد" وجعل هذا عنوان الترجمة الأولى لكتابه فقال: "كتاب التوحيد" ثم رأسا شرع في ذكر الأدلة على التوحيد، وسيأتي معنا في هذه الترجمة خمس آيات وحديث وأثر عن أحد الصحابة ولنلاحظ هذا في هذا الباب وفي كل باب عند الشيخ -رحمه الله تعالى- أبواب الشيخ هي تراجم محققة وتقريرات دقيقة يجمع تحتها الآيات والأحاديث الدالة على عنوان الترجمة.
ولعلنا جميعا نعرف أن كلمة "باب" المدخل إلى الشيء فالشيخ يعقد بابا في كتابه ويليه باب إلى آخر أبواب الكتاب، ثم يذكر الأدلة من كتاب الله وسنة نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- على هذا الذي عون له أو ترجم له.
قال: كتاب التوحيد وقول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ "كتاب التوحيد وقول الله" برفع "قول" على أنه مبتدأ أو بخفضه "وقولِ الله" على أنه معطوف على كلمة التوحيد. وهذا في كل الكتاب وفي جمع الأبواب القادمة لك أن تقرأ بالرفع على أنه ابتداء أو بالخفض على أنه عطف كتاب التوحيد.
وقول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ استهل الشيخ -رحمه الله تعالى- دلائل التوحيد بهذه الآية العظيمة من سورة الذاريات، وهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن التوحيد هو الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها وأوجدهم لتحقيقها، لماذا خلق الله؟ ما الغاية؟ لماذا خلق الله الثقلين؟ لماذا أوجدهم؟ ما الغاية من ذلك؟ ما الحكمة؟ الجواب في هذه الآية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ الله -جل وعلا- خلق الناس أوجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئا ليقوموا بعبادته، فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، فعل الأول ما هو؟ الخلق قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ليفعلوا هم الثاني وهو العبادة، لا يفعل بهم الثاني وإنما ليفعلوا هم؛ لأنهم خلقوا ليكلفوا بالعبادة، ولهذا منهم من يقوم بها ومنهم من لا يقوم بها، هم خلقوا للعبادة ووجدوا لها، لكن منهم من يقوم بهذه العبادة التي خلق لأجلها، ومنهم من يضل عن سواء السبيل ويتنكب صراط الله المستقيم.
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ﴾ أي: الثقلين لم أوجدهم من العدم، لم أخلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا إلا لغاية عظيمة وحكمة جليلة ما هي قال ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا ليقوموا بعبادتي.
وكنت أشرت في لقائنا السابق إلى قاعدة مهمة في الباب تؤثر عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن كل أمر بالعبادة في القرآن أمر بالتوحيد فمعنى قوله تعالى ﴿إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ إلا ليوحدون، أي: إلا ليقوموا بتوحيدي، والعبادة لا تكون عبادة صحيحة مقبولة إلا إذا قامت على التوحيد، ولعلكم تذكرون مثلت لهذا بمثال وهو الصلاة، قلنا: الصلاة لا تكون صلاة صحيحة مقبولة إلا بالطهارة، فإذا وجدت الصلاة بدون الطهارة فهي وعدمها سواء، والعبادة لا تكون عبادة صحيحة مقبولة إلا إذا كانت قائمةعلى التوحيد لله -سبحانه وتعالى-.
إذن الغاية من خلق الناس وإيجاد الثقلين توحيد الله وإفراده -سبحانه وتعالى- بالعبادة بهذا يظهر دلالة الآية للترجمة من حيث أن الآية دالة على أن التوحيد الذي هو موضوع هذا الكتاب هو الغاية التي خلق الخلق لأجلها ووجدوا لتحقيقها كما قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾.
والله -جل وعلا- لم يخلق الناس لحاجة منه أو به إليهم، لم يخلقهم ليتكثر بهم من قلة، ولا ليتعزز بهم من ذلة ،ولا ليتقوى بهم من ضعف، فهو الغني الحميد -سبحانه وتعالى- ولهذا تلاحظ في الآية التي تلي هذه الآية قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿57﴾ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ فالله -جل وعلا- غني عن العباد، غني عن توحيدهم، وعن عبادتهم، وعن دعائهم، وعن صلاتهم، وعن كل طاعة، غني عنهم -جل وعلا- وطاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم لا ينفع الله، وكذلك شرك من أشرك، وكفر من كفر، وضلال من ضل لا يضر الله، ولهذا جاء في الحديث القدسي أن الله -تبارك وتعالى- يقول: (يا عبادي، لو أن أولكم آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئ).
إذن طاعة من أطاع، وتوحيد من وحد، وإيمان من آمن لا ينفع الله، وشرك من أشرك، وكفر من كفر، وضلال من ضل لا يضر الله، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وحقيقة الأمر كما قال ربنا -سبحانه وتعالى-: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَ﴾ [الإسراء: 15] ولهذا كان واجبا على كل إنسان يريد السعادة لنفسه ويريد الخير أن يعرف هذا التوحيد الذي هو الغاية من خلقه وإيجاده، فيعرفه ويتعلمه ويسعى في تحقيقه وتكميله، إذن هذه الآية الأولى تدل على أن الغاية من خلق الناس وإيجاد الثقلين توحيد الله -جل وعلا-.
الآية الثانية:
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] )
هنا ترتيب المصنف للأدلة سنلاحظ فيه متانة ودقة وحسن تحريك، فبدأ أول ما بدأ بذكر الآية الدالة على أن الغاية من خلق الناس توحيد الله، خلقوا لتوحيده، ثم الغاية من بعثة الرسل للناس هي الدعوة إلى هذا التوحيد، فالغاية من بعثة الرسل والحكمة من إرسالهم الدعوة إلى توحيد الله، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ بعثنا أي: أرسلنا، البعث هو الإرسال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذه مهمة الرسل، الرسل من أولهم إلى آخرهم مضوا في الدعوة إلى هذه الغاية، وإرشاد الناس إلى هذا المطلب العظيم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ قلنا في الآية السابقة: لماذا خلق الله الخلق؟ وجاءنا الجواب في الآية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ وهنا لماذا أرسل الله الرسل وبعثهم؟ ويأتي الجواب في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ مثلها قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿25﴾﴾ [الأنبياء:25] وهنا ينبغي أن نعلم أن دين الأنبياء واحد، كلهم من أولهم إلى آخرهم -عليهم صلوات الله وسلامه- دينهم واحد، عقيدتهم واحدة، كلهم دعاة إلى التوحيد؛ بل إن التوحيد هو زبدة دعوة الأنبياء والمرسلين، وأول كلمة يسمعها الأقوام من أنبياءهم ورسلهم دعوتهم إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- وعندما تقرأ القرآن ودعوات الأنبياء تجد ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 23] هذا أول ما يقرع سمع الأقوام من أنبيائهم التوحيد، وهذا يدلنا على أن التوحيد هو زبدة دعوة المرسلين وخلاصة رسالتهم والغاية من بعثهم ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ وهذا يدل أيضا على أن حجة الله قائمة ببعثة الرسل، فمن بلغته دعوة المرسلين لا عذر له والحجة عليه قائمة ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ ولاحظ هنا فائدة عظيمة جليلة القدر في هذه الآية وفي نظائرها من الآيات الآتية معنا -أن التوحيد لابد فيه من أمرين إثبات ونفي، لابد منهما لا توحيد إلا بهما إثبات ونفي، كما هو أيضا في كلمة التوحيد العظيمة "لا إله إلا الله" ويجب علينا أن نعلم أنه لا توحيد إلا بالأمرين، فهما أصلان أو ركنان يقوم عليهما التوحيد الإثبات والنفي، الإثبات في الآية في قوله ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ والنفي في قوله ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ هذا إثبات ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا نهي، إذن لا توحيد إلا بنفي وإثبات.
ولاحظوا معي -أيها الإخوة- ملاحظة مهمة بل فائدة عظيمة: لو وجد من شخص إثبات بلا نفي، يقول: أنا أثبت لله الربوبية، وأثبت لله الأسماء والصفات، وأعبد الله ولكن لا أنفي هذا عن غيره، هذا ما اسمه؟ ما اسم من يقول: إن طريقته هذه هي، يقول: أنا أثبت ولكنني لا أنفي، النفي لا ألتزم به، ولا أقوم به، هذا مشرك، المشرك يعبد الله، يقوم بعبادات يتقرب بها إلى الله، يأتي منه أذكار، يأتي منه حج، يأتي منه دعاء، يأتي منه العبادات لكنهم لا ينفون العبادة عن غير الله، فإذن من أثبت ولم ينف مشرك.
ومن نفى ولم يثبت ملحد، الذي ينفي عن الله -سبحانه وتعالى- خصائصه وكمالاته وأسماءه هذا إلحاد، فإذن الإثبات بدون نفي شرك، والنفي بدون إثبات إلحاد، ولا يكون التوحيد إلا بالإثبات والنفي، نثبت لله -سبحانه وتعالى- خصائصه وننفيها عمن سواه، نخلص العبادة لله -سبحانه وتعالى- وننفيها عمن سواه، لا يكون التوحيد إلا بمجموع هذين الأمرين، ولا يكون الإنسان عبدا لله، موحدا لله، قائما بالدين الذي خلقه الله -سبحانه وتعالى- لأجله إلا بالأمرين معا ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الذي يعبد الله ولا يجتنب الطاغوت لا يبرأ من عبادة غير الله قلنا فيما سبق: ما عبد الله حقيقة؛ لأن العبادة لا تكون عبادة إلا بالتوحيد، والعمل لا يكون صالحا متقبلا إلا بالتوحيد، فإذا كان الإنسان موحدا عابدا مطيعا ممتثلا أمر الله، ومتبرءا من عبادة ما سواه متخلصا من الشرك فهذا هو حقيقة العبادة.
إذن لابد من الأمرين ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ [النساء: 36] كلها تدل على معنى واحد وهو ما دلت عليه كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" "لا إله" نفي و"إلا الله" إثبات وهذا هو التوحيد، ولا يكون التوحيد إلا بهذين الأمرين معا.
إذن الأنبياء بعثوا بهذا التوحيد الخالص، وبالدين النقي، وبالعمل الصافي الذي لم يرد به إلا الله -جل وعلا- وهو الحكمة من بعثهم، وهو الدليل كما ذكر المصنف -رحمه الله تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هل كل الناس امتثلوا واستجابوا؟ قال تعالى ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ﴾ [النحل: 36] بل قال -سبحانه وتعالى- ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾﴾ [يوسف: 104] أكثر الناس -والعياذ بالله- ضل عن هذا الصراط السوي وعن هذه الجادة المستقيمة التي دعا إليها أنبياء الله ورسله.
إذن الآية الأولى في بيان أن الغاية من خلق الثقلين العبادة، والآية الثانية في بيان أن الغاية أو الحكمة من بعثة الرسل العبادة والتوحيد وإفراد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة.
ثم ننتقل الآن للدليل الثالث عند الشيخ -رحمه الله تعالى- .
إذن -يا شيخ- ترتيب الآيات مقصود عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-
الشيخ -رحمه الله تعالى- كما قدمت رتب الآدلة ترتيبا متينا بهدف معين، ويتدرج بالقاريء في هذه الدلائل مبينا الحِكم والغايات مرتبًا هذه الأمور ترتيبا دقيقا، خلق الخلق لماذا؟ للتوحيد، ثم بعث لهم الرسل لماذا؟ للتوحيد، ثم سيأتي أيضا أنه وصية الله وأنه حق الله على ما سيأتي من خلال الآيات التي نقرأها.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴿23﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرً﴾ [الإسراء: 23] ) هذه الآية من سورة الإسراء فيها بيان أن التوحيد هو وصية الله لعباده؛ بل بيان أن التوحيد هو أعظم وصايا الله -جل وعلا- لعباده "وقضى" أي: وصى وأمر؛ لأن "قضى" تأتي على معنى التقدير وتأتي على معنى الأمر والوصية، قول تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: 12] هذا تقدير وخلق، أما هنا قضى أي: أمر ووصى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ أي: وصى وأمر ربك إلا تعبدوا إلا إياه.
إذن هذه الآية تدل على أن التوحيد في قوله ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ هو ماذا؟ وصية الله لأن القضاء هنا المراد به الوصية والأمر، فالتوحيد هو وصية الله وليست الآية تدل على هذا المعنى فقط؛ بل تدل على أن التوحيد أعظم وصايا -الله جل وعلا- لعباده من أين نأخذ هذا؟ من أين نأخذه؟ إذا قرأنا مجموع السياق كاملا، وهنا أريد الجميع أن يتأمل إما الآن أو فيما بعد نقرأ السياق كاملا في سورة الإسراء بدءا من هذه الآية؛ بل من الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ﴿22﴾وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ إلى أن قال بعد آيات ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورً﴾ [الإسراء: 39] هذا السياق أتمنى من الجميع؛ بل أرغب من الجميع أن يراجع الآيات ولو فيما بعد، وهذه الآيات كما قال الشيخ في المسائل تضمنت ثماني عشرة مسألة، أي: أمر ونهي، أوامر عديدة ستراها، ترى الأمر بالتوحيد، النهي عن الشرك، الأمر ببر الوالدين، النهي عن التبذير، النهي عن الزنى، النهي عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، النهي عن أكل مال اليتيم، أوامر ونواهٍ ستمر عليك عددها ثمانية عشر، عندنا تقرأ هذه الأوامر والنواهي التي جاءت في هذا السياق وعددها ثمانية عشر صدرت بماذا؟ ما هو أول نهي فيها وما هو أول أمر؟ أول نهي هو قوله: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وأول أمر: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ثم جاءت بعد ذلك النواهي إلى أن ختمت بالنهي عن الشرك، فبدئت هذه الأوامر بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد وختمت بالنهي عن الشرك، ماذا تستفيد أنت من هذا إذا تأملت في بيان قدر التوحيد ومكانته؟ أليس هذا يدل دلالة بينة واضحة أن التوحيد أعظم الأوامر؟ أليس بدء الله بالأمر دالا على أهميته؟ البدء يدل على الاهتمام، وإذا أردت أن تعرف قيمة البدء وأنه يدل على الاهتمام تذكر نبينا -عليه الصلاة والسلام- عندما صعد الصفا ماذا قال؟ قال (نبدأ بما بدأ الله به) ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: 185] البدء بالشيء يدل على الاهتمام به، ما يبدأ بالأدنى ويقدم على الأعلى، ولا يبدأ بالمهم ويقدم على الأهم، وإنما يبدأ دائما بالأهم وهذا مطرد، تجد الأوامر التي في القرآن مبدوءة بالأمر بالعبادة، النواهي التي في القرآن مبدوءة بالنهي عن الشرك وسيأتي معنا نظائر كثير لهذا، إذن إذا قلنا: دلت هذه الآية على أن التوحيد أعظم الوصايا، أعظم وصايا الله لعباده من أين نكون أخذنا هذا؟
لأنه صدر بالأمر بالأمر
صدر بالوصية بالتوحيد بقوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ فهذه جملة من الوصايا عدتها ثمانية عشر صدرت بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد.
إذن استفدنا من هذا السياق المبارك أن أعظم الوصايا وأجل الأوامر التوحيد، وأخطر ما نهى الله عنه بالله -سبحانه وتعالى- هو الشرك بالله -سبحانه وتعالى-.
لو قيل لك -أيها الأخ الموفق- ما الدليل على أن أعظم شيء وصى الله به وأمر الله عباده به هو التوحيد؟ ولو قيل لك أيضا ما الدليل على أن أعظم شيء نهى الله عنه وحرمه على عباده هو الشرك؟
الجواب واضح أمامنا في هذه الآية، وسيأتي معنا آيات مماثلة له. تقول في جوابك على هذا السؤال: إن القرآن مشتمل في مواضع كثيرة منه على أوامر ونواهٍ ونجد أن الأوامر تصدر بالأمر بالتوحيد، والنواهي تصدر بالنهي عن الشرك فدلنا ذلك على ماذا؟ على أن أعظم الأوامر وأعظم الوصايا هو توحيد الله، وأخطر النواهي وأخطر ما نهى الله -جل وعلا- عنه هو الشرك بالله.
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ قلنا: لا توحيد إلا بماذا؟ نفي وإثبات، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُو﴾ نفي ﴿إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ إثبات، فلابد في التوحيد من نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وإثبات العبادة بكل معانيها ودلالاتها لله وحده، ولا يكون التوحيد إلا بها.
ننتقل إلى الدليل الرابع قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾) إلى آخر الآية هذه الآية تسمى عند أهل العلم بآية الحقوق أو الحقوق العشرة، لماذا سميت بهذ الاسم؟ لأنها اشتملت على ذكر عشرة حقوق:
الحق الأول: حق الله، ثم بقية العشرة حقوق العباد، حق الوالدين، حق القربى، حق الجار، حق المسكين إلى آخر الحقوق التي ذكرت في هذه الآية، موضوعنا الدلالة على مكانة التوحيد وأهميته وعظم شأنه، ماذا نستفيد -أيها الإخوة- من هذا السياق المبارك في الآية المعروفة عند أهل العلم بآية الحقوق في مكانة التوحيد وفضله.
أن أعظم حق على الإطلاق وأجله وأهمه وأكبره التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، فليس في الحقوق حق أعظم منه، فهو أعظم الحقوق وأجلها وأكبرها على الإطلاق، من أين أخذنا أن هذا الحق هو أعظم الحقوق؟ من تقديمه والبدء به في آية الحقوق العشرة ذكر الله -جل وعلا- حقوقا كثيرة وذكر في مقدمتها وفي صدرها وفي أولها حقه -سبحانه وتعالى- ما هو حقه؟ قال: ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ هذا أعظم الحقوق على الإطلاق أعظم من حق الأبوين، وأعظم من حق الجيران، وأعظم من حق اليتيم، وأعظم من حق المسكين، وأعظم من حق الصاحب إلى غيرها من الحقوق التي ينبغي على العبد أن يحافظ عليها وأن يقوم بها، فأعظم الحقوق حق الله -سبحانه وتعالى-.
إذن هذه الآية الرابعة دلت على أن التوحيد والبعد عن الشرك هو أعظم الحقوق،
أذكر بالآيات مرتبة:
الآية الأولى: دلت على أن التوحيد هو الحكمة من خلق الثقلين.
والآية الثانية: دلت على أن التوحيد والبعد عن الشرك هو الغاية من بعثة
الرسل.
والآية الثالثة: دلت على أن التوحيد هو أعظم الوصايا وأجلها على الإطلاق.
والآية الرابعة: دلت على أن التوحيد هو أعظم الحقوق، وهو حق الله على عباده الذي أوجدهم -سبحانه وتعالى- لأجله وخلقهم لتحقيقه ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ أيضا تدل الآية على أن التوحيد لا يكون إلا بالنفي وبالإثبات، الإثبات في قوله ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ﴾ والنفي في قوله ﴿وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ ولا توحيد إلا بهذا، ما وحد الله من عبده بدون نفي الشرك، لا يكون توحيد الله -جل وعلا- إلا بعبادته مع نفي الشرك والبعد عنه.
ثم الآية الخامسة:
قال المصنف -رحمه الله تعالى- وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿151﴾ وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿152﴾ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 151: 153 ] هذه الآيات الثلاث الكريمات من سورة الأنعام يسميها العلماء آيات الوصايا العشر، لماذا؟ لأنها مشتملة على عشر وصايا.
سابقة آية الحقوق العشر
الآية الأولى من سورة النساء وهي آية واحدة يسميها أهل العلم آية الحقوق العشر، فيها عشرة حقوق، وهذه الآيات الثلاث من سورة الأنعام يسميها العلماء آيات الوصايا العشر؛ لأنها اشتملت على عشر وصايا، ولعلكم لاحظتم أن كل آية من الآيات الثلاث مختومة بقوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ إذن هذه وصايا، وكل آية من هذه الآيات الثلاثة ختمت بقوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ الآية الأولى ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ والآية الثانية ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ والآية الثالثة ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وهذا أيضا فيه حكمة لماذا؟ لأن أول ما يكون من الإنسان أن يعقل الأمر، يعقله يفهمه على وجهه، ثم إذا عقله انتقل من العقل إلى زوال الغفلة بالتذكر فيعقل أولًا، ثم يحصل له التذكر وهو زوال الغفلة، فإذا عقل وتذكر وزالت عنه الغفلة خاف الله واتقاه، فهذا في حكمة ترتيب هذه الوصايا.
إذن يحتاج العبد أن يعقل وصايا الله، وبعقله لها يكون متذكرا هذ الأمر العظيم محققا له مبتعدا عن سبيل الغافلين، ثم يحقق تقوى الله -جل وعلا- في التزام أوامره والبعد عن نواهيه، وهذا أيضا يفسر لنا أن الفساد والخلل الذي ينشأ عند الكثير في جانب الأوامر أو جانب النواهي سببه إما عدم العلم، عدم العقل، أو عدم التذكر بالغفلة، أو عدم خوف الله -جل وعلا- ولوجود هذه الأمور فيك تأتي تدريجيا بالعقل أولًا، وبزوال الغفلة ثانيا، ثم بتحقيق خوف الله -جل وعلا- ومراقبته ثالثا، هذه الآية تسمى آية الوصايا العشر.
قبل أن أسترسل وقبل أن أنسى أتمنى من الجميع في آياتنا الثلاث آيات الإسراء التي تتضمن ثمانية عشر مسألة، وآية النساء التي تتضمن الحقوق العشر، وآيات الأنعام الثلاثة التي تتضمن الوصايا العشر -أن يعيش المسلم بعد الحلقة أو في وقت آخر مع كتاب الله يفتح القرآن ويعد من سورة الإسراء ثمانية عشر مسألة أوامر ونواهي كل مسألة يكتب أمامها دليلها من الموضع نفسه في السياق، ثم ينتقل إلى الحقوق العشر وأيضا يكتبها وكل حق أمامه دليله من السياق، ثم أيضا الوصايا العشر في سورة الأنعام ويذكر كل وصية أمامها دليلها، ثم أيضا يرجع إلى كتب التفسير ويستفيد من أقوال أهل العلم حتى يعظم حظه من الخير ومن هذه الأوامر والنواهي المجتمعة في هذه السياقات، وسيحصل من يفعل ذلك خيرا عظيما ونفعا كبيرا بإذن الله تعالى.
هنا الآن نعود إلى مقصودنا من ذكر الشيخ -رحمة الله عليه- لهذا السياق المبارك ﴿قُلْ تَعَالَوْ﴾ قل يا محمد: تعالو يا من تعبدون غير الله وتشركون به وتخالفون أمره ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وهنا أيضا النبي -صلى الله عليه وسلم- دعوته ما هي؟ تلاوة وحي الله ﴿إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45] هذه دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو الناس إلى كلام الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ﴾ [التوبة: 6] مهمته إبلاغ الكلام فهو رسول -صلوات الله وسلامه عليه- والرسول مهمته إبلاغ كلام مرسله ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ قل تعالو أي: أيها المشركون أتل ما حرم ربكم عليكم ماذا؟ ألا تشركوا به شيئا، وهنا قال أهل العلم: أن ثمت محذوف مقدر دل علهي السياق وهو وصاكم ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ وصاكم ألا تشركوا به شيئا، أخذوا هذا من تمام الآية في قوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ فيكون المعنى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: حرم ربكم عليكم أو وصاكم بالبعد عن الشرك، وصاكم ببر الوالدين إلى آخر الوصايا المذكورة في هذه السياقات.
﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ هذا فيه الوصية بالبعد عن الشرك، وهذا السياق مشتمل على التحذير من نواهٍ عديدة بدأت بالنهي عن الشرك، فدل هذا السياق على أن أعظم شيء نهى الله عنه الشرك بالله.
أعظم وصية
أعظم شيء نهى الله عنه الشرك بالله، وهو وصية عظيمة بل هي أعظم وصايا الله -جل وعلا- لعباده نهيهم عن الشرك، والنهي عن الشرك يدل بالاقتضاء على ماذا؟
على الأمر بالتوحيد
على الأمر بالتوحيد، فالنهي هنا عن الشرك يدل بالاقتضاء على الأمر بالتوحيد ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ فهذا يدل على أن أعظم وصايا الله -جل وعلا- تحريم الشرك، وهو يدل بالاقتضاء -كما قدمت- على الأمر بالتوحيد فأفدنا من ذلك أن أعظم الأوامر التوحيد، وأعظم النواهي أو أخطر النواهي الشرك بالله -عز وجل-.
التوحيد الذي هو أعظم الأوامر عرفناه، وعرفنا أنه لا يكون إلا بالنفي والإثبات وهو إفراد الله -سبحانه وتعالى- وسبق أن تحدثت في الحلقة السابقة عن معنى التوحيد وعن أنواع التوحيد، وعرفنا فيما سبق أن التوحيد أنواع ثلاثة: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الأسماء والصفات، وتوحيد في الألوهية، وتوحيد الله في هذه إفراده بها وعدم جعل شريك معه في شيء منها هذا هو التوحيد، فما هو الشرك الذي نهى الله عنه ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ ما هو الشرك الذي نهى الله عنه؟ لا تشركوا الشرك هو التسوية، معنى الشرك أي: التسوية، تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله، هذا هو الشرك ولذلك أهل النار عندما يدخلونها يوم القيامة ماذا يقولون؟ ﴿تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿97﴾إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿98﴾﴾ [الشعراء: 97: 98] فهذا يبين لنا معنى الشرك أنه تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله، سواء خصائصه في ربوبيته، أو خصائصه في أسماءه وصفاته، أو خصائصه -سبحانه وتعالى- في ألوهيته، تسوية غير الله به أوعدل غيره به كما قال -جل وعلا- ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] أي: يسوون غيره به، فمن سوى غير الله بالله في شيء من خصائص الله فهو مشرك بالله، والله -جل وعلا- أمر عباده بالتوحيد ونهاهم عن الشرك والآية الكريمة تدل على أن التوحيد أعظم الأوامر والنهي عن الشرك هو أعظم النواهي.
إذن هذه خمس آيات ذكرها المصنف -رحمه الله تعالى-:
الآية الأولى: التوحيد هو الحكمة من الخلق.
والثانية: الحكمة من بعثة الرسل.
والثالثة: أعظم الوصايا التوحيد.
والرابعة: أعظم الحقوق التوحيد.
والخامسة: أعظم ما نهى الله عنه الشرك بالله.
فهذه خمس آيات صدر بها المصنف كتابه مبينا من خلالها مكانة التوحيد وعظيم
شأنه ورفيع قدره.
نواصل الآن في دراسة الكتاب، وأخذنا الآيات الخمس التي صدر الله بها الشيخ -رحمه الله تعالى- كتابه التوحيد، والآن نستمع إلى بقية هذا الباب ولعلنا ننهيه باختصار في هذه الحلقة حتى تكون كل حلقة ننهي فيها بابا من أبواب كتاب التوحيد.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد -صلى الله عليه وسلم- التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ إلى قوله تعالى﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمً﴾ الآيات)
الشيخ -رحمه الله تعالى- لما ذكر هذه الآيات الثلاث التي اشتملت على عشر وصايا أعقبها بهذا الأثر عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- في بيان مكانة هذه الوصايا العشر وعظم شأنها، فأورد هذا الأثر عن ابن مسعود يقول فيه: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد -صلى الله عليه وسلم- التي عليها خاتمه فليقرأ هذه الآيات، ومعنى قوله: "عليها خاتمه" شبهها بالوصية التي وضعت في غلاف وأغلقت وأحكمت ووضع عليه الخاتم فلم تتبدل ولم تتغير، وهذا يؤكد على مكانة هذه الوصية، والمعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لوكان موصيا لأوصى بكتاب الله كما قال: (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلو) وهذه الوصايا العشر هي أعظم الوصايا في كتاب الله -عز وجل-.
إذن هذا يدلنا على فقه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- وفقه ابن مسعود في بيانه لمكانة هذه الوصايا وعظم شأنها، وأنها بمثابة الوصية العظيمة المتينة التي كتبت وحررت وختم عليها ولم تتبدل ولم تتغير، وإيراد المصنف لهذا الأثر المقصود منه بيان مكانة هذه الآيات.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (وعن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- قال: ( كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا. قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلو) [أخرجاه في الصحيحين])
هذا الحديث العظيم وهو في الصحيحين فيه بيان مكانة التوحيد وأنه حق الله على العباد، والمؤلف ساقه لهذا الأمر، ساقه لبيان مكانة التوحيد وأنه حق الله على عباده.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله ) وتأمل هذا الأسلوب الحكيم من النبي -صلى الله عليه وسلم- في التعليم، وتأمل أيضا تواضعه -صلوات الله وسلامه عليه- وكمال وأدبه خلقه وحسن تعليمه، فهو -عليه الصلاة والسلام- يركب الحمار ويردف من أصحابه معه، أردف معاذا وأردف ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وأردف الفضل، وأردف آخرين من الصحابة حتى أن أحد السلف ألف رسالة مطبوعة: "من أردفهم النبي -عليه الصلاة والسلام-" فالنبي -عليه الصلاة والسلام- الذي هوسيد ولد آدم كان يركب الحمار، وكان يردف عليه، وكان حسن التعليم، ومعه معاذ ويخاطبه باسمه متلطفا: (يا معاذ، أتدري) وبهذا شد انتباه معاذ للتعلم وحسن الإفادة (أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم) وهذا فيه أن من لم يعلم يحيل العلم إلى عالمه، وإذا سئل أحدنا عن شيء لا يعلمه يقول هذه الكلمة التي قالها معاذ يقول: "الله أعلم" يحيل العلم إلى عالمه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان بين أظهرهم ويأخذون عنه العلم ويتلقون منه الذكر -صلوات الله وسلامه عليه- ويسألونه.
فالشاهد أن معاذا قال: الله ورسوله أعلم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ) هذا الحق الذي لأجله خلقهم، ولأجله أوجدهم، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، لا يكفي أن يعبدوه لا يكون الأمر بهذا كافيا محققا المقصود؛ ولهذا قال: (ولا يشركوا به شيئ) فلا يكون التوحيد إلا بالعبادة مع نفي الشرك.
هذا حق الله على عباده، وهو الذي جعله المصنف -رحمه الله تعالى- عنوانا لكتابه قال: "التوحيد الذي هو حق الله على العباد" فهذا أخذه لفظا من حديث معاذ (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئ) وهذا يدلنا على فضل التوحيد، وسيأتي عند المصنف الباب اللاحق في فضل التوحيد، فمن فضل التوحيد أن الله -جل وعلا- لا يعذب من لا يشرك به شيئا، و"شيئا" نكرة في سياق النفي فهي تعم، "لا يشرك به شيئا" فالذي لا يشرك بالله شيئا أي شيء أو أي نوع من أنواع الشرك لا يعذبه الله فهذا يدلنا على فضل التوحيد.
وقوله: (لا يعذب من لا يشرك به شيئ) أترك هنا سؤالا للإخوة المتابعين معنا وهو لماذا سميت العقوبة عذابا؟ ولعلنا نأخذ جوابه في الحلقة الآتية إن شاء الله، لماذا سميت العقوبة عذابا؟.
قال: (لا يعذب من لا يشرك به شيئا ) معاذ -رضي الله تعالى عنه- فرح بهذا الأمر الذي فيه جلالة قدر التوحيد ومكانته فقال: "أفلا أبشر الناس" وهذا فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره. فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تبشرهم فيتكلو) يعني: لكي لا يتكلوا على هذا الأمر، ويحصل عندهم تراخٍ أو فتور عن العمل، وجاء في بعض الروايات أن معاذا -رضي الله تعالى عنه- أخبر بذلك عند موته تأثما، يعني: خشية أن يأثم بكتمان هذا العلم.
على كل حال هذا الحديث الشاهد منه هو بيان مكانة التوحيد، وأنه حق الله -سبحانه وتعالى- على عبيده، فهذا باختصار ومما يتناسب مع وقت هذه الحلقة من بيان لهذا الكتاب، أو المبدأ لكتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى وغفر له-.
وأيضا أترك سؤالا ثانيا للإخوة المتابعين معنا وهو أن يبين في الجواب مختصرا كل دليل أورده المصنف، يعني: كل دليل من الأدلة التي أوردها ما غاية المصنف من إيرادها؟ لماذا أورد كل دليل؟ وهذا ما يسميه العلماء "مناسبة الآية للترجمة" أو "مناسبة الحديث للترجمة" فما مناسبة الآية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والحديث؟ ما مناسبة كل آية للترجمة؟ فيأتي الجواب بأنها دلت على كذا، فهذا أيضا يكون سؤالا مطروحا مع السؤال الأول للإخوة المستمعين والمتابعين معنا، ولعلنا –إن شاء الله- نتلقى إجاباتهم عليه في حلقتنا القادمة والله تعلى أعلم.
هناك بعض الأسئلة ... ووصل العديد من إجابة سؤال الحلقة الماضية منها: إحدى الإجابات ذكرت نبذة مختصرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وذكرت كذلك له بعض المؤلفات. أيضا أخرى أجابت عن الإجابة التي هي عبارة عن نبذة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وكذلك نبذة عن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وعن كتابه القول السديد.
نسمع مقطعا من النبذة هذه عن الكتاب في حدود سطرين.
وكان كتاب القول السديد في شرح كتاب التوحيد شرحا مختصرا مفيدا جامعا نافعا لكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- بدأ بمقدمة مختصرة تحتوى على مجملات عقائد أهل العلم في الأصول وتوابعها، ثم بدأ بشرح كتاب التوحيد حسب ترتيب المؤلف في الأبواب، فصل فيه -رحمه الله تعالى- ما أوجزه الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في الأبواب والمسائل الملحقة بكتاب التوحيد، فكان يقف -رحمه الله تعالى- عند بعض المسائل التي تحتاج مزيدا من التبيان ويفصل فيها تفصيل العالم المتقن، إلا أن منهجه في العموم منهج الشرح المختصر المفيد
جميل، أيضا لو أنها نصت على أن مقصد هذا الكتاب ليس الشرح والتفصيل، وإنما مقصده بيان مقاصد الكتاب بإيجاز واختصار.
هناك بعض الأسئلة، يقول هذا السائل: ما صحة قول من يقول: إن صفات لله من المتشابه؟ وهل إذا حملنا قوله على أن المراد هو كيفية الصفات نكون متبعين للسلف في ذلك؟
هناك أسئلة كانت لها علاقة بالشرك الخفي وكذلك جانب التوكل يعني: الأسئلة خارج موضوع الدرس اليوم
الأخ -وفقه الله- يسأل عن الصفات هل هي من المتشابه؟ أولا: الله -جل وعلا- يقول وفي سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7] والتشابه هنا في قوله -سبحانه وتعالى- ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: في آيات من كتاب الله، فالكتاب العزيز فيه آيات محكمات، أي: واضحة الدلالة، بينة المعنى ظاهرة، وفيه آيات متشابهة، والمراد بالتشابه فيها التشابه النسبي، بمعنى أنها تخفى على بعض الناس، وتخفى على كثير من الناس، ولا تخفى على العالم المحقق؛ ولهذا ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- في هذه الآية قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويل المتشابه.
فإذن التشابه نسبي الذي هو التشابه المتعلق بالمعنى معاني الآيات، حتى في آيات الصفات قد يشتبه على بعض الناس لقلة علمه وقلة بصيرته وقلة درايته، قد يتشابه عليه المعنى فلا يتضح له وهذا راجع لقلة علمه، أما الراسخ في العلم فالمعنى عنده واضح، والمعنى عنده بين، فهذا من حيث المعنى، أما من حيث كيفية الصفات فهذا من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فالتشابه قد يراد به الحقيقة، وقد يراد به المعنى، فإن كان المراد الحقيقة فهذا متشابه على كل أحد لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى- وأما من حيث المعنى فآيات الصفات واضحة بينة معروفة الدلالة، وقد يخفى المعنى على بعض الناس لقلة علمه وقلة بصيرته، أما من عنده علم وبصيرة وفهم لكتاب الله -جل وعلا- فآيات الصفات واضحة المعنى، واضحة الدلالة لا التباس فيها ولا تشابه.
السؤال الأول: لماذا سميت العقوبة عذابا؟
السؤال الثاني: وهو كتابة الغاية من كل دليل أورده الشيخ في هذا الباب؟
http://www.ansaaar.com/up/uploads/bc9c288630.gif
http://www.ansaaar.com/up/uploads/460457ac15.gif
AL-Seraj
04-14-2008, 03:44 PM
بارك الله فيك اختنا الكريمة وجعلها في موازين حسناتك
nary_jon
04-14-2008, 04:18 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
حياك الله وبياك اخي الكريم
nary_jon
04-21-2008, 03:43 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الرابع:التوحيد:فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر
في هذا الدرس المبارك يسرنا أن نرحب بشيخنا الكريم الأستاذ الدكتور/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية نرحب بشيخنا الكريم فأهلا وسهلا بكم فضيلة الشيخ.
وأنا كذلك أرحب بكم يا أخ تركي وبجميع الإخوة المتابعين معنا في هذا الدرس الذي نسأل الله -جل وعلا- أن يجعله درسا مباركًا نافعا للجميع.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
معاشر الإخوة الكرام، في درسنا الماضي مر معنا نصوص عظيمة دالة على عظم شأن التوحيد ورفيع مكانته، وأنه الغاية التي خلقنا لأجلها وأوجدنا لتحقيقها، وأن الرسل الكرام -عليهم صلوات الله وسلامه- إنما بعثوا لدعوة الناس لتحقيق هذه الغاية العظيمة والمطلب الجليل، ومر معنا أيضًا الآيات الدالة على أن التوحيد هو أعظم الوصايا، وهو حق الله تعالى على عباده.
فلما بين الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مكانة التوحيد شرع في الباب الذي هو موضوع درسنا في هذا اللقاء -شرع في بيان فضل التوحيد وآثاره العظيمة وثماره المباركة في الدنيا والآخرة، فعقد هذه الترجمة التي هي موضوع درسنا، ونستمع الآن إلى عنوان الباب، وأيضًا الأدلة التي ساقها المؤلف -رحمه الله- في هذا الباب.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾).
قال المؤلف -رحمه الله-: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب)
في لقائنا السابق عرفنا أن الباب هو المدخل إلى الشيء، وفي العلم يعقد المصنفون وأهل العلم أبوابا عديدة يكون كل بابا منها جامعًا لمسائل أو دلائل تختص بالترجمة التي هي عنوان الباب، وعرفنا أن الشيخ -رحمه الله- قسم كتابه التوحيد إلى أبواب تزيد على الستين بابا، فهذا الباب عقده لبيان فضل التوحيد، قال: (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) فضل التوحيد، أي: فضائله لأن التوحيد له فضائل كثيرة، ومنافع عديدة، وآثار طيبة، والمفرد إذا أضيف -القاعدة فيه عند أهل العلم- يعم، فـ"باب فضل التوحيد" أي: باب عقد لبيان فضائل التوحيد وثماره وآثاره المباركة التي لا تعد ولا تحصى.
قال: (وما يكفر من الذنوب) ما يكفر هنا "ما" يحتمل أن يكون مصدرية ويحتمل أن يكون موصولة، إذا كانت موصولة يكون الباب (باب فضل التوحيد) والذي يكفره من الذنوب، وإذا كانت مصدرية يكون الباب باب فضل التوحيد وتكفيره الذنوب، والأولى أن تقدر مصدرية؛ لأنها إذا قدرت موصولة قد يتوهم أو يظن أن التوحيد يكفر بعض الذنوب لا بعض، باب فضل التوحيد والذي يكفره من الذنوب، فقد يتوهم أو يظن أنه يكفر بعضًا دون بعض، وليس هذا هو المراد؛ ولهذا قال أهل العلم: الأولى أن يكون تقديرها مصدرية لا موصولة.
(باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب) أي أن من فضائل التوحيد تكفير الذنوب، وهذا كما بين أهل العلم من عطف الخاص على العام، ما معنى ذلك؟ التوحيد له فضائل كثيرة من جملة هذه الفضائل ماذا؟ تكفيره الذنوب، من جملة هذه الفضائل تكفيره للذنوب، فالتوحيد له فضائل سيأتي معنا في هذه الترجمة جملة مباركة منها، ومن جملة هذه الفضائل أن التوحيد يكفر الذنوب وسيأت الدليل عليه.
بدأ أولَ ما بدأ في سَوْق الأدلة على هذه الترجمة بإيراد قول الله -سبحانه وتعالى- في سورة الأنعام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ [الأنعام: 82] وهذه الآية الكريمة تدل على فضيلة عظيمة للتوحيد ألا وهي أن التوحيد سبب الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة، لأن الله -عز وجل- ختم الآية بقوله: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إذن هاتان فضيلتان للتوحيد أنه سبب للأمن وسبب للاهتداء.
قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُو﴾ ما معنى ﴿يَلْبِسُو﴾؟ أي: يخلطوا، واللبس الخلط، آمن دون أن يخلط إيمانه، واللبس هو ما يغطي الشيء ويحيط به، وليس من الذنوب ما من شأنه أن يغطي الإيمان ويمسح أثره إلا الشرك؛ ولهذا فإن المراد بالظلم في الآية هو الشرك لا سائر الذنوب، فقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك، وقد جاء في السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسير الظلم بذلك؛ لأن الصحابة كما في المسند وغيره لما نزلت هذه الآية شق عليهم أمرها، لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ شق أمر الآية على الصحابة، وأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ ظنوا أن المراد بالظلم ماذا؟ ظنوا أن المراد بالظلم ظلم النفس بفعل المعاصي، وهنا ينبغي أن نعلم -معاشر الإخوة- أن الظلم ثلاثة أنواع، ودواوين الظلم يوم القيامة في ثلاثة، وهذا ثبت به حديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (دواوين الظلم ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يتركه الله، وديوان لا يعبأ الله به؛ أما الديوان الذي لا يغفره الله فهو الشرك، وأما الديوان الذي لا يتركه الله فهو ظلم العباد بعضهم لبعض حتى يقتص للمظلوم من ظالمه، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به فهو ظلم العبد لنفسه فيما دون الشرك) .
الآن عرفنا دواوين الظلم الثلاثة، الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ما المراد بالظلم هنا؟ النوع الأول، نأخذ هذا التفسير من السنة؛ لأن الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الآية ففسر لهم ذلك قال: (ليس هذا أما قرأتم قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) [لقمان: 13] والمراد بالظلم هنا في الآية تحديدا الشرك بالله، ويأتيكم هنا سؤال لماذا سمي الشرك في الآية وفي آيات عديدة بالظلم؟ لماذا سمي ظلما؟ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهل هناك أعظم من أن يضع الإنسان العبادة في غير موضعها، العبادة حق لله فإذا صرفت لغير الله وضعت في غير موضعها وهذا أظلم الظلم؛ ولهذا الشرك ظلم بل هو أظلم الظلم، وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فالشرك ظلم؛ بل هو أظلم الظلم، وقوله ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ أيضًا كما استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ استنبط أن المراد بالظم هنا الشرك؛ لأن الذي يلبس الشيء هو ما يغطيه، وليس شيء يغطي الإيمان ويعفي أثره مثل الكفر والشرك بالله.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا توحيدهم وإيمانهم بشرك ما هي الثمرة؟ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إذن الأمن والاهتداء ثمرة للتوحيد والبعد عن الشرك وهذا هو مقصود الترجمة، إذن الآية دلت على أن أهل التوحيد البعيدين عن الشرك هم أهل الأمن وأهل الاهتداء في الدنيا والآخرة.
هنا نريد أن نصل إلى فائدة، تؤخذ من الآية ما هي أقسام الناس من حيث تحصيلهم للأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة؟ ما القسمة التقديرية هنا؟ ما هو حظ الناس من الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة؟ على قدر التوحيد، هذا الجواب موجز ودال على المقصود، على قدر التوحيد، لكن على وجه التفصيل جوابًا على هذا السؤال نقول: الناس في حظهم من الأمن والاهتداء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
قسم أهل الأمن التام والاهتداء التام: وهؤلاء هم الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك وأيضًا كملوا إيمانهم وتمموه بالعبد عن الذنوب والبعد عن المعاصي والتوبة منها وحسن الإقبال على الله -سبحانه وتعالى- فهؤلاء ما هو حظهم من الاهتداء؟ التام الكامل.
القسم الثاني: عنده التوحيد ولكنه ظلم نفسه بالمعاصي والذنوب، فهذا ينتفي عنه الأمن والاهتداء كلية أو له حظ من الأمن والاهتداء؟ له حظ من الأمن والاهتداء، إذن إيمانه ناقص فأمنه واهتداؤه ناقص مثلما قال زميلكم: بحسب قدر التوحيد وقدر الإيمان.
والقسم الثالث: من ليس له أمن ولا اهتداء وهو من؟ المشرك.
إذن نقول: من جاء بالإيمان التام فله الأمن والاهتداء التام، ومن جاء بالإيمان الناقص فله أمن واهتداء ناقص بحسب إيمانه، ومن لا إيمان له فلا أمن له ولا اهتداء.
إذن هي ثلاثة، ومن هذا أيضًا ندرك فضيلة التوحيد ومكانة الإيمان، وأن من آثاره الحميدة وعوائده الطيبة أن صاحبه له الأمن وله الاهتداء في الدنيا والآخرة.
والآن ننتقل إلى الدليل الثاني عند المصنف -رحمه الله-.
قال المصنف -رحمه الله-: (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجه)
هذا الحديث العظيم حديث عبادة بن الصامت قال عنه الإمام النووي صاحب رياض الصالحين وصاحب الأربعين إمام مشهور، قال: هذا الحديث من أجمع أو أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد. وفعلا حديث جامع، جامع لعقائد الإيمان وموجبات دخول الجنة، وقد ختمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) والشاهد من الحديث للترجمة قوله: (أدخله الله الجنة) أي: أدخله الله الجنة، فهذه ثمرة من ثمار التوحيد المباركة، أنه سبب لدخول الجنة، وصاحب التوحيد هو من أهل الجنة ومآله إلى جنات النعيم، والحديث اشتمل على بيان توحيد الله -عز وجل- بالعبادة وإخلاص الدين له، وأيضًا تجريد المتابعة والإيمان بالرسول -عليه الصلاة والسلام- وغير ذلك من أمور الإيمان التي يأتي بيانها على وجه الاختصاص.
بدأ أول ما بدأ -عليه الصلاة والسلام- بهذه الإيمانيات العظيمة والعقائد المتينة في هذا الحديث، بدأ أول ما بدأ بقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله) وهذا أعظم المطالب وأجل المقاصد على الإطلاق شهادة أن لا إله إلا الله.
شهد أن لا إله إلا الله أي: أقر واعترف وآمن وأذعن بأن لا إله إلا الله، وهذه الشهادة تتطلب من الشاهد حتى تكون شهادته حقًا وصدقا -تتطلب منه أمورا ثلاثة: العلم، والعمل والصدق، العلم بما شهد، والعمل بما شهد، وأن يكون أيضًا صادقا في هذه الشهادة، فهذه أمور ثلاثة لابد منها.
فمن شهد أن لا إله إلا الله حتى تكون شهادته أن لا إله إلا الله صحيحة مقبولة، مجزية نافعة لابد من أمور ثلاثة: علم وعمل وصدق، فإذا كانت شهادته عن علم كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] قال بعض المفسرين: إلا من شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون ما شهدوا به، وجاء في صحيح مسلم من حديث عثمان -رضي الله عنه-: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة) فلابد من العلم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: 19] لابد من العلم.
ولابد من العمل، لا إله إلا الله لها مقتضيات وموجبات، مقتضيات لهذه الشهادة، فلابد من العمل بها.
ولابد أيضًا أن يكون قائلها صادقا لا يشهد بها بلسانه بل بل يواطئ قلبه لسانه، يكون صادقا من قلبه، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة).
لاحظوا معي "لا إله إلا الله" إنما تكون نافعة مجزية الشهادة بها، إذا توفرت أمور ثلاثة: العلم والعمل والصدق، إذا وجد العلم خرج الإنسان وبرئ من طريقة النصارى الذين يعملون ولا يعلمون على ضلالة، وإذا وجد العمل خرج من طريقة اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وقد جاء في حديث يرفع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه قال: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى) لماذا؟ لأن أولئك يغلب عليهم العلم بلا عمل، وأولئك يغلب عليهم العمل بلا علم.
فإذن الشهادة لابد من علم حتى يخرج من طريقة أهل الضلال الذين يعملون بلا علم، ولابد فيها من العمل حتى يخرج من طريقة المغضوب عليهم الذين يعلمون ولا يعملون، ونحن في كل صلاة نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، المغضوب عليهم من عندهم علم بلا عمل، والضالون من عندهم عمل بلا علم.
فإذن لابد من العلم حتى نخرج من طريقة أهل الضلال ولابد من العمل حتى نخرج من طريقة المغضوب عليهم؛ لأن الذي يعلم ولا يعمل يغضب الله عليه، والذي يعمل بلا علم ضال، فإذن لابد من العلم ولابد من العمل، ولابد من الأمر الثالث وهو الصدق حتى يخرج من طريقة من؟ المنافقين الذين يظهرون ما لا يبطنون ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ﴾ لاحظ الكلمة ﴿نَشْهَدُ﴾ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿1﴾﴾ [المنافقون: 1] كاذبون في ماذا؟ في صدقهم، كاذبون في صدقهم؛ لأن ما نطقوا به يخالف قلوبهم، ولهذا أهل العلم قالوا: لا إله إلا الله لها لفظ ولها معنى، فلا يقبل اللفظ بدون المعنى، لابد أن يتلفظ الإنسان بها، ولابد أن يفهم معناها، وأن يحقق معناها، وأن تكون نابعة من قلبه، إذن هذا هو معنى الشهادة: "أشهد أن لا إله إلا الله" يعلم ويكون صادقا بهذه الشهادة ومحققا لمقتضياتها، وسيأتي معنا أيضًا أن هذه الكلمة لا تكون مقبولة من قائلها إلا بشروط ذكرها أهل العلم مأخوذة بالاستقراء لكتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.
(من شهد أن لا إله إلا الله) لا إله إلا الله قلنا ونؤكد: أن كلمة التوحيد تتضمن النفي والإثبات وهما ركنان للتوحيد، لا قيام للتوحيد إلا عليهما، النفي في قوله: "لا إله" والإثبات في قوله: "إلا الله قلت لكم في لقائنا السابق: من وجد منه النفي دون الإثبات ما حكمه؟ ومن وجد منه الإثبات دون النفي ما حكمه؟
من وجد منه الإثبات دون النفي مشرك، ومن وجد معه النفي دون الإثبات هذا ملحد.
أحسنت، إذن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، نفي العبادة عن كل من سوى الله، وإثباتها لله وحده (لا إله إلا الله) هذا المعنى إذا لم يفهم ونطق الإنسان بهذه اللفظة هل يكون حققها؟ إذا نطق الإنسان باللفظ لا إله إلا الله لكنه لا يدرك ما تدل عليه هذه الكلمة من النفي والإثبات؟ المشركون الذين بعث فيهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) فهموا وهم عرب خلص يعرفون دلالة الألفاظ ومعانيها لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) ماذا قالوا: ذكر الله -عز وجل- جوابهم في القرآن: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿5﴾﴾ [ص: 5] من أين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدً﴾ من أين أخذوا هذا؟ من كلمة "لا إله إلا الله" عرفوا أن "لا إله إلا الله" تنفي العبادة عن كل من سوى الله، تنفيها عن اللات، عن العزى، عن مناة، عن كل ما يعبد، وتثبت لله وحده ففهموا الكلمة فقال: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿5﴾﴾ [ص: 5] وأخذوا يتواصون بينهم بأن يكون بينهم صبر على الآلهة وعبادة الآلهة وألا يدخلوا في هذا الدين الجديد ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿6﴾﴾ [ص: 6] يعني: يراد بكم أمر فلا تنخدعوا ولا تنغروا ولا يخدعكم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ إذن هم مجرد أن قال لهم النبي -عليه الصلاة والسلام-: (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) فهموا المعنى، أبو سفيان لما ذهب إلى الشام وسأله هرقل إلى أي شيء يدعوكم؟ ماذا قال سفيان؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، من أين جاء بهذه الكلمة اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا؟ من لا إله إلا الله يسمعه يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحو) وفَهِمَ المعنى، فَفَهْم المعنى لابد منه حتى يكون الإنسان من أهل هذه الكلمة، فهْم مدلول هذه الكلمة، والعمل بها والصدق بقولها.
ثم قال: (ومن شهد أن محمدًا رسول الله) الشهادة لنبينا -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة.
عفوا يا شيخ هذا الحديث ينطبق على ما ذكرتم أن آيات التوحيد تكون في بداية الآية في بداية السياق، مصدرة في الآيات، نجد أنها كذلك هنا في التوحيد في بداية الحديث (من شهد أن لا إله إلا الله).
ما ذكرناه في القرآن أيضًا يأتي في أحاديث كثيرة، عندما يذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأوامر يبدأ بالتوحيد (يا معاذ، إنك تأتي قومًا أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) ثم ذكر الصلاة ثم الزكاة (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟) بدأ بالشرك بالله ثم ذكر عقوق والوالدين ثم ذكر شهادة الزور(اجتنبوا السبع الموبقات) أول ما بدأ ذكر الشرك ثم ذكر وهكذا، فدائما في الكتاب والسنة الأوامر والنواهي تبدأ النواهي بالتوحيد وتبدأ النواهي بالنهي عن الشرك.
(قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) هنا الشهادة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة أرسل لأجل ماذا؟ حتى نعرف معنى الشهادة له بالرسالة؟ أرسل لماذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ ...﴾ أكلموا الآية ﴿ ... إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: 64] الرسل أرسلوا لأجل أن يطاعوا، إذن مقتضى الشهادة له بالرسالة طاعته؛ ولهذا قال الشيخ -رحمة الله عليه- في كتابه "الأصول الثلاثة": "شهادة أن لا إله إلا الله" طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فهذه شهادة أن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الطاعة، الأوامر تفعل النواهي تترك وتجتنب والأخبار تصدق ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: 64]
لاحظوا معي هنا، قال: (ومن شهد أن محمدًا عبده ورسوله) ذكر أمرين نشهد لنبينا -صلى الله عليه وسلم- بهما العبودية والرسالة، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- كمل مقام العبودية أكمل تتميم، وأيضًا كمل مقام الرسالة أكمل تتميم، ووفى -عليه الصلاة والسلام- بالعبودية وقام بها خير قيام، وأيضًا وفى بالرسالة فبلغ أكمل بلاغ -صلوات الله وسلامه عليه-.
(شهد أن محمدًا عبده ورسوله) هذه الشهادة له -عليه الصلاة والسلام- بالعبودية والرسالة تعطي الشاهد اعتدالا في هذا الباب، بين الغلو والجفاء والإفراط والتفريط، والناس في هذا الباب ثلاثة أقسام: غالٍ وجافٍ ومتوسط، وخيار الأمور ماذا؟ أوساطها لا تفريطها ولا إفراطها، فالذي يشهد بأنه عبد ورسول يكون معتدلا فيه، لاحظوا معي: من شهد أنه عبد هل العبد يُعْبَد؟! هل يصرف له شيء من العبادة؟! إذن ينتفي الغلو في إيمان الإنسان بأنه عبد إيمانه ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] ﴿بَشَرٌ﴾ عبد ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ رسوله، فالذي يؤمن يؤمن بأنه عبد، العبد لا يُعْبَد، الله المعبود، العبد لا يُعْبَد؛ لأن العبادة للمعبود وهو الله -سبحانه وتعالى- العبد لا يُعْبَد، لا يستحق شيء من العبادة، ولهذا يقول -عليه الصلاة والسلام- لابن عباس: (يا غلام، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) السؤال الاستعانة العبادة كلها لله -عز وجل- العبد لا يُعْبَد، فالذي يخل بهذا المقام مقام الإيمان والشهادة لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- رسول الله قد يغلو فيه، ويصرف له شيئا من العبادة مثل أن يقول: مددا يا رسول الله أو أغثني أو أدركني مثلما يفعل الكثير من الظلام، فهل هؤلاء حققوا إيمانهم بأنه عبد؟ لو حققوا إيمانهم بأنه عبد لم يعطوه شيئا من حقوق الرب، حقوق الإله -سبحانه وتعالى-.
إذن العبد لا يُعْبَد، فمن حقق مقام الإيمان بالعبودية بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد يسلم من جانب الغلو، ومن حقق الإيمان بأنه الرسول يسلم من جانب الجفاء، التهاون باتباعه، التهاون بمحبته، التهاون بطاعته، التهاون بالاقتداء به، التهاون بالسير على نهجه، هذا كله يأتي من ضعف تحقيق الإيمان برسالته -عليه الصلاة والسلام- الغلو، الذي يأتي عند طوائف من الناس يدخل عليهم من جهة عدم تحقيقهم الإيمان بعبوديته، فإذن الإيمان بأنه عبد الله ورسوله يعطي المؤمن اعتدالا ووسطية، الوسطية في شأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تنبع من إيمان المسلم بهذين الأمرين بالعبودية والرسالة "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله".
ثم قال: (وشهد أن عيسى عبد الله ورسوله) أيضًا في عيسى -عليه السلام- لا إفراط ولا تفريط (عبد الله ورسوله) "عبد الله" هذا يبطل الغلو الذي وقع فيه النصارى في شأن نبي الله عيسى، ماذا قالوا؟ قالوا: ابن الله، قالوا: ثالث ثلاثة، وهذا غلو، هو عبد من عبيد الله وهو مخلوق لله -سبحانه وتعالى- خلقه الله وأوجده فهو عبد من عبيد الله فلا يقال في العبد أنه ابن لله أو ثالث ثلاثة أو غير ذلك من الضلالات التي يقولها النصارى.
(ورسوله) فيه رد على اليهود وأيضًا جميع الجفاة في حقه، اليهود -قاتلهم الله- قالوا: إنه ابن بغي والعياذ بالله، فهل يقال هذا في رسول من أولي العزم من الرسل؟ خيارٌ من أفاضل عباد الله هل يقال فيه هذا؟ هذا من الجفاء، ومقالة النصارى فيه من الغلو، والاعتدال في ماذا؟ في الوسطية.
جاء في بعض روايات الحديث: (من شهد أن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته) وهذا فيه رد على اليهود، الشاهد إذن لابد من الوسطية.
قال: (وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) عيسى كلمة الله، ما معنى عيسى كلمة الله؟ هل عيسى هو نفس الكلمة؟ لا ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿59﴾﴾ [آل عمران: 59] فعيسى بالكلمة كان، ليس عيسى -عليه السلام- هو الكلمة، ليس عيسى هو كلمة "كن" وإنما بالكلمة كان، وقيل: كلمة الله لأنه بالكلمة، فالمصدر إذا أضيف إلى الله قد يراد به الصفة وقد يراد به أثر الصفة وهذه فائدة، المصدر مثل "الرحمة" إذا أضيفت إلى الله تارة يراد بها الصفة وتارة يراد بها أثر الصفة وهذا يعلم من السياق، عندما نقول: المطر رحمة الله ما معنى قولنا رحمة الله؟ آثر الرحمة، هنا نقول: عيسى كلمة الله هل المراد أنه نفس الكلمة ولا أثر الكلمة؟ أثر الكلمة، إذن عيسى كلمة الله أي: أثر كلمة الله لأنه بالكلمة كان، قال الله كن فكان، فليس عيسى هو كلمة كن، ولكنه بالكن كان، قال الله كن فكان.
(كلمته ألقاها إلى مريم) لأن الله -عز وجل- أرسل جبريل إلى مريم ونفخ في ضرعها، ولهذا قال: ﴿ورُوْحٌ مِنْهُ ﴾ روح من الأرواح المخلوقة التي خلقها الله -سبحانه وتعالى-.
(ألقاها إلى مريم) أرسل جبريل ونفخ في ضرعها وتكون عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب، والله -عز وجل- قدير على كل شيء، فعيسى ولد وتكون في رحم مريم بدون أب، ولما حملت به اهتمت بالأمر وقالت ماذا؟ ماذا قالت مريم؟ ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴿23﴾﴾ [مريم: 23] وأتت به قومها تحمله وهي في غاية الهم من هذا الأمر؛ لأنها ماذا تقول؟ لأنه في مألوف الناس وفي معتادهم ومعروفهم فيما يعرفون أنه ما يمكن أن يكون حمل وهي غير متزوجة فالتهمت بالبغي، فهي حملت هما عظيمًا، فيشاء رب العالمين أن تكون الحجة والبيان بإنطاق عيسى وهو في المهد ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ تكملوا الآية؟ ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿27﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿28﴾﴾ [مريم: 27، 28] يعني: أنت من بيت صالح من أين جاءكي هذا الأمر؟ وهذا أيضًا فيه فائدة من صلاح البيت، صلاح البيت له أثر في صلاح الأبناء، وتجد الابن يهتم لأسرته الصالحة لا يلطخهم بسمعة ولا يجر لهم رذيلة فقالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿28﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴿29﴾﴾ [مريم: 28، 29] الجواب تشير إلى الطفل الذي في المهد، والطفل الذي في المهد ما يتكلم، أيضًا هذا معروف أنه ما ينطق إلا فيما بعد، يتعلم الكلام تدريجيا وينطق تدريجيا ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾، وقال هذا الطفل -عليه السلام- قال في مهده ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿30﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿31﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿32﴾﴾ [مريم: 30، 32] ذكر أشياء نطقها في المهد، وهذه حجة ظاهرة، والله -عز وجل- أقام عليهم الحجة بنطق هذا، براءة لها، الشاهد أن عيسى نؤمن بأنه عبد الله ورسوله وكلمته على ما فهمنا قبل قليل .
(وروح ومنه) أي: من الأرواح التي خلقها الله -سبحانه وتعالى- مثلما قال الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13] أي: خلقا وإيجادا، فهو منه خلقا وإيجادا.
ثم قال: (وأن الجنة حق والنار حق) أيضًا آمن بالجنة وآمن بالنار، وهذا فيه أيضًا الإيمان بالثواب والجزاء ولقاء الله -عز وجل- وإثابته للمطيعين ومعاقبته للعاصين والاستعداد لهذا اليوم العظيم، من وجد فيه هذه الإيمان وهذه العقائد المباركة ما هي الثمرة؟ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل وهذا الشاهد للترجمة، أن العقيدة والإيمان والتوحيد الصحيح والإيمان الخالص سبب لدخول الجنة.
قال المصنف -رحمه الله-: (ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)).
(ولهم) أي: البخاري ومسلم، لأن حديث عبادة بن الصامت، قال: أخرجاه، ثم عطف عليه قال: (ولهم) أي: البخاري ومسلم من حديث عتبان، عتبان بن مالك -رضي الله عنه- والحديث طويل لكن المؤلف اقتصر على ذكر الشاهد: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) هذا الحديث يعطينا فائدة عظيمة وثمرة مباركة من ثمار التوحيد أن الموحد ماذا؟ محرم على النار، أن الموحد محرم على النار لأنه قال: ((إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله)) لكن هنا لابد أن نعرف وأن ننتبه، هل كل من يقول لا إله إلا الله يحرم على النار؟ أو لابد من تحقيق ضوابط هذه الكلمة وشروطها التي دل عليها كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- لاحظ هنا قال: ((من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) فإن قال: يبتغي بها وجه الله فأتى بها على الإخلاص وعلى الصدق وعلى إرادة الله -سبحانه وتعالى- بالعمل هذا الذي ينال ثواب هذه الكلمة؛ ولهذا أخذًا من هذا الحديث وأحاديث كثيرة في الباب قال العلماء: إن لا إله إلا الله لا تقبل من قائلها إلا بشروطها، لها شروط، وكلكم الآن يعلم أن الصلاة لا تقبل إلا بماذا؟ إلا بشروط، الحج لا يقبل إلا بشروط الزكاة لا تقبل..... ولهذا تقرأ كتب الأحكام كل عبادة يذكر الفقهاء والعلماء شروط قبول العبادة، فهل لا إله إلا الله تقبل هكذا، وإلا لابد أيضًا من شروط لها تكون بها مقبولة مثلها مثل أمور الدين الأخرى، نصوص الشرع نصوص الكتاب والسنة دلت على أن "لا إله إلا الله" لا تقبل من قائلها إلا بشروط سبعة، وكل شرط من هذه الشروط وردت عليه الدلائل الكثيرة من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
نختصر فيها، نذكرها سردا، وإلا أدلتها وشرحها فيحتاج إلى شيء من الوقت.
الشرط الأول: العلم المنافي للجهل.
والثاني: اليقين المنافي للشك.
والثالث: الصدق المنافي للكذب.
والرابع: الإخلاص المنافي للشرك والرياء.
والخامس: المحبة المنافية للبغض والكره.
والسادس: الانقياد المنافي للترك.
والسابع: القبول المنافي للرفض.
كما قال الناظم.
وبشروط سبعة قد قيدت وفي نصوص الوحي حقًا وردت
فإنه لا ينتفـع قائهــا بالنطق إلا حيث يستكمله
العلم واليقين والقبول والانقياد فادرِما أقـول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبـه
وتجدون هذه الأبيات مع شرح نافع لها في كتاب عظيم في بيان الإيمان والتوحيد كتاب معارج القبول للشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- وهو كتاب من أنفع الكتب وأفيدها وفيه بسط للأدلة وشرح وجامع لأمور الإيمان كلها.
إذن حديث عتبان دل على فائدة من فوائد التوحيد وهي ماذا؟ التحريم على النار، إذن الآية الأولى دلت على أن من ثمار التوحيد حصول الأمن والاهتداء، الحديث الأول دل على أنه من ثمار التوحيد دخول الجنة، حديث عتبان دل على أن من ثمار التوحيد تحريم دخول النار، لكن لابد من تحقيق لا إله إلا الله بتحقيق شروطها وضوابطها في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
أحد العلماء جمع شروط لا إله إلا الله السبعة في بيت واحد، وهذا أتركه للإخوة المتابعين معنا، ما هو البيت الذي جمع فيه أحد أهل العلم الشروط السبعة كاملة؟ هو بيت واحد جمع هذه الشروط السبعة كاملة؟
قال المصنف -رحمه الله-: (وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله) رواه ابن حبان والحاكم وصححه).
وهذا الحديث أيضًا من الأحاديث العظيمة الدالة على فضل التوحيد وثمرة التوحيد العظيمة، وأنه أثقل شيء في الميزان، لو قيل لنا ما هي ثمرة التوحيد التي دل عليها هذا الحديث؟ ثمرة التوحيد التي دل عليها هذا الحديث أن التوحيد أثقل شيء في الميزان، ليس في الميزان شيء يوضع أثقل من التوحيد ومن كلمة التوحيد، وهذا عليه دلائل كثيرة منها هذا الحديث، حديث أبي سعيد: (أن موسى -عليه السلام- قال: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به)) ماذا يريد الآن؟ يريد شيئًا يكون جامعا لجانبي الذكر والدعاء ((قال له الله: قل لا إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذ)) أهل التوحيد وأهل العبادة يرددون هذ الكلمة، وهذه الكلمة ترد من بدء وجود عباد الله وخلق الله لهم نشأوا على هذه الكلمة ثم حصل فساد وحصل خلل فأرسل الله الرسل حتى يعود الناس إلى التوحيد وإلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله.
((قال: كل عبادك يقولون هذ)) ماذا يريد؟ كأنه يريد شيئًا يتميز به، كأنه يريد شيئًا يختص به، فبين الله -عز وجل- فضل هذه الكلمة؛ ولهذا من فوائد هذه الكلمة أن التنبيه لفضل التوحيد يحتاج إليه كل أحد، التنبيه لفضل كلمة التوحيد يحتاج إليه كل أحد، فبين الله له فضل هذه الكلمة ((قال: يا موسى، لو أن لا إله إلا الله وضعت في كفة، والسماوات السبع والأرضين السبع وعامرهن غيري وضعن في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله)) أي لثقلت بهن لا إله إلا الله، لاحظ السماوات السبع والأرضون السبع لو توضع في كفة ولا إله إلا الله في كفة لثقلت لا إله إلا الله بالسماوات والأراضين هذا يدل على ثقل هذه الكلمة في الميزان. بل جاء في حديث عبد الله بن عمر في المسند وهو بسند ثابت: (أن نوحا -عليه السلام- قال لابنه: يا بني، آمرك بلا إله إلا الله فإن السماوات والسبع والأراضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله ولو كانت السماوات السبع والأراضون السبع حلقة مفرغة لقصمتهن لا إله إلا الله).
إذن هذه فضلة مستفادة من هذا الحديث ويشهد له حديث عبد الله بن عمر الذي أشرت إليه وهي أن لا إله إلا الله أثقل شيء في الميزان.
فضيلة الشيخ إذا تأذن لنا أن نستعرض الأجوبة التي وصلتنا من الإخوة.
هذا الأخ الكريم من فرنسا يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الجواب:
سميت العقوبة عذابا لأن كلمة العذاب أعم من العقوبة، والأعم لا يستلزم الأخص، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (السفر قطعة من العذاب).
الإجابة تقريبًا مختصرة.
بالنسبة لإجابة السؤال الثاني
توجد إجابة أخرى؟
سميت العقوبة عذابا -هذا من الأخت الكريمة من السعودية- لأنها تمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه وتمنع غيره من مثل فعله.
جميل هذا هو الجواب.
نعيده يا شيخ، لأنها تمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه وتمنع غيره من مثل فعله
لأن أصل المعنى المنع، فسميت العقوبة عذابا لأنها تمنع المعاقب نفسه عن معاودة الجرم وأيضًا تنمع غيره من فعله لأنه إذا رأى المعذب اعتبر بتعذيبه فامتنع فلهذا سمي العذاب عذابا.
إجابة السؤال الثاني في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾﴾ [الذاريات: 56] تدل على أن التوحيد هو الغاية التي خلق الناس عليها.
الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] تدل على الغاية والحكمة من بعثة الرسل هو عبادة الله وتوحيده.
وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ [الإسراء: 23] تدل على أن التوحيد من أعظم وصايا الله لعباده.
رابعًا: وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ [النساء: 36] تدل على أن من أعظم الحقوق وأجلها التوحيد والبعد عن الشرك.
خامسًا: وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ [الأنعام: 151] تدل على أن أعظم شيء نهى الله عنه الشرك وتدل بالاقتضاء عن الأمر بالتوحيد.
سادسًا: الأثر عن ابن مسعود -رضي الله عنه- يدل على فقه الصحابة وابن مسعود وأن في الآية الواردة في الحديث أن ما وصى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من ربه هو التوحيد.
وسابعا وأخيرا: وفي الحديث عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يدل على بيان مكانة التوحيد وأنه حق الله على عباده.
الجواب ممتاز لكن هناك ملاحظة على ثالثًا ورابعا، لما قال: من أعظم الوصايا، وقال من أعظم الحقوق، قال التوحيد من أعظم الوصايا، وفي آية الحقوق قال: إن التوحيد من أعظم الحقوق، "من" هنا لا حاجة إليها لأنها تضعف المعنى، لأن "من" تأتي للتبعيض فإذا قيل: "إنه من أعظم الحقوق" فقد يفهم هذا أن هناك أشياءً تشترك معه، فالصواب مثلما قال في خامسًا، قال إيش؟
أعظم شيء
أعظم شيء، فهناك أيضًا لا حاجة أن يقول: من أعظم الوصايا، وفي رابعًا يقول: أعظم الحقوق.
نكمل يا شيخ الحديث الآخير في هذا الباب؟
نعم، بقي معنا حديث واحد.
قال المصنف -رحمه الله-: (وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة))
هذا الحديث حديث قدسي، والحديث القدسي هو الذي يضيفه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الله، فهو من كلام الله لفظه ومعناه، والجزء الذي أورده المصنف -رحمه الله- هو جزء من حديث فيه ثلاث جمل، كلها جامعة لأسباب المغفرة، لأعظم أسباب المغفرة، فاقتصر المصنف -رحمه الله- على الشاهد من الحديث وإلا الحديث بتمامه يقول الله تعالى: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) والشاهد للباب هو هذه الجملة، فاكتفى الشيخ -رحمه الله- بذكرها.
وهذه الجملة من الحديث القدسي تدل على فضيلة التوحيد وأنه من أعظم أسباب وموجبات غفران الذنوب (لو أتيتني بقراب الأرض) وقراب الأرض أي: ملؤها أو ما يقارب ملأها (خطاي) أي: ذنوب، (ثم لقيتني لا تشرك بي شيئً) ولاحظ هذا القيد العظيم، فقوله: (لا تشرك بي شيئً) فـ"شيئا" نكرة في سياق النفي فهي تعم، أي: لا تشرك بي أي شيء من الشرك لا قليلا ولا كثيرا لا صغيرا ولا كبيرا، فمن لقي الله لا يشرك به شيئًا غفر الله له ذنوبه، فهذا فيه شاهد لقول المصنف -رحمه الله- (وما يكفر من الذنوب) أي تكفير التوحيد للذنوب والحديث شاهد على ذلك، ولعلنا نكتفي بهذا القدر ونسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا للعلم النافع، وأن يعيننا على العمل الصالح، وأن يجعل ما نتعلمه حجة لنا لا علينا إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب قريب.
شيخنا الكريم بعض الأحيان قد يكون هناك إشكال فيما هو متعلق بالشروط التي بـ"لا إله إلا الله" هناك شروط عامة ذكرتموها يا شيخ التي هي عبارة عن العلم والعمل والصدق، وهناك الشروط السبعة هل هناك فرق بينهما؟
الآن لو لاحظت معي جميع الثلاثة هي من الشروط السبعة، جميع الثلاثة هي العلم، قلنا هناك العلم وفي الشروط السبعة العلم ، والصدق وفي الشروط السبعة الصدق، والعمل في الشروط السبعة اليقين، فهذه الثلاثة كلها داخلة في شروط لا إله إلا الله لكن هناك تفصيلا واستيعابا للشروط على وجه التفصيل.
يقول: لأن الشرك سبب لموت القلب والحياة الضنك وعدم الراحة النفسية، لذلك سماه الرسول عذابا يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31] هذه كانت مشاركة فيما يتعلق بمعنى العذاب.
على كل حال المشاركة التي مرت كانت جيدة في معنى العذاب.
الأخ الكريم يقول: لماذا اختص عيسى دون غيره من الخلق بينما قال بنو إسرائيل عن عزير: إنه ابن الله؟
عيسى كثر فيه الخلط واللغط والغلط، وأيضًا الجانبين جانب الغلو في عيسى وجانب الجفاء، واشتهر كلام النصارى واشتهر كلام اليهود وأولئك غلاة وهؤلاء جفاة، وأهل الكتاب أيضًا بقسميهم اليهود والنصارى كل منهم يدعي أنه على حق وأنه مصيب، لكن هؤلاء غلاة وهؤلاء جفاة، والحق قوام بين ذلك، ووسط بين ضلالتيْ أولئك؛ ولهذا خص بالذكر لكثرة الغلط فيه، وإلا فالاعتدال مطلوب مع عيسى ومع عزير ومع موسى ومع كل أنبياء الله ورسله، الاعتدال مطلوب، والتخصيص على عيسى أنه لهذا السبب، أنه كثر الغلط فيه غلوا وجفاءً، غلوا عند النصارى وجفاءً عند اليهود.
أيضًا تحذيرا للأمة أن يسلكوا في نبيهم مسلك أولئك وأن يحذروا غاية الحذر، وقد نبيه النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحاديث أن التشبه بهؤلاء سيوجد: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا شبرا، ذراعا ذرعا حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن)، فلهذا التنصيص على عيسى له حاجة، وإلا فالاعتدال مطلوب في حق كل الأنبياء؛ بل مطلوب في جميع أمور الدين.
الأخ الكريم من الجزائر يقول: أريد السؤال عن حديث أبي سعيد -رضي الله عنه- ولقد وقفت في بحثي على ضعف هذه الرواية كما ضعفها الشيخ الألباني -رحمه الله- وغيره من أهل العلم؛ لأن في سند الحديث الدراج بن سمح وروايته عن أبي الهيثم ضعيفة، ولذلك أريد يا شيخ التنبيه عن هذا الحديث، وكذلك عن الحديث الذي قبله في الباب الأول وهو أثر لابن مسعود -رضي الله عنه-: (من أراد أن ينظر إلى وصية محمد) إلى آخر الحديث، المحفوظ عند الترمذي (من سره أن ينظر إلى الصيحة التي عليها خاتم محمد -صلى الله عليه وسلم-) كذلك ضعفه الطبراني-رحمه الله- وضعفه الألباني فما توجيه هذين الحديثين وبارك الله فيكم؟
بالنسبة للحديث حديث أبي سعيد في أثناء الشرح لعل أخانا الكريم تنبه لما ذكرته من شاهد لهذا الحديث وهو حديث عبد الله بن عمر في مسند الإمام أحمد وسنده جيد وهو شاهد للحديث، أو شاهد لموضع الشاهد من الحديث والأمر في ذلك واضح؛ لأن في حديث أبي سعيد قال: (قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وعامرهن غيري وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن أو لثقلت بهن لا إله إلا الله) وفي حديث عبد الله بن عمرو وهو مسند الإمام أحمد وسنده جيد: قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن نوحا قال لابنه: يا بني، آمرك بلا إله إلا الله، ثم قال: فإنها لو وضعت في كفة والسماوات السبع والأراضون السبع لثقلت بهن لا إله إلا الله) وهذا سنده جيد، فهو يشهد للشاهد في حديث أبي سعيد ولا إشكال، يعني: ما ذكره الشيخ -رحمه الله- ثابت بهذا الشاهد وما ذكره في الكلام على رواية أبي السمح بن راجي بن سمعان عن أبي الهيثم معروف الكلام في هذا، لكن الحديث ثابت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أو موضع الشاهد ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الشاهد، وأيضًا هناك شواهد أخرى عامة مثل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الطويل (يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة) إلى آخر الحديث هذا يدل على ثقل كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" في الميزان وهذا الذي أراده المصنف في عده للفضائل؛ ولهذا ابن رجب وآخرون من أهل العلم أوردوا هذا الحديث مستشهدين به على ثقل هذه الكلمة في الميزان، وأثر ابن مسعود -رضي الله عنه- هو أثر يوضح المعنى ويوضح المكانة، واللفظ الذي ذكره المصنف -رحمه الله- ثابت لا إشكال فيه، ومعناه أيضًا واضح في أن هذه وصية عظيمة ثابتة في كتاب الله التي هي الوصايا العشر العظام، هي ثابتة في كتاب الله والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما أوصى أوصى بكتاب الله وذكرت أيضًا فيما سبق قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله) وهذه الوصايا العشر هي أعظم الوصايا وأجلها كما سبق التنبيه على ذلك فالأمر لا إشكال فيه.
الأخ الكريم من نجران يقول: هناك من ينكر على بعض طلبة العلم إذا شرح حديث معاذ ابن جبل -رضي الله عنه- وخاصة في مجالس العامة بحجة أنه يؤدي إلى التكاسل والابتعاد عن الطاعات والتهاون فما رأيكم فضيلة الشيخ في ذلك؟
حديث معاذ، معاذ -رضي الله عنه- أوصاه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يخبر الناس قال: (ألا أبشر الناس؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تبشرهم فيتكلو) إذن الخوف من الاتكال موجود، والنبي -صلى الله عليه وسلم- خاف على أمته من الاتكال على هذه البشارة.
إذن أدركنا من الحديث هذه البشارة العظيمة وأدركنا أيضًا من الحديث عدم الاتكال، فإذن نأخذ الحديث بمجموع دلالته، فيبقى أن الصواب أن الحديث يبلغ للناس ويفهمون معناه وأيضًا ينبهون على البعد عن الاتكال على هذا الأمر بذكر آيات الوعيد والتخويف حتى يجمع الإنسان بين الرجاء والخوف، ففضائل التوحيد هذه عظيمة وعلى بابها وعلى متمها، لكن من آمن بهذه الفضائل لا يجعله إيمانه يكون متواكلا أو متكاسلا أو متوانيا؛ بل يدفعه هذا الإيمان إلى العمل، فإذن لا يترك بيان هذا العلم ولا أيضا يفتح الباب للاتكال بل الناس يحتاجون إلى هذا وهذا، فالناس تحتاج الآن إلى شرح التوحيد وبيانه وعد فضائله حتى يحققوا هذا التوحيد ويكملوه ويبتعدوا عن مفسداتهم ونواقضه، وأيضًا في الوقت نفسه ينبه الناس على أهمية العمل وضرورة العمل والحذر من فعل الموبقات التي تنقص كمال التوحيد الواجب.
الأخ الكريم من الكويت يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحسن الله إليكم يا شيخ، قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32] فما الفرق بينهما؟
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ هذه الآية جاءت في سياق ذكر المصطفين من عباد الله قال الله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَ﴾ فذكر أن المصطفين ثلاثة أصناف: قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿32﴾ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴿33﴾﴾ [فاطر: 32: 33] من هم؟ الثلاثة، الواو تشمل الثلاثة: تشمل الظالم، وتشمل المقتصد، وتشمل السابق بالخيرات، لكن كما قال أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمة في كتابه الإيمان: المقتصد والسابق بالخيرات يدخلون الجنة دخوليا أوليا، يعني: بدون حساب ولا عذاب، لأن المقصد هو من فعل الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو الذي فعل الواجب والمستحب وترك المحرم وأيضًا حذر وجانب المكروه وسابق في الخيرات، فهذا الذي هو المقتصد والسابق بالخيرات كل منهما يدخل الجنة بدون حساب ولا عذاب، والظالم نفسه أيضًا يدخل الجنة لكن قد يمر بمرحلة تطهير وتنقية فيدخل النار لا ليخلد فيها وإنما ليطهر فيها من ذنوبه ثم مثل ما قال -عليه الصلاة والسلام-: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، يصيبه قبل ذلك ما يصيبه) فإذن الظالم لنفسه هنا هو من المصطفين، وهو من عباد الله، وهو من أهل الجنة، والمراد بالظلم هنا ما هو؟ المعاصي، ظلم النفس بالمعاصي؛ ولهذا لو أكملنا السياق لما ذكر الله الأقسام الثلاثة الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات ذكر بعدهم قسيم هؤلاء الثلاثة وهو الكافر فماذا قال؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴿36﴾ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴿37﴾﴾ [فاطر: 36، 37] إذن "الظالمين" هنا المراد بالظلم الشرك والكفر، والمراد بالظلم هناك المعاصي، ذاك صاحب الظلم المعاصي مآله إلى الجنة قد يدخل النار لتطهيره وتنقيته أماالظالم لنفسه ظلم الكفر والشرك بالله فإنه إذا لقي الله بهذا الكفر وهذا الشرك فمآله ماذا؟ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَ﴾ [فاطر: 36] يخلد في النار ولا يطمع في مغفرة الله ولا رحمته ولا عفوه لا مطمع له؛ بل هو مخلد في النار أبد الآبدين، أما إذا كان ظلما للنفس كما في السياق الأول فهذا مآله إلى الجنة، لكن قد يمر بمرحلة تطهير وتنقيه.
ما المقصود بالشرك في الحديث القدسي: (ثم لقيتني لا تشرك بي شيئ)؟
الشرك في هذا الحديث هو الشرك الذي مر بيانه في لقائنا السابق، وأن المراد بالشرك تسوية غير الله بالله في شيء من خصائصه -سبحانه وتعالى- فمن سوى غير الله بالله فهو المشرك ولا حظ له ولا نصيب من المغفرة.
وقلت هنا أن "شيئا" جاءت نكرة في سياق النفي، والقاعدة أنها إذا جاءت في سياق النفي أو النهي تعم، فيكون المراد بقوله: (لا يشرك بي شيئً) أي: أي شيء لا قليل ولا كثير ولا صغير ولا كبير؛ لأن الشرك منه أيضًا أكبر وأصغر، الأكبر ينقض الإيمان من أصله، والأصغر ينقص كمال الإيمان الواجب، فمن لقي الله لا يشرك به شيئًا لقيه الله -عز وجل- بقراب الأرض مغفرة، وهذا يدل على عظم فضل التوحيد في تكفير الذنوب، وهو عنوان الترجمة عند المصنف -رحمه الله-.
ذكرتم في تفسير آية كلمة وروح منه ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] بأن كلمة روح روح من أرواح الله، إذا كان هكذا لماذا خصه الله في هذه الآية؟
خصه لأن التخصيص في مثل هذه الحال يدل على التشريف، ويأتي التخصيص لكثير من عباد الله بإضافتهم إلى الله تشريفا لهم وتعلية لقدرهم، فالإضافة هنا تدل على شرف عيسى وفضله ومكانته ولهذا قال ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ [النساء: 171] وإلا فجميع الأرواح من الله خلقا، جميع الأرواح من الله خلقا فلما أضاف الروح إليه سبحانه قال: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فهو منه خلقا، وهنا ينبغي أن نعلم قاعدة لأهل العلم أن ما يقال فيه "منه" مضافة إلى الله من الله على نوعين:
نوع يقال "منه" أي خلقا كقوله -سبحانه وتعالى- ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13] ما معنى "منه" هنا؟ أي خلقا، ومن هذا القبيل قوله في هذا الحديث ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ فهو منه خلقا، لكن خصه بالذكر تشريفا له وتعلية لقدرة، وأيضًا لإبطال المقالة الباطلة التي قيلت في حقه وهي أنه ابن لله، فهذا فيه إبطال له لكن تخصيص الإضافة هنا لتشريفه وتعلية قدره.
والنوع الثاني: فيما يقال فيه "منه" منه وصفًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴿2﴾﴾ [السجدة: 2] الكتاب من رب العالمين ماذا وصفًا لأن القرآن كلام الله وهو منه وصفًا لا خلقا، والذي أيضًا يتضح به الأمر تأمل السياق ومعرفة المعنى والدلالة.
أيضًا ما يقال فيه "ذو" مضافة إلى الله -سبحانه وتعالى- مثلًا ذو العرش، هذا وصف أم خلق؟ العرش ما شأنه؟ مخلوق، ومر معنا ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: 58] هل ذو القوة مثل ذو العرش؟ العرش خلق والقوة وصف، وكلها قيل فيها ذو ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: 58] ﴿ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27] هذه كلها وصف لكن قولنا: "ذو العرش" العرش مخلوق من مخلوقات الله، وأيضًا مثلها الإضافة: سمع الله، بصر الله، علم الله، هذه صفات و"بيت الله" و"عبد الله" و"أمة الله" هذه مخلوقات، لابد لأنه إذا لم يفرق يجعل البابين بابا واحدًا فيقع الإنسان في الضلال والله أعلم.
شيخنا الكريم لعلكم تذكرون سؤالي هذا الدرس المبارك؟
السؤال الأول: سبق أن مر معنا وهو ذكر بيت واحد يجمع هذه الشروط السبعة.
السؤال الثاني: أريد لكل شرط من هذه الشروط دليلًا إما من القرآن أو من السنة؟ فعندنا الآن سؤالان كلاهما عن لا إله إلا الله وعن شروطها.
AL-Seraj
04-21-2008, 10:13 PM
بارك الله فيك اختي الكريمة وفي علم الشيخ
nary_jon
04-22-2008, 05:54 PM
وفيك بارك أخي علي اسماعيل
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .
تقبل تحياتي
nary_jon
04-28-2008, 01:46 PM
للرفع للفائدة
nary_jon
05-11-2008, 08:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الخامس- شرح كتاب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد،
فنحمد الله -جل وعلا- على نعمة الإسلام ونعمة الهداية لهذا الدين- ونحمده -تبارك وتعالى- على تيسيره لهذه اللقاءات التي نسأل الله -جل وعلا- أن يعم خيرها، وأن يعظم نفعها، وأن تزيد بركتها، وأن يتقبل من الجميع بقبول حسن إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب.
أيها الإخوة، إننا ندرس كتابا عظيما ومؤلفا مباركا أُلف في أعظم الأمور، وأجل المقاصد، وأنبل الغايات ألا وهو توحيد الله -جل وعلا- ونحن لا زلنا في بدايات هذا الكتاب وفي أبوابه الأولى، حيث سبق أن أخذنا ما يتعلق بفضل التوحيد ومكانته وعظيم شأنه، وأيضا سبق أن أخذنا في دروسنا الماضية ثمار التوحيد وآثار التوحيد المباركة على أهله مع مقدمات أخرى مرت معنا في لقاءاتنا السابقة.
وهنا في درس اليوم نبدأ مع مؤلفنا -رحمه الله تعالى- ومؤلَّفه القيم "كتاب التوحيد" في باب عظيم مبارك من أبواب هذا الكتاب ألا وهو باب "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب" وهذا الباب المبارك يأتي ضمن ترتيب دقيق علمي جاء في هذا المصنف المبارك، فالمؤلف أول ما بدأ تحدث عن مكانة التوحيد، ثم بدأ يعدد فضائل التوحيد، ثم أتى هنا -رحمه الله تعالى- لبيان تحقيق التوحيد.
وتحقيق التوحيد درجة عالية ومنزلة رفيعة يأتي الحديث عنها في هذه الأبواب، وفي ضمن أيضا الآيات والدلائل التي أوردها المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب العظيم، فنبدأ لقاءنا ونستمع إلى أخينا الفاضل بارك الله فيه ليبدأ معنا بمستهل هذا الباب:
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (باب من حقق التوحيد دخل الجنة وقول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾﴾ [النحل: 120] ).
بدأ المصنف كما هي عادته -رحمه الله تعالى- بوضع عنوان للترجمة، والعنوان يدل على المضمون، وتحت هذا العنوان تأتي الأدلة عليه والشواهد من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
عنوان الترجمة "من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب" أي: ولا عذاب، و"مَن" هذه شرطية تحتاج إلى فعل وجواب، فعلها "حقق" وجوابها "دخل الجنة" فمن حقق التوحيد ثمرة تحقيقه له ونتيجة تحقيقه له أن يدخل الجنة بلا حساب أي: دخولا أوليا، لا يمر قبل دخوله بمرحلة تعذيب، و أيضا لا يمر قبل دخوله بمرحلة محاسبة، وإنما يدخل الجنة بدون حساب.
وهذه رتبة علية، ومنزلة رفيعة، ومكانة سامقة يمن الله تعالى بها على محققي التوحيد، فيوم القيامة يدخلهم جنته بلا حساب، وينجيهم من النار، فلا ينالهم عذابها، ولا يمسهم شيء منها، وإنما يدخلون جنة النعيم دخولا أوليا بدون حساب ولا عذاب، وهذه منة عظمية، وعطية جليلة يمن الله -سبحانه وتعالى- على محققي التوحيد.
والمؤمن الموفق عندما يبلغه هذا الأمر ويعي هذه الحقيقة لا شك أن قلبه مهما كان سيتحرك شوقا وطمعا ورغبة في أن يكون من هؤلاء الذين مآلهم يوم القيامة دخول جنة النعيم من دون حساب ولا عذاب.
ولهذا يأتي التساؤل الكبير المهم في لقائنا وهو ما هي الصفات محققي التوحيد؟ ما هي حليتهم؟ ما هي علامتهم؟ يبحث المؤمن الموفق عن صفات هؤلاء، وعن نعوت هؤلاء؛ حتى يتحلى بها، ويتصف بها، ويكون من أهلها، يسأل: من هم المحققون للتوحيد؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي علاماتهم؟ ليتحرك قلبه شوقا في الاتساء بهم، والاقتداء بهم، وهذا الباب المبارك هو في الحقيقة عون للمؤمن أن يعي هذه الحقيقة، وأن يجاهد نفسه في تتميمها وتكميلها.
"مَن حقق التوحيد" "حقق التوحيد" هذه كما قلت درجة عالية في الإتيان بالتوحيد؛ لأن من يأتي أومن يأتون بالتوحيد من أهل ليسوا على درجة واحدة، ليسوا على رتبة واحدة؛ بل هم متفاوتون، وخير أهل التوحيد محققوه، من حققوا التوحيد، فتحقيق التوحيد هذه منزلة زائدة، أو منزلة عالية تزيد على مجرد الإتيان بالتوحيد؛ بل هي إتيان بالتوحيد مع تتميم وتكميل.
وتحقيق التوحد هذه الكلمة تعني الإتيان به على حقيقته وافيا تاما كاملا غير منقوص، وإنما يأتي به تاما كاملا، ومصفى منقى من الشوائب ومن النواقص؛ ولهذا قال أهل العلم في شرح هذا الباب من كتاب التوحيد قالوا: تحقيق التوحيد هو تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي. ولاحظوا هذه الأمور الثلاثة التي لابد من الحذر منها والبعد عنها حتى يبلغ المسلم درجة تحقيق التوحيد: الشرك والبدع والمعاصي هذه الثلاثة يسميها العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "الفوائد" يسميها: "العوائق" لماذا؟ لأنها تعوق القلب وتعوق المؤمن في سيره إلى الله والدار الآخرة، عقبات في الطريق، عوائق في الطريق يحتاج أن يحترز منها، وأن يحذر من الوقوع فيها: الشرك والبدعة والمعصية. يقول: وعائق الشرك يزول بتجريد التوحيد لله، وعائق البدعة يزول بتجريد المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعائق المعصية يزول بالبعد على المعاصي وعدم الإصرار عليها والتوبة منها.
فهذا هو تحقيق التوحيد، تحقيق التوحيد بأن يأتي به المؤمن تاما وافيا غير منقوص، لا شائبة فيه توهنه وتضعفه.
وينبغي أن نعلم هنا أن أهل التوحيد في التوحيد على ثلاثة مراتب، جاءت هذه المراتب الثلاثة مبينة في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴿32﴾﴾[فاطر: 32] لاحظ معي ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ كم مرتبة؟ ثلاث مراتب: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات، السابق بالخيرات والمقتصد هذان كل منهما محقق للتوحيد، وأهل العلم يقولون: إن تحقيق التوحيد على درجتين؛ تحقيق واجب، وتحقيق مستحب، التحقيق المستحب هو الذي إليه الإشارة في قوله في هذه الآية: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ والتحقيق الواجب إليه الإشارة في هذه الآية في قوله: ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾ وكل من المقتصد والسابق بالخيرات محقق للتوحيد، لكنهم في تحقيقهم له على رتبتين: المقتصد محقق له التحقيق الواجب، والسابق بالخيرات محقق له إضافة إلى التحقيق الواجب التحقيق المستحب.
ولهذا من النافع للمسلم أن يطالع كلام أهل العلم وأقاويل المفسرين في تفسير هذه الآية حتى يعلم من السابق بالخيرات ومن المقتصد، والمقتصد هو الذي فعل الواجب وترك المحرم، الواجبات التي أوجبها الله عليه يفعلها، والمحرمات التي حرمها الله عليه يتركها، والسابق بالخيرات زاد على ذلك بفعل المستحبات والمنافسة في فعل الخيرات والرغائب، وكل من المقتصد والسابق بالخيرات يدخل الجنة بدون حساب ولا عذاب كما ذكر ذلك أهل العلم.
كل منهما يدخل الجنة بدون حساب ولا عذاب لماذا؟ لأن المقتصد فعل ما يوجب عليه، وترك ما يحرم عليه، فلا يحاسب ولا يعذب، والسابق بالخيرات زاد على هذا القدر بفعل الرغائب والمستحبات.
فإذن هذان المقتصد والسابق بالخيرات كل منهما محقق للتوحيد، لكن تحقيق التوحيد على درجتين: درجة المقتصد وهي فعل الواجب وترك المحرم، ودرجة السابق بالخيرات وهي الزيادة على هذا بفعل الرغائب والمستحبات.
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ الظالم لنفسه ظلم نفسه بماذا؟ ظلمها بماذا بالشرك أو بالمعصية؟ بالمعصية لأنه لو ظلمها بالشرك لكان كافرا، ولم يكن من المصطفين والآية الحديث فيها عن المصطفين لأنه قال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَ﴾ الكافر ليس من المصطفين.
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ أي: بالمعصية، الذي ظلم نفسه بالمعصية أو بأمر دون الكفر ودون الشرك هل يعد من محققي التوحيد الذين لا يحاسبون ولا يعذبون أو لا يعد منهم؟ لا يعد من محققي التوحيد الذين لا يحاسبون ولا يعذبون؛ لأنه عنده ذنوب دون الشرك ودون الكفر يستحق بموجبها عذابا، وإن عُذب فهل يعذب يوم القيامة عذاب الكافر الذي هو التخليد الأبدي أو أنه يعذب على قدر جرمه وعلى قدر ذنبه ليتطهر ويتنقى ثم ينتقل بعد ذلك إلى الجنة؟ ولهذا لو سألتكم الظالم لنفسه هل يدخل الجنة أو لا يدخلها؟ الظالم لنفسه بالمعاصي؟ يدخلها لأن الله -سبحانه وتعالى- قال بعد هذه الآية ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَ﴾ من هم؟ الثلاثة لكن قلنا: السابق بالخيرات والمقتصد دخولا أوليا بدون حساب ولا عذاب، والظالم لنفسه عرضة للحساب والعقاب؛ لأنه نقص من إيمانه ولم يأت بمطل أو محبط لإيمانه.
أعود مرة ثانية وأقول ما ذكر أهل العلم أن تحقيق التوحيد هو تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، ولكي يسلم المسلم من الشرك يخلص العبادة لله، ويبرأ من الشرك ويبتعد عنه، وإذا أراد السلامة من البدعة عليه باتباع السنة، وإذا أراد السلامة من المعاصي يحاذر من الوقوع فيها، وإن وقع في شيء منها بادر إلى التوبة ولم يصر على ذنبه، فإذا كان بهذه الصفة يكون بإذن الله تعالى من محققي التوحيد الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.
بدأ المصنف رحمى الله عليه يستدل لهذا الباب فذكرالدليل الأول وهو قول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بين يدي هذه الآية أنقل لكم فائدة لطيفة جدا من كلام المصنف -رحمه الله تعالى- في بعض رسائله يقول المصنف: التوحيد يدل عليه الكتاب والسنة والأئمة والعقل. ما معنى "يدل عليه الأئمة"؟ هذه فائدة مهمة جدا والناس يحتاجون للانتباه إليها، مامعنى "يدل عليه الأئمة"؟ جرت عادة الناس ميلهم إلى أكابرهم ولا سيما من يعرف منهم بعلم، فمن يعرف منهم بعلم جرت عادة الناس مجاراته ومتابعته والسير على منهاجه، انظروا في أقطار الدنيا عوام الناس سوءا كانوا على حق أو على ضلال لهم فيها ماذا؟ لهم فيها إمام، ولو فتشت في عقائدهم أو في أعمالهم أو تصرفاتهم أو أذكارهم تجد من ورائها ماذا؟ إماما، فإن كان إمام خير فهو قدوة ولهم في الخير، وإن كان إمام شر -والعياذ بالله- كان قدوة لهم في الشر، وسيأتي معنا عند المصنف قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) فالشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: من أدلة التوحيد الأئمة؛ لأن النفوس كما قلت تميل إلى متابعتهم، هنا يأتي سؤال: إذا كان من الأدلة الأئمة فمن هم الأئمة؟ اقرأ الآية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هل هناك خير في الإمامة من الأنبياء؟ الله -جل وعلا- قال﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] فإذا كان أراد إماما فإمام الأئمة وقدوة الموحدين إبراهيم الخليل ونبينا -عليه الصلاة والسلام- وأنبياء الله ورسله الكرام، فإذا كانت القضية قضية أئمة فلنتبع من؟ الأنبياء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[الأحزاب: 21] لا يليق بإنسان عاقل أن يترك الائتمام بالمرسلين ويأتم بأناس ضالين.
فإذن من دلائل التوحيد الأئمة، وإذا نظرت في الأئمة الذين هم قدوة فعلا تجد دعوتهم دعوة إلى ماذا؟ إلى التوحيد.
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ الله -عز وجل- وصف إبراهيم بأنه أمة مع أنه شخص واحد ووصفه بأنه أمة؛ ولهذا فصاحب الحق لا يستوحش ولو كان وحده على الحق فهو أمة، ولو كان وحده، فالله -جل وعلا- وصف إبراهيم بأنه كان أمة قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ ومعنى "أمة" لها معانٍ لكن معناها هنا أي: إماما وقدوة في الخير، فإذا أردت القدوة في الخير والإمامة فعليك بأنبياء الله ورسله -عليهم صلاة الله وسلامه- ولهذا دعانا الله إلىهذا في القرآن قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4] قيل في معنى ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: الأنبياء والذين معه.
إذن هذه الصفة والأولى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ أي: إمام في الخير ﴿قَانِتً﴾ أي: مداوما على طاعة الله، والقنوت هو المداومة على الطاعة ﴿حَنِيفً﴾ الحنيف هو المائل، مائل عن الشرك، مائل عن الضلال، مائل عن الباطل إلى الحق والهدى فوصف إبراهيم بصفتين: صفة ثبوتية وصفة سلبية، بإثبات ونفي الإثبات في قوله: ﴿قَانِتً﴾ مداوما على طاعة الله، والنفي في قوله: ﴿حَنِيفً﴾ مائلا مبتعدا عن الشرك وعن الضلال وعن البعد، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وإبراهيم من محققي التوحيد؛ بل من أئمة محققي التوحيد، فإذن هذ الصفات المذكورة في الآية هي صفات محققي التوحيد، أن يكون الإنسان إماما في الخير، بعيدا عن سفساف الأمور ورديئها، وأيضا قانتا ومداوما على طاعة الله وحنيفا مائلا عن المعاصي وعن الذنوب وعن ما يسخط الله وعن الشرك ويأتي في مقدمة ما يكون الإنسان حنيفاعنه ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ البعد عن الشرك كله دقيقه وجليه فهذه الصفات أربع ذكرها الله -عز وجل- لنبيه وخليله إبراهيم الخليل -عليه السلام- والشاهد منها للترجمة ظاهر كما تقدم.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴿59﴾﴾ [المؤمنون: 59]
وهذه الآية الثانية التي أوردها الإمام -رحمه الله تعالى- ويسبقها -وهي في سورة المؤمنون- قولُه تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ ﴿57﴾وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿58﴾ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ ﴿59﴾وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿60﴾أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [المؤمنون: 57: 61] لاحظ هذه الصفات في هذه الآيات الأربعة:
أولا: وقد جاء الترتيب فيها بديعا بحسب حالها أولا: أول ما يكون في الإنسان الخوف والشفقة من خشية الله، فإذا وجد فيه خوف جاءه الإيمان ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ فإذا وجد الإيمان تبعه بُعد الإنسان ومحاذرته مما يخل به ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ فإذا وجدت هذه الثلاثة يتبعها حفظ الإنسان لها بسؤال الله القبول ورجاء القبول ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: يقدمون ما يقدمون من طاعات وعبادات وقلوبهم خائفة ومشفقة من أن لا يقبل منهم، وبهذا جاء تفسير الآية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في المسند وغيره في قصة سؤال عائشة للنبي -صلى الله عليه وسلم- عن معنى الآية.
الآية هنا فيها ذكر صفة عظيمة لمحققي التوحيد وهي التي اقتصر المصنف على إيرادها لمناسبتها للترجمة وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ فمن صفات محققي التوحيد بل من أبرزها وأجلها وأساسها البعد عن الشرك كله دقيقه وجليله صغيره وكبيره ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ في بعدهم عن الشرك كله.
ومناسبة الآية للترجمة واضحة لأن تحقيق التوحيد لا يكون إلا بالبعد عن الشرك كله، فإذا وقع في شرك أكبر انهدم الإيمان كله، وإذا وقع في شرك أصغر انتقص توحيده بحسب ما وقع فيه.
﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ الشاهد من الآية أن من صفات محققي التوحيد بل أعظمها وأساسها البعد عن الشرك.
لما انتهى المصنف من الآيتين شرع في ذكر الدليل من السنة:
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت، قال فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وماحدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصين أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل: لي هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة) )
هذ الحديث الكلام فيه واسع جدا ربما نقتصر على بعض جوانبه:
هذا الأثر أولًا أوَد أن نستفيد منه جميعا فائدة عظيمة جليلة ننظر فيها إلى حياة التابعين وطلاب العلم وأهل الفضل كيف كانوا يتحاورون، وكيف كانوا يتحدثون، وكيف كانوا يتجاذبون أطراف الحديث؟
سآخذ معكم هذا الحديث بشيء من البساطة حتى ننظر الحياة الجميلة الحلوة التي كان يعيشها هؤلاء في مجالسهم، وقبل الدخول في تفاصيل هذا الحديث أو هذا الأثر أريد أن تتخيلوا الآن أن أحد الأشخاص لدغته عقرب، ثم اجتمع به في مجلس، الغالب في حديث الناس خاصة العوام عن ماذا؟ والأسئلة التي تدور في المجلس عن ماذا؟
عن الحادثة نفسه
عن الحادثة نفسها، أحيانا يقولون مثلا: ما لون العقرب؟ وأحيانا يقولون: ما حجم العقرب؟ وأحدهم يقول: من أين طلعت؟ وكيف جاءت؟ يدخلون في تفاصيل وأسئلة عن المعتدي المجرم ولا يسألون عن المريض نفسه، ينشغلون عنه، وهذا حديث العوام لا فائدة فيه، ولكن انظروا الحوار الجميل الرائع المشرق الذي يصور لكم الحالة البهية التي كان عليه السلف في مجالسهم.
تبدأ قصة هذا الحوار أن كوكبا انقضى، والكواكب التي تنقضى هي التي جعلت رجوما للشياطين، وسيأتي معنا أن النجوم خلقت لثلاث: زينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوما للشياطين. فالكوكب الذي ينقضى يعتبر آية عظيمة من آيات الله تشد من رآها، فيقول حصين راوي هذا الأثر: (كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟) و"البارحة" هذه كلمة تقولها العرب لليلة الفائتة، أقرب ليلة لك ولكن بعد الزوال، يعني: قبل الزوال يقولون: الليلة، فإذا زالت الشمس، ما بعد زوال الشمس يقولون: عنها الليلة البارحة، لكن في الضحى يقولون: الليلة، لو كانت في الضحى يقولون: أيكم الذي رأى الكوكب الذي انقض الليلة؟ لكن بعد الزوال يقولون: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟
فقال: أيكم الذي رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ الكوكب انقض بالليل، وحصين قال: أنا رأيته، وفي وقتهم من يكون مستيقظا في الليل الأصل فيه ماذا؟ حتى نعرف الفرق بينهم وبين واقعها الذي يكون مستيقظا بالليل ما الذي يتبادر إلى أذهان الناس في ذلك الوقت؟ أنهم يصلون، لكن الآن المستيقظ بالليل يتبادر لذهنك عنه أمورا كثيرة جدا وربما آخر ما يتبادر لذهنك هو الصلاة، بينما في وقتهم كان الذي يتبادر الصلاة.
نحن الآن في واقعنا مع الحضارة والإضاءة والأنوار أصبح الليل شبيها بالنهار حتى الآن الكواكب والنجوم التي كانت العرب تعرفها وتعرف أسماءها وتعرف مواضعها وتعرف كيف تهتدي بها في الطريق وتعرف بها القبلة ما نعرفها، حتى الهداية للطريق ما نهتدي للطريق إلا باللوحات الإرشادية: يمين يسار، هذا الذي نعرفه، وإذا ضاعت عنا اللوحة الإرشادية ضعنا!!! بينما الأول ينظر إلى السماء وإلى النجوم ويقول: الطريق من هنا في الليل، أو يقول: القبلة من هنا، فيعرفون ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16﴾﴾ [النحل: 16] لكن نحن الآن إن نظرنا إلى النجوم نقول: أشياء جميلة، هذا حدنا منها، لكن معرفة طريق، معرفة قبلة، عبرة، وهذا ضعيف فينا جدا، وهذا من آثار الحضارة.
قلت: إنه في وقتهم لا يتبادر إلى الذهبن إلا الصلاة، عمران بن حصين قال: أنا -يعني: رأيت الكوكب- أما إني لم أكن في صلاة. لماذا قال: أما إني لم أكن في صلاة. لماذا قال هذه الكلمة؟ حتى لا يتبادر ذلك للأذهان؛ لأنه أصلا أول ما يتبادر للأذهان أنه في صلاة، وأيضا حتى لا يحمد بما لم يفعل، قال: أما إني لم أكن في صلاة.
يأتي السؤال يطرح نفسه كما يقولون ويتحرى الجواب عنه: مستيقظ في هذا الوقت ولست في صلاة ماذا تفعل؟ هناك في ذاك الوقت هذا السؤال يطرح نفسه، لكن في وقتنا الأجوبة كثيرة، قال: أما إني لم أكن في صلاة. وأجاب عن السؤال الذي يطرح نفسه قال: ولكني لدغت. كنت لديغا، يعني: لدغتني عقرب، وجالس في تلك الساعة يتألم من سم العقرب، ولكني لدغت، الآن تأتي الأسئلة التي ستنم عن خير، وعن طلب فائدة، وعن تواصل علمي نافع، ما صنعت؟ لاحظ ما صنعت؟ هذا ينم عن سؤال عاطفي جميل يتعلق بالحادثة التي حصلت، لم يقل: ما العقرب؟ وما لون العقرب؟ وكيف؟ ولكن السؤال: ما صنعت؟ هذا هو السؤال المناسب ما صنعت؟ قال: ارتقيت، ما معنى "ارتقيت"؟ يعني طلب الرقية، أخذ يقرأ على هذا السم الذي أصاب جسمه بسبب اللدغة يقرأ عليه، والقرآن نافع جدا في هذا والسنة دلت على ذلك، فهوعمل بالسنة وأخذ يرتقي، والرقية لها أثر نافع بالكتاب، والأدعية المذكورة لها أثر نافع جدا في هذا الباب، قال له سعيد: ما حملك على ذلك؟ ما مقصود سعيد بقوله: ما حملك على ذلك؟ أريد أن أسمع منكم؟
كيف اهتديت للرقية
كيف اهتديت للرقية؟ ما مستندك؟ أنت تريد الآن أن تفعل شيئا لابد أن يكون لك مستند شرعي، لا تفعل هكذا بدون مستند، لا ما هو مستندك الشرعي؟ ما حملك على ذلك؟ أي: ما المستند الشرعي لك على ذلك؟ فماذا قال؟ ما هو مستنده؟
قلت حدثنا عن بريدة بن الحصين أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمى
لا، هو قال : حديث حدثناه الشعبي، أنا مستندي في ذلك حديث حدثناه الشعبي، لاحظ ارتباط القوم بماذا؟ بالسنة والأدلة، "حديث حدثناه"، لكن الآن الناس لو تسألهم عن أفعال كثيرة يفعلونها: ما مستندك؟ ما تجده مرتبطا بالسنة أما هؤلاء فمرتبطون بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الكاملة، لدغته عقرب ارتقى، قال له ما: حملك على ذلك؟ قال: السنة، حديث حدثناه، ماذا حدثكم؟ فساق له بالإسناد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) والمراد بقوله: (لا رقية) أي: أجدى وأنفع.
(إلا من عين أو حمى) هذا فيه مشروعية وجواز الرقية من العين والرقية من الحمى، والعين تعرفونها، أن يصاب الإنسان بماذا؟ بعين، ينظر إليه نظرة شريرة، نظرة مؤذية فيصيبه بعينه، فهذه تنفع فيها الرقية نفعا عظيما، والحمى هي الموضوع الذي حصل لحصين، الحمى هي السم الذي يكون بسبب اللدغة، لدغة ذوات السموم.
فإذن حصين فعل الأمر وعنده الدليل عليه، وذكر الدليل وساق الدليل بسنده، ماذا قال له سعيد؟ قال له: "قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع". هذه والله هذه كلمة جميلة، لابد أن ننتبه لها "قد أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" الآن سعيد أيده أم عارضه؟ أيده، يقول: أحسنت، يقول: أحسن من انتهيى إلى ما قد سمع، يعني: أنت سمعت شيئا من السنة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فانتهيت إليه، يعني: فعلته وعملته، وإذن من هو المحسن؟ الذي علم السنة وعمل بها هذا المحسن، وهذا واضح "أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" يعني: سمع السنة وعمل بها هذا هو المحسن.
طيب إذا كان هذا هو المحسن فمن المسيء؟ المسيء شخصان: شخص لم يتعلم السنة أصلا ولا اهتم بها ولا اعتنى بدراستها هذا مسيء، وآخر أيضا هو مسيء علم بالسنة ولم يعمل بها هذا أيضا مسيء، ومن المحسن؟ من انتهى إلى ما قد سمع، يعني: سمع وعمل، سعيد بن جبير لما ايده على صنيعه ذكر له أمرا آخر في الباب قال: ولكن حدثنا ابن عباس ..... وذكر هذا السياق الطويل الذي فيه الشاهد للترجمة.
هو نفسه الذي لدغ؟
لا، الآن الذي لدغ حصين، وسعيد بن جبير هو الذي يحاوره، والمجلس مجلس سعيد بن جبير.
الذي ذكر الحديث هذا ابن عباس؟
حديث ابن عباس ذكره سعيد امتدادا للموضوع، الآن حصين لدغ واستدل بحديث بريدة، وقال له سعيد بن جبير: أحسنت أنت فعلت الأمر بالدليل، لكن -يقول سعيد- ولكن حدثنا ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- فالآن سيروي شيئا لا يعارض ما سبق، وإنما يروي شيئا فيه رتبة عالية ودرجة، رفيعة درجة محققي التوحيد -فقال حدثنا ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (عرضت علي الأمم) وهذا العرض قيل: إنه في المنام كما أشار إلى ذلك الحافظ في فتح الباري وغيره من أهل العلم (عرضت علي الأمم فرأت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي وليس معه أحد) سبحان الله، يأتي نبي يوم القيامة ولم يتبعه أحد اتبعه!!! ومعلوم أن الأنبياء وفوا في البلاغ أو لا ؟ وفوا في البلاغ، لكن يأتي بعض الأنبياء ما اتبعه أحد، ويأتي بعضهم اتبعه رجل واتبعه رجلان؛ ولهذا على الإنسان ألا يأسى وألا ييأس إذا عملت عملا دعويا صحيحا موافقا للسنة حتى ولو لم يتبعك أحد لا ضير عليك، لكن عليك أن تسير على المنهاج الصحيح في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108] (ثم رفع إليّ سواد عظيم فقلت: هؤلاء قومي؟ فقيل هذا موسى وقومه، ثم رفع إلى سواد فقيل: هؤلاء قومك وفيهم سبعون ألف يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب).
نكمل الحديث: (ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك)
الآن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما ذكر للصحابة أن سبعين ألف يدخلون الجنة بدون حساب، سبعين ألف يدخلون الجنة من أمته بدون حساب ولا عذاب، يعني: دخولا أوليا لا يدخلون النار وإنما إلى الجنة مباشرة، سبعين ألف، وقد جاء في رواية جود إسنادها الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم أنه -عليه الصلاة والسلام- استزاد الله، يعني: طلب منه الزيادة، فزاده مع كل ألف سبعين ألف. إذا أردت أن تعرف عددهم ماذا تفعل؟ تضرب مع كل ألف سبعين ألف، هي كم ألف الآن؟ فإذن تضرب سبعين في سبعين ألف، فهذا عدد من يدخل نسأل الله الكريم من فضله.
فالصحابة -رضي الله تعالى عنهم- لما سمعوا هذا الأمر ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة خاضوا فيهم، الخوض هنا سيكون طبيعته ماذا؟
الحوار
لكن متجه إلى ماذا؟
إلى طلب الله أن يكون: مَن السبعين ألف
من هم هؤلاء؟ ما صفتهم؟ هذا الاتجاه الآن سبعين ألف يدخلون الجنة بدون حساب من هم؟ ما صفاتهم؟ فالصحابة خاضوا فيهم يحاولون معرفة الصفات، انظر ماذا قال الصحابة، بعضهم قالوا: لعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعضهم قالوا: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام.
هذه الإجابات التي جاءت منهم والتوقعات انبنت على شيء مهم يدل على فقه الصحابة ما هو؟
انتبهوا للسؤال مرة ثانية إجاباتهم بعضهم قال: لعلهم الذين صحبوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- بعضهم قال: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام. هذه الإجابات تدل على فقه هؤلاء في توقعاتهم وإجاباتهم اتجهوا إلى ذكر أعمال وخصال خير نال بها هؤلاء هذه الدرجة العالية، فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- أي: نالوا ذلك الفضل بسبب الصحبة وهي عمل صالح، والآخرون قالوا: لعلهم ولدوا في الإسلام، النشأة من أول الأمر على طاعة الله هذا عمل صالح، فإذن كل أجوبتهم اتجهت إلى الأعمال وأخذوا يبحثون عن أكبر الأعمال، فخاضوا فيها فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وذكر لهم صفات هؤلاء قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) كم صفة ذكرناها؟ أربع صفات ذكرها -عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الذين يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).
إذن عندن الآن هذا الحديث وهذا الأثر بطوله الشاهد منه ماذا؟ هنا هذا هو الشاهد أن من صفات محققي التوحيد هذه الصفات الأربعة المذكورة في الحديث: (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) (لا يسترقون) أي: الرقية المعروفة، والسين للطلب، أي: لا يطلبون من يرقيهم، ما يبحث عمن يرقيه، إذا مرض أو مرض قريب له لا يبحث عمن يرقيه لماذا؟ لأن في الاسترقاء الطلب، سيكون هناك شيء من ميل القلب للشخص الراقي، فهم من تمام توكلهم لا يسترقون، وهنا ليس فيه أنه لا يرقي نفسه نبينا -عليه الصلاة والسلام- إمام المتوكلين رقى نفسه، وأيضا ليس فيه منع من يرقيه بدون طلب مثل لو أن إنسانا كان مريضا وزاره أحد من أهل الفضل وبدأ يرقيه هل يمنعه حتى يكون من السبعين أو لا يمنعه؟ ما يمنعه لأنه ما حصل منه طلب، فالحديث فيمن طلب (يسترقون) أي: يطلبون من يرقيهم والسبب أن القلب يكون فيه شيء من الميل.
(ولا يكتوون) أيضا لا يطلب من يكويه، والكي فيه شيء من الأذى والتعذيب، لكن فيه فائدة كما جاء في الحديث.
(ولا يكتوون ولا يتطيرون) والتطير هو التشاؤم، وسيأتي عند المصنف باب مستقل عن التطير.
(وعلى ربهم يتوكلون) وهي الصفة الجامعة لكل ما سبق كل ذلك بسبب تمام توكلهم على الله -سبحانه وتعالى- لما انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من وصفهم بادر الصحابي الجليل عكاشة بن محصن -رضي الله تعالى عنه- وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم. وهذا أيضا فيه علم من علامات النبوة، فجاء آخر وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة حتى لا يستمر الأمر.
فهذا الحديث عظيم، وكما أسلفت يصور لنا الحالة الجميلة والحوارات الرائعة المبنية على أصول وعلى أدب وعلى حسن الخلق وعلى ارتباط بالدليل، والشاهد من الحديث واضح، ولعلنا نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
بالنسبة لأجوبة الحلقة الماضية: يقول: بالنسبة لإجابة السؤال الأول قال الناظم: العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة وفقك الله لما يحبه
لا، هذا ذكرناه في الحلقة الماضية، في اللقاء السابق المطلوب هو بيت واحد فقط، أما هذا فذكرناه في الدرس الماضي، وهو ضمن أبيات للشيخ حافظ حكمي يعدد فيها لكن المطلوب هو بيت واحد.
يقول البيت هو:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
هذه السبعة اجتمعت في بيت واحد وهي شروط لا إله إلا الله:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
ذكروا الأدلة؟
نعم الأخ ذكر إجابة مرتبة لعلها تكون إجابته شافية يقول: العلم قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد: 19] ذكر الشروط بالأدلة
ثانيا: اليقين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُو﴾ [الحجرات: 15] .
لم يرتابوا أي أيقنوا ولم يشكوا.
ثالثا: الصدق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]. رابعا: الإخلاص قوله تعالى ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر : 14].
خامسا: القبول ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285].
سادسا: الانقياد قوله تعالى﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفً﴾ [النساء: 125].
سابعا: المحبة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: 165].
إجابة ممتازة شكر الله له.
سؤال حول قوله عند قول الرجل عندما قال: ارتقيت معنى هذا أنه رقى نفسه ألا يعارض هذا قول سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه قال: (ولا يسترقون) فيدل قوله: (ولا يسترقون) أن هذا الرجل ارتقى، أي: طلب الرقية لأنه لو كان المقصود ارتقيت أي رقى نفسه فلا إشكال فيه ما قول الشيخ في هذه المسألة؟
السؤال واضح سعيد بن جبير لما سمع الجواب، أو سمع قول حصين ومستنده وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا رقية إلا من عين أو حمى) مستشهدا بها على صنيعه وفعله قال له: "أحسنت أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" فهو عمل بموجب الدليل، واستنادا إلى الدليل "ارتقى" مستندا إلى هذا الدليل الذي ذكر إسناده فيه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسعيد أيده على صنيعه، وليس هناك معارضة ولو كان هناك معارضة لم يكن من سعيد تأييد له، وإنما يقول له هذا معارض لكذا، لكنه قال له: "أحسنت" أو "أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" ثم ساق له الدليل الآخر، وهو يدل على مرتبة عالية في تحقيق التوحيد وتكميله وهو عدم الاسترقاء.
هل ورد في لفظ عن مسلم: (لا يرقون ولا يسترقون)؟ وكيف تخرج هذه اللفظة: (لا يرقون)؟
هذه اللفظة نعم وردت في مسلم، وأهل العلم تكلموا عليها ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في بعض مؤلفاته ذكر أن هذه اللفظة منكرة وأن الصحيح الثابت: (لا يسترقون) أما: (لا يرقون) فالراقي متفضل ومحسن، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل) والنبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن إلى غير واحد بالرقية، وكان يرقي المرضى، وإذا أتى عند مريض رقاه، فالراقي محسن، و(لا يرقون) هذه اللفظة غير صحيحة والصحيح (لا يسترقون) وهذا نبه عليه جماعة من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
هذا الدرس فيه الكلام عن تحقيق التوحيد، فأرغب من الإخوة فيما يتعلق بتحقيق التوحيد وما ذكر أهل العلم أن تحقيق التوحيد هو تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع المعاصي -أرغب من الإخوة أن ينقلوا لنا كلام ابن القيم في كتابه "الفوائد" في ذكره لهذه الأمور الثلاثة ووصفها بالعوائق، وابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "الفوائد" تحدث عن هذه الثلاث في موضعين من الكتاب: موضع تحت هذا العنوان "العوائق" وموضع جاء ضمنا فأنا أرغب من الإخوة أن يستعرضوا كتاب "الفوائد" وأن يستخرجوا منه هذين الموضعين في كلامه عن العوائق الثلاث الشرك والبدعة والمعصية؟
السؤال الثاني: أن يرجعوا إلى تفسير الآية ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ عند ابن كثير وأن ينقلوا لنا كلام أهل العلم في معنى هذه الآية؟
نسأل الله -جل وعلا- أن يبارك وأن يجعل هذا في ميزان حسنات الجميع إنه سميع مجيب، وصلى الله وسلم على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه أجمعين.
aansar
05-12-2008, 12:10 AM
جزاك الله خيرا ونفع الله بك
nary_jon
05-20-2008, 10:33 PM
حياك الله وبياك اخي انا مسلم
جزاك الله خير
nary_jon
05-30-2008, 07:16 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التوحيد/ المستوى الثاني/ الدرس السادس
شرح كتاب التوحيد
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا- أما بعد،
ففي دراستنا لهذا الكتاب المبارك "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- أنهينا أبوابا متعلقة بفضل التوحيد ومكانته وعظيم شأن تحقيقه، ثم بعد هذه الأبواب انتقل مصنف الكتاب -رحمه الله- إلى التحذير من ضد التوحيد وهو الشرك بالله، فعقد ترجمة عظيمة النفع عنوانها: "الخوف من الشرك" وهذا مطلب جليل لابد منه، فالمؤمن مطالب بمعرفة التوحيد وتحقيقه، ومعرفة الشرك والحذر منه، ونستمع أولًا إلى ما ساقه المصنف -رحمه الله- ثم يأتي بعد ذلك التعليق بما ييسره الله -تبارك وتعالى-.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى-: (باب الخوف من الشرك، وقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48])
قال المصنف -رحمه الله- (باب الخوف من الشرك) هذا الباب عقده المصنف للتخويف من الشرك، والتحذير منه، وبيان شدة خطورته، وعواقب الشرك الوخيمة، وأضراره الجثيمة على أهله وأصحابه في الدنيا والآخرة.
والخوف ضد الأمن، الخوف ضد الأمن، والخوف من الشرك هو أن يكون المؤمن ليس آمنا على نفسه منه، بل يكون خائفا فزعا حذرا، متقيا مبتعدا مجانبا، لا أن يكون آمنا مطمئنا، غير خائف وغير مبال وغير مكترث، فالمؤمن يأتي بالتوحيد والإيمان والعبادة وعنده خوف، وغير المؤمن يقصر ولا يأتي بالعبادة وعنده أمن؛ ولهذا قال أحد السلف وهو الحسن البصري -رحمه الله- قال: «إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة والمنافق جمع إساءة وأمنا » يسيء وهو آمن، والمؤمن يحسن وهو خائف، وقد مر معنا في لقائنا السابق وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿60﴾﴾ [المؤمنون: 60] جاء في المسند الإمام أحمد أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (قلت يا رسول الله، أهو الرجل يسرق ويزني ويقتل ويخاف أن يعذب؟ هل هذا هو معنى الآية؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل) فإذن المؤمن مع إيمانه وتوحيده وطاعته لله -سبحانه وتعالى- ومحافظته على عبادة الله خائف ليس آمنا، وخلافا المؤمن مسيء ومضيع ومفرق ومهمل وفي الوقت نفسه آمن.
فإذن هذه الترجمة عظيمة الشأن، جليلة القدر، كبيرة الفائدة، الخوف من الشرك ، فيجب على كل مؤمن موحد عرف التوحيد وعرف الإيمان أن يكون خائفا من ضده.
والتوحيد ضده الشرك، فمن عرف التوحيد وعرف فضله وعرف مكانته وعرف عظيم ثوابه يجب عليه في الوقت نفسه أن يكون خائفا من ضده.
والضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء
والخوف من الشرك يتطلب من الخائف أن يعرف هذا الشيء الذي خاف منه، أليس كذلك؟ يتطلب من الخائف أن يعرف هذا الشيء الذي خاف منه، لأنه إن لم يعرفه ماذا يحدث؟ ربما وقع فيه بسبب جهله، ولهذا قيل: تعلم الشر لا للشـر ولكن لتوقيه، فإن من لم يعرف الشر من الناس يقع فيه.
أحد السلف يقول في هذا المعنى كلمة جميلة جدًا، يقول: «كيف يتقي من لا يدري ما يتقي» واضحة «كيف يتقي من لا يدري ما يتقي»، يعني: كيف يتقي الشرك مثلًا من لا يعرف ما هو الشرك، وكيف يتقي الربا من لا يعرف ما هو الربا وهكذا، فإذن الخوف من الشرك، يتطلب من الخائف أن يعرف الشرك ما هو، وما هي حقيقة الشرك حتى يكون في حيطة وفي حذر وفي بعد ومجانبة له، هذا أمر لابد منه؛ ولهذا جاء في صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: (كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافته) الآن تجد أهل العلم قديمًا وحديثًا كتبوا مصنفات بعنوان الكبائر، بهذا العنوان، الذهبي -رحمه الله- له عنوان كتاب بهذا العنوان مطبوع ومتداول وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مصنف كتاب التوحيد له كتاب نافع مطبوع بعنوان الكبائر، ماذا يقولون في كتب الكبائر؟ يقول الكبيرة الأولى كذا، والثانية كذا، والثالثة كذا إلى أن يعد سبعين، ثمانين أقل أو أكثر من الكبائر وكل كبيرة يذكرها بدليلها، ما فائدة تعريف الناس وتعريف طلاب العلم وتعريف المسلمين بالكبائر؟ اجتنابها، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) وعد سبع كبائر، وبدأ بالشرك، إذن لابد من معرفة الشرك ومعرفة كبائر الذنوب من أجل ماذا؟ من أجل اتقائها والخوف منها والحذر فهذا نافع جدًا، ولهذا قراءة مثلًا عقوبة الربا، عقوبة الزنا عقوبة الغش عقوبة... كل هذه قراءتها ومعرفة أدلة تحريمها وما إلى ذلك هذا كله نافع للمسلم.
أعظم المحرمات وأكبر الموبقات الشرك بالله -سبحانه وتعالى- فإذا كنا مطالبين في كل محرم أن نكون على علم به ومعرفة به ومعرفة بخطورته فإنه يأتي في مقدمة ذلك الشرك، ومعرفة خطر الشرك وعقوبة الشرك وأن لا يكون الإنسان مستهينا بالأمر، بل ينبغي أن يعيش خائفا منه حذرا مجانبا مبتعدا عنه.
جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري وغيره من كتب السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) والحديث ثابت (أخفى من دبيب النمل) الآن نحن جالسين الآن، لو مرت نملة من تحتنا أو أكثر من نملة تدب على الأرض هل نشعر بها؟ لا، يقول (للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) فهذا يستدعي ماذا؟ يستدعي الحظر الخوف، ولا يكون الإنسان آمنا وغير خائف وغير مبالٍ بل يكون خائفا، وسيأتي معنا في هذه الترجمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) يعني: أعظم أمر أخافه عليكم الشرك الأصغر، وسيأتي في حينه الكلام على بعض مضامينه ودلالاته.
إذن لابد أن يكون الإنسان خائفا من الشرك، من الشرك الأكبر ومن الشرك الأصغر ويسأل الله -سبحانه وتعالى- دائمًا أن يعيذه منه، وأن يقيه من الوقوع فيه، وأن يسلمه.
تمام الحديث الذي ذكرت لكم في الأدب المفرد قال: (للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، ألا أدلكم على شيء إذا قلتموه أذهب الله عنكم قليل الشرك وكثيره؟ قالوا؟ بلى، قال: أن تقولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشكر بك ونحن نعلم ونستغفرك لما لا نعلم) وهذا دعاء عظيم جدًا، ومهم للغاية، وينبغي على كل مسلم أن يحافظ عليه، دائمًا يتعوذ بالله (اللهم إنا نعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم) قد يدخل على الإنسان شرك وخاصة الشرك الأصغر قد يتسلل إليه أخفى من دبيب النمل، فالإنسان دائمًا يتعوذ بالله؛ بل ثبت في السنة وهو أيضًا في الأدب المفرد وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كل يوم يقول: بعد صلاة الصبح في الصباح وفي المساء كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر ومن الفقر وأعوذ بك من عذاب القبر) فإذن التعوذ بالله من الشرك ومن الكفر هذا أمر مطلوب ولا يأمن الإنسان ولا يطمئن ولا يقول: أنا لا أخاف ولا أبالي، أو الأمر معروف عندي، لا؛ بل ينبغي أن يكون خائفا، وهذه الترجمة عقدها المصنف -رحمه الله- لتبيين هذا الأمر والتحذيرمن الشرك وبيان وجوب الخوف منه، الخوف من الشرك واجب، يجب على كل مسلم أن يخاف من الشرك، وأن يكون على حذر من الشرك.
إذن الترجمة معقودة لبيان الخوف من الشرك والخوف كما عرفنا ضد الأمن، ما الأدلة على ذلك؟ وعرفنا أنها معقودة لوجوب الخوف من الشرك، يجب على كل مسلم أن يخاف، فما الأدلة على الخوف من الشرك؟ أول ما ذكر دعاء إبراهيم الخليل -عليه السلام- قال: وقول الله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]، ماذا قال قبلها؟
قال الخليل -عليه السلام- ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾
قال الخليل -عليه السلام- والخليل هذا من أوصاف إبراهيم -عليه السلام- اتخذه الله خليلا، والخلة أخص من المحبة وأعظم من المحبة، اتخذه خليلا، واتخذ أيضًا نبينا محمدا -عليه الصلاة والسلام- خليلا ولهذا جاء في الحديث: (فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليل) والخلة أخص وشأنها أعظم من المحبة، البعض يقول عن نبينا -عليه الصلاة والسلام- حبيب الله، الأمر أعظم من هذا، خليل الله، هو -عليه الصلاة والسلام- خليل الله، الخلة أمرها أعظم (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليل) إبراهيم خليل الرحمن، اقرأ سيرته في القرآن ماذا صنع، وجهاده وبلاءه الحسن وإمامته وفضله والآية التي مرت معنا في درسنا السابق ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120﴾﴾ [النحل: 120] واقرأ هنا هذا الإمام الذي كسر الأصنام بيده، وجادل المشركين وأقام عليهم الحجة وأبان لهم المحجة وأوضح لهم السبيل يقول هنا في دعائه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] إبراهيم الخليل -عليه السلام- يقول في عائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36﴾﴾ [إبراهيم: 35، 36] هذا فيه خوف من الشرك أم ليس فيه؟ فيه خوف من الشرك يسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجنبه الأصنام، إبراهيم التيمي أحد أئمة العلم والفضل من السلف يقول: "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم" إذا كان إمام الحنفاء إبراهيم الخليل -عليه السلام- يقول في دعائه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] ونبينا -عليه الصلاة والسلام- ثبت عنه أنه يقول في كل صباح وكل مساء: (الهم إني أعوذ بك من الكفر) وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول في دعائه: (يا مقلب القلوب ثبت قليب على الإيمان) بل قالت أم سلمة زوجه -رضي الله عنها- قالت: (كان أكثر دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت فقلت له: يا رسول الله، أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: ما من قلب إلا هو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه) إذن الواحد يخاف وأم لا يخاف؟ الله يقول في القرآن: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8] فالإنسان يخاف ويسأل الله الثبات: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ويتعوذ بالله من الشرك، ويتعوذ بالله من الكفر، يتعوذ بالله من النفاق، وكل ذلك جاءت به السنة الصحيحة عن نبينا -صلوات الله وسلامه عليه-.
انظر أنت في هذه الآية الكريمة إمام الحنفاء الذي كسر الأصنام بيده وجادل المشركين وأقام عليهم الحجة يدعو الله بهذه الدعوة العظيمة ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] إذن المسلم يكون خائف ويسأل الله أن يجنبه عبادة الأصنام وأن يجنب بنيه، وأن يحفظ ذريته، هذا أمر في غاية الأهمية، أما أن يعيش الإنسان غير مبالٍ ولا مهتما، وغير خائف ويقول مثلًا: أنا أكبر من أني كذا، أو أنا أعظم من أني كذا، أو أن هذا ما يكون لي، أو نحو ذلك.
بعضهم يقول يا شيخ: لا مبرر لأن أخاف
أو يقول: لا مبرر نعم، أنا عرفت التوحيد ودرست كذا وعرفت كذا، فهذا من الخطأ المؤمن يخاف ويحذر، ويسأل الله -سبحانه وتعالى- الثبات والإعانة والتوفيق والسداد، ويفوض أمره إلى الله، ويلتجئ إلى الله، وأيضًا يعرف يتعلم ويقرأ، يقرأ الآيات ويقرأ الأحاديث ويتعلم دينه ويتفقه فيه حتى يكون على علم، إذن هذه الدعوة ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] فيها فائدة أن المسلم يجب عليه أن يخاف من الشرك وأن يحذر منه وأن يتقيه.
ثم تأمل مليا في قول إمام الحنفاء -عليه الصلاة والسلام-: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36﴾﴾ [إبراهيم: 35] من؟ الأصنام ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36﴾﴾ يا سبحان الله، لو تتفكر في هذا الأمر تجد أمرا عجبا، تجد أذكياء في العالم وبارعين في أشياء كثيرة من أمور الدنيا وأشياء بارعين فيها لكن ضلته الأصنام، أضلته الأصنام تجده متعلقا بغير اللها ملتجئا إلى غير الله حتى بأحجار أو مثل حروز، أشياء سيتكلم عنها المصنف -رحمه الله- كلاما نافعا مفيدا من خلال الأدلة تجد كثيرا متورطين في هذه الضلالات وفي هذه الخذعبلات والطرهات، مع أنك تجدهم أذكياء، في جوانب في أمور تتعلق بظواهر الحياة الدنيا، أذكياء جدًا، والله قال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴿7﴾﴾ [الروم: 7] عنده ذكاء، عنده نباهة، عنده انتباه لأشياء لكنه في غفلة عن هذا المطلب العظيم أضلته الأصنام.
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36﴾﴾ [إبراهيم: 35] "كثيرًا" هنا ليس كل هؤلاء الكثير من العوام، وإنما فيهم أذكياء وفيهم أناس فيهم شيء من.. ولكن مع ذلك تورطوا، فالإنسان ينبغي أن يلتجئ إلى الله -سبحانه وتعالى-.
هنا الآن إذا عرفنا الخوف من الشرك من خلال هذه الآية من خلال ما سيأتي حقيقة توجد نقاط لابد منها في تحقيق الخوف من الشرك:
النقطة الأولى: الامتثال إلى الله، الالتجاء إلى الله وسؤال الله -سبحانه وتعالى- بصدق، وخذ هذا الالتجاء تعلمه من دعوة إمام الحنفاء ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36﴾﴾ [إبراهيم: 35، 36] هذا التجاء إلى الله -سبحانه وتعالى- ثم انظر اختيار إبراهيم الخليل -عليه السلام- لكلمة "اجنبني" هذا فيه أيضًا دقة وفقه في باب الدعاء ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾﴾ أي أكون أنا في جانب والأصنام في جانب بعيد عني، لست مقاربا لها وإنما أنا بعيد عنها ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾﴾ ما اكتفى بأن يقول: اجعلني تاركا لها وغير عابئ لا، اجنبني اجعلني في جاب بعيد عنها، فهذا أيضًا فيه الالتجاء إلى الله -سبحانه وتعالى- وتفويض الأمر إليه.
الأمر الثاني: مع الالتجاء إلى الله -سبحانه وتعالى- وتفويض الأمر إليه أن تعرف ما هو الشرك، وأن تعرف خطورة الشرك، وأن تجاهد نفسك على البعد عنه، والحذر من الوقوع فيه تبذل الأسباب قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36﴾﴾ [إبراهيم: 35، 36] إذن هذه الآية دلالتها للترجمة واضحة، الترجمة في الخوف من الشرك والآية واضحة في الخوف من الشرك، إذا كان إمام الحنفاء -عليه السلام- يدعو بهذه الدعوة المباركة الميمونة فمن يأمن البلاء بعد إبراهيم كما قال ذلك إبراهيم التيمي -رحمه الله-؟
قال المصنف -رحمه الله-: (وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء)).
قبل هذا الحديث أظن المصنف ذكر آية؟
ذكرها يا شيخ الآية التي ذكرتموها قال الخليل -عليه السلام- ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾﴾
لا توجد آية قبلها ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾؟
أي نعم أول الباب يعني؟
بعد ﴿وَاجْنُبْنِي﴾؟
أول الباب ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ بعد ذلك قول الخليل، قال الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35﴾﴾.
إذن هذه ما قرأتها؟
لا.. أنت يا شيخ ذكرتها أثناء الشرح هذه الآية
أي نعم، هذه بدأ بها ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ﴾، المصنف -رحمه الله- لما عقد هذه الترجمة ذكر آيتين في الخوف من الشرك:
الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48].
الآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
مضى معنا الكلام على قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] لكن قبل هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48] هذه الآية أيضًا عظيمة جدًا في الخوف من الشرك ؛ لأن الله -عز وجل- توعد المشرك بأن لا يغفر له ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48] توعد المشرك بأن لا يغفر له.
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ هل المراد بقوله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ هل المراد من تاب؟ أو من مات؟ من مات، لكن من أشرك وتاب ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿68﴾ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴿69﴾ إِلاَّ مَن تَابَ ﴿70﴾﴾ [الفرقان: 68- 70] إذن الذي يتوب من الشرك يتوب الله عليه، إذن قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: من مات على الشرك، الذي يموت على الشرك حكمه أن الله لا يغفر له؛ بل يدخله النار ويخلده فيها أبد الآباد، وقد مرنا معنا في الدرس الماضي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴿36﴾﴾ [فاطر: 36] فهو يخلد في النار أبد الآباد لا يقضى عليه فيموت، ولا يخفف عنه من عذابها هذا جزاء كل كفور، إذن هنا قوله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ في حق من مات.
الآية التي في سورة الزمر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ [الزمر: 53] المراد هنا من مات؟ أو من تاب؟
في الآية الثانية؟
الآية الثانية يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ من مات؟ أو من تاب؟
من تاب.
إن كان أحد يقول من مات، فكيف يجمع بينها وبين قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ هنا يقول: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ إذن قوله في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: في حق من مات، وقوله في سورة الزمر: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ أي: من تاب، من أين أخذنا من تاب؟ اقرأ قبلها ﴿لاَ تَقْنَطُو﴾ هذه كلمة ﴿لاَ تَقْنَطُو﴾ تقال للميت أم للحي؟
بالتأكيد للحي
لا تقال إلا لإنسان حي يعمل يقال له: ﴿لاَ تَقْنَطُو﴾ لكن الذي مات انتهى ما عنده مجال ليعمل، ليقنط ما عنده مجال لشيء من هذا.
﴿لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ﴾ أي: توبوا ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ بما فيها الشرك؟ نعم بما فيها الشرك، لأنها في حق من تاب، من تاب تاب الله عليه، ولو كان مشركًا لو كان ملحدا لو كان كافرًا لو كان منافقا أيا كان ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ من تاب تاب الله عليه، لكن من مات على الشرك لا يغفر الله له ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48].
إذن لو جاءكم سؤال ما الجمع بين قوله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، وقوله ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾؟ الجواب.
من مات، يعني: من مات على شرك
الآية الآولى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ هذه في حق من مات على الشرك، والآية الثانية: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ في حق من تاب، لما ذكر التوبة أطلق الذنوب كلها، ولما كان الأمر في حق من مات، خص الشرك بأنه لا يغفر ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48].
هنا يأتي سؤال يتعلق بموضوعنا، موضع الخوف من الشرك، إذا كان الله توعد المشرك بهذا التوعد ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] وهذا جاء في موضعين من سورة النساء، في موضعين من سورة النساء ذكر ذلك -جل وعلا- ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48].
إذا كان الله -سبحانه وتعالى- توعد المشرك بهذا التوعد أنه لا يغفر له، أي: لا مطمع له أبدًا، في مغفرة الله ورحمته إن مات على الشرك هذا ماذا يحرك في القلوب؟ يحرك الخوف وليس بين الإنسان وبين هذا الوعيد إلا أن يموت، ولهذا سيأتي معنا (من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار) يعني: النار قريبة من المشرك ليس بينه وبين دخولها إلا الموت، يعني: ربما يكون ليس بينه وبينها إلا ساعة واحدة، ربما قد يكون موته بعد ساعة فلا يكون بينه وبينها إلا ساعة واحدة، أو ساعتين أو يوم أو يومين أو شهر (من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار) إذن هذا يخوف الإنسان، يجعله يخاف من هذا الداء الخطير والجرم العظيم الذي فيه هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، هذا حال المشرك والعياذ بالله، فوجب الخوف من هذا الذنب الذي توعد صاحبه من بين الذنوب بهذا الوعيد ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48].
﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ هذا في حق من؟
في حق التائب، الحي
التائب قلنا، سواءً كان مشركًا أو غير مشرك يتقبل الله عليه، لكن هنا في حق من مات، من مات على شيء دون الشرك على بعض الكبائر أو بعض الذنوب، الله -عز وجل- قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ أي أنه تحت مشيئة الله لأنه قال: ﴿لِمَن يَّشَاءُ﴾ فصاحب الكبيرة التي دون الشرك تحت الميشئة ما معنى تحت المشيئة؟ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار، ولهذا الآية فيها رد قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ فيها رد على الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب، ويخلدون صاحب الكبيرة في النار، هذا كلام باطل لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ وأيضًا فيها رد على المعتزلة الذين يقولون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار يوم القيامة.
يذكرون أن أحد كبار المعتزلة مرة في مجلس, وعادتهم يأتون بشبه وأشياء عقلية يشوشون بها على الحاضرين أو على السامعين فهذا المعتزلي في المجلس قال: أنا يوم القيامة سأقول أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، فإذا قال لي الله: لماذا تقول هذا؟ سأقول: أنت قلت ذلك، وجاء بعض الآيات التي فيها مثل قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: 93] فكان في المجلس شاب صغير حتى ذكر أنه أصغر من في المجلس فرد عليه برد أفحمه وأسكته، قال له: فإن قال لك الله -جاراه في أسلوبه- قال له فإن قال لك الله: وأنا قلت في القرآن: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48] وقد شئت أن أغفر له، ماذا تقول؟ فبهت. لأن الله -سبحانه وتعالى- جميع الذنوب جعلها تحت المشيئة، إلا الشرك توعد صاحبه بأنه لا يغفر، نحن الذي يعنينا هنا هو الخوف من الشرك ومعرفة خطره، وأنه الذنب الذي توعد الله -سبحانه وتعالى- صاحبه بأن لا يغفر، قال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ فوجب على كل مسلم أن يكون خائفا حذرا مجانبا لهذا الشرك عارفا به سائلا الله -جل وعلا- أن يعيذه منه وأن يجنبه إياه، ثم بعد هذا ذكر المصنف -رحمه الله- الآية الكريمة التي فيها قول الخليل -عليه السلام-: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
قال المصنف: (وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء))
قال: (وفي الحديث) هذا الحديث المصنف -رحمه الله- لم يذكر من خرجه وهو في المسند للإمام أحمد وغيره بإسناد جيد، قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام إسناده جيد وأيضًا جود إسناده غير واحد من أهل العلم، والحديث له سياق اختصرها المصنف قال -عليه الصلاة والسلام-: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء) ثم يأتي أيضًا في بقية الحديث في مصدره أن المرائي، يقول له الله -سبحانه وتعالى- يوم القيامة: اذهب إلى من عملت أو من رآيت لأجله اطلب ثوابك، اذهب إليه هل يحصل ثوابا، المرائي يوم القيامة هل يحصل ثوابا ممن رائى لأجلهم، ممن عمل لأجلهم لا يحصل ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿34﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿35﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿36﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿37﴾﴾ [عبس: 34- 37] ويفر الرؤساء من الأتباع، وكل يتبرأ من الآخر ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166] الأسباب أي: المودة، المودة التي كانت تجمعهم هذه كلها تتقطع، إلا الإخوة في الله، هذه باقية ﴿الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴿67﴾﴾ [الزخرف: 67].
إذن هنا يقول: (أخوف ما أخاف عليكم) واضح المعنى أم لا؟ (أخوف ما أخاف عليكم) أي: أشد شيء أخافه عليكم الشرك الأصغر، الكلام واضح، وأمامه خيار الصحابة، وأفاضل قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر).
هذا يا شيخ الشرك الأصغر، فكيف الشرك الأكبر؟
فقال: (الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء) الرياء ما هو؟ الرياء هو أن يقوم الإنسان بالعبادة ويزينها ويحسنها لا لله وإنما لنظر رجل إليه، كما جاء في حديث آخر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل يومًا على الصحابة فوجهم يتذاكرون فتنة الدجال، فقال: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من فتنة المسيح الدجال؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر الرجل) والرياء على نوعين:
الرياء الخالص، فهذا من الشرك الأكبر، الرياء الخالص مثلما قال الله عن المنافقين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿14﴾﴾ [البقرة: 14] الآية الآخرى قال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: 142] هذا رياء خالص، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: 145].
ورياء أصغر الذي هو يسير الرياء كأن يقوم الإنسان بالعبادة وهو يقصد بها وجه الله، ثم يطرأ عليه رياء يسير بأن يزينها أو يحسنها من أجل نظر أحد إليه أو نحو ذلك، فهذا كان يخافه النبي -عليه الصلاة والسلام- على أمته، وأمر يتعلق بالقلوب، وهو يحتاج إلى معالجة ومجاهدة للنفس، الأوزاعي -رحمه الله- من أئمة السلف يقول: ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي، النية تتفلت من الإنسان فيحتاج الأمر إلى مجاهدة، أن يجاهد نفسه على الإخلاص لله والصدق مع الله وابتغاء الله -سبحانه وتعالى- بالعمل ويحذر من الرياء، وهذا ينبغي أن يكون مستديما مع الإنسان إلى أن يموت، المجاهدة هذه ينبغي أن تكون مستديمة ومستمرة مع الإنسان إلى أن يموت ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُو﴾ [فصلت: 30] الاستدامة على ذلك إلى الممات.
قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) وقوله هنا: (الشرك الأصغر) هذا يدلنا على أن الشرك نوعان: أكبر وأصغر، وينبغي على كل واحد أن يعرف أن الشرك الأكبر والشرك الأصغر بينهما فرق في الحد والحكم، حد الشرك الأكبر -أي: ضابطه- يختلف عن حد الشرك الأصغر، وحكم الشرك الأكبر يختلف عن حكم الشرك الأصغر.
أما حد الشرك الأكبر فقد مر معنا، تسوية غير الله بالله في شيء من خصائصه، سواءً في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء أو الصفات، تسوية غير الله بالله هذا شرك أكبر وحكمه ماذا؟ ناقل من الملة، وصاحبه كافر خارج من الدين، وعقوبته يوم القيامة النار، من وقع في الشرك الآن أو قديمًا الحكم واحد، والعقوبة واحدة ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴿43﴾﴾ [القمر: 43] الذي يقع فيه يعاقبه الله -سبحانه وتعالى- فهنا لاحظ الشرك الأكبر عرفنا حده وعرفنا عقوبته.
والشرك الأصغر هو ما جاء في النصوص تسميته شركًا وهو لا يصل إلى حد الشرك الأكبر، مثل شرك الألفاظ، ومثل يسير الرياء، مثل قول الرجل ما شاء الله وشئت، أو لولا كذا لكان كذا، لولا البط لأتانا اللصوص، سيأتي عند المصنف تراجم شارحه ومبينة لهذا الأمر، وأريد أن نعرف قيمة هذا الكتاب، المصنف -رحمه الله- لما عقد الخوف من الشرك من نصحه للناس عقد أبوابا كثيرة يعرف فيها بأفراد من الشرك الأكبر وأبوابا أيضًا كثيرة بأفراد من الشرك الأصغر، حتى نكون حذرين من هذا وهذا، ولهذا مواصلة قراءة هذا الكتاب والدراسة فيه وتعلم هذا نافع جدًا في معرفة التوحيد ومعرفة ضده.
قال المصنف -رحمه الله-: (وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار) رواه البخاري)
ثم أورد المصنف في الخوف من الشرك هذا الحديث حديث ابن مسعود وهو في صحيح البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار) هذا الحديث فيه تعريف بالشرك، أليس كذلك؟ الآن لو قيل لأحدكم مَثِّل أو عرف الشرك على ضوء الحديث؟ أن يدعو من دون الله ندا، والدعاء هنا يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة.
دعاء العبادة يدخل تحت كل طاعة، الصلاة، الصيام، الحج، الذكر كل هذا دعاء مسألة؛ لأن من يقوم بها يقوم بها وهو يرجو رحمة الله، ويطمع في ثوابه، ويخاف من عقابه، ففيها طلب من الله -سبحانه وتعالى-.
ودعاء المسألة هو هو سؤاله -سبحانه وتعالى- من خيري الدنيا والآخرة، فمن مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، أي: من مات وهو يصرف شيئا من العباة لغير الله دخل النار، فإذن المشرك كم بينه وبين النار؟ موته، بينه وبين النار موته، النار قريبة؛ ولهذا فالمصنف -رحمه الله- في الفوائد المستفادة من الباب عد منها قرب الجنة والنار، الجنة قريبة والنار قريبة، وجمع بين قربهما في حديث واحد كما سيأتي معنا في الحديث الذي يلي هذا الحديث.
إذن (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار) أيضًا هذا يوضح لنا ما سبق أن العقوبة والتوعد في حال إيش؟ التوعد بعدم المغفرة في حال؟ في حال الموت، قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ند) ما معنى ندا؟ شريكا، مثيلا ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] يعني لا تجعلوا لله شركاء في العبادة وأنتم تعلمون أنه لا خالق لكم غير الله (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار) وحكمه فيها أنه مخلد فيها أبد الآباد، لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابها.
ثم ختم المصنف هذه الترجمة بالحديث الأخير.
قال المصنف -رحمه الله-: (ولمسلم عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار))
ثم أورد هذا الحديث حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) أأكد على الفائدة السابقة وهي تعريف الشرك، اجمع بين حديث جابر وحديث ابن مسعود، حديث ابن مسعود: (من مات وهو يدعو من دون الله ندار دخل النار) وهنا: (من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار) ما هو الشرك؟ أن يدعو من دون الله ندا، أن يجعل لله مساويا، في شيء من خصائصه -سبحانه وتعالى- ولهذا يوم القيامة إذا دخل الكفار نار جهنم، وندموا ولا ينفع الندم، ماذا يقولون معبرين عن ندمهم وهم في النار؟ وهو لا ينفعهم ماذا يقولون؟ ﴿تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿97﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿98﴾﴾ [الشعراء: 97، 98] إذن الشرك تسوية غير الله بالله، وأيضًا هو عدل غير الله به ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] يعني: يسون غيره به -سبحانه وتعالى- فمن سوى غير الله بالله فهو مشرك، سواءً في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات؛ ولهذا كما ذكرت في درس ماضٍ أنه كما أن التوحيد ثلاثة أنواع فالشرك ثلاثة أنواع، لكل نوع من أنواع التوحيد ضد، فهناك شرك في الربوبية، وهناك شرك في الألوهية، وهناك شرك في الأسماء والصفات، وهنا قوله: (من مات وهو يدعوا من دون الله ند) هذا يتعلق بالألوهية من صرف شيئًا من العبادة لغير الله فهو مشرك من أهل النار.
(من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) هنا تأمل في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) أنا أريد حقيقة أن تقفوا هنا وقفة وأيضًا تستذكرون ما بدأنا به درسنا هذا أو الدرس الذي قبله، الدرس الذي قبله (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة) لا يخلو مَن لا يشرك بالله شيئًا من حالتين: إما أنه لا يشرك بالله شيئًا وهو بعيد عن المعاصي والكبائر ومحافظ على الواجبات، أو يكون لا يشرك وعنده بعض المعاصي، هل كلاهما يشمله الحديث يشمله قوله: (ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة)؟
مثل الآية المقتصد والسابق بالخيرات
فهل يشملهم كلهم أو لا؟ الجواب نعم يشملهم، الذي مات وهو لا يشرك بالله شيئًا، ومكمل للتوحيده، ومكمل لإيمانه، وبعيد عن الكبائر، ومحافظ على الواجبات هذا إلى الجنة مباشرة، بدون حساب ولا عذاب، ومن مات وهو لا يشرك بالله شيئًا لكن عنده بعض الكبائر التي دون الشرك التي قال الله عنها في الآية التي هي في صدر هذا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48] هذا معرض للعذاب، معرض للعقوبة وإن عذب أكملوا؟ لا يخلد، وإن عذب لا يخلد، لأنه لا يخلد في النار إلا المشرك الكافر، أما من لا يشرك بالله شيئًا فهذا إن عذب فإنه لا يخلد؛ ولهذا دخول عصاة الموحدين للنار هو ليس كدحول الكفار، الكفار دخولهم للنار للعذاب الأبدي الدائم السرمدي المستمر، أما هؤلاء دخلوهم في الناء من أجل التطهير، يدخل ليطهر من ذنوبه، أما المشرك فالشرك ما تطهره النار، الشرك ما تطهره ولهذا يبقى فيها أبد الآباد، لكن المعاصي التي دون الشرك هذه إذا دخل صاحبها النار فإنه يعذب فيها تطهيرا وتنقية ثم من بعد ذلك يكون..... ولهذا جاء في الحديث في حديث أبي سعيد الخدري في صحيح البخاري ومسلم في ذكر صفة خروج أهل الكبائر من النار إذا دخلوها -نسأل الله العافية والسلامة- قال: (إن النار تميتهم إماتة ويتفحمون فيه) أهل الكبائر يتفحمون يصبحون قطعا من الفحم (يتفحمون وتميتهم إماتة ثم يخرجون ضبائر ضبائر) يعني: جماعات جماعات، ولو سألتكم لماذا يخرجون جماعات جماعات؟ لماذا لا يخرجون دفعة واحدة أهل الكبائر؟ إيش تقولون؟
ربما تتفاوت كبائرهم.
تتفاوت كبائرهم ليسوا هم على درجة واحدة (فيخرجون ضبائر ضبائر) يعني: جماعات جماعات دفعات دفعات بحسب الكبائر، الأقل ثم الأكثر ثم الأكثر ثم هكذا (ثم يلقون) كما جاء في الحديث وفي الصحيحين (يلقون في نهر الفردوس في الجنة هذه القطع المتفحمة تلقى في نهر الفردوس، فيحيون بمائه يقول -عليه الصلاة والسلام-: كما تنبت الحبة في حميل السيل) السيل إذا جاء للوادي وفيه حبوب الوادي حبوب، ماذا يصنع بها السيل؟ يحملها وتكون طافية عليه، ثم يطرحها على جنبتيه، ثم تنبت، هذا يعرفه أهل البادية، يعرفون أنه توجد بذور في الوادي والسيل يحملها ويلقيها على جنبتيه فتنبت، لكن أنت والإنسان العادي إذا جاء عند الوادي ويشوف الأخضر ما يدري أن جاءت البذور هذه.
لكانت أساسا مكان السيل، مجرى السيل
هي كانت في الوادي، ولهذا أحد الصحابة لما سمع هذا الحديث قال كلمة لطيفة قال: سبحان الله كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاش في البادية؛ لأن هذه معلومة يرثها أهل البادية، قال: كأنه عاش في البادية، النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطي أمثلة لأن الأمثلة تقرب المعاني تجعلها بمثابة الأشياء المحسوسة، فعلى كل هذا.
المسائل يا شيخ التي ذكرت في آخر الباب هذه تذكرونها ضمن الشرح؟
المسائل نعم. لو كان نقف معها مسألة مسألة وقتنا ما يسمح، لكن إن رأيت أن أدخل ما تيسر منها أو كثير منها في ضمن الشرح، وقد يمد بعض ذلك ويفوت ولكن لعلنا نكون نأتي على جلها في أثناء الشرح.
الأخ الكريم من تبوك يقول: السلام عليكم، الشرك في ترك الصلاة، لأنه يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) يعني: لو أن إنسانا مثلًا تارك الصلاة وهكذا ما الحكم أبغى الحكم؟ هل هو شرك مخرج؟ كيف أتعامل معه في تركه للصلاة؟ والإنسان متعمد لا يصلي؟
ما حكم تارك الصلاة؟
الأخ الكريم سؤاله عن تارك الصلاة ما حكمه، وتعبيره في أول السؤال: الشرك بترك الصلاة غير دقيق، وإنما السؤال هكذا؟ ما حكم تارك الصلاة؟ وقد ذكر في سؤاله قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وهذا المعنى وهذا المعنى جاءت فيه أحاديث عديدة منها أيضًا ما في المسند بإسناد جيد أن الصلاة ذكرت يومًا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة وحشر مع قارون وفرعون وهامان وأبي ابن خلف) أي: أنه يحشر مع صناديد الكفر وأعمدة الباطل، وفي القرآن قال الله -عز وجل- عن أهل النار قال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿42﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿43﴾﴾ [المدثر: 42، 43] ولهذا الصحيح أن تارك الصلاة كافر، وهذا جاء مصرح به في غير ما حديث عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- وجاءت أيضًا فيه آثار عن الصحابة وعن السلف الصالح -رحمهم الله-.
الأخت الكريمة تقول: أسأل الشيخ عن حديث النفس، إذا الإنسان يحدث نفسه بمعصية، هل هذا يوقعه في الإثم؟
حديث النفس جاء جوابه في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل) فإذا كان مجرد حديث نفس فهذا لا يؤاخذ عليه العبد، وهو مطالب أن يطرده، وأن يتعوذ بالله من شر نفسه، ولكن مجرد حديث النفس فهذا لا يؤاخذ به العبد ولما نزل قول الله –تعالى-: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: 284] الصحابة أتوا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- واستشكلوا الأمر فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تقولون سمعنا وأطعنا أو كلاما قريبا من هذا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، فنزل قول الله –تعالى- ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285] ثم نزل: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَ﴾ [البقرة: 286]، ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: 286] والله -جل وعلا- جاء في الحديث أنه قال: قد فعلت) فالشيء الذي يجول في نفس الإنسان ويهجم على القلب ويدور في النفس فهذا لا يؤاخذ عليه الإنسان، وهو أيضًا مطالب بأن يطرده، وأن يبعده من نفسه، وأن يتعوذ بالله منه، وأن يحرص على أيضًا أن يعمر قلبه وأن يشغل نفسه بالنافع والمفيد.
الأخ الكريم من الإمارات يقول: عندي سؤالين:
السؤال الأول أنا أنصح شخصا وأتكلم معه، يكون مقصرا في جنب أو شيء وأنا أوجهه أو أجيب له بحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيدخل في قلبي أنه من الرياء، وإذا امتنعت أنا لا أرتاح لهذا الشيء، هل هذا يؤثر علي؟ وأسأل الشيخ -جزاه الله خير- عندي شخص على اسمي بنجلاديش وهو ليس مسلما وأنا نصحته كم مرة، كم مرة تكلمت معه، ذوالرجل ما يريد أن يسلم؟ هل في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يجتمع ديانتان في الجزيرة العربية)؟
أولًا سؤال الأخ الأول، الأخ الكريم من الإمارات سؤاله الأول أيضًا له تعلق بالسؤال الذي قبله ومضى الجواب عليه، ولكن في جانب سؤاله عندما يريد أن ينصح شخصا أو يدعو شخصا قد يدخل في نفسه أن هذه النصيحة فيها رياء، أو حتى ليس فقط في باب النصيحة، مثل العبادات، يريد أن يتنفل أو يريد أن يتصدق قد يدخل في نفسه أن هذا فيه شيء من الرياء فيبدأ القلب تدخله هذه الأمور، فهو يسأل عن الموقف هنا، وما الذي عليه أن يعمله؟ إذا جاءت هذه الخواطر ما المطلوب هنا؟ هل المطلوب ترك العمل الصالح أو ترك الرياء؟ هذا مهم جدًا، يعني: هل المطلوب ترك العمل الصالح خوفا من الرياء، أو ترك الرياء والمضي في العمل الصالح؟ هذا ينبغي أن ينتبه له، بعض الناس يأتيه الشيطان يريد أن يتصدق، أو يريد أن يصلي نافلة، أو يريد أن يدعو إلى الله -سبحانه وتعالى- يقول له: لا، لا تدعو، أو يقول له: لا تصلي، أو يقول له: لا تتصدق؛ لأن هذه ستفعلها رياء، فيجعله يترك العمل الصالح ويدخل عليه أن فعله لها يُخشى أن يكون رياءً أو نحو ذلك، وهذا من الشيطان، إذن المطلوب هنا أن يمضي في العمل الصالح، وأن يستمر فيه، وأن يحافظ عليه دعوة كان أو صلاة أو صيامًا أو غير ذلك، وفي الوقت نفسه يطرد الرياء، ويتعوذ بالله من الرياء، ويبتعد عن الرياء ويجاهد نفسه، لا أن ينقطع عن العمل خوفا من الرياء.
شيخ توجد مقولة: هل لو ترك العمل مخافة الرياء هل هو رياء؟
ترك العمل من أجل الناس رياء أو شرك، يعني: العمل لا يفعل لأجل الناس وأيضًا لا يترك لأجل الناس، العمل كله لله -سبحانه وتعالى- ولهذا جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان) فعطاء الإنسان ومنعه وهذا يشمل الدين كله ما هو المقصود أعطى؟ يعني: الصدقة، يدخل في العطاء هنا الصلاة والصيام والمنع أيضًا البعد عن الحرام، فيكون كل هذه الأمور لله، أما أن يترك طاعة من أجل الناس أو نحو ذلك فهذا لا يفعله المسلم؛ بل يمضي في الطاعة، وأيضًا يطرد الرياء، ويجاهد نفسه على الإخلاص، والأمر كما قلت يحتاج إلى مجاهدة مستمرة ودائمة.
الأخ الكريم يسأل عن العامل الذي يدعوه إلى الإسلام ثم لا يستجب؟ ما هو الموقف المناسب في هذه الحالة؟
الموقف المناسب أن الدعوة تستمر، ولا ييأس الإنسان من الأمر وإنما يدعوه بلطف وبيسر ولين ويهديه والله -جل وعلا- قال في القرآن الكريم: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿8﴾﴾ [الممتحنة: 8] فيتلطف معه، ويحسن إليه ويهديه ويستمر يدعوه لعل الله -سبحانه وتعالى- يشرح صدره للإيمان، وأيضًا يدعو الله -سبحانه وتعالى- أن يهديه ويستمر على ذلك لعل الله -سبحانه وتعالى- يهديه، إذا مرض يزوره مثلما (زار النبي -صلى الله عليه وسلم- الغلام اليهودي زاره في بيته ودعاه إلى الإسلام، فرفع الغلام رأسه إلى والده يستشيره كأن يقول له بنظراته إيش رأيك؟ فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم) يعني: التلطف والإحسان إليه والهدية، في كتاب الأدب المفرد للبخاري عقد البخاري -رحمه الله- ترجمة بعنوان: "باب الهدية للمشرك" حتى يتألف ويهدى للدين ويستمال قلبه، حتى في مصارف الزكاة ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] تأليف القلب بالمال بالهدية، المقصود هداية الناس.
الأخ الكريم من السعودية يقول: المسائل التي ذكرها الشيخ محمد عبد الوهاب في نهاية الباب هل هي من كلام الشيخ أم من كلام تلاميذه كما يذكر بعض الناس فيقول: إن المسائل هذه التي في نهاية الباب هي من كلام بعض تلاميذ الشيخ. فما رأي الشيخ حفظه الله؟
هذه المسائل التي تأتي في آخر كل ترجمة بعد ذكر الآيات والأحاديث هي من كلام المصنف الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- والقائل في عقب الأدلة والأحاديث: "وفيه مسائل" هو الشيخ -رحمه الله- ولهذا شراح الكتاب من أحفاده وأيضًا بعده من تلاميذه، وتلاميذ تلاميذه، وشروح الكتاب كثيرة تزيد على العشرين شرحا، لما يذكرون شيئًا من هذه المسائل يقولون: قال الشيخ محمد عبد الوهاب في المسائل .... المسائل هي من كلام الشيخ -رحمه الله- وهي تدل أيضًا على فقهه وفهمه ودقة استنباطه ومتانة علمه وفهمه للأدلة -رحمه الله- وشراح كتاب التوحيد اعتنوا بهذه المسائل، وأيضًا اعتنوا أثناء شرحهم للأدلة والأحاديث بما نبه المصنف عليه في مسائله -رحمه الله- وقد أفرد الشيخ العلامة عبد الله الدويش -رحمه الله- رسالة قيمة جدًا في شرح المسائل خاصة، يعني: لم يتعرض لشرح الأبواب والأحاديث والآيات إنما شرح المسائل شرحا مقتضبا وهو نافع جدًا، كتاب نافع جدًا ومفيد لطلاب العلم للشيخ عبد الله الدويش خاص بشرح المسائل.
شيخنا الكريم نستعرض بشكل سريع الأجوبة التي وردتنا للدرس الماضي: الأخ الكريم أجاب إجابة مطولة لكن سنختصر قليلًا لأن الوقت في الواقع لا يساعدنا على قراءة جميع الأجوبة.
كلام ابن القيم -رحمه الله- في عوائق السير إلى الله وأما العوائق فهي أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها فإنها تعوق القلب عن سيره إلى الله وتقطع عليه طريقه وهي ثلاثة أمور: شرك وبدعة ومعصية، فيزول عائق الشرك بتزويد التوحيد، وعائق البدعة بتحقيق السنة، وعائق المعصية بتصحيح التوبة، وهذه العوائق لا تتبين للعبد حتى يأخذ في أهبة السفر ويتحقق بالسير إلى الله والدار الآخرة، فحينئذ تظهر له هذه العوائق ويحس بتعويقها له بحسب قوة سيره وتجرده للسفر وإلا فما دام قاعدًا لا يظهر له كوامنها وقواطعه.
جيد، ذكر الصفحة من كتاب الفوائد؟
لا والله يا شيخ ذكر فقط الكلام..
طيب الموضع الثاني، أنا قلت له موضعين، ذكر الموضع الثاني من الفوائد؟
قبل هذا لأنه فيه موضعين هل من الإخوة أخرج الموضع الثاني؟
سأستعرض بشكل سريع، نعم بعضهم ذكر نصًا وضمنا، قال ابن القيم: الأصول التي تبنى عليها سعادة العبد ثلاثة: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية، أو ربما هذ
لا. هذا هوالموضع الثاني، حدد الصفحة هنا؟
لا، لم يحددها هنا، نقرأ يا شيخ الموضع الثاني: الأصول التي بنيت عليها سعادة العبد ثلاثة: التوحيد وضده الشرك، والسنة وضدها البدعة، والطاعة وضدها المعصية، ولهذه الثلاثة ضد واحد وهو خلو القلب من الرغبة في الله وفيما عنده، ومن الرهبة عنده ومما عنده
جميل الموضع الثاني الذي ذكره الأخ الكريم.
إجابة السؤال الثاني: في الواقع ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية مجموعة من الأحاديث والآثار، منها: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في هذه الآية: (هؤلاء كلهم في منزلة واحدة وكلهم في الجنة).
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلقاهم الله برحمته، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34].
ما أدري، هل أحد منهم ذكر الخلاصة التي ذكرها ابن كثير -رحمه الله- بعد أن أورد أقوال السلف؟ هل فيهم من قال، قال: ابن كثير، نقل عنه.
الأغلب أن الإخوة ينقلون الآثار، أولًا، ثانيًا، ثالثًا، رابعً
هل يوجد من ذكر خلاصة؟
من خلال استعراضي السريع لا، يوجد أحد الإخوة ذكر ملخصا أظنه له هو، يعني لخص. لكن في العموم أنهم كانوا ينقلون الآثار التي ذكرها ابن كثير. هذا الأخ يقول: صنفت الآية الكريمة الموحدين لثلاثة أقسام كلهم حققوا التوحيد وهم من أصحاب الجنة وغير مخلدين في النار.
القسم الأول: المقتصد المحقق للتوحيد وقد قام بالواجبات الشرعية المكلف بها.
الثاني: السابق قام بالتوحيد وزاد عليه الكثير من المستحبات، وهذان النوعان من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
الثالث: الظالم لنفسه وهو من أهل التوحيد في الدنيا ولكنه أسرف على نفسه بفعل المعاصي والذنوب، فيدخل النار عقوبة له على حسب معاصيه ولا يخلد فيها، وبعدها يدخل الجنة.
جميل كلامه، لكن قوله: "كلهم حققوا التوحيد" هذه تحتاج إلى تحقيق.
ليست على إطلاقه الأخ الكريم من فرنسا يقول: لماذا يصيب الرياء الإنسان في أعمال الخير ولا يصيبه في أعمال الشر؟ هل هذا من الشيطان أم من نفس الإنسان الأمارة بالسوء؟
أعمال الشر ممجوجة، ولا أحد يحب التظاهر بها أو يحب أن يثنى عليه بها، ممجوجة، ومبغضة ومكروه، فلا يكون فيها مراءاة مع أن بعض ممسوخي العقول ربما يتفاخر بمعاصيه وموبقاته، على كل حال بالنسبة للمعاصي والذنوب فهذه لا أحد يرائي بها أو يتظاهر بها ولا يعدها أحد من صالح عمله، والرياء يكون في الأعمال الصالحة؛ لأنه يظهرها للناس حتى يحمدوه عليها، وإلا بالنسبة للأعمال السيئة هي مذمومة وممقوته ومكروهة فالرياء يكون في العمل الصالح.
الأخ الكريم يقول: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ﴾ [النساء: 48] الشرك هنا المقصود به الأكبر ولا الأصغر؟ أم الأكبر فقط؟
هنا يوجد اختلاف بين أهل العلم في الشرك الأصغر هل هو داخل تحت قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ للإطلاق الذي في الآية أو أنه تحت المشيئة، وعموم الآية يدل أن هذا يتناول الشرك الأصغر، لكن صاحب الشرك الأصغر عقوبته ليست كعقوبة الشرك الأكبر بأن يخلد في نار جهنم، وإنما يعذب على قد هذه المعصية، على قدر هذا الجرم ولا يخلد في النار، وإنما الذي يخلد في النار هو المشرك الشرك الأكبر، وبعض أهل العلم قالوا: هو من جملة الكبائر التي تدخل في المشيئة.
الأخ الكريم يقول: ما الفرق بين كلمتي الشرك والكفر؟ هل بينهما فرق كما في الإسلام والإيمان؟
الكفر أعم من الشرك، الكفر يدخل تحته أمور كثيرة منها الشرك، ومنها النفاق، ومنها الإلحاد، وكل هذه تدخل تحته فالكفر أعم، والشرك أخف.
شيخنا الكريم لعلكم تختِمون الدرس وتذكرون سؤالي هذا الدرس المبارك
أنا أسأل الحاضرين وهم يعبرون عن غيرهم، هل معي في نشاط وتواصل؟ لأنه حقيقة فكرة السؤالين رائدة جدًا ونافعة لأنها تجعل المشارك بعد الدرس لا ينقطع عن الدرس وإنما يذهب إلى الكتب المتعلقة بالدرس يبحث فيها ويقرأ فيزيد، فهي حقيقة فكرة رائدة وأشكركم حقيقة على..
ولا أخفيك سرًا يا شيخ أنه قد أثنى أحد الإخوة في المنتدى على نمط الأسئلة التي تذكرونها لأنها تحتاج إلى بحث
هو فكرة جيدة لأنه لما ينتهي الدرس لا ننقطع بل نذهب إلى الكتب ونستمر متواصلين مع..
فالسؤال الأول -حفظ الله الجميع- مر معنا في الخوف من الشرك الدعاء بالتعوذ بالله من الشرك، أريد جمع أربعة أحاديث فيها التعوذ من الشرك أو من الكفر أو النفاق؟ ويذكر الحديث ومصدره من كتب السنة، أربعة أحاديث فيها إما التعوذ من الشرك أو الكفر أو النفاق، حتى تكون أيضًا وسيلة للتواصل والمعرفة وينتشر الخير بإذن الله تعالى.
السؤال الثاني: أريد وقد عرفنا الخوف من الشرك من خلال هذه الترجمة، ما هي المتطلبات العملية التي يفعلها من خاف من الشرك لكي يتقيه؟ ما هي النقاط العملية التي يفعلها اتقائا أو يكون فعله لها واقيا له من الشرك؟
nary_jon
05-30-2008, 07:19 PM
للرررررفع للفائدة
أبو سليمان
06-02-2008, 09:04 PM
تم دمج الدروس بناء على رغبة اختنا الكريمة ناري جون
nary_jon
06-02-2008, 10:48 PM
جزاك الله خير أخي خالد البدر وأحسن الله اليك عل دمج الموضوع
nary_jon
06-02-2008, 11:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
التوحيد/ المستوى الثاني/ الدرس السابع
شرح كتاب التوحيد
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
في هذا الدرس المبارك درس شرح التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- يسرنا باسمكم جمعيا أن نرحب بشيخنا الكريم الأستاذ الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية نرحب بشيخنا الكريم فأهلا وسهلا بكم فضيلة الشيخ.
حياك الله يا تركي، وحيى الله جميع المتابعين معنا لهذا البرنامج، وسلام الله عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم- أسأل الله الكريم أن يبارك في لقائنا هذا وفي كل لقاءاتنا، وأن يجعلها خالصة لوجهه، نافعة لعباه إنه سميع مجيب قريب.
معاشر الإخوة الكرام، في دراستنا لهذا المبارك كتاب التوحيد أخذنا المقدمات المهمة التي استهل المصنف -رحمه الله- بها كتابه ضمن أبواب عظيمة بيَّن فيها فضل التوحيد ومكانته، وتحقيق التوحيد والتحذير من ضده وهو الشرك بالله -عز وجل- ولما أنهى -رحمه الله- هذا البيان وهذا الإيضاح الشافي الوافي مع ذكر الدلائل والبراهين من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- عقد ترجمة نافعة ومهمة متعلقة بما سبق، وهي عن الدعاء إلى التوحيد إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وهذا متمم لما قبله ومنبنٍ عليه؛ لأن من عرف التوحيد وعرف فضله وعمل به لا يقف عند هذا الحد بل الذي ينبغي عليه والذي يجب عليه أن يعدي هذا الخيط الذي وصل إلى الآخرين، وأن يحرص على نفع الآخرين بهذا الخير الذي يسر الله -تبارك وتعالى- له الانتفاع به، فترجمتنا الجديدة هي عن العناية بالتوحيد دعوةً إليه وبيانا له وإعذارا للأمة لإيضاحه وتبيينه، ونسمع الآن تقرير الشيخ -رحمه الله-.
قال المصنف -رحمه الله-: (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿108﴾﴾ [يوسف: 108]).
قال -رحمه الله-: (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله أي: الدعوة إلى التوحيد، دعوة الناس إلى التوحيد ببيانه لهم، وإيضاحه، وذكر فضله، وذكر دلائله من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- والتحذير من ضده، وبيان أفراد العبادة وأنواعها، والتحذير من صرفها لغير الله -تبارك وتعالى-.
فالترجمة عقدها -رحمه الله- لبيان الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله أي: الدعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- وأن هذا العمل من أجل الأعمال وأنبلها، بل هو وظيفة الأنبياء والمرسلين، فالأنبياء والمرسلون مهمتهم الدعوة إلى الله -عز وجل- والدعوة إلى توحيده وإخلاص الدين له، وقد سبق ومر معنا قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] وقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿25﴾﴾ [الأنياء: 25] فالدعوة إلى التوحيد وإخلاص الدين لله -سبحانه وتعالى- هو مهمة ووظيفة الأنبياء والمرسلين، وهو أحسن القول وأنفعه، وأكبره عائدا على صاحبه وعلى غيره، ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿33﴾﴾ [فصلت: 33] أي: لا أحسن؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: لا أحسن ممن كان هذا شأنه الدعوة إلى الله، والدعوة إلى توحيده، والدعوة إلى الإيمان به، ولهذا يؤثر عن الحسن البصري وهو من أجل التابعين -رحمه الله- أنه قرأ هذه الآية الكريمة وقال: هذا خيرة الله، هذا صفوة الله، هذا أحب عباد الله إلى الله، عرف، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، هذا خيرة الله من خلقه، هذا خليفة الله في أرضه، أي: دعوةً إلى توحيده ودينه.
فالدعوة إلى التوحيد هذا عمل جليل، ووظيفة مباركة، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين، والشيخ -رحمه الله- عقد هذه الترجمة بعد أن بين في التراجم التي قبلها فضل التوحيد ومكانته، وفضل تحقيقه والتحذير من ضده، وكأنه بهذا الترتيب ينبه القارئ وينبه المسلم إلى ما ينبغي أن يكون عليه من تدرج في هذا الباب.
فأولًا: يتعلم التوحيد ويعرف حقيقته وفضله ومكانته.
ثم يأتي بعد ذلك العمل، العمل على علم لا بجهل، ثم إذا علم وعمل يعدي هذا الخير للآخرين، دعوة وبيانا ونصحا، وهذه جاءت مجتمعة في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ﴿1﴾ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿2﴾ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿3﴾﴾ [العصر] ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا كله في خاصة نفسه ﴿وَتَوَاصَوْ﴾ هذه الدعوة دعوة الآخرين وتعدية وهذا الخير للآخرين.
وقوله -رحمه الله-: (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله)، أي: الدعاء إلى التوحيد؛ لأن التوحيد هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن لا إله إلا الله؛ وكلمة التوحيد بلا إله إلا الله دالة على التوحيد والتوحيد هو مدلولها، فالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله هو دعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- لأن هذه الكلمة هي كلمة التوحيد؛ كلمة الإخلاص لله -سبحانه وتعالى- والشهادة لابد فيها من علم بالمشهود به، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] ولا بد فيها من صدق لتكون نابعة من القلب، ولابد فيها أيضًا من إخبار ونطق وتلفظ فبهذه الأمور تكون الشهادة، فالذي شهد أن لا إله إلا الله، وحد الله وعرف التوحيد وعمل به يجب عليه ماذا؟ أن يدعو غيره إليه، فهذه الترجمة عقدت لهذا الغرض ولهذا الهدف، الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وأورد -رحمه الله- أول ما أورد في هذه الترجمة قول الله -سبحانه وتعالى- في أواخر سورة يوسف: (﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿108﴾﴾ [يوسف: 108]) وهذه الآية عظيمة جدًا في بيان المنهج الذي ينبغي أن يكون عليه الدعاة. ورسم الخطة التي يجب أن يكون عليها الدعاة في دعوتهم.
ودلت هذه الآية الكريمة أن المنهج الصحيح والمسلك القويم للدعاة يرتكز على أصلين ويقوم على أساسين:
الأول: في قوله: (﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾).
والثاني: في قوله: (﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾).
أصلان عظيمان وركيزتان مهمتان يجب أن يقوم فيمن يدعو إلى الله -سبحانه وتعالى- الركيزة الأولى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ أي: أدعو إلى توحيده، وإخلاص الدين له وإفراده -سبحانه وتعالى- وحده بالعبادة، وأيضًا في قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللهِ﴾ إخلاص الداعي نفسه في دعوته، فهو عندما يدعو يدعو إلى الله مخلصا مبتغيا بدعوته وجه الله لا يريد بها شهرة أو سمعة أو دنيا أو نحو ذلك من الأغراض وإنما هو يدعو إلى الله لا إلى نفسه؛ ولهذا نبه الشيخ في مسائل هذا الباب أن مما دلت عليه هذه الآية من فوائد الإخلاص في الدعوة، وأن الداعي إذا دعا يدعو إلى الله لا إلى نفسه، ليست مهمة الداعي أن يكثر أتباعه وأنصاره ومؤيديه، ويكثر الثناء عليه ومدحه، ليس هذا غرض الداعي المخلص، وإنما غرضه نفع الناس وإفادتهم، دعوة إلى الله لا إلى نفسه، لكن إذا كان الإنسان يدعو وهو يريد الشهرة أو يريد السمعة أو يريد غير ذلك من الأغراض لم تكن دعوته المقصود فيها وجه الله -سبحانه وتعالى- فهذا فيه تنبيه على الإخلاص، تنبيه على الإخلاص في الدعوة.
والركيزة الثانية في هذه الآية في قوله: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ والبصيرة هي العلم، العلم بما يدعو إليه؛ لأن من دعا بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- الذي يدعو بغير علم ما يفسده وما يوقعه الناس من خطأ أكثر من إصلاحا، حتى وإن كان قصده سليمًا؛ لأنه بسبب قلة بصيرته وقلة علمه، يدعو الناس إلى أشياء لم يستثبت أنها من دين الله، ولم يستثبت أنها شرع الله -سبحانه وتعالى- ولهذا فالبدع التي تفشو وتكثر وتنتشر في الناس هذا سببها، سببها الدعوة على غير بصيرة، والداعية إلى البدعة لا يلزم من دعوته للبدعة أن لا يكون مخلصا، قد يكون مخلصا، وقد يكون يبتغي وجه الله بدعوته، لكنه يدعو إلى الله على غير علم، على غير بصيرة، فتفشو البدع وتكثر الضلالات وهو لم يرد إلا الخير.
وبهذه المناسبة نتذكر ما رواه الدارمي في سننه بسناد جيد:في قصة ابن مسعود المشهورة مع النفر الذين وجدهم في المسجد وعليهم رجل قائم يقول لهم: سبحوا مائة فيسبحوا مائة بصوت جماعي، ثم يقول لهم: هللوا مائة فيهللون مائة بصوت جماعي، فماذا قال لهم ابن مسعود؟ ولاحظ معي يسبحون ويهللون ويحمدون ويكبرون، وهذا أحب الكلام إلى الله، لكن الطريقة هل هي شرعية؟ ليست شرعية، فماذا قال لهم ابن مسعود -رضي الله عنه-؟ قال لهم كلمة عظيمة: قال لهم: أما والله إنكم جئتم ببدعة ظلما أو فقتم أصحاب محمد علمًا، واحدة من اثنتين إما أنكم جئتم ببدعة ظلما، أو فقتم أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- علمًا ماذا قالوا؟ قالوا: والله، يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، فقال -رحمه الله ورضي عنه- وهل كل من أراد الخير أدركه؟ لا يدرك الخير إلا من اقتدى بإمام الخير -صلوات الله وسلامه عليه- من جعل أسوته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من جعل إمامه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الذي يدرك الخير، أما الذي يجعل رائده في تحصيل الخير الأهواء والعوائد وما إلى ذلك فهذا ينحرف عن الجادة ويقع في الأخطاء والبدع والمخالفات.
إذن لابد في الدعوة أن تكون على بصيرة، والبصيرة هي العلم، والبصيرة للقلب مثل البصر للعين، فبالعين ترى المبصرات، وببصيرة القلب ترى حقائق الأمور أو ترى الأمور على حقائقها، ولاحظ هنا الترابط، من فقد بصر العين لم يرَ المبصرات، ومن فقد البصيرة في قلبه لم يرَ الأمور على حقائقها قد يرى الحق باطلًا والباطل حقًا والسنة بدعة والبدعة سنة قد يقول على أمر بدعة: هذا من السنة؛ لأنه ما عنده بصيرة، وقد يقول عن أمر هو سنة: هذا بدعة؛ لأنه ما عنده بصيرة، فإذا لم توجد البصيرة يقع الخطأ، وتقع المخالفة، فمن يدعو فلابد أن تقوم دعوته على هذين الأصلين: أن يكون داعية إلى الله -سبحانه وتعالى- إلى توحيده وإخلاص الدين له، وأن تكون هذه الدعوة على بصيرة.
الله -جل وعلا- أن يقول: ﴿سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108] ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: دعاة إلى الله ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: دعاة إلى الله على بصيرة وكل هذا حق، فأتباع النبي -عليه الصلاة والسلام- حقًا وصدقا دعاة إلى الله مئتسين به، وهم أيضًا على بصيرة في دعوتهم إلى الله -سبحانه وتعالى- على علم وعلى بينة، فهذه سمة أتباعه؛ ولهذا لو قيل لنا: ما هي سمة أتباع النبي -عليه الصلاة والسلام- حقًا وصدقا على ضوء هذه الآية؟ ماذا يكون الجواب؟ سمتان، أليس كذلك؟ الدعوة إلى الله وعلى بصيرة، على علم، وعلى هدى بسنة النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ﴾ ينزه الله التسبيح هو التنزيه، تنزيه الله -سبحانه وتعالى- عما لا يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: لست منهم، وليسوا مني، براءة من الشرك ومن أهله وبعد عنه ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فالآية واضحة في دلالتها على المقصود وأشرت لكم أن هذه الآية جاءت في أواخر سورة يوسف -عليه السلام- وسورة يوسف فيها قصة يوسف -عليه السلام- وما فيها من همته العالية وصبره ومضيه في الدعوة إلى الله وتحينه لكل سانحة وفرصة لأن يكون داعية إلى الله -عز وجل- وإلى توحيده وإخلاص الدين له.
وأدعو بهذه المناسبة أن نقرأ القصة ولاسيما قصته مع صاحبي السجن اللذين أحدهما رأى أنه يعصر خمرًا والآخر رأى أنه يحمل فوق رأسه خبرا، طلبوا منه -عليه السلام- أن يعبر لهم تلك الرؤيا، هذه قصة عجيبة في أهمية التوحيد والبداءة به والحرص على دعوة الناس إليه في كل مناسبة ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿36﴾﴾ [يوسف: 36] الآن السؤال محدد أم لا؟ محدد، توجد رؤيا ويريدون تعبيرها، لكن انتهز هذه الفرصة وأعطاهم درسا رائعا في التوحيد: ﴿قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿37﴾ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ﴿38﴾ يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴿40﴾﴾ [يوسف: 37- 40] درس من أروع ما يكون في التوحيد، ثم لما أعطاهم هذا الدرس في السجن، قال: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴿41﴾﴾ [يوسف: 41] متى عبر الرؤيا؟ بعد درس التوحيد، وهذا هو سبيل الأنبياء ولهذا جاء في آخر السورة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: 108] وهي سبيل الأنبياء كلهم دعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له -سبحانه وتعالى- ولو كان في وقتنا متسع لوقفنا مع عبر كثيرة وعظات بالغة في قصة يوسف.
وبالمناسبة هناك رسالة قيمة جدًا أدعو إلى قراءتها والاستفادة منها إلى العلامة عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- عنوانها: "فوائد مستنبطة من قصة يوسف" وهو أيضًا من تفسيره المطبوع المنشور عقب كل قصة من قصص الأنبياء يذكر فوائد مستنبطة من القصة وهي فوائد يجدر بالمسلم أن يقف عندها وأن يفيد منها.
قال المصنف -رحمه الله-: (عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي رواية: (إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) أخرجاه ).
ثم أورد المصنف -رحمه الله- هذ الحديث العظيم حديث ابن عباس في قصة بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذا إلى اليمن، والنبي -عليه الصلاة والسلام- بعث معاذا إلى اليمن قاضيا ومعلما وموجها وجابيا للزكاة ولما بعثه -عليه الصلاة والسلام- في هذه المهمة العظيمة والواجب العظيم رسم له المنهج الذي يسير عليه في دعوته وهذا المنهج الذي رسمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه- هو منهج لكل داعية، هو منهج للدعاة أن يسيروا عليه، وفيه إيضاح للمعالم الرئيسة والنقاط الكبيرة التي ينبغي أن تكون نصب عيني الداعية إلى الله -سبحانه وتعالى-.
ولنتأمل في هذا القصة في هذه البعثة وتوجيهات النبي -صلى الله عليه وسلم- وما فيها من دروس وعبر وأيضًا ما فيها من شاهد للترجمة، قال لمعاذ: قال نبينا -عليه الصلاة والسلام- لمعاذ -رضي الله عنه-: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) وهذا أخذ منه أهل العلم فائدة مهمة لينبغي أن يتنبه إليها الداعية، وهي أن يكون على معرفة بحال المدعو، قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) يعني: أنت لن تذهب الآن إلى عوام، ولن تذهب إلى أميين أو جهال وإنما حدد له من يذهب إليهم، من سيذهب إليهم أهل كتاب اليهود والنصارى، ومعنى أهل كتاب يقرؤون وعندهم علم، وعندهم قراءة، وعندهم معرفة فأنت ستذهب إلى هذا الصنف من الناس، وهذا يعني أن من يدعو ينبغي أن يكون على علم بحال من يدعوه، وأيضًا هذه تفيده جدًا لأن من تدعوه قد يكون عنده شبه من واقع مستواه العلمي، وقد يكون عنده إشكالات من واقع مستواه العلمي، وأيضًا قد يكون طلبه للدليل على قدر مستواه العلمي، يختلف عن العامي الذي جاء من بين الجبال والأشجار والأغنام في الإشكالات التي عنده من الآخر الذي قرأ وتمرس على القراءة وعرف.
لنأخذ على سبيل المثال ما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس قصة الأعرابي، أعرابي جاء من بين الجبال، جبال وأغنام وأشجار وسماء وأرض، هذا الذي يعرفه، ما عنده أشياء أخرى يعرفها، فجاء إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا مستواه، جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا قال هذا الأعرابي: (قال: إن رسولك يزعم أنك تزعم أنك نبي، قال: صدق رسولي) ماذا قال الأعرابي: (قال: من خلق السماء؟ قال: الله، قال من خلق الأرض؟ قال الله، قال: من خلق الجبال؟ قال الله، قال: فبالذي خلق السماء وخلق الجبال وخلق الأرض آلله أرسلك؟ قال: نعم) هذا مستواه الآن، يعني: هو يعرف سماءً جبالا أرضًا وذكَّر من أمامه وهو الرسول -عليه الصلاة والسلام- بخالق السماء وخالق الجبال وخالق الأرض، ولما ذكره حلفه به وهو مطمئن أنه ما يمكن إنسان يتذكر أن الله خالق هذه الجبال وخالق هذه العظمة ثم يحلف به كذبًا وهذا تحليله ومستواه، فقال: (فبالذي خلق السماء وخلق الجبال وخلق الأرض آلله أرسلك؟ قال: نعم) الآن اقتنع، قال: (إن رسولك يزعم أن الله افترض علينا خمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: فالبذي أرسلك آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم) وسأل عن بقية أركان الإسلام، هذا مستواه يختلف عن مستوى آخر من أهل الكتاب.
إذن من يذهب إلى أناس لدعوتهم يفترض فيه أن يكون على علم بمستواهم في العلم، في الثقافة في كذا، حتى يتمكن من مخاطبتهم بالأسلوب الذي يتناسب مع المقام، في هذه الصفات من قوله: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) ماذا تصنع؟ ( قال: فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وهذا نأخذ منه فائدة مهمة عظيمة جدًا أن الناس على كافة مستوياتهم وجميع طبقاتهم يبدؤون بماذا؟ بالشهادتين، يعني: قضية البدء بالتوحيد، أيا كان مستوى الشخص البدء في الدعوة هو بالتوحيد، هي أول ما يُبْدَءُ به؛ ولهذا يدل هذا الحديث على فائدة مهمة هي أن التوحيد هو أول واجب على المكلف، وهو أول ما يُبْدَءُ به في الدعوة إلى الله؛ ولهذا نحن وقد مرنا معنا آيات في مطلع هذا الكتاب في أوامر القرآن يأتي في مقدمتها الأمر بالتوحيد وفي النواهي يأتي في مقدمتها النهي عن الشرك، ودل ذلك كما قلنا فيما سبق أن التوحيد أهم أمر والشرك أخطر شيء نهى الله -سبحانه وتعالى- عنه، فإذن التوحيد أول ما يبدأ به، قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله).
عفوا يا شيخ تدعوهم إلى اللفظ بهذه الشهادة؟ أو يبيّن لهم مقتضياتها ومعانيها وبعد ذلك يتشهدون بالشهادة؟
الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن كل ما مرى معنا من بيان فضل التوحيد ومكانته وعظم شأنه، وآثاره وفوائده في الدنيا والآخرة وترغيب الناس فيه، وبيان خطورة الشرك هذا كله داخل تحت قوله: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) يبين لهم فضل هذه الشهادة ومكانتها وأدلتها وبراهينها، وأيضًا ضوابط هذه الشهادة إلى آخره، كل هذا داخل تحت (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) ولا يكفي في هذا الباب مجرد القول، كما سبق إيضاح ذلك بل لابد من القول من الفهم والعلم وتحقيق ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى.
(فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وهذه الشهادة على ما سبق بيانه لا تتحقق من صاحبها ولا يتحقق منه قيامه بها إلا ما حققت ما دلت عليه من النفي والإثبات، نفي العبودية عن كل من سوى الله وإثباتها لله وحده، وإفراده -سبحانه وتعالى- وحده بالعبادة والخضوع والذل فلا يدعى إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يصرف شيء من الطاعة والعبادة إلا له -سبحانه وتعالى-.
فلما يحصل من المدعو استجابة وقبول لهذا الأساس الذي يبدأ به ينتقل إلى المرحلة الثانية، لا ينتقل إلى المرحلة الثانية إلا إذا تحققت المرتبة الأولى، المرتبة الأولى بيان التوحيد وهنا أسأل سؤالا وأجيب عليه، لماذا قدم التوحيد على الصلاة وعلى الزكاة وعلى كل الأعمال؟ لماذا يبدأ به قبلها؟ ولماذا يُدعَا إليه قبلها؟ لأن الصلاة والصيام وكل الطاعات لا تقبل إلا بالتوحيد، فإن لم يكن التوحيد موجودًا فوجودها كعدمها، إن وجدت الصلاة وإن وجد الصيام، وإن وجدت الطاعات الأخرى إذا كانت بدون توحيد فلا تقبل، ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 5] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿65﴾﴾ [الزمر: 65] والآيات في هذا المعنى كثيرة، إذن الأعمال لا تقبل إلا بالتوحيد ولهذا يبدء به؛ لأنه هو الذي يصحح الأعمال، وتكون به الأعمال مقبولة.
بعد ذلك ينتقل إلى الصلاة، قال: (فإن هم أجابوك لذلك) متى ينتقل للدعوة إلى الصلاة؟ بعد الإجابة وبعد مرحلة الشهادتين (فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) وهذا فيه أيضًا عظم شأن الصلاة، وأنها أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين.
قبل المواصلة هنا أريد أن أنبه على فائدة لطيفة جدًا نبه عليها المصنف، المصنف قال: ((فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) وفي رواية: (إلى أن يوحدوا الله)) ماذا يريد أن ينبه المصنف هنا على ماذا؟ فائدة لطيفة من روايتي الحديث، الحديث له روايتان، إحدى روايتيه (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) والرواية الأخرى: (أن يوحدوا الله) فماذا نستفيد بمجموع الروايتين؟ أن التوحيد هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله، مدلول شهادة أن لا إله إلا الله هو التوحيد فذكر هذه الرواية وهي في صحيح البخاري من كتاب التوحيد منه ينبه بها إلى أن التوحيد هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله.
ثم ذكر الصلاة والدعوة إليها وهي أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين، ثم ذكر الزكاة قال: (فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) تؤخذ من الأغنياء، وهو مال يسير قليل يخرجه الغني من ماله صدقة على الفقراء، من أغنيائهم فترد على فقرائهم، هل المراد فقرائهم فقراء البلد؟ أو فقراء المسلمين؟ يحتمل هذا وهذا، فإذا قيل: فقراء البلد فإن الأصل في الزكاة أن تؤخذ من أغنياء البلد فترد على فقراء البلد، وإذا أريد الفقراء المسلمين فإنه يجوز نقلها إلى الفقراء والمحتاجين في الأماكن الأخرى.
ثم قال: (فإن هم أجابوك لذلك) أي: الزكاة (فإياك وكرائم أموالهم) ما هي كرائم الأموال؟ وكرائم منصوبة على التحذير، أي: احذر كرائم الأموال (إياك وكرائم أموالهم) يعني: لا تأخذ من كرائم الأموال، كرائم الأموال هي أنفسها وأحسنها وأجودها قال: (لا تأخذ من كرائم الأموال) حذره من ذلك، قال: (إياك وكرائم أموالهم) إذن ماذا يأخذ؟ ... أيضًا هنا جائب الزكاة يحرم عليه أن يأخذ كرائم الأموال، ودافع الزكاة أيضًا يحرم عليه أن يدفع رديء ماله، وإنما تؤخذ الزكاة من المتوسط، لا الكرائم ولا أيضًا الرديء وإنما يؤخذ من الوسط.
(إياك وكرائم أموالهم) وحذره من الظلم قال: (وإياك والظلم، أو واتقِ دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) فالظلم ظلمات يوم القيامة المظلوم مستجاب الدعوة.
الشاهد من هذا الحديث للترجمة أن فيه أهمية التوحيد والبدء به في الدعوة إلى الله، وأنه أول ما يبدء به، وأن الدعاة إلى الله -عز وجل- في مقدمة أعمالهم وفي أولويات اهتمامهم الدعوة إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- قبل كل شيء.
قال المصنف -رحمه الله-: (ولهما عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال يوم خيبر: (لأعطين الراية غدا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبحوا غدوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب فقيل: هو يشتكي عينيه فأرسلوا إليه فأتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرء كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية، وقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله –تعالى- فيه فوالله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)) يدوكون أي: يخوضون.
ثم أورد المصنف -رحمه الله- هذا الحديث العظيم في بيان الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، الدعاء إلى توحيد الله، والحديث يتعلق بقصة فتح خيبر، في قصة فتح خيبر، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للصحابة: (لأعطين الراية غدا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، (لأعطين الراية غد) الراية: راية القتال، والراية معروف الراية هي العلم، الذي يكون في المعركة بحيث يعرف فيه الكر من الفر، الإقدام من الإحجام إلى غير ذلك، فالراية علم.
وقال -عليه الصلاة والسلام-: (لأعطين الراية غدا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وهذه صفة عظيمة للرجل الذي سيعطى الراية غدا، ولاحظ هنا أسلوب التشويق والترغيب وتهيئة النفوس الذي حظيت به دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يجعل الأمر هكذا في يوم إعطاء الراية يقدم الراية لأحدهم، وإنما شوق الناس وشد انتباههم، من الذي سيحصل على الراية، ويحظى بها، قال: (لأعطين الراية غدا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) ما الذي حدث على إثر هذا الخبر؟ ما الذي حدث؟ قال: (فبات الناس يدوكون -أي يخوضون- ليلتهم أيهم يعطاه) صارت حديث الناس تلك الليلة من الذي سيعطى الراية غدا، من الذي سيحظى بالراية غدا، وكل واحد منهم يتمنى أن يعطى الراية لسبب ما هو؟ أن من يعطى الراية وصف بأنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، حتى بعض الصحابة قال: ما تمنيت الإمرة إلا يومئذ، لهذا الهدف، ولهذه التزكية العظيمة من النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) ومن المعلوم أن الصحابة كلهم يحبهم الله ورسوله، وهم أيضًا يحبوا الله ورسوله، لكن هنا أيضًا فيه مزيد شرف ومزيد تعلية لشأن هذا الذي يعطى الراية وشهادة له بهذا الأمر العظيم، فأتوا من الغد وكلهم يرجو أن يعطاها، وعرفنا السبب، لماذا أتوا وكل واحد منهم يرجو أن يعطى الراية لهذا الأمر الذي ذكره النبي -عليه الصلاة والسلام- كلهم يرجو أن يعطاها.
فلما اجتمعوا عند النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (أين علي بن أبي طالب؟) وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لم يكن حاضرًا لأنه كان يشكوا عينيه كان فيها رمد، وكان من شدة الرمد الذي أصاب عينيه ما كان يرى، لا يرى طريقه والأمر ما هو؟ المهمة ما هي؟ راية وقتال فإذا كان به رمد ولا يبصر مثله إعطائه الراية مستبعد لأن الأمر يحتاج إلى شخص بصره جيد حتى يتمكن من حمل الراية والإفادة في هذا الباب، فقالوا: (يشكو عينيه) ما معنى (يشكو عينيه)؟ أي: تؤلمه وبها مرض، لا أنه يتكلم مع الناس، يقول عيني كذا وعيني، ليس هذا المراد مثل ما يقولون: فلان يشكو رأسه، لا يقصدون يشكو رأسه أنه يخبر الناس ويتحدث، وإنما يشكو رأسه أي: يتألم ويؤلمه رأسه، فمعنى (يشكو عينيه) أي: أن عينيه فيها مرض وفيها ما يشكا منه، هذا هو المراد، قالوا: (يشكو عينيه، فأرسل من يأتي به) وجاء في بعض الروايات في صحيح مسلم أن سلمة الذي ذهب للإتيان به جاء به يقوده، ما يرى الطريق، جاء به يقوده إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- ما يرى من شدة الرمد الذي أصاب عينيه، (فأتى به إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فبصق -أي تفل- في عينيه ودع) دعا من؟
الرسول -عليه الصلاة والسلام- دعا لعلي
أي: دعا من؟ دعا الله -سبحانه وتعالى- الشفاء من من؟ من الله -سبحانه وتعالى- الشفاء ليس من النبي -عليه الصلاة والسلام- ولا يطلب منه، وإنما يطلب من الله -جل وعلا- ولذلك كان -عليه الصلاة والسلام- عندما يؤتى له بمريض كما في الصحيحين وغيرهما ويقول في رقيته: (اللهم رب الناس أذهب الباس واشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك) وإبراهيم الخليل إمام الحنفاء قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴿80﴾﴾ [الشعراء: 80] فالشافي هو الله، لا شفاء إلا شفاؤه -سبحانه وتعالى- فيطلب الشفاء من الله؛ ولهذا النبي -عليه الصلاة والسلام- دعا الله أي: سأل الله أن يشفي عليا، فالعافية تطلب من الله -سبحانه وتعالى-.
(فدعا له فبرء وأعطاه الراية) وهنا فيه علم من أعلام النبوة بل أعلام من أعلام النبوة، أولًا قال: (يفتح الله على يديه) وتحقق الفتح على يديه، هذا علم من أعلام النبوة.
وبصق على عينيه ودعا له فشفاه الله -سبحانه وتعالى- ومن الطرائف التي تذكر في كتب التاريخ، يقولون أن مسيلمة الكذاب مدعي النبوة قيل له إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بصق على عين علي وبها رمد فبرء فتبرز لنا أنت أيضًا شأنك فنأتي لك بأرمد وتبصق في عينيه فذكر في كتب التاريخ أنهم يجيء له بأرمد فبصق في عينيه فعمي، فقد البصر بالكلية، فعلى كل حال هذا علم من أعلام النبوة، أنا أريد أن ننتبه إلى قوله: (فدع) أي دعا نبينا -صلى الله عليه وسلم- رب العالمين فطلب العافية من الله، وطلب الشفاء من الله، لا يلجأ فيه إلى أحد غير الله -سبحانه وتعالى-.
قال المصنف -رحمه الله-: (وقال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله –تعالى- فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) يدوكون: أي يخوضون.
هذا هو موضع الشاهد من الحديث للترجمة فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لما دعا بعلي وبصق في عينيه ودعا له وشفاه الله -سبحانه وتعالى- أعطاه الراية وقال له: (انفذ على رسلك) أي: اذهب وانطلق على مهلك بدون صخب وبدون جلبة وإنما بهدوء وبرفق وبأناة، (على رسلك) أي: على مهلك، وأوصاه بالتوأدة، وبالرفق والأناة والبعد عن الطيش والعجلة قال: (انفذ على رسلك، ثم ادعهم إلى الإسلام) وهذا هو موضع الشاهد من الحديث (ادعهم إلى الإسلام) والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك، والدعوة إلى الإسلام هي دعوة إلى التوحيد وما إلى ينبني عليه من الأعمال الصالحة والطاعات الفاضلة، كما في مباني الإسلام الخمسة قال -عليه الصلاة والسلام-: (بني الإسلام على خمس) إذن يوضح قوله: (ادعهم إلى الإسلام) قوله في الحديث الآخر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام).
قال: (ادعهم إلى الإسلام وبين لهم حق الله فيه) والله -عز وجل- حقه على عباده أن يوحدوه وأن يخلصوا الدين له، وأن يقوموا بطاعته، وأن يمتثلوا أمره، وأن ينتهوا عن نهيه، فأمره أن يدعهم، وفي هذا البدء بالدعوة، البدء بالتوحيد في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى-.
ثم بين له الأثر المبارك والثمرة العظيمة التي ينالها من يدعو إلى الله وحلف على هذا -عليه الصلاة والسلام- وهو الصادق المصدوق حتى ولو لم يحلف، لكن هذا لعظم المقال، فقال: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) وحمْر النعم بسكون الميم، يخطئ من يقرأها بضم الميم، ما الفرق بين "حمْر"، بإسكان الميم، و"حمُر" بضمها؟
الحمُر: جمع حمار، والحمْر: جمع حمراء
بضم الميم جمع حمار، وبإسكان الميم جمع حمراء، والمراد النوق الحمراء السمينة وهي كانت أنفس أموال العرب، والمراد بـ (حمْر النعم) أنفس ما كانوا يملكونه، فهذا يفيد أن هداية رجل واحد على يديك خير لك من الدنيا وما فيها، لأن أنفس ما عندهم هو حمْر النعم، وهداية رجل خير من هذا، فهذا فيه فضل التوحيد، وعظيم ثوابه عند الله وفي الحديث أيضًا البدء بالتوحيد في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- ونكتفي بهذا القدر،، والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
شيخنا الكريم نستعرض الأجوبة التي وصلتنا للدرس الماضي: الأخت الكريمة من السعودية أجابت إجابة مرتبة تشكر عليها، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جواب السؤال الأول:
(اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وأعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت)، الحديث الآخر: (اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم).
كنا طلبنا أن يذكر الحديث ومن رواه وهذا الحديث والآخر ذكرناه في الدرس الماضي، لكن أنا كنت طلبت جمع أحاديث، وأيضًا يذكر من روى هذه الأحاديث فهل في الإخوة الذين أجابوا من ذكر شيئًا من هذا؟
أي نعم يا شيخ، الأخت الكريمة من عمان تذكر السند ثم بعد ذلك الراوي
أي تذكر الحديث ومن خرجه.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بادلوا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدني) رواه مسلم والترمذي وأحمد عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
هذا ليس من الأشياء التي طلبناها نحن طلبنا أحاديث فيها أدعية فيها التعوذ بالله من الكفر أو من الشرك أو من النفاق، وهذا ليس فيه دعاء.
بعض الإخوة أوردوا الأدعية لكن.... نعم، هذا أورد الدعاء بالراوي لكن لم يذكر بداية السند. قوله: (اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءً أو أجره إلى مسلم) رواه مسلم.
هذا ليس في مسلم.
هو كتبه هكذا رواه مسلم، أخطأ؟
نعم.
الحديث الآخر: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم) رواه مسلم والإمام أحمد.
الحديث الأول والثاني كلاهما ليس فيه شاهد على ما طلبنا.
الحديث الثالث يا شيخ: (اللهم طهر قلبي من النفاق، وعملي من الرياء، ولساني من الكذب، وعيني من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) رواه ابن النجار عن ابن عمر.
أيضًا ليس فيه شاهد.
قد يكون يا شيخ الصورة لم تتضح لدى الإخوة في مرادك من السؤال
كان المطلوب أحاديث فيها الدعاء بالتعوذ من الكفر أو الشرك أو النفاق، هذا المطلوب تحديدا في اللقاء السابق.
جواب السؤال الثاني: المتطلبات العملية لمن خاف الشرك؟ أولًا: أن يتعلم ما يقي به نفسه من الشرك.
ثانيًا: يكثر من دعاء الله والاستعاذة به من الوقوع في الشرك.
ثالثًا: يحرص على مصاحبة الأخيار وطلبة العلم حتى ينبهوه إن أخطأ.
رابعًا: يبتعد عن كل ما قد يوقعه في الشرك فلا يعلق صورا لأشخاص، ولا يغالي في تعظيم الصالحين، ويصدق في توكله على الله.
لكن مرة ثانية أأكد على الأخ الكريم تأكد من الراوي، لما يقول: رواه مسلم، لابد أن يتأكد.
شكر الله لجميع الإخوة الذين شاركونا عبر الموقع، الأخ الكريم من الجزائر يقول: نرجو من الشيخ عبد الرزاق البدر، أن ينصح الشباب المبتدئين في طلب علمهم، يعني: أن يوجهوهم إلى كتب توحيد مبسطة للمبتدئين في طلب العلم؟
الأخ الكريم من مكة يقول: أريد أن أسأل عن بعض الصفات الموجودة عند الجماعات الإسلامية، هم يذكرون أن بعض الصفات مثل الكلمة الطيبة، كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأيضًا الصفة الثانية هي الصلاة، وتكون من ضمنها إكرام المسلمين والدعوة إلى الله؟ أود أن أتبين يا شيخ هل هذه الصفات من ضمنها أنهم يأخذون حالة المدعو إليه وأحواله؟ بعض الصفات لابد أن يعرفوها قبل أن يذهبوا إليه مثلًا يسألون عن أحواله عن أوضاعه مثلًا؟
الأخ الكريم كان يسأل عن بعض الكتب التي في التوحيد، ومن فضل الله أن أهل العلم كتبوا في التوحيد قديمًا وحديثًا كتابات نافعة ومفيدة جدًا لطالب العلم، والتدرج في هذا العلم وفي غيره من العلوم مطلوب، والكتب في هذا الباب كثيرة لكن إذا بدأ طالب العلم بالأصول الثلاثة وكتاب التوحيد وكلاهما للشيخ محمد -رحمه الله- وكتاب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فهذه الكتب الثلاثة حفظها غيبا ومراجعة الشروحات الكثيرة التي كتبها أهل العلم على هذه الكتب، هذا في غاية النفع وفي غاية الفائدة لطالب العلم، وصوت الأخ كان غير واضحًا في طرحه.
وبالنسبة لأخينا السائل الآخر من مكة يسأل عن بعض الجماعات الذين يتكلمون عن الكلمة الطيبة وعن الصلاة ذات الخشوع وعن.... فعلى كل حال الدعاء إلى الكلمة الطيبة، والدعاء إلى الصلاة ذات الخشوع، وإلى أمور البر الأخرى هذا لا شك أنه مطلوب، وأمور الدين قائمة على الدعوة إلى الكلمة الطيبة وإلى الصلاة وإلى الزكاة لكن الشأن أن تكون أيضًا هذه الدعوة إلى هذه الأشياء على بصيرة، أن تكون على بصيرة، فالذي يدعو إلى لا إله إلا الله بمفهوم خاطئ فهذا لا شك أنه مخطئ حتى وإن كان يقول: إنه داعية إلى الكلمة الطيبة إذا كان يفسرها تفسيرا خاطئا فمثلًا من يفسر الكلمة الطيبة بأنها إخراج اليقين الفاسد من ذات الإنسان وإدخال اليقين الصحيح على ذات الله بأنه الخالق الرازق المنعم إلى آخره، هذا تفسير خاطئ لـ"لا إله إلا الله" وقرأ للشيخ ابن عثيمين في بعض فتاويه قال: هذا تفسير باطل، فإذا كان الإنسان يدعو إلى الكلمة الطيبة ويفسرها بهذا المعنى ما أفاد الناس بحقيقة التوحيد وحقيقة هذه الكلمة من البراءة من الشرك وإخلاص الدين لله -سبحانه وتعالى- فعلى كل حال الدعوة إلى الكلمة الطيبة إلى لا إله إلا الله هذا أمر مطلوب لكن يجب أن تكون هذه الدعوة على بصيرة وعلى علم وعلى بينة من دين الله -سبحانه وتعالى- حتى تكون دعوته موافقة للحق والصواب. شيخنا الكريم لعلكم تُخَتِّمون الدرس وتذكرون سؤالي هذا الدرس المبارك
على العادة يُطرح سؤالان السؤال الأول: أحب من الإخوة أن يجمعوا لنا خمس صفات لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-؟
وأيضًا السؤال الثاني: أن يرجعوا إلى منظومة سلم الوصول للحافظ الحكمي -رحمه الله- ويستخرجوا منه البيت الذي نص فيه -رحمه الله- على أن الدعوة إلى التوحيد هي أول ما يبدء به في الدعوة إلى الله؟
واستأذن الأخ تركي في فائدة مر مكانها لكن أحب أن لا أختم الدرس إلا وأذكر بها، مر معنا في هذا الحديث فضلُ أمير المؤمنين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ودعاءُ النبي -صلى الله عليه وسلم- له وإعطاؤُه الراية وهذا يدل على فضل هذا الإمام، فحقيقة أريد أن أنبه على حقيقة عرفناها وشاهدناها وقرأناها في سيرة مؤلف هذا الكتاب، كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ولنا قراءة في كتبه -رحمه الله- وهذه الحقيقة أن هذا الرجل الشيخ محمد -رحمه الله- يحب آل البيت حبا عظيمًا ولهم مكانة في قلبه كبيرة جدًا، ونشأ -رحمه الله- على ذلك وتربى عليه، وكثيرًا ما نرى في كتبه ثناءه على أهل البيت وبيانه لفضلهم وبيانه لمكانتهم ومن شدة حب هذا الإمام لآل البيت أن أولاده وعددهم سبعة سماهم بأسماء آل البيت أولاده سبعة وهم: علي والحسن والحسين وعبد الله وإبراهيم وفاطمة هؤلاء الستة كلهم من آل البيت والسابع عبد العزيز هو الذي، وتعرفون تسمية الرجل بأبنائه يدل على حبه بمن؟ ومع ذلك خصومه يتهمونه بغير ذلك نسأل الله العافية والتوفيق والسداد والله أعلم.
nary_jon
06-02-2008, 11:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الثامن
شرح كتاب التوحيد
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- أما بعد،
فإن المصنف -رحمه الله تعالى- في الأبواب المتقدمة بيّن هذا الترتيب مكانة التوحيد وفضله وحقيقته، وحذر من ضده، ودعا إليه، ونبه إلى أهمية الدعوة إليه، وهذه تأصيلات مهمة تقعيدات مباركة ينبغي على كل مسلم أن يعنى بها ويهتم، ثم شرع المصنف -رحمه الله تعالى- بدءا من الباب الذي سنأخذه هذه الليلة إلى نهاية الكتاب بدأ بشرح التوحيد وبيانه وإيضاحه؛ ولهذا عقد هذه الترجمة في تفسير التوحيد أي: في شرح التوحيد وبيانه وفي نهاية هذه الترجمة قال: وتفسير هذه الترجمة وبيانها فيما يأتي بعدها من أبواب.
الآن بدءا من الباب الذي سنأخذه هذه الليلة إلى نهاية الكتاب كل ذلك شرح للتوحيد وتفسير له وبيان له والآن نسمع كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- ويأتي بعد ذلك بيان ما يتيسر بيانه حول هذا الباب.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (باب التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: 57])
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: باب تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله. عقد هذه الترجمة كما أسلفت لتفسير التوحيد، والتفسير هو البيان والإيضاح.
والمصنف -رحمه الله تعالى- عقد هذه الترجمة ليبين التوحيد ما هو ويفسر معناه ويجلي المقصود به، قال: تفسير التوحيد. والتفسير للشيء يكون تارة لبيان المعنى الذي يحتويه اللفظ المفسر، وتارة يكون بذكر ضده؛ لأن الضد يظهر ضده وبضددها تتميز الأشياء، مثلا لو قال قائل: ما هو النور؟ فقيل له: هو ضد الظلمة. أو قال قائل: ما هي الصحة؟ فقال: ضد المرض. فقال قائل: ما هي اليقظة؟ قال: ضد النوم وهكذا فهذا نوع من التفسير، تفسير الشيء بذكر ضده.
فالضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء
فمن وسائل التعريف والبيان ذكر الضد؛ ولذلك سلك المصنف -رحمه الله تعالى- في شرح التوحيد وبيانه هاتين الطريقتين: طريقة ذكر معاني التوحيد وحقائقه وما يدل عليه التوحيد من معنى، وأيضا بذكر الشرك وبيانه والتحذير منه.
وقوله: تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله عطف هنا الشهادة وأن "لا إله إلا الله" على التوحيد والعطف هنا عطف للدال على المدلول؛ لأن التوحيد هو مدلول الشهادة، مدلول "لا إله إلا الله" هو التوحيد، ويقال عن هذه الكلمة: كلمة التوحيد؛ لأنها تدل على التوحيد، فالتوحيد هو المدلول والدال عليه "لا إله إلا الله" والترجمة هنا معقودة لبيان التوحيد، وبيان كلمة التوحيد وما تدل عليه من الإخلاص لله -سبحانه وتعالى- بالعبادة والبراءة من الشرك.
و"لا إله إلا الله" قلنا: إن فيها ركنين النفي والإثبات، نفي العبودية عن كل ما سوى الله، وإثبات العبودية بكل معانيها لله وحده بإخلاص الدين له وإفراده -سبحانه وتعالى- بالعبادة، وبهذا نعلم أن هذه الترجمة والتراجم التي بعدها كلها في بيان هذا التوحيد، إما بذكر أفراد من العبادة وبيان وجوب إخلاصها لله -سبحانه وتعالى- أو بيان أنواع من الشرك المضادة للتوحيد تحذيرا منها ونهيا عنها وبيانا لسوء عاقبة من وقع فيها.
قال: باب تفسير التوحيد وشهادة أن "لا إله إلا الله" ولنلاحظ هنا -أيها الإخوة حفظكم الله جميعا- لنلاحظ أن المصنف عقد ترجمة ليفسر فيها التوحيد، ثم ماذا صنع في تفسير التوحيد؟ أي شيء صنع؟ أورد آيات من القرآن.
انظروا هذه الطريقة المباركة النافعة نفسر التوحيد بالقرآن، يأتي بآيات من القرآن الكريم يفسر لنا التوحيد، ويأتي بحديث في آخر هذه الترجمة يفسر به التوحيد وهذه أنفع طريقة، طريقة رائعة جدا ونافعة فالآن هو عقد هذه الترجمة باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله وأخذ يقرأ آيات يأتي بآيات من القرآن وهذه الآيات التي سيوردها كما ستلاحظون هي نفسها مفسرة للتوحيد مبينة لمعناه دالة على المراد به، وهذه الطريقة مباركة، طريقة فيها اعتصام بالقرآن وتمسك بالسنة، لم يذهب مذهب من ابتلوا بالأهواء وبالبدع، يفسرون كلمة التوحيد بأهوائهم أو بحسب ما يعتقدون، وإنما فسر كلمة التوحيد بالآيات وكأنه يقول لك: إذا أردت أن تفهم التوحيد فاقرأ هذه الآيات، فإن هذه الآيات وافية وكافية في تبيان التوحيد لك وتوضيحه لك، .
الآيات التي أوردها أربع آيات: الآية الأولى وهي قول الله- سبحانه وتعالى-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴿57﴾﴾ ومما يزيد الأمر بيانا ومعرفة بدلالة الآية النظر في الآية التي قبلها وهي قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴿56﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴿57﴾﴾.
﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ أي: الله أيا كان هذا المدعو ملكا مقربا أو نبيا مرسلا أو وليا من الأولياء أو أيا كان ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ أي: من دون الله -سبحانه وتعالى- ﴿فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيل﴾ لا يملكون كشف الضر أي: إذا وقع ونزل لا يملكون كشفه أي: رفعه ولا يملكون تحويله قبل أن ينزل تحويله من مكان إلى مكان آخر فلا يملكون لا دفع ولا رفع ولا تحويل وإنما الذي يملك ذلك كله رب العالمين سبحانه وتعالى.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴿56﴾ أولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أولئك الإشارة هنا إلى ما سبق في الآية من يدعون من دون الله، والذين يدعون من دون الله الذين إليهم الإشارة هنا هم إما ملائكة على أقوال في كتب التفسير إما ملائكة أو أنبياء أو صالحين من عباد الله، وأيضا في بعض التفاسير أنهم نفر من الجن أسلموا ففي الآية يقول -جل وعلا-: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الذين تدعونهم من دون الله ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ الضمير في يدعون يعود على من؟ على الكفار المشركين، يبتغون الضمير في يبتغون يعود على من ؟ المعبودين فالله يقول ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ ﴾أي: أولئك الذين يدعوهم الكفار ويشركون بهم ويعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يتقربون إلى الله ويبتغون إليه الوسيلة، بعبادته والخضوع له، والتذلل بين يديه، وطلب رحمته والخوف من عذابه، يبتغون إلى ربهم الوسيلة فمن تدعوهم من ملائكة أو أنبياء أو صالحين شأنهم أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة.
لاحظ في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ فيه بيان للتوحيد، بأي نوعي البيان؟ وأي نوعي التفسير؟ اللذين ألمحت لهما في مطلع هذ الدرس ببيان ما يحويه اللفظ المفسر من معنى، والآن لو أردت أن تفسر التوحيد وقلت: التوحيد هو ابتغاء الوسيلة إلى الله، هو دعاء الله وابتغاء الوسيلة إلى الله -سبحانه وتعالى- هذا تفسير صحيح لأن حقيقة التوحيد هو أن تفرد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة وأن تطلب القربى منه وتتجه إليه وحده وتلجأ إليه وحده وترغب إليه وحده وتخافه وحده هذا هو التوحيد الذي فعله هؤلاء الذين إليهم الإشارة في قوله أولئك ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورً﴾ بل هذه الآية اشتملت كما نبه أهل العلم على أركان التعبد القلبية الثلاثة التي يقوم عليه التعبد وهي الحب، حب الله -سبحانه وتعالى- ورجاء ثوابه وخوف عقابه هذه الثلاثة الحب والرجاء والخوف، الحب في قوله ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ أي: لحبهم له -سبحانه وتعالى- ويرجون رحمته هذا الركن الثاني، ويخافون عذابه الركن الثالث، وهذه الأركان الثلاثة هي أركان التعبد القلبية، بمعنى أي عبادة تتقرب بها إلى الله -سبحانه وتعالى- لابد أن تكون قائمة على هذه الأركان الثلاثة تعبد الله لأنك تحبه وترجو رحمته وتخاف عذابه.
يشبهونها بالطائر
بعض أهل العلم يشبهها بالطائر الرجاء والخوف جناحاه والحب روحه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية فيها تفسير للتوحيد وبيان حقيقته ومعناه وفيها تفسير للتوحيد بإبطال ضده وهذا النوع الثاني من التفسير لإبطال ضده والله -سبحانه وتعالى- أبطل الشرك في هذا السياق المبارك قال ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيل﴾ فدعوة غير الله -سبحانه وتعالى- والالتجاء إلى غيره أيا كان هي باطلة، وهي أيضا ظلم بل أظلم الظلم؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وإذا وضعت العبادة في غير موضعها صرفت لمخلوق فهذا أظلم الظلم أعظم الباطل.
إذن أظنه واضح وجه سياق الشيخ -رحمه الله تعالى- لهذه الآية الكريمة في تفسير التوحيد هذه الآية فيها تفسير للتوحيد من جهتين:
الجهة الأولى: ببيان معنى التوحيد وما يدل عليه، يدل عليه كلمة التوحيد وهذا في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ .. الآية﴾ والجهة الثانية: بالتحذير من ضده وإبطال ضده وهو الشرك بالله -سبحانه وتعالى- وبهذا يظهر الشاهد من هذه الآية في الترجمة ووجه سياق الشيخ لها في هذا الباب.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- : (وقوله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿26﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿27﴾﴾ [الزخرف: 26: 27]،)
وهذه الآية أيضا فيها بيان واف للتوحيد وكنا قد عرفنا فيما سبق أن التوحيد وكلمة التوحيد بـ"لا إله إلا الله" تقوم على ركنين النفي والإثبات، النفي في قوله: "لا إله" والإثبات في قوله: "إلا الله" وهنا في هذا السياق المبارك ذكر إمام الحنفاء إبراهيم الخليل -عليه السلام- التوحيد بذكر معناها فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿26﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فذكر ركني التوحيد النفي والإثبات فعبرعن النفي الذي في قوله: "لا إله" بقوله هنا ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وعبر عن الإثبات هنا بقوله﴿ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فجمع بين ركني التوحيد فهنا إذن لو قيل لك: ما تفسير التوحيد؟ وما تفسير كلمة التوحيد على ضوء هذه الآية؟ تقول: هو البراءة مما يعبد من دون الله وعبادة الله -سبحانه وتعالى- وحده قال ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هذه براءة من كل ما يعبد من دون الله براءة من كل عبادة تصرف لغير الله ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ لأنها مبنية على الظلم، على الضلال، على الباطل، وعلى إعطاء حق الله -سبحانه وتعالى- لغيره فالتوحيد براءة من ذلك كله ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ إلا الذي فطرني لأنهم هم في جملة معبوداتهم يعبدون الله، لكنهم اتخذوا معه الشركاء؛ ولهذا استثنى قال: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهو الله -سبحانه وتعالى- وفي قوله: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ تنبيه لطيف إلى أن الذي يستحق أن تصرف له العبادة وتخلص له الطاعة هو الفاطر الخالق الرب المنعم المتصرف، أما من سواه مما لا يملك رفعا ولا دفعا ولا عطاء ولا منعا ولا حياة ولا نشورا فلا يستحق من العبادة شيئا، الذي يستحق العبادة الفاطر؛ ولهذا قال: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فالذي فطر أي: أوجد المخلوقات وخلقها هو الذي يستحق أن يعبد، أما من سواه أيا كان ومهما كان فلا يستحق من العبادة شيئا ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴿27﴾ وَجَعَلَهَ﴾ [الزخرف: 27: 28] ما هي؟ كلمة التوحيد ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿28﴾﴾ فالذي يرجع إلى هذه الكلمة ويعرفها ويتعلمها ويؤمن بها ويحققها هو الذي يصيب الحق ويوفق للصواب، من جعلها مرجعا له ومعتصما ومستمسكا، لعلهم يرجعون ويتمسكون بعراها كما قال الله -سبحانه وتعالى-: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 256] أي: استمسك بـ"لا إله إلا الله" لا يكون الاستمساك بـ"لا إله إلا الله" إلا بالأمرين: البراءة من كل ما يعبد من دون الله، وإخلاص العبادة لله -سبحانه وتعالى- وحده.
إذن هذه الكلمة التي جعلها إبراهيم الخليل إمام الحنفاء -عليه السلام- كلمة باقية في عقبه هي كلمة التوحيد، وذكرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمعناها ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿26﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إذن هذه الآية الشاهد منها أن فيها تفسيرا للتوحيد وبيانا له.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: 31]،).
وكذلك هذه الآية من الآيات المفسرة والمبينة لمعناه وقوله -جل وعلا- ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار العلماء والرهبان العباد، وقوله اتخذوهم أربابا ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ بتقديم طاعتهم على طاعة الله، ويحلون الحرام فيحلونه ويحرمون الحلال فيحرمونه؛ ولهذا جاء تفسيرها في حديث عدي (لما قرأ هذه الآية وقال: ما كانا نعبدهم. قال: أليسوا يحرمون الحلال فتحرمونه، ويحرمون الحلال فتحرمونه؟ قال: بلى. قال: تلك عبادتهم) والطاعة عبادة، الطاعة لله -سبحانه وتعالى- طاعة الله -جل وعلا- والشرع شرعه والحكم حكمه ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ﴾ [الشورى: 21﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50] والتشريع من خصائص الرب -جل وعلا- هو الذي خلق، وهو الذي يشرع ويحكم، وقد مر معنا قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ﴾ [الأنعام: 57] فالشرع شرعه، والحكم حكمه، والأمر أمره، والنهي نهيه، والخلق عبيده، يطيعونه فيما أمر، وينتهون عما نهى عنه، ليس لأحد ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ المسيح بن مريم أي: جعلوه شريكا لله -سبحانه وتعالى- وصرفوا له حق الله قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾.
فإذن هذه الآية شارحة للتوحيد ومبينة لمعناه وسيأتي إفراد ما يتعلق بها ذكر حديث عدي في باب لاحق يأتي -إن شاء الله تعالى- عند المصنف.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: 165] )
ثم ختم المصنف إيراده للآيات المفسرة للتوحيد المبينة لمدلوله ومعناه بهذه الآية من سورة البقرة قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ والمراد بهؤلاء المتخذين للأنداد المشركين، الذين سووا غير الله -سبحانه وتعالى- به وقد مر معنا أن الشرك هو التسوية، وأن المشركين في النار نادمين ومتحسرين ندامة لا تنفع وتحسرا لا يجزي يقولون: ﴿تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿97﴾إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿98﴾﴾ [الشعراء: 97: 98] فيقرون في النار أن هذه التسوية هي التي أودت بهم إلى الهلكة وأوصلتهم إلى النار مخلدين فيها أبدا.
وهنا هذه الآية التي أورد المصنف وهي قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ وهذه من نوع تفسير التوحيد ببيان ماذا؟ ببيان ضده وهو الشرك، فهنا يبين الشرك في تسوية غير الله بالله في المحبة ضده ما هو؟ ضده هو التوحيد من أخلص المحبة المرادة هنا المحبة التي تقتضي الذل والانكسار والخضوع للمحبوب، من أخلص هذه المحبة لله فهو الموحد، ومن سوَّى غير الله بها فهو المشرك.
فإذن هنا هذه الآية تبين لنا الشرك، وبمعرفتنا للشرك نعرف ضده، تسوية غير الله بالله في المحبة شرك، وإخلاص المحبة لله توحيد؛ ولهذا في مسائل الشيخ قال ما معناه: إذا كان هذا فيمن سوَّى غير الله بالله، فالله قال في تمام السياق قال: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿167﴾﴾ [البقرة: 167] يعني: هؤلاء الذين سووا غير الله بالله في المحبة هؤلاء لا يخرجون من النار يوم القيامة بل يخلدون فيها أبدا، لأنهم سووا غير الله بالله، يقول الشيخ: فكيف بمن جعل محبة غير الله أعظم من محبة الله؟ وكيف من لم يكن في قلبه إلا محبة غير الله ؟ إذا كان من سوى استوجبت تسويته الخلود في النار ولا يخرج منها كما قال تعالى ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فكيف بمن محبة غير الله في قلبه أكبر من محبة الله؟ وكيف بمن ليس في قلبه إلا محبة غير الله؟ قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ أي: المشركين ﴿مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادً﴾ والند هو المكافيء المساوي النظير فيجعلون لله نظراء مساوين مكافئين ﴿أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ أي: هؤلاء المشركون يحبون أندادهم محبة مساوية لمحبتهم لله ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ وقيل ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ أي: كحب المؤمنين لله لكن المعنى الأول أظهر وأقوى، وهو يدل دلالة واضحة على أن المشركين يحبون الله أليس كذلك؟
فيه مفاضلة فيه أشد
يحبون قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ فهم يحبون الله، ولكن يجعلون محبتهم لأندادهم مثل محبتهم لله، إذن هم يحبون الله فهل هذه المحبة منهم لله نفعتهم؟ لا حتى نفهم ما التوحيد، هل هذه المحبة التي وقعت منهم لله -سبحانه وتعالى- هل نفعتهم أو لم تنفعهم؟ سيأتي معنا أنهم ما يخرجون من النار ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ وهم يحبون الله ودلالة الآية على أنهم يحبون الله ظاهر؛ لأن الله قال عن هؤلاء المشركين: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ يعني: الأنداد ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾ ففي قلوبهم محبة لله ولكنهم مع ذلك جعلوا لأندادهم محبة مساوية لمحبة الله فاصبحوا كفارا مشركين من أهل النار مخلدين فيها أبدا.
من هنا نفهم التوحيد أن حق الله -سبحانه وتعالى- ومنه المحبة لا يعطى لغير الله، إن أعطي لغيره فهذا هو الشرك، وإن أخلص لله فهذا هو التوحيد، إذن الآية تفسر لنا التوحيد تفسيرا من أبين وأوضح ما يكون ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ ممن؟ من حب المشركين لله، وقيل: من حب المشركين لأصنامهم، والأول أظهر وأولى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ لأن حب المؤمنين لله حب خالص صافٍ، لم يجعلوا مع الله -سبحانه وتعالى- شريكا، وحب المشركين لله حب مخلط فيه تسوية غير الله -سبحانه وتعالى- بالله.
فإذن التوحيد هو في حب المؤمنين لله الخالص الصافي الذي لم يجعل مع الله -سبحانه وتعالى- فيه شريكا، والشرك في حب المشركين لله الذي جعلوا فيه حب غير الله مساويا لحب الله -سبحانه وتعالى- على ضوء هذا هذه الآية أصبحت ماذا؟ فيها تفسير للتوحيد وبيان معناه، وأظن الأمر واضحا عند الإخوة جيدا، لو قيل لنا: ما تفسير التوحيد وما معناه على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾؟ هل يوجد أحد من إخواننا يجيب على هذا السؤال حتى نطمئن أن المعنى وصل؟
يمكن -فضيلة الشيخ- أن نجيب على هذه السؤال بقولنا: إن المؤمنين حبهم هذا الحب الذي هو حب الله -سبحانه وتعالى- الصافي النقي هذا هو التوحيد، والشرك هو جعل تسوية أو صرف هذه الحب لغير الله -سبحانه وتعالى- وتسوية غيره به.
على العموم جزاك الله خيرا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ الآية كما مر معنا فيها تفسير للتوحيد وبيان لمعناه بذكر فرد من أفراد العبادة وهو المحبة، وهي عبادة قلبية تنبني عليها أنواع الطاعات وعموم العبادات، فمن جعلها لله خالصة هو الموحد، ومن سوى غير الله بالله فيها فهو المشرك.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله -عز وجل) وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب)
ثم أورد المصنف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث وهو كذلك فيه تفسير للتوحيد وبيان لمعناه، قال -عليه الصلاة والسلام-: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم دمه وماله وحسابه على الله) فالتوحيد ومدلوله على ضوء هذا الحديث لابد فيه مع قول: "لا إله الا الله" واليقين بها ومعرفة مدلولها لابد فيه من الكفر بما يعبد من دون الله.
قد مر معنا قول إمام الحنفاء -عليه السلام-: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴿26﴾ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وأيضا قوله -جل وعلا-: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [الممتحنة: 4] فالتوحيد لابد فيه من البراءة مما يعبد من دون الله ببغض المعبودات، ببغضها وبغض عبادتها وكراهية عبادتها من دون الله وأن عبادتها باطلة وتؤدي بصاحبها إلى العذاب الأبدي والعقوبة الأبدية في نار جهنم، لابد مع قول "لا إله إلا الله" من تحقيق هذا الأمر وهو الكفر بالطاغوت واجتناب الطاغوت والبعد عن عبادة الطاغوت ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ لابد من هذا لا يكون مستمسكا بالعروة الوثقى التي هي "لا إله إلا الله" إلا بالكفر بالطاغوت والكفر بالطاغوت هو ما جاء في الحديث هنا (وكفر بما يعبد من دون الله) وفي الآية ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هذا هو الكفر بالطاغوت ولا يكون الإنسان موحدا إلا به، ومجرد قول: "لا إله إلا الله وحده" لا يكفي، والعلم بمعناها وحده لا يكفي، بل لابد مع العلم والفهم لمعنى هذه الكلمة أن يقوم في قلب القائل لـ"لا إله إلا الله" كفر بالطاغوت وبراءة من كل ما يعبد من دون الله؛ ولهذا قالوا: وكفر بما يعبد من دون الله.
(حرم دمه وماله) يعني: تتحقق العصمة قال: (وحسابه على الله) لأن هذه الأمور قد تظهر أو قد يظهرها إنسان ويبطن خلافها، مثلما يقع من المنافقين لكن نحن لنا ما يظهر الحساب، حساب البواطن على الله -سبحانه وتعالى- الله -عز وجل- يتولى السرائر ولنا ما ظهر لنا.
إذن هذا الحديث يفسر لنا "لا إله الله" مثلما الآيات التي أورد المصنف -رحمه الله تعالى- فيها تفسيرا لـ"لا إله إلا الله".
على ضوء هذه الطريقة النافعة التي أوردها المصنف -رحمه الله تعالى- ويستطيع المسلم أن يفهم التوحيد من القرآن، والشيخ أعطاك مفتاحا للباب، ليس الذي يوضح التوحيد من قرآن هذه الآيات الأربع، فالقرآن كله يوضح لك التوحيد، لكن الشيخ يفتح لك الباب لفهم التوحيد على ضوء القرآن، وإلا فآيات كثيرة جدا تشرح لك التوحيد وتبين لك معناه على نفس الطريقة مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] هذا هو التوحيد: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ [النساء: 36] هذا هو التوحيد ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5] هذا هو التوحيد ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] هذا هو التوحيد، فهذه الطريقة حقيقة نافعة نسأل الله -جل وعلا- أن يرحم هذا الإمام وأن يجزيه خير الجزاء على هذه الصنيع المبارك والتبيان وربط الناس بالقرآن وبكلام الله وبكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- في بيان التوحيد وفي بيان أمور الدين عموما.
لما ذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- هذه الآيات الأربع وختمها بهذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال -رحمه الله تعالى- ما نصه وتفسير:
وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب
شرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب، لاحظ معي هنا الترجمة معقودة بماذا؟ بتفسير التوحيد وأعطاك أربع آيات وحديثا من خلالها تفهم التوحيد، ويتضح لك معناه وكما قلت لك: هذا فقط فتح باب لك لأن تفهم التوحيد من خلال القرآن ومن خلال سنة النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام-.
وتفسير التوحيد يكون بمعرفة أفراد العبادة التي يجب أن نخلصها لله -سبحانه وتعالى- وأيضا بمعرفة أفراد الشرك الذي يجب أن نحذر منه ونجانبه؛ ولهذا سيأتي معنا من الباب الآتي إلى نهاية الكتاب أبواب كثيرة فيها تفسير للتوحيد إما ببيان أفراد العبادة مثل الصبر والتوكل والرجاء والخوف وعبادات كثيرة جدا ستأتي ليبين بالآيات أنها حق لله -سبحانه وتعالى- لا يجوز صرفها لغيره، أو بيان للتوحيد بذكر أنواع للشرك الاستغاثة بغير الله، والذبح لغير الله، والنذر لغير الله، وأشياء أخرى كثيرة ستأتي معنا من الشرك الأكبر، وأيضا أمور وأبواب عديدة سيذكرها من الشرك الأصغر مثل شرك الألفاظ فيكون -رحمه الله تعالى- فيما سيأتي من أبواب يبين التوحيد إما ببيان مدلوله ومعناه بذكر أفراده أو ببيان ضد التوحيد وهو الشرك الأكبر أو ما ينقص به كمال التوحيد الواجب وهو الشرك الأصغر وهذه طريقة مباركة نافعة مفيدة جدا لكل مسلم، وفق الله -سبحانه وتعالى- هذا الإمام -رحمه الله تعالى- وغفر له، وجزاه عن أمة الإسلام خير الجزاء، بشرحه وبيانه في هذا الكتاب المبارك العظيم.
وكما رأيتم وترون في أبواب هذا الكتاب كله ليس فيه إلا عرض للآيات والأحاديث لم يأت بشيء من نفسه ولا اخترع شيئا من عند نفسه ولا أوجد شيئا أحدثه، وإنما كل ذلك بالبيان، ويكفيكم هذا الباب العظيم الذي أخذناه هذا اليوم عقد عنوانا "تفسير التوحيد وشهادة ألا إله إلا الله" واكتفى بذكر أربع آيات وحديث، وانتهى البيان عند هذا الحد فهذه طريقة أهل القرآن وأهل السنة وأهل الإيمان والاعتصام بكتاب الله التي هُدي إليها هذا الإمام وهُدي إليها أئمة السلف -رحمهم الله تعالى- قبله وأيضا من سار على نهجهم إلى يومنا هذا وهي طريقة مباركة نافعة نسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا للاعتصام بكتابه والتمسك بسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأن يوفقنا لفهم التوحيد على وجهه الصحيح، وأن يعيذنا من الشرك ومن البدع ومن الضلالات، إنه تبارك وتعالى سميع مجيب قريب.
فضيلة الشيخ ورد إلى ذهني الآن في الحديث وهو ما نصه (وكفر بما يعبد من دون الله) هذا مثل الآية التي وردت قبل قليل ﴿يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾؟
نعم نفس المعنى وأيضا نفس المعنى في الآية التي مرت معنا ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ فهذا هو الكفر بما يعبد من دون الله.
سؤالي فضيلة الشيخ هو حال الإنسان أحيانا أو عادة إذا قام الإنسان بعبادة وهو يفرح بهذه العبادة عندما يؤديها يفرح بها فهل هذا يعد من الرياء أو المن على الله سبحانه وتعالى؟
الفرح بالعبادة والتوفيق لها هذا مطلوب ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُو﴾ [يونس: 58] فالفرح بها مطلوب يفرح الإنسان أن وفقه الله للصلاة، وفقه الله للحج، وفقه الله للصيام، وفقه الله لقراءة القرآن، هذا الفرح مطلوب هذا فرح بفضل الله -سبحانه وتعالى- وبرحمته والإعجاب بالنفس هذا مذموم لا يعجب بنفسه ولا يدلي على الله -سبحانه وتعالى- أو يمن على الله بالعبادة هذا مذموم كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17] أما كون الإنسان يفرح أن الله وفقه وأنعم عليه ويسر له أداء العبادة و القيام بالطاعة فهذا لا شيء فيه.
ذكرت أن أركان القلب التعبدية الحب والرجاء والخوف فهل تعطينا مثالا يوضح لنا المعنى؟
الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- له لفتة جميلة جدا في بيان هذه الأركان التعبدية القلبية الثلاثة يقول -رحمه الله تعالى- في كلام له على تفسير سورة الفاتحة (يقول: إن سورة الفاتحة اجتمع فيها أركان التعبد القلبية الثلاثة الحب والرجاء والخوف ولم يأت قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: 5] الذي هو الغاية إلا بعد أن أرسيت أركان التعبد الثلاثة فيما قبلها من آيات) فقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا فيه الحب لأن الثناء على المحبوب مع حبه والله -عز وجل- يحمد لما قام في قلب حامده من محبة لله على أسمائه وصفاته، وأيضا على نعمه وأفضاله وعطاياه فالحمد فيه الحب وإذا قرأ المسلم ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهو مستحضر ما يدل عليه الحمد من استغراق المحامد لله -سبحانه وتعالى- على أسمائه وصفاته وعطاياه يقوم في قلبه الحب، حب الله -جل وعلا- والرجاء، في قوله: الرحمن الرحيم؛ لأنه إذا قرأت: الرحمن الرحيم وأنت تستحضر ما تدل عليه من معنى ما الذي يتحرك في قلبك؟ ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ مر معنا في الآيات فإذا قرأت ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿4﴾﴾ [الفاتحة: 4] ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿17﴾ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿18﴾ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ للهِ ﴿19﴾﴾ [الانفطار: 17: 19] ما الذي يتحرك في قلبك؟ الخوف، تخاف ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ جاءت بعد هذا فكأنك على ضوء هذا التقرير تقول يا الله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أي: نخصك بالعبادة بالحب الذي دل عليه ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وبالرجاء الذي دل عليه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وبالخوف الذي دل عليه ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فالله -عز وجل- يعبد بهذه الأمور الثلاثة بالحب والرجاء والخوف، لا يعبد بالحب وحده ولا بالرجاء وحده وإنما يعبد بالحب والرجاء والخوف.
نستعرض الأجوبة: تقول: الجواب الأول قال -عليه الصلاة والسلام- بعض الصفات لمعاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه-: (وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) وقال -عليه الصلاة والسلام-: (معاذا أمام العلماء يوم القيامة برتوة أو رتوتين) وقال جابر بن عبد الله: كان معاذ بن جبل من أحسن الناس وجها، وأحسنهم خلقا، وأسمحه كفا، وكان من الذين يفتون على عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأيضا عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (نعم الرجل أبو بكر، ونعم الرجل عمر، ونعم الرجل معاذ بن جبل)
ليت الأخت ذكرت مخرج هذه الأحاديث، وإذا كان أحد من أهل العلم ذكر شيئا من درجة الحديث حتى تتم الفائدة.
الجواب الثاني قال الشيخ حافظ الحكمي: أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد
هناك بيت في الدلالة على المقصود وما طلبناه من الإخوة أظهر من هذا البيت، هذا يدل على المقصود لكن هناك بيت وهو الذي قصدته لأنه كان المطلوب إيراد بيت من المنظومة فيه أن التوحيد أول ما يبدأ به في الدعوة إلى الله -جل وعلا- وهذا البيت فيه أنه أول واجب على المكلف فلا يدل على المقصود لكن هناك بيت أصرح وأخص.
نذكر نحن بعض الصفات، يعني: نحاول أن ننوع في بعض الصفات التي يذكرها بعض الإخوة أما المكرر فلا داعي لذكره. من الصفات كذلك أنه كان أحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهده -صلى الله عليه وسلم- وكان مع الاثنين والسبعين رهطا الذين بايعوه في العقبة، وكانه رسولَ رسولِ الله إلى اليمن وهو الحديث الذي كان في الباب.
السؤال الثاني أجابت عنه:
أن تعبدوا الله إلها واحدا معترفا بحقه لا جاحدا
وهو الذي به الإله أرسلا رسله يدعوه إليه أولا
هذا واضح في المقصود، وبالمناسبة هذه دعوة لمراجعة شرح الشيخ -رحمه الله تعالى- في كتابه معارج القبول في موضوعنا نحن.
كذلك أخرى ذكرت من الصفات التي ذكرتها «وكان ذكيا يشبه عمر بن الخطاب في استنارة عقله، سأله النبي -صلى الله عليه وسلم- حين وجهه إلى اليمن (بم تقضي يا معاذ؟ فأجابه قائلا: بكتاب الله. قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة رسول الله. قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: فإن لم تجد في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال معاذ: أجتهد رأيي ولا آلو. فتهلل وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله) »
مع ذلك أؤكد على قضية مراجعة الأحاديث، وأيضا مراجعة كلام أهل العلم على الأحاديث من حيث الصحة وعدمها.
حقيقة هذه المشاركات مقصودة وهي من تمام الاستفادة والانتفاع في دراسة هذا الكتاب، وما أطرحه من أسئلة هي أشياء تفيد المسلم، تفيد طالب العلم عندما يرجع إلى هذه الكتب ويرجع إلى المصادر حتى تتم له الفائدة وتكمل، فأشكر لجميع المشاركين هذه المشاركة الطيبة، وأسأل الله -عز وجل- أن يثيبهم وأيضا أدعو الجميع في اللقاءات القادمة أن يشاركوا ويتواصلوا معنا حتى تتم الفائدة بشكل أكبر وأحسن وشكر الله للجميع.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الآية الأولى من تفسير التوحيد لو تعيد شرحها المختصر المفيد آية ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾
شرح مفصل؟
لا مختصر بسيط لأني سمعت الباقي
أظن فيه إعادة للمحاضرة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حكم قول "تبارك الله" إذا رأى الإنسان ما يعجبه؟ السؤال الثاني عن حكم قول الشاعر: ليتك تحلو والحياة مريرة؟
بالنسبة للأسئلة التي خارج المنهج أنا لي طريقة في الكلية مع الطلاب ربما سأسلكها في هذا الدرس أن أقول للطلاب دائما: السؤال الذي خارج الدرس خارج الدرس؛ لأننا إذا فتحنا الباب للأسئلة المتنوعة نخرج عن المقصود لكن الأصل في الأسئلة التي تعقب الدرس عن إشكالات متعلقة فلعل بهذه المناسبة أن تكون الأسئلة دائما فيما يتعلق بالموضوع نفسه إما إشكالا أو شيئا ما اتضح؛ لأننا اجتمعنا لدراسة شيء معين وهناك مجالات أخرى للأسئلة المتنوعة في الإفتاء وبعض اللقاءات العامة يمكن أن تطرح فيه الأسئلة المنوعة، لكن الدرس الذي اجتمع فيه لغرض معين أو حدث معين فتكون الأسئلة فيه مختصرة عن الموضوع، ولعل بهذا التنبيه يكون اعتذارا فيما يأتي من أسئلة عن أي سؤال يخرج به السائل عن المقصود؛ لأنه على حساب الدرس الذي اجتمعنا لأجله وأما الأخ الذي طلب إعادة شرح الآية فأعيدها له فيستمع إليها في الإعادة.
وأنا لا أرد طلبه ولكن قصدي أن يستمع إلى الشرح متكامل بدلا من أن يكتفي بالاختصار الذي طلبه الآن.
يسأل: يقع بين الكثير لبس كبير في التفريق بين الوسيلة والشفاعة فأرجو توضيح الفرق بينهم
ليس هناك لبس من فهم الوسيلة يفهم الشفاعة ويفهم غيرها على الوجه الصحيح لأن الوسيلة هي طلب القرب من الله -سبحانه وتعالى- بما يرضيه لهذا جاء عن أحد الصحابة أظنه ابن مسعود قال: "يبتغون إليه الوسيلة" أي: الإسلامة فالوسيلة هي القرب إلى الله -سبحانه وتعالى- بما يرضيه، وأعظم ذلك التوحيد والإخلاص لله -سبحانه وتعالى- فيقبل على الله عبادةً وتذللا وخضوعا وانكسارا هذه هي الوسيلة ولا يجوز لإنسان أن يبعد أو ينحرف في فهم الوسيلة على غير بابها والله عز وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35] يعني: لا إلى غيره، فطلب القرب من الله -سبحانه وتعالى- الذي هو الوسيلة إنما يكون بطاعته بفعل ما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، هذه هي الوسيلة إلى الله -سبحانه وتعالى- والشفاعة جاء في القرآن نفي لها وإثبات ففي آيات كثيرة نفيت الشفاعة وهي التعلق بغير الله -سبحانه وتعالى- وعبادة غيره وتسمية ذلك الشفاعة ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ [يونس: 18] هذا شرك وإن سماه صاحبه شفاعة، وبعضهم أيضا يسميه وسيلة لا يتوسل إلى الله -سبحانه وتعالى- بالشرك وبعبادة غيرهم -سبحانه وتعالى- والشفاعة المثبتة في كتاب الله -سبحانه وتعالى- هي دعاؤه ورجاؤه وطلب رحمته دعاء المسلم لنفسه ولإخوانه المسلمين فهذا لا بأس به، أما التعلق بغير الله والتوجه إلى غير الله والطلب من غير الله وصرف العبادة لغير الله وتسمية ذلك شفاعة فهذا لا يغير حقيقة الأمر وأنه صرف للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عندي سؤالين بالنسبة للشخص الموحد المخلص التوحيد لله -سبحانه وتعالى- هل يمكن أن يخالطه شرك من دون أن يعلم كالشرك الخفي الذي قال عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (أنه أخفى في أمتي من دبيب النملة السوداء)؟ سؤالي الثاني: فضيلة الشيخ هل الإنسان الموحد المخلص التوحيد لله هل ينجو من عذاب القبر بتوحيده هذا لا يعذب نهائيا في قبره وجزاك الله خيرا فضيلة الشيخ ؟
السؤال الذي سألت عنه مر معنا وهو في الأدب المفرد وفي غيره وثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه (للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) وقلت لكم في ذاك الوقت: الآن ونحن جالسون في هذا المكان لو مرت نملة من تحتنا أنشعر بها لا نشعر ونبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: (أخفى من دبيب النمل) وهذا مما يوجب الخوف من الشرك وقد أرشد -عليه الصلاة والسلام- في الحديث نفسه إلى طريقة نافعة للتخلص من هذا الأمر بالالتجاء إلى الله قال: (ألا أدلكم على شيء إذا قلتموه أذهب الله عنكم قليل الشرك وكثيره؟ قالوا: بلى. قال: تقولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونستغفرك لما لا نعلم) وقوله: (ونستغفرك لما لا نعلم) هذا فيه جواب على السؤال أن الشرك الخفي قد يتسلل إلى الإنسان ويتسلل إلى قلب الإنسان من حيث لا يشعر فهذا يحتاج من العبد إلى مجاهدة تامة لنفسه ولجوء صادق إلى الله -سبحانه وتعالى- بأن يرزقه الإخلاص، وأن ينجيه من الشرك، وأن يعيذه منه، وأن يكون خائفا من الشرك سائلا الله -سبحانه وتعالى- أن يقيه منه، فالشرك الخفي قد يتسلل للإنسان من حيث لا يشعر ولهذا سمي خفيا.
وسؤالها الثاني فيما يتعلق بعذاب القبر: الموحد أو من هم في قبورهم موحدين على نوعين: موحد وحقق توحيده وهذا لا يعذب في قبره، وموحد خلط في توحيده فيما دون الشرك بفعل الكبائر فهؤلاء قد يعذبون في قبورهم مثلما جاء في الحديث: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فلا يستبريء من البول وأما الآخر فيمشي بالنميمة بين الناس).
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سؤالي آية: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ...﴾ هل تنطبق على من حكم غير شريعة الله وروضي حكمه، وعلى من أطاعه طوعا لا كرها؟ وهل أناس لا تحكم شريعة الله؟ يعني لما تقرأ المتن هذا، ونفهم شرحا عاما، ونرى الواقع نجد الواقع غريبا، فهل يمكن أن تفصل لنا الوضع؟ والعلماء يقررون هذه الأشياء الحكم بما أنزل الله
في شرح كتاب التوحيد لهذه الآية تيسير العزيز الحميد وفتح المجيد وغيره من كتب التوحيد نقلوا في الشرح كلمة مفيدة جدا لشيخ الإسلام ابن تيمية فيها بيان هذا الأمر وإزالة اللبس الذي قد يشكل على البعض في هذا الباب، وقد قال شيخ الإسلام في بيان هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ قال: إن هذا على نوعين: إما أن يكون اتخذوهم أحبارا ورهبانا من دون الله بطاعتهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله عن اعتقاد وإيمان، وتقديم لهم على شرع الله وحكمه، قال: هذا كفر. والنوع الثاني أن يكون هذا الفعل يقع عن نوع معصية مثلما يفعل الإنسان بقية المعاصي، الآن الذي يقع في المعصية مثلا يشرب الخمر أو يكذب أو يأكل الربا أو نحو ذلك وهو يفعل ذلك معتقدا أنه محرم أن الله حرمه ونهى عنه ولكنه يفعله عصيانا فهذا لا يكون كافرا، وإنما هذا من المعاصي ومن الذنوب ومن لم يفرق في هذا الباب يقع في اللبس.
تسأل سؤالا متعلقا بالمصطلحات تقول: ما هو الفرق بين التوحيد والعقيدة؟ هل هناك فرق بين مصطلح التوحيد ومصطلح العقيدة
التوحيد سمي توحيدا لأنه إفراد لله، التوحيد أصله في اللغة الإفراد، إفراد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة وإخلاص الدين له، وأيضا إفراده في خصائصه من الربوبية من الأسماء والصفات.
والعقيدة سميت عقيدة أو أمور الإيمان سميت عقيدة؛ لأن مبناها على على ربط القلب، ووجود اليقين الجازم فيه بغير شك كما قال الله تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُو﴾ [الحجرات: 15] والعقيدة تتناول أمور الإيمان كلها مثل الإيمان بالله بأنواع التوحيد الثلاثة، والإيمان بالكتب والرسل والإيمان باليوم الآخر، يعني: على سبيل المثال الإيمان بالملائكة هذا يسمى عقيدة، يسمى إيمان أما خصائص الله وإفراده بها -سبحانه وتعالى- فهذه تسمى توحيدا وهي داخلة في الإيمان.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، سؤالي لفضيلة الشيخ هل تنفع كلمة "لا إله إلا الله" لمن لا يعمل بمقتضاها؛ لأن المعلوم أن أبا طالب علم أن "لا إله إلا الله" ولكن لم يؤمن بها ولا بمقتضاها ولم ينفعه علمها حيث (يعذب أدنى عذاب أهل النار) لما جاء في الحديث؛ لأن بعض الفرق يقولون "لا إله إلا الله" ولكن في الوقت نفسه يسبون الصحابة ويحرفون القرآن وما إلى غير ذلك فهل تنفعهم لا إله إلا الله ؟
لا إله إلا الله كما مر معنا في لقائنا السابق لها شروط ولها ضوابط لابد منها حتى تتحقق لقائلها الاستفادة منها، ودرسنا اليوم في شرح لا إله إلا الله أيضا عرفنا الضوابط التي لابد منها، فمجرد القول وحده لايكفي، ومجرد العلم بأنه لا إله إلا الله لا يكفي؛ بل لابد من الكفر بما يعبد من دون الله وإخلاص العبادة لله -سبحانه وتعالى- وإفراده بالذل والخضوع والانقياد وعدم الإشراك به فإذا جعل الإنسان مع الله شريكا بأن صرف العبادة لغيره -سبحانه وتعالى- فإنه لا يكون بذلك محققا لها، وقد قلت في درس ماض: إن لا إله إلا الله لابد فيها من العلم والعمل والصدق، وأنه بالعلم يخرج من طريقة النصاري، بالعمل يخرج من طريقة اليهود، وبالصدق يخرج من طريقة المنافقين، أما بمجرد القول فلا يكفي ولا ينجو من عذاب الله حتى يحقق هذه الكلمة بمدلولها الصحيح ومفهومها الحق الذي دل عليه كتاب الله وسنة نبيه -صلوات الله وسلامه عليه-.
وما ذكره فيما يتعلق بسب الصحابة فهذا الأمر ليس من هذا الباب، باب التوحيد والإخلاص للمعبود لكنه باب من أخطر ما يكون على قائله وأشده ضررا عليه؛ بل بعض أهل العلم أخذوا من القرآن ما يدل على أن سب الصحابة مقالة كفرية في قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29] قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ ولهذا قال بعض السلف: من غاظه أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر، فكيف بمن يسبهم؟ وبالله عليكم من يقرأ هذه الآية من سورة الفتح، ثناء الله العظيم على الصحابة قبل أن يوجدوا أثنى الله -سبحانه وتعالى- عليهم في القرآن قبل أن يوجدوا، أثنى عليهم في التوراة قبل أن يوجدوا، قبل أن تخطوا أقدامهم على الأرض، وأثنى عليهم في القرآن، والقرآن مليء بالآيات، والسنة مليئة بالأحاديث في ذكر فضائلهم والثناء عليهم، فكيف يتجرأ إنسان ينتسب لهذا الدين على سب الصحابة -والعياذ بالله- خاصة خيار الصحابة مثل أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وغيرهما من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الكرام صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
هذا أحد الإخوة يسأل يقول: إذا أطعت والدي في أمر ما واقترن ذلك بتضييعي للصلاة فهل أكون اتخذته ندا مع الله؟
هذا معصية إلا إذا كنت تترك الصلاة كلية أما إذا كان حصل تأخير أو نحو ذلك فهذا معصية، أما إذا كان تركا للصلاة فهذا طاعة للمخلوق في معصية الخالق سبحانه وتعالى.
في هذا الدرس استفدنا طريقة مباركة من الشيخ -رحمه الله تعالى- في تفسير التوحيد وهي تفسيره بالآيات والأحدايث، والشيخ بهذه الطريقة ذكر أربع آيات وحديثا واحدا وأطرح الآن سؤالين:
الأول: أريد خمس آيات من القرآن غير ما ذكر الشيخ فيها تفسير للتوحيد؟ هذا الأول.
والثاني: خمس أحاديث من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها تفسير للتوحيد، وهذا تطبيق عملي للمنهج الذي قرره الشيخ ونهجه -رحمه الله تعالى- في هذا الباب وفي هذا الكتاب.
في الحديث يذكر الراوي
لابد كما أوضحت لابد أن يذكر الراوي ويذكر من خرجه، وأيضا يذكر درجته عند أهل العلم بهذا الشأن.
رياض سعيد
06-04-2008, 07:57 AM
جزاك الله أختي ناري جون على هذا الموضوع الممتاز
و أسأل الله ان يتوفاني و اياكم على التوحيد الخالص
بنت الأثر
06-04-2008, 11:31 AM
جزيتِ خيرا أختي الغالية ..
لا حُرمت الأجر والتوفيق ..
nary_jon
06-04-2008, 11:22 PM
جزاك الله خير أخي خالد على دمج الموضوع
حياك الله وبيك اخي رياض شرفني مرورك
nary_jon
06-04-2008, 11:24 PM
جزاكِ الله خير أختي بنت مجاهد وشاكره لكم تثبيت الموضوع
يعطيكِ العافية وتسلم الايادي
nary_jon
06-05-2008, 02:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس التاسع
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
الدرس التاسع: شرح كتاب التوحيد
في هذا الدرس المبارك، درس شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في هذا الدرس المبارك يسرنا أن نرحب باسمكم جمعيا بشيخنا الفاضل الأستاذ الدكتور: عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، عضو هيئة التدريس بقسم الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، نرحب من أعماقنا بشيخنا الفاضل، فأهلا وسهلا بكم فضيلة الشيخ.
حياكم الله أهلا وسهلا ومرحبًا بكم وبجميع وبجميع المتابعين معنا لهذا الدرس وسلام الله عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين- أما بعد،
في دروسنا الماضية في هذا الكتاب المبارك كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- أنهينا المقدمات العظيمة والبدايات النافعة التي استهل بها المصنف -رحمه الله- كتابه، فبدأ -رحمه الله- ببيان مكانة التوحيد وفضله، وتحقيق التوحيد والتحذير من ضده، ثم ندب وحث على الدعوة إلى التوحيد، ثم عقد ترجمة في بيان التوحيد وتفسيره، وفي تلك الترجمة الأخيرة التي هي في بيان التوحيد وتفسيره ذكر بعض الآي من القرآن الكريم وحديثًا عن الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- مبينًا من خلالها تفسير التوحيد ثم ختم الترجمة بقوله: "وتفسير ذلك فيما يأتي بعده من أبواب" أي أن الأبواب الآتية في هذا الكتاب كلها في تفسير التوحيد وبيانه.
وكنا قد عرفنا فيما سبق أن تفسير التوحيد يكون إما ببيان معانيه وحقائقه وما يدل عليه هذا اللفظ المبارك، وإما بالتحذير من ضده ونقيضه، بالتحذير من ضد التوحيد أي: ما ينقض التوحيد، أو التحذير مما ينافي كمال التوحيد الواجب، وهو الشرك الأصغر، وهنا بدأ من الباب الذي سنأخذه في يومنا هذا وما بعده من أبواب، مشى فيها -رحمه الله- مبينًا التوحيد بهذه الطريقة وعلى هذا النهج، فنأخذ الآن الباب الأول من هذه الأبواب التي فيها بيان التوحيد إما بالتحذير من ضده أو بالتحذير مما ينافي كماله الواجب، وإما أيضًا ما سيأتي معنا من أبواب لاحقة في بيان أفراد العبادة التي هي حق خالص لله -تبارك وتعالى- لا يجوز صرفها لغيره سبحانه.
قال المصنف -رحمه الله-: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 35]).
قال المصنف -رحمه الله، وغفر له، وأسكنه الجنة، وجزاه عن أمة الإسلام خير الجزاء- قال: (باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه) قوله -رحمه الله-: (من الشرك) أي من أنواعه، من أنواع الشرك أو من أفراد الشرك "ومن" للتبعيض كما سيذكر في هذا الباب، هو باب أنواع أو بعض أفراد الشرك على ما سيبينه المصنف -رحمه الله-: قال: (من الشرك) والشرك سبق أن عرفنا معناه في درس سابق ولاسيما عند الترجمة التي عقدها المصنف بعنوان: (الخوف من الشرك) عرفنا أن الشرك هو التسوية وعدل غير الله -تبارك وتعالى- به.
وعرفنا كذلك أن الشرك نوعان: أصغر، وأكبر، وعرفنا أن الشرك الأكبر هو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، وعرفنا أيضًا أن الشرك الأكبر منافٍ للتوحيد كل المنافاة، وهو مناقض للتوحيد منافٍ له كل المنافاة، وعرفنا أيضًا أن الشرك الأصغر ينافي كمال التوحيد الواجب، وهو كل ما جاء في الشرع تسميته شركًا ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر، وعرفنا أيضًا فيما سبق بعض الفروقات بين هذين النوعين، ومما ينبه عليه أهل العلم في هذا المقام أن تغيير أسماء الأشياء لا يغير حقائقها، فالعبرة بالحقائق والمضامين فلو أن إنسانًا فعل أمورا شركية وسماها توسلا أو سماها شفاعةً، أو نحو ذلك، فهذا لا يغير الحقيقة، مثل لو أن إنسانًا تعامل بالرشوة وسماها إكرامية، أو تعامل بالربا وسماه فائدة، أو شرب الخمر وسماه مشروبا روحيا، أو نحو ذلك، فتغيير الأسماء لا يغير الحقائق، فالشرك شرك وإن سمي بغير اسمه، الشرك محرم وإن سماه فاعله بغير اسمه، فالعبرة بالحقائق فمن سوى غير الله بالله في شيء من خصائص الله يكون أشرك بالله -تبارك وتعالى- غيره، وكذلك من فعل أمورا هي من وسائل الشرك وهي من نوع الشرك الأصغر يكون وقع في الشرك الأصغر وإن سماها بغير اسمها، هذه حقيقة أو أمر لابد من التنبه له.
يقول المصنف -رحمه الله-: (باب من الشرك) أي: من أفراد الشرك ومما يدخل في الأمور الشركية (لبس الحلقة والخيط ونحوهما، لرفع البلاء أو دفعه) (لبس الحلقة) الحلقة هي الشيء المستدير سواءً من النحاس أو الحديد أو أيًا من المعادن أو الخيوط أو نحو ذلك، توضع على العضد أو الساعد أو الساق أو على الرقبة أو نحو ذلك، تستدير على عضد الإنسان أو على ساعده أو على قدمه أو على ساقه، فهذه تسمى حلقة، وتسمى حلقة لاستدارتها (لبس الحلقة أو الخيط) الخيط من الحبال أو من القماش أيضًا يلبس، وكانوا في الجاهلية يلبسون هذه الأشياء الحلقة أو الخيط (أو نحوهم) كما قال المصنف مثل: (الودعة) كما سيأتي في الحديث في الباب و(التمائم) (والخرز) وقل أيضًا ما يلبس من مسامير أو أعواد أو نوع من الأحجار أو غير ذلك لهدف ماذا؟ قال: لرفع البلاء أو دفعه، كانوا يلبسون هذه الأشياء لرفع البلاء أو دفع البلاء، ومعنى (رفع البلاء) أي: إذا نزل بالإنسان، ودفعه أي: قبل أن ينزل بمنعه من النزول بالإنسان، فكانوا يتخذون هذه الأشياء يلبسونها إما طلبًا لرفع ما نزل فيهم من بلاء فقر، أو مرض، أو حاجة، أو فاقة أو مصيبة، أو نحو ذلك، أو لطلب دفع نزولها، بحيث يكون الإنسان معافى لا شيء فيه، ليس به مرض، ليس به مصيبة، ليس به علة، لكنه يلبس هذه الأشياء من باب المنع والدفع حتى تقيه وتحميه ويسلم بلبسه لها، من نزول البلاء به، فهي تلبس لغرضين: يلبسونها لغرضين: إما لرفع البلاء -أي: إذا نزل- أو لدفع البلاء قبل أن ينزل، كنوع وقاية أو حصانة أو مناعة، اعتقادا منهم في ذلك، وهذه الأشياء التي هي الحلقة أو الخيط (ونحوهم) كثير يقع فيه الناس؛ ولذلك الشيخ ذكر صنفين وأشار إلى الباقي وهو كثير بقوله: (ونحوهم) مثل الآن في زماننا هذا بعض الناس يضع في سيارته يدًا وترى راحة اليد بهذه الطريقة وفي داخلها يرسم عينا، وفي الغالب تكون متحركة تعلق في المرآة أو في مؤخرة السيارة وتتحرك يعتقد البعض أنها تقي العين، يضعون هذه اليد مرسومة فيها العين معتقدين أنها تمنع العين من أن تصيب السيارة، وبعضهم أيضًا يعلق في جوانب السيارة قطعا من القماش سوداء وفي الغالب تكون قديمة في جوانب السيارة الأمامية والخلفية ويعتقدون أنها أيضًا تقي العين، ويعلقون أشياء أخرى على الدواب أو على الأشخاص أو على الأطفال أو في المنازل، أو في المكاتب، فهذا كله داخل تحت قول المصنف -رحمه الله- (من الشرك) من الشرك (لبس الحلقة) سواءً لبسه الإنسان لنفسه أو لولده أو لأهل بيته أو على مركوبه دابته أو في مكتبه الباب واحد، وسواءً لبسها لتدفع أو لترفع الباب واحد، سواءً لبسها حال وقوع المصيبة أو المرض أو لبسها قبل أن يقع طلبًا لدفع هذه الأشياء، كل ذلك من الشرك.
وقوله -رحمه الله- عن هذه الأشياء: (إنها من الشرك) هل هي من الشرك الأكبر الناقل من الملة أو من الشرك الأصغر المنافي لكمال التوحيد الواجب؟ من أي نوعي الشرك؟ الجواب على ذلك كما بين أهل العلم أن لبسها على نوعين، إما أن يلبس هذه الأشياء معتقدًا أنها سبب، في رفع البلاء مثلًا، يكون إنسان أصيب في عضده بمرض، مثلما سيأتي معنا في حديث الترجمة من الواهنة مرض يصيب العضد، فيضع في يده قطعة مستديرة على عضده من النحاس أو نحوه معتقدًا أنها سبب في تسكين الألم وتخفيفه، فهو يلبسها على أنها سبب فهذا من الشرك الأصغر، لأنه اتخذ سببًا ما ليس بسبب، وفعل أمرًا هو ذريعة إلى الشرك الأكبر قد يسكن الألم ابتلاء من الله -عز وجل- وامتحانًا قد يسكن الألم فيحدث في قلبه تعلق واعتقاد في هذا النحاس ويصبح قلبه متعلقا به، حتى إن بعضهم يخاف أن يزيله؛ لأنه اعتقد أنه هو الذي شفاه أو هو الذي حصل بواسطته شفاؤه فلا يزيله.
فإذن إذا كان لبس هذه الأشياء معتقدًا أنها سبب للشفاء فهذا يعده أهل العلم من الشرك الأصغر الاعتقادي لماذا؟ لأنه اعتقد سببًا ما ليس بسبب، وفعل أمرًا هو ذريعة ووسيلة مفضية بصاحبها إلى الشرك الأكبر، فهي إلى هذا الحد من أنواع الشرك الأصغر، أما إن لبس هذه الأشياء وهذا النوع الثاني: إن لبس هذه الأشياء معتقدا فيها أنها دافعة أو أنها رافعة، معتقدا فيها أنها في نفسها دافعة، أو أنها في نفسها رافعة، دافعة للبلاء قبل أن يقع، أو رافعة له بعد أن يقع فهذا من الشرك الأكبر الناقل من الملة.
والمؤلف -رحمه الله- لما عقد هذه الترجمة كما هي عادته في أبواب هذا الكتاب يورد الشواهد والأدلة على ما ترجم له من كتاب الله وسنة نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- فأورد أول ما أورد في هذه الترجمة، قول الله -سبحانه وتعالى-: (﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾﴾ [الزمر: 35]) وقول الله -عز وجل- ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ أي: أخبروني أيها المشركون يا من تدعون غير الله وتلتجئون لغير الله وتطلبون الشفاء والعافية والمدد من غير الله ﴿أَرُونِي﴾ أي: أخبروني عن هذه التي تدعونها من دون الله ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ﴾ أي: أراد الله كونًا وقدرًا، وقضى عليّ بضر، ضر مثل مرض أو موت أو مصيبة أو نحوذلك ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ يعني: هل هذه المعبودات أيًا كانت هل في مقدورها أن تكشف ضرًا أراده الله، وقضاه وقدره، أخبروني عن ذلك، أو كذلك ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ صحة أو عافية أو غنى أو ولد أو مال أو غير ذلك ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ هل تستطيع هذه المعبودات أن تمنع خيرًا أراده الله لي أو تمنع ضرًا أراده الله لي، هل في مقدورها ذلك؟ وكان المشركون الذين خاطبهم النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمون أن النافع الضار المعطي المانع مَن؟ الله -سبحانه وتعالى- يعرفون ذلك وإذا سئلوا عن ذلك يقولون: الله، ولكنهم يتعلقون بهذه الأصنام ويدعونها ويلتجئون إليها ويستغيثون بها من باب الشفاعة، وطلب القرب من الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3] فهم لا يعبدون هذه الأشياء اعتقادًا منهم أنها تملك ضرًا أو تملك دفعا أو عطاءً أو منعًا أو نحو ذلك لا يعتقدون ذلك، يقولون: المعطي المانع الخافض الرافع هو الله -سبحانه وتعالى- فكان اعتقادهم هذا مبطلا لأعمالهم الشركية، كيف تتعلقون بغير الله دعاءً واستغاثة ورجاءً وطلبًا وهي لا تملك عطاءً ولا منعا ولا خفضا ولا رفعًا ولا قبضًا ولا بسطًا ولا حياةً ولا موتًا ولا نشورًا كيف تتعلقون بها وحالها كذلك؟!!!
﴿أَرُونِي﴾: أي أخبروين ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الجواب: لا، لا تملك شيئًا من ذلك، إذن ما دام أنها لا تملك شيئًا من ذلك إذن ما دام أنها لا تملك شيئا من ذلك لا تستحق أن تُدعى أو تُسأل أو يُستغاث بها أو يُطلب منها أو نحو ذلك.
﴿قُلْ﴾ أي: يا نبي الله ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ ومعنى ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ أي الله كافيني ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ﴿حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿عَلَيْه﴾ أي: الله -جل وعلا- ﴿يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: أهل الإيمان الصادق أهل الثقة بالله، الذين يفوضون أمورهم لله فلا يطلبون الشفاء إلا منه ولا يطلبون العافية إلا منه، ولا يطلبون الغنى إلا منه، ولا يطلبون العزة إلا منه، كل أمورهم يعلقونها بالله -جل وعلا- رجاءً وطمعًا ورغبةً، هم أبعد ما يكون من الوقوع في وسائل الباطل ووسائل الشر.
والمصنف -رحمه الله- استدل بهذه الآية الكريمة على بطلان هذه الأعمال أن يتعلق الإنسان بحجر، قطعة من الحجر يعلقها، أو قطعة من النحاس، أو حبلا أو حلقة أو نحو ذلك فإن كان يعتقد فيها أنها أسباب فهي ليست أسبابا وهي تفضي به إلى الشرك الأكبر، وإن كان يعتقد فيها أنها دافعة أو رافعة فهذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد كل المنافاة.
قال المصنف -رحمه الله-: (عن عمران بن حصين: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا في يده حلقة من صفر فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدً) رواه أحمد بسند لا بأس به).
ثم أورد -رحمه الله- هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده (عن عمران بن حصين) الصحابي الجليل -رضي الله عنه- يقول: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا في يده حلقة من صفر)) يعني: نوع من النحاس، والحلقة قطعة مستديرة، والعضد عضد الإنسان ((في عضده حلقة من صفر، قال: رأى رجلً)) من هو هذا الرجل؟ أبهم لم يذكر اسمه، لكن جاء في رواية أخرى للحديث عند الحاكم في مستدركه عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: (رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عضدي حلقة من صفر، فقال: ما هذه) إذن في هذه الرواية حصين أبهم نفسه، وفي الرواية الأخرى صرح باسم نفسه، ولم يبهم.
قال: ((رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا، في يده، أو في عضده حلقة من صفر)) الصفر: النحاس، نوع من المعادن، وكانت هذه الحلقة من هذا النوع، وأيضًا وسائل أخرى يتخذونها يضعونها في العضد أو موضع الألم لتسكن الألم، وتخفف الألم تخفف الوجع، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ما هذه؟)) يعني: ما هذه الحلقة التي في عضدك، قوله: ((ما هذه؟)) يحتمل أن السؤال هنا للاستفصال عن سبب لبسها ((ما هذه؟)) يعني: لماذا لبستها، استفصال عن سبب اللبس، ويحتمل أن الاستفهام هنا استفهام إنكاري، استفهام بمعنى الإنكار ((ما هذه؟)) أي: لماذا لبستها، ينهاه يستفهم منكرا عليه، وهو الأقرب والأظهر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما هذه؟)) منكرا عليه، قال: ((من الواهنة)) فإذا كان الاستفهام للاستعلام فقد أجابه بسبب لبسه لها، وإن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما هذه؟)) استنكارًا قد يكون ظن أنه يستعلم عن السبب فقال: ((من الواهنة)) والواهنة، مرض يصيب العضد، عضد الإنسان، فيؤلمه ويسبب له أوجاعًا وآلاما وأتعابا وقد يسري على اليد كلها من منكب الإنسان إلى يده، إذا أخذه هذا المرض، فكانوا في الجاهلية يضعون لهذا المرض إذا أصابهم هذه الحلقة من الصفر من النحاس من أجل تسكين الألم وتخفيف الوجع، قال: ((من الواهنة)) يعني أنا لبست هذه الحلقة من الواهنة، فماذا قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((قال: انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهن)) ((انزعه)) أي: ابعدها عن يدك، واخلعها عن يدك والنزع بشدة، يعني: بادر وسارع إلى إزالة هذه الحلقة من يدك، انزعها بدون توانٍ وبدون تأخر، بل بارد إلى ذلك وانزعها من يدك: ((فإنها لا تزيدك إلا وهن)) أي: ضعفًا.
وهنا نأخذ فائدة عظيمة في هذا الأمر الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بل نأخذه قاعدة في كل ما نهى الله عنه، ما نهى الله -جل وعلا- عنه في الغالب كل ما نهى الله -تبارك وتعالى- عنه في الغالب لا نفع فيه، في الغالب، لا نفع فيه، وإذا كان فيه شيء من المنفعة، فالمضار أكثر والأخطار أكثر والأضرار أكثر مثلما ذكر الله -عز وجل- في شأن الخمر، فالذي ينهى الله عنه، إما لا نفع فيه أصلًا بل كله مضرة أو يكون فيه بعض المنفعة لكن المضار والأخطار أكثر، وهذا يدلنا على كمال الشريعة على النواهي وكمالها كذلك في الأوامر، لا يأمر الله -سبحانه وتعالى- إلا بخير ولا ينهى -سبحانه وتعالى- إلا عن شر؛ ولهذا يقولون: إن أعرابيا سُئل: بما عرفت صدق الرسول -عليه الصلاة والسلام-؟ قال: ما وجدته أمر بشيء وقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا وجدته نهى عن شيء وقال العقل: ليته لم ينهَ عنه، فهذا من كمال هذه الشريعة، ورفعتها.
((انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنً)) أي: لا تزيدك إلا ضعفًا ومرضًا وعلةً ووجعًا، لا تستفيد منها، وهذا في هذا الذي تعلق هذا الشيء طالبًا من جهته الشفاء أو سكون الألم، يعامل بنقض قصده فلا يزيده هذا الذي تعلق به إلا وهنًا وضعفًا ومرضًا، قال: ((انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنً)) ثم قال: ((إنك لو مت ويه عليك ما أفلحت)) وهذا فيه أن الشرك يحول بين الإنسان وبين حصول الفلاح، أي: في الدنيا والآخرة.
قال المصنف -رحمه الله-: (وله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: (من تَعَلَقَ تميمةً فلا أتم الله له، ومن تَعَلَقَ وَدْعَةً، فلا وَدَعَ الله له) وفي رواية: (من تَعَلَقَ تميمةً فقد أشرك)).
قول المصنف -رحمه الله-: (وله) أي: للإمام أحمد في المسند، فهذا الحديث كسابقه خرجه الإمام أحمد -رحمه الله- في مسنده، (عن عقبة بن عامر) صحابي جليل -رضي الله عنه- (مرفوعً) أي: إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: ((من تَعَلَقَ تميمةً فلا أتم الله له، ومن تَعَلَقَ وَدْعَةً، فلا وَدَعَ الله له)) (تميمة) تجمع على تمائم وهي شيء يعلق، إما من الخرز أو غيره، وأطلقوا عليها هذا الاسم، يقال: إنهم أطلقوا عليها هذا الاسم تفائلا أو طلبًا للتمام من جهتها، (تميمة) أي: يحصل بها التمام، يحصل بها أو من جهتها التمام.
قال: (من تعلق تميمةً) (تَعَلَقَ تميمةً) على بدنه أو بدن ولده أو دابته أو غير ذلك، (فلا أتم الله له) هو تعلقها لأجل ماذا؟ لأجل التمام، تعلقها لأجل التمام، طلبًا للتمام والعافية والسلامة والصحة، والبعد عن الآفات، تعلقها لأجل التمام، ولهذا سموها "تميمة"، سموها تميمة طلبًا للتمام من جهتها.
قال: (فلا أتم الله له) يعامل بنقيض قصده، طلبًا من جهتها التمام والنتيجة هي نقيض هذا وهو النقص والضعف والوهن فهي لا يحصل من جهتها التمام بل الذي يحصل من جهتها أنها لا تزيده إلا وهنا ونقصًا وضعفا.
قال: (من تَعَلَقَ تميمةً فلا أتم الله له) والتميمة كانوا يعلقونها من الخرز وغيره للتمام، في التمام في الصحة، التمام في المال، التمام في القوة، ولهذا بعضهم كان يعلق أكثر من تميمة، من أجل إيش؟ التمام في أكثر من أمر، ويعتقدون أن هذه التميمة مختصة مثلًا بالصحة، وهذه التميمة مختصة بالغنى، وهذه التميمة مختصة بالقوة، وهذه مختصة بالمال، وهكذا... ولهذا أحيانًا يعلقون على الدواب أو على الأطفال أو أكثر من تميمة، لا يكتفون بواحدة، يعلقون أكثر من تميمة لأنه بفهمهم كل واحدة من هذه التمائم لها اختصاص، يقولون: هذه من أجل صحته، وهذه من أجل قوته، وهذه من أجل وقايته من العين، وهذه من أجل كذا، يعلقون فيه أكثر من تميمة لأكثر من غرض، طلبًا للتمام.
قال: (من تَعَلَقَ تميمةً فلا أتم الله له، ومن تَعَلَقَ وَدْعَةً) والودع هو الصدف، يستخرج من البحر، وكانوا أيضًا يعلقونه لهذه الأغراض، من أجل السكون والراحة وهدوء البال والطمأنينة لأجل هذا غرض وأيضًا سميت عندهم بهذا الاسم طلبًا للدعة الراحة، والسكون، ولهذا كما يعامل الأول من يعلق التميمة بنقيض قصده، فهذا كذلك أيضًا يعامل بنقيض قصده، قال: (فلا وَدَعَ الله له) أي: لا جعله الله أو لا تركه الله في دعة وسكون وراحة، إذن تعليق التميمة لا يكون به إلا النقص، وتعليق الودعة لا يكون به إلا التعب والنصب والألم وعدم الراحة، في التميمة طَلبَ من جهتها التمام (فلا أتم الله لهم) وفي الودعة طلب من جهتها الدعة والسكون والراحة، (فلا ودع الله لهم).
هذا الحديث الأول: قال: (وفي رواية -أي للحديث- عقبة بن عامر نفسه -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من تَعَلَقَ تميمةً فقد أشرك)) وفي مصدر الحديث -للحديث قصة- أن عشرة نفر جاءوا لمبايعة النبي -عليه الصلاة والسلام- فبايع تسعة منهم وامتنع من مبايعته واحد، فقالوا: بايعك هؤلاء التسعة ولم تبايع هذا الواحد، قال: في يده تمية، أو تعلق تميمة، فامتنع -عليه الصلاة والسلام- من المبايعة فلما نزعها بايعه -عليه الصلاة والسلام- وقال: (من تَعَلَقَ تميمةً فقد أشرك).
من تَعَلَقَ تميمةً أو ودعة أو خرز أو أيًا كان فقد أشرك إن كان اتخذها سببًا وظن أنها سبب للشفاء، شهادة من الشرك الأصغر، وإن اعتقد أنها في ذاتها دافعة أو رافعة أو جالبة أو معطية أو مانعة أو غير ذلك، فهذا من الشرك الأكبر الناقل من ملة الإسلام.
قال المصنف -رحمه الله-: (ولابن أبي حاتم عن حذيفة: أنه رأى رجلًا في يده خيطا من الحمى فقطعه وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾﴾).
ثم أورد المصنف -رحمه الله- في تمام هذا الباب هذا الأثر: عن حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل -رضي الله عنه- قال: (ولابن أبي حاتم) ابن أبي حاتم، أي في تفسيره، وهذا الأثر أورده ابن أبي حاتم في تفسيره لهذه الآية من سورة يوسف: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾﴾ [يوسف: 106] وحذيفة -رضي الله عنه- رأى في يد رجل (خيط من الحمى) ما معنى (خيط من الحمى)؟ أي من أجلها، من أجل الحمى، الحمى هي: السخونة ارتفاع درجة الحرارة، وارتفاع درجة الحرارة يكون له أكثر من سبب كما هو معروف، كما جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، الحمى لها أكثر من سبب يعني إصابة الإنسان في بطنه، أو في رأسه أو في قدمه، أو في... يتداعى لها البدن بالسهر والأرق وأيضًا بالحمى ترتفع الحرارة والسخونة في الجسد.
فحذيفة -رضي الله عنه- رأى رجلًا في يده (خيط من الحمى) أي بسبب الحمى التي أصابته، لماذا لبس هذا الرجل الخيط؟ ولماذا كانوا يلبسون الخيط من الحمى؟ لماذا؟ يظنون أن الخيط سبب لرفع الحكمى يعني تخفيف الحرارة، والخيط ليس سبب لرفع الحمى لا عقلًا ولا شرعًا، ليس هو شيء يتناول ويكون له فائدة في البدن كنوع من الأعشاء التي يحصل بتناولها بإذن الله -عز وجل- الشفاء، ليس هو سبب لا شرعي ولا عقلي، فرأى في يده خيط من الحمى، فأمره بنزعها أو نزعها حذيفة -رضي الله عنه- وتلى الآية الكريمة ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾﴾ لاحظ معي هذه الآية في أي شرك؟ الأكبر، لكن حذيفة استدل بها على الشرك الأصغر، الرجل في يده خيط اتخذه سببًا للشفاء من الحمى وأنه سبب واعتقد أنه سبب وهذا شرك أصغر، وحذيفة استدل بالآية التي في الشرك الأكبر، وهذه الطريقة موجودة وسيأتي معنا أكثر من أثر عن الصحابة سيأتي عن ابن عباس لاحقا يستدلون بآيات هي في الشرك الأكبر، على الشرك الأصغر لعموم الآية في دلالتها، وهذا من كمال فقه الصحابة -رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم-.
وقوله -جل وعلا- ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾﴾ لاحظ معي وتنبه لهذه الفائدة العظيمة التي تدل عليها هذه الآية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾﴾ لاحظ إيمان وماذا؟ وشرك، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾﴾ فما معنى قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ﴾ أي: بالله ربًا خالقًا رازقًا، منعمًا، متصرفًا ﴿إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ أي معه غيره في العبادة في الدعاء في الطلب في السؤال فقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ﴾ أي في روبيته وهذا الذي عليه حال المشركين كانوا يؤمنون بالله أنه الخالق الرازق، الرب، المنعم، المعطي، المانع، وفي القرآن آيات كثيرة تدل على هذا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم﴾ [العنكبوت: 61] أكثر من آية في هذا المعنى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ﴾ [الزخرف: 87] ﴿مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [العنكبوت: 61] ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ كل ذلك ﴿يَقُولُونَ اللهُ﴾ فهم يعتقدون أنه هو الرب، الخالق، الرازق، المنعم، والله سماه إيمان، قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ﴾ أي في ربوبيته ﴿إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ أي به في ألوهيته، في العبادة، وهذا حال، هذا معنى الآية وهذا أيضًا حال المشركين يؤمنون بالربوبية ويشركون في العبادة، ولهذا في آية أخرى قال تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] تعلمون ماذا؟ تعلمون أنه لا خالق لكم إلا الله، توحيد الربوبية، تعلمون أنه لا رب لكم إلا الله تعلمون أن هذه الأصنام لا تعطي ولا تمنع ولا تملك، ولا.... تعلمون ذلك ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادً﴾ يعني: لا تجعلوا لله شركاء في العبادة ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون أنه لا خالق لكم غير الله.
وهم المشركون كانوا فيما يتعلق بأصنامهم يعتقدون أنها مملوكة لله وأنها مخلوقة لله، وأن الله المتصرف في هذا الكون المدبر له، وأنها لا تملك شيئًا من ذلك؛ بل يعتقدون أنها مملوكة، ولهذا في تلبيتهم، يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، هو ما يملك وأنت تملكه، فكانوا يعتقدون في أصنامهم أنها لا تملك ولا تعطي ولا تمنع، لكن يصرفون لها أنواعا من العبادة من أجل أن تكون وسائط وشفاء ومقربة لهم إلى الله -سبحانه وتعالى-.
على كل حال حذيفة -رضي الله عنه- استدل بهذه الآية على الشرك الأصغر لشمول الآية في عمومها لذلك، وهو استدلال في محله، وسيأتي معنا آثار أخرى على هذا النسق عن غير واحد من الصحابة بإذن الله تعالى.
الأخ الكريم يقول: يا شيخ ذكريم قاعدة في مناهي الله أرجو أن تعيدها وتوضحها أكثر؟
مر معنا في الحديث حديث عمران بن حصين، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهن) ومر معنا في الحديث الذي بعده حديث عقبة قال: (لا أتم الله لك) ثم قال في الأمر الآخر: (لا ودع الله له) فهذا كله وأيضًا أحاديث أخرى نأخذ منه قاعدة مفيدة فيما نهى الله عنه، في كل ما نهى الله عنه أنه في الغالب لا نفع فيه، كل ما نهى الله عنه في الغالب لا نفع فيه، وبعضه إن كان فيه شيء من النفع، فالمضار والمساوء والأخطار أكثر، فإذن كل شيء نهى الله عنه إما لا نفع فيه أصلًا ولا فائدة بل فيه مضرة، أو يكون فيه بعض النفع ولكن المضرة أكبر، فهذه قاعدة دلت عليها وعُلمت بتأمل كل ما نهى الله -تبارك وتعالى- عنه، فهو إما ضار لا نفع فيه أصلًا، أو فيه بعض المنفعة لكن الأضرار أكثر وأخطر.
الأخ الكريم يقول: بمناسبة هذا الباب كان في بعض البلدان الإسلامية أناس يكتبون آيات قرآنية على أوراق ويعلقونها على أولادهم ورقابهم وعلى دوابهم ويعتقدون أن هذا جائز ولا يدخل فيه التميمة فما ردك على هذا الشيء؟ وأزيد في سؤاله وأقول: وبعضهم أيضًا يكتبون الأحرف المقطعة غير مفهومة المعنى، ما هذه الآيات ويعلقونها على الأولاد وعلى الحوامل أحيانًا؟
تعليق التميمة إذا كانت من القرآن، يعني كتب آيات قرآنية بدون أن يدخل معها شيء آخر مثلما في السؤال الثاني؛ لأن تعليق التميمة من القرآن موجود في الناس على طريقتين:
الطريقة الأولى: أنه قرآن فقط، آيات قرآنية إما سورة الفاتحة أو آية الكرسي أو المعوذتين أو سورة الإخلاص دون أن يخلطون معها شيئًا آخر، فهذه يقولون عنها: تميمة من القرآن، هذه لها بحث سأذكره.
النوع الآخر: يعلقون تميمة من القرآن لكن يمزجون معها أشياء على سبيل الاستهانة بالقرآن ممن كتب هذه الأشياء والاستخفاف بقدره، فيضعون مثلًا آيات من القرآن وحروف مقطعة تدل على رموز معينة أو طلاسم معينة عند الكهنة وعند المشعوذين وأحيانًا يضعون آيات من القرآن ويضعون معها أسماء شياطين من أجل نبذ القرآن والاستخفاف به واتباع الشياطين.
فهذه التي هي النوع الثاني الذي هو القرآن ويضعون معه أشياء فهذه محرمة وباطلة ولا تجوز بأي حال من الأحوال.
النوع الأول: التميمة التي من القرآن فقط آيات لا يمزجون معها أمور أخرى، آيات قرآنية إما الفاتحة أو المعوذتين أو آية الكرسي دون خلط؛ لأني أأكد على قضية الخلط هذه تكثر عند المشعوذين حتى بعضهم -والعياذ بالله- يضع آيات قرآنية وبعض القاذورات مع القرآن ويعلقها من أجل طلب رضا الشياطين بامتهان القرآن والاستخفاف به، فهذا الفعل باطل محرم لا يجوز في أي حال من الأحوال.
النوع الأول التي هي من القرآن فقط، آيات قرآنية إما الفاتحة أو كذا، فهذه اختلف أهل العلم فيها على قولين: بعضهم أجاز وبعضهم منع، والصحيح المنع، وسيأتي معنا بيان ذلك في باب مستقل، الصحيح المنع حتى وإن كانت من القرآن لأسباب كثيرة ذكرها أهل العلم منها عموم الأدلة في النهي عن التمائم وبعدا عن امتهان القرآن؛ ولأن ذلك لم يرد في السنة ما يدل عليه إلى غير ذلك مما ذكر أهل العلم وسيأتي معنا بإذن الله تعالى.
الأخ الكريم من السعودية يقول: عندي سؤالين: السؤال الأول: وضع المصحف أمام السيارة في الأمام ما أدري ما حكمه؟
السؤال الثاني: تعليق بعض الآيات القرآنية في الجدار في المنزل؟
الأخ الكريم سلمه الله عنده سؤالان الأول يقول: وضع المصحف في السيارة؟ إن كان وضع المصحف في السيارة كنوع تميمة للحماية أو للوقاية أو نحو ذلك، فهذا لا يجوز لأنه لم يأتي ما يدل على أن القرآن يوضع لذلك، القرآن أنزل ليقرأ ليتلى ليتدبر لتتلى آياته ليعمل بدلالاته ما أنزل لهذا الغرض، وإن كان يضعه في سيارته حتى يكون قريب منه، إذا وقف يقرأ وإذا تيسر له أنه يراجع بعض الآيات لكنه يضعه في سيارته قريب منه لهذا الغرض فهذا لا بأس به، لكن لا يضعه في المقدمة معرضا للشمس والتلف؛ بل يضعه في مكان يكون فيه محافظة للقرآن، إذا كان يضعه في السيارة لهذا الغرض فهذا لا بأس به، أما إذا كان يضعه للحماية أو للوقاية فهذا لا دليل عليه.
الآيات التي تعلق في المنزل: إن كانت أيضًا تعلق من أجل الحماية أو نحو ذلك فهذا أيضًا لا دليل عليه، وإن كان يعلق آيات حتى يحفظها ثم آيات أخرى حتى يحفظها أو نحو ذلك من الأغراض الصحيحة المشروعة، فهذا لا بأس به -إن شاء الله-.
لدينا سؤال وردنا من الأخت الكريمة من مكة تقول: يوجد في حلي بعض النساء خرزة زرقاء بقصد الزينة فهل تدخل هذه في التميمة؟
الخرز الذي يكون في الحلي من الماس أو من اللؤلؤ أو نحو ذلك هذا ليس من التمائم وإنما هذا نوع من الزينة، والعبرة بالمقاصد، أما إذا كان هذا الخرز لبس طلبًا للشفاء أو طلبًا للدفع فهو يحرم حتى الذهب نفسه والفضة إذا لبستها المرأة بقصد دفع العين أوبقصد تسكين الألم أو نحو ذلك فهذا اللبس محرم.
الأخت الكريمة من جدة تقول: الحديث: (من تعلق تميمة فقد أشرك) ما الدليل يا شيخ أن الشرك هذا شرك أكبر مع أن اللفظ عام؟
شرك أكبر أم أصغر قالت؟
لا، تقول: لماذا أنه شرك أكبر مع أن اللفظ عام، يعني لماذا لا يكون شركا أصغر؟
هذا الذي قلناه، الذي قلناه هو: إن التميمة هي من الشرك الأصغر إذا كانت سببا، إذا كانت لبست ظنا أو اعتقادا ممن لبسها أنها سبب في الشفاء، أما إذا اعتقد فيها أنها في نفسها دافعة أو رافعة أو جالبة أو نحو ذلك فهذا من الشرك الأكبر.
تقول الأخت الكريمة كذلك في سؤالها الثاني: امتنع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مبايعة الذي علق التميمة ولم يبايعه إلا بعد أن نزعها، فكيف نتعامل مع أقربائنا الذين يفعلون هذا الفعل؟
التعامل مع الأقرباء الذين يفعلون هذا الفعل يكون بالمناصحة وبالتوجيه وبالبيان، وإذا كان الإنسان له سلطة مثل الوالد على أولاده أو نحو ذلك، يباشر بيده، وإذا لم يكن له سلطة فإنه يناصح ويبين ويوجه ويرشد ويعلم، ويقيم الحجة، ويذكر الأدلة، ويقرأ عليهم أمثال هذه الآيات وأمثال هذه الأحاديث وكلام أهل العلم، وكثير من الناس ولله الحمد حصل لهم قناعة وحصل لهم تراجع وترك لهذا الخطأ مجرد أن سمعوا هذه الأحاديث، وبمناسبة أخذنا لهذا الباب قد يكون بعض من يستمع إلينا الآن ويتابع هذا الدرس قد يكون مبتلى بشيء من ذلك فأسأل الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يسلم الجميع من مخالفة شرع الله والوقوع في الأمور الشركية، سواءً في الأسباب أو الوسائل أو الاعتقاد أو غير ذلك والحق أحق أن يتبع، إذا عرف الإنسان الدليل وعرف الحق عليه أن يستمسك به ولا يبالغ، يعني: بعض الناس قد يستبين له الدليل ويبقى في نفسه مترددا أو مثلًا يبقى في نفسه خائفا، أبدًا إذا كان من يتابع معلقا لشيء من هذا يلقيها الآن ويقبل على الله -سبحانه وتعالى- مؤملا فيه راجيا منه ولا يبالي بشيء من المخاوف التي يلقيها الشيطان في قلبه والعياذ بالله.
الأخت الكريمة تسأل تقول: هناك حلقات أساور من نحاس تباع في الصيدليات لتخفيف مرض الروماتيزم، هل هذا فيه محذور شرعي؟ أو فيه اعتقاد معين؟
الذي يظهر أن الباب واحد، تعليق النحاس أو تعليق الحديد من الواهنة، أو من... الباب في هذه واحد.
أحسن الله لكم فضيلة الشيخ، في الواقع الإخوة الدارسين والدارسات نشكرهم شكرا جزيلا على تفاعلهم، ليس لدينا وقت في الواقع حتى نستعرض الأجوبة والأسئلة، والأسئلة كثيرة وردتنا خاصة في هذا الدرس المبارك، الأسئلة كثيرة جدًا، لذلك نعدهم بإذن الله تعالى أنه سيجيب عليها الشيخ بإذن الله تعالى بعد الدرس الذي في المساء -إن شاء الله- بعد صلاة العشاء بتوقيت مكة المكرمة؛ لذلك أحببت أن أنبه على نقطة بسيطة: هناك طريقان للأسئلة: صفحة للأسئلة التي في أثناء الدرس والصفحة التي هي عبارة عن إجابات للدارسين، لذلك بعض الأحيان نجد أن هنا سؤالا وهنا سؤالا، نفس السؤال ونفس الإجابة، حتى نستطيع تمييز أسئلتكم وإجاباتكم نتمنى الأسئلة التي تكون إجابة للدرس في صفحة الإجابة، والأسئلة المتعلقة بهذا الدرس تكون في الصفحة المخصصة لهذا الدرس، إذن مشاهدينا بإذن الله تعالى بعد صلاة العشاء بتوقيت مكة المكرمة نستعرض الأجوبة على الدرس الماضي بالإضافة إلى الأسئلة التي كانت لهذا الدرس المبارك نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجزيكم خير الجزاء.
شيخنا الكريم بقي أن تطرح سؤالي هذا الدرس المبارك
أكتفي بسؤال واحد في هذا الدرس لعل الإخوة ينبهون على أشياء من قبيل ما ذكره المصنف قال: (ونحوهم) يقع فيها الناس وهي من هذا القبيل من الأشياء التي تلبس أو تعلق أو يتخذها الناس والعدد مفتوح للإخوة يذكرون ما يحضرهم من أمثلة حتى يكون هذا بابا للتذكير بها، والتحذير منها والبعد عنها بإذن الله -تبارك وتعالى-؟
أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، ونفع الله بكم، وأثابكم الله
شكر الله لكم والإخوة الحاضرين معنا هنا وجميع المتابعين لهذا الدرس وأسأل الله -جل وعلا- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن ينفعنا بما علمنا، وأن يجعل ما علمناه حجة لنا لا علينا، إنه سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
nary_jon
06-05-2008, 02:54 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس العاشر
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
الدرس العاشر
شرح كتاب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آصحابه أجمعين، أما بعد،
فدرس هذا اليوم فيما يتعلق بالرقى والتمائم، والدرس الماضي كان يتعلق بالتعاليق التي تعلق من الخيط أو الصدف أو الودع أو غيرها من الأشياء التي تعلق لاتقاء العين أو نحو ذلك، والشيخ -رحمه الله تعالى- في الباب السابق بين أن تلك التعاليق أمور شركية وأورد من الدلائل من كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- ما فيه الشاهد والدلالة للترجمة، ونستمع الآن إلى الباب الجديد ومن ثم أعلق -بإذن الله عز وجل- بما ييسره الله سبحانه وتعالى.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- :(باب ما جاء في الرقى والتمائم في الصحيح (عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في بعض أسفاره فأرسل رسولا ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت))
قال المصنف الإمام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في كتابه التوحيد باب ما جاء في الرقى والتمائم، "ما جاء" أي: في الكتاب والسنة في الرقى والتمائم فالترجمة معقودة ببيان ما جاء في الرقى والتمائم، الترجمة السابقة قال: "باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لدفع البلاء أو رفعه" وهنا قال: "ما جاء في الرقى والتمائم" لم يقل كما في الباب السابق: "من الشرك" كذا، وإنما قال: باب ما جاء في الرقى والتمائم لماذا؟
لأن ما ذكر في الباب الأول هو من الشرك بدون تفصيل تعليق الخيط وتعليق الصدف ونحو ذلك، هذا من الشرك بدون تفصيل، أما الرقى والتمائم فهذه فيها تفصيل، في الرقى تفصيل، والتمائم فيها تفصيل؛ ولأجل هذا قال -رحمه الله تعالى-: "باب ما جاء في الرقى والتمائم" الرقى فيها تفصيل، حكم الرقية فيه تفصيل، إن كانت الرقية شركية فهي محرمة وممنوعة ولا تجوز، وإن كانت بالقرآن والدعوات المأثورة وسؤال الله -سبحانه وتعالى- والالتجاء إليه فلا بأس بها كما قال -عليه الصلاة والسلام-: ( اعرضوا على رقاكم لا بأس بالرقية ما لم تكن شرك) إذن فيها تفصيل الرقية، ما يقال: كل رقية حرام، ولا يقال: كل رقية جائزة؛ بل فيها تفصيل إن كانت الرقية شرعية وصحيحة فهي جائزة ومباحة، وإن كانت شركية فهي محرمة "لا بأس بالرقية ما لم تكن شركا" هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-.
والتمائم إن كانت من القرآن الكريم ففي تعليقها خلاف بين أهل العلم، وإن كانت من غير القرآن فلا تجوز بلا خلاف، التميمة إذا لم تكن من القرآن فهي لا تجوز بلا خلاف، أما إذا كانت من القرآن فيوجد خلاف بين أهل العلم في تعليقها، ورخص كما سيأتي عند المصنف في ذلك بعض السلف.
والصحيح أنها لا تعلق حتى وإن كانت من القرآن لأمور عديدة ذكرها أهل العلم منها: عموم الأدلة في المنع من التمائم، ومنها أيضا تجنيبا للقرآن من أن يمتهن، ومنها كذلك سدا للذريعة فقد يعلق القرآن ثم يلبس على الناس ويوضع مع القرآن أشياء كثيرة مما ألمحت إليه وأشرت إليه في اللقاء السابق، ومنها أيضا أن الذي ورد هو الرقيى بالقرآن دون تعليقها الرقية بالقرآن بأن يقرأ وينفث على من به مرض.
إذن المصنف -رحمه الله تعالى- قال: "باب ما جاء في الرقى والتمائم" جعل الترجمة بهذه الطريقة لأن في كل منهما تفصيل، في الرقى تفصيل، وفي التمائم تفصيل، ثم أورد حديث أبي بشير الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- قال: (كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره) "في بعض أسفاره" لم يعين أو لم يحدد هذا السفر متى كان، وإلى أين كان، لم يحدد، والحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في شرحه لهذا الحديث يقول تتبعت فلم أجد ما يدل على تعيين هذا السفر فأرسل رسولا أي: النبي -عليه الصلاة والسلام- أرسل رسولا، والرسول هو من يبعث في مهمة أو في نقل كلام أو نحو ذلك يقال له: رسول، فأرسل رسولا -أي: بعث رجلا في مهمة يأتي ذكرها في الحديث- والرسول الذي بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء في بعض الروايات روايات الحديث أنه زيد بن حارثة -رضي الله تعالى عنه- بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- في ماذا؟ ما هي المهمة التي بعثه فيها -عليه الصلاة والسلام-؟ قال: أرسل رسولا ألا يبقين -بفتح الياء والباء- ألا يبقين في عنق بعير قلادة أو قلادة من وتر شك الراوي، الراوي للحديث شك هل قال قلادة أو قال قلادة من وتر.
وجاء أيضا في بعض الروايات كما في سنن أبي داود: "ألا يبقى قلادة ولا قلادة من وتر" قوله: "لا يبقين" فاعله قلادة، لا يبقين قلادة، ويحتمل أن يكون بضم الياء "لا يُبقين" أي هذا الرسول قلادة قال: (أرسل رسولا لا يبقين قلادة أو لا يبقين قلادة من وتر) الوتر معروف وهو الخيط، وكانوا يعلقونه على الإبل وعلى النوق؛ لأن قوله "في عنق بعير" البعير يطلق على الذكر والأنثى فكانوا يعلقونه على الأباعر، يعلقون عليها هذه القلادة سواء كانت من وتر أو من غيره والوتر، معروف كان يوضع أيضا في آلات اللهو، كان يوضع فإذا أصبح باليا انتهوا من اللهو به صاروا يجعلونه في أعناق الأباعر يقيها من الأذى، فمرة يتخذونه للهو، ومرة يتخذونه ليقي أباعرهم من العين، من ضلال في ضلال.
فقال: (لا يبقين في عنق بعير) أرسله بهذه المهمة ليقطع هذا الذي يتعلق به أهل الجاهلية ويعتقدون فيه أنه يقي الأباعر من العين أو الأذى أو نحو ذلك، والترجمة في التمائم والرقى فما هو الشاهد من الحديث للترجمة؟ الشاهد هو أن الحكم في التميمة والخيط من الوتر أو غيره الحكم واحد، وهذا الخيط يضعونه تميمة ويقي الدابة التي يوضع عليها يقيها من العين بزعمهم، فالحكم في هذا وذا واحد إلا كما سبق إن كانت التميمة من القرآن فهذا فيه تفصيل والأصل المنع من ذلك.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: ((وعن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك) رواه أحمد وأبو داود )
ثم أورد هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) ذكر ثلاثة أشياء وصفها كلها بأنها شرك.
أولها الرقى و"أل" هنا للعهد، والرقى المعهودة عند أهل الجاهلية؛ ولهذا ضمها مع التمائم والتولة؛ لأن هذه كلها أشياء كانت عند الجاهلية. وقوله: "الرقى" هل المراد بقوله: "الرقى" كل رقية أو الرقى المعهودة عند أهل الجاهلية ماذا تقولون؟ المعهودة عند الجاهلية لأنها هي الرقى الشركية التي هي عندهم هي الرقية الشركية فقوله الرقى "ال" للعهد أي: تلك الرقى المعهودة عند أهل الجاهلية التي فيها سؤال غير الله والالتجاء لغير الله والاعتماد على غير الله إلى آخره فهذه التي تعنى في الحديث بقوله شرك، أما الرقى بالقرآن والرقى بالدعوات المأثورة فهذه لا بأس بها وليست داخلة في الحديث، فإذن قوله: "الرقى" أي: الرقى المعهودة المعروفة عند أهل الجاهلية فهذه شرك وهي ضمت إلى أعمال الجاهلية.
قال: "إن الرقى والتمائم" جمع تميمة وهي أشياء تعلق إما على الأشخاص أو على الدواب أو في الأماكن أو في البيوت لاتقاء العين أو نحوه فهذه أيضا شرك فكانوا يعلقون خرزا وصدفا وأشياء من هذا القبيل ويعتقدون فيها أنها تقي من العين أو تكون جالبة للبركة أو نحو ذلك، فهذه أيضا شرك.
التمائم سموها بهذا الاسم -كما أشرت في لقائنا السابق- طلبا للتمام من جهتها، ومن تعلق تميمة يطلب من جهتها التمام فلا أتم الله له كما مرمعنا في الحديث في الدرس الماضي.
والتولة يأتي شرحها عند المصنف -رحمه الله تعالى- أنه أشياء أيضا يعلقونها يزعمون أنها تحبب الرجل إلى زوجته وتحبب الزوجة إلى زوجها، يعلق لهذا الغرض فهذا أيضا من الشرك، وهذا من أعمال الجاهلية، أما الذي يحبب الزوجين كل منهما إلى الآخر هو المعاملة الطيبة، والمعاشرة الحسنة، وتقوى الله -جل وعلا- وإقامة دينه، والتحلي بآداب الإسلام، هذه التي يحصل بها المحبة والوئام لا بتلك الجاهليات ولا بتلك التعاليق ولا بنحو ذلك مما يستعملونه لهذ الغرض.
قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) والحديث في بعض مصادره له قصة وهي لا تثبت أن زينت زوجة ابن مسعود قالت: كان في عنقي خيط ورآه ابن مسعود فقطعه وقال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) والقصة لها بقية فهي غير ثابتة والحديث ثابت بدون تلك القصة؛ بل في متنها نكارة لأن فيها أنها كانت تختلف إلى رجل يهودي يقرأ لها بذلك الخيط وهذا كله لا يثبت لا من حيث السند ولا أيضا من حيث سلامة المتن، المتن فيه نكارة.
قال: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك).
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (وعن عبد الله بن عكيمن مرفوعا: (من تعلق شيئًا وُكل إليه) رواه أحمد والترمذي )
ثم أورد هذا الحديث وهو عام في التميمة وغيرها "من تعلق شيئا" وأيضا "تعلق شيئا" عام فيما يكون التعلق من قبيل الأفعال أو من قبيل ارتباط القلب فـ"من تعلق" أي: بقلبه بشيء وُكل إليه، وأيضا "من تعلق شيئا" يعني: علقه على نفسه أو على بدنه أوعلى دابته وُكل إليه (من تعلق شيئا وُكل إليه) ومن وُكل إلى هذه الأشياء وهذه التعاليق وهذه الأمور التي تتخذ لا يوكل إلا إلى ضياع، أما من تعلق بالله ووثق به وتوكل عليه كفاه الله ﴿ أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾[الزمر: 36] وأيضا قال -عز وجل-: ﴿ وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾[الطلاق: 3] ومر معنا في اللقاء السابق: ﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴿38﴾﴾[الزمر: 38].
فالذي يتوكل على الله ويعلق قلبه بالله ويطلب عافيته وصحته وغناه من الله ييسر الله -تبارك وتعالى- له أمره ويكون حسبه وكافيه ومعينه ومؤيده والأمر لله -تبارك وتعالى- من قبل ومن بعد.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه منهم ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-).
ثم وضح الشيخ -رحمه الله تعالى- هنا التمائم، وهذا التوضيح هو الذي يبين لنا سبب قول الشيخ: "باب ما جاء في الرقى والتمائم" فيقول الشيخ: التمائم شيء يعلق لكن إذا كان من القرآن فرخص فيه بعض السلف ومنعه بعضهم، وذكر أن من المانعين ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه- والصحيح هو المنع لأمورعديدة ذكرها أهل العلم -وقد أشرت إليها- منها: عموم الأدلة في النهي عن تعليق التمائم، ومنها سدا للذريعة المفضية للشرك، ومنها عدم امتهان كتاب الله -سبحانه وتعالى- ومنها أن الذي جاء في النصوص هو الرقية بالقرآن لا تعليقه.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (والرقى هي التي تسمى العزائم وخص منه الدليل ما خلا من الشرك فقد رخص فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العين والحمى)
وأخذ أيضا يعرف الرقية، الرقية هي التعاويذ بأن يقرأ على المريض أو المصاب وينفث عليه هذه الرقية يقول الشيخ: "خص الدليل منه ما خلا من الشرك" لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقية ما لم تكن شرك) فإذا كان خلا من الشرك فلا بأس به كأن يقرأ القرآن أو الدعوات المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو أن يدعو المريض ربه: "اللهم إني أسألك أن تمن علي بالشفاء والعافية والصحة" ونحو ذلك من الألفاظ الصحيحة المستقيمة، كل هذا لا بأس به لكن إذا كان فيه شرك أو فيه طلاسم وخزعبلات وأمور محدثة باطلة مخالفة للشريعة فهذا كله باطل ولا يجوز، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اعرضوا علي رقاكم) هذا يدلنا على أهمية التأكد من الرقية وأنها منضبطة وصحيحة.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (والتولة شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته )
وهذا أيضا ربما يكون نوعا من السحر أو التعامل مع المشعوذين فيعطونهم أشياء يعلقونها بما يسمى سحر العطف؛ لأن السحر فيما يتعلق بين الزوجين سحر عطف وسحر صرف، يعني: صرف أحد الزوجين عن الآخر أو عطف أحد الزوجين للآخر، فهذا الذي للعطف ربما أنهم يسمونه: "تولة" فيعلقونه ليجلب عاطفة أو محبة بين الزوجين فهذا باطل وهو من الشرك بالله سبحانه وتعالى.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وروى الإمام أحمد عن رويفع -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه)).
ثم أورد هذا الحديث حديث رويفع -رضي الله تعالى عنه- وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لعل الحياة ستطول بك) ثم أمره أن يخبر الناس، وهذا كله من تمام نصح النبي -صلى الله عليه وسلم- الكريم -عليه الصلاة والسلام- وحرصه على أمته بتحذيرهم من الأمور الباطلة والأعمال السيئة وأفعال الجاهلية فقال: "أخبر الناس" أي: أبلغهم بأنه -عليه الصلاة والسلام- بريء ممن يفعل هذه الأفعال مثل عقد اللحية وهذا شيء كان يفعله أهل الجاهلية، والعقد معروف فكانوا يعقدون اللحية، وربما يكون لهم في هذا العقد أغراض أو نحو ذلك فهو من أعمال الجاهلية أن من عقد لحيته أو تعلق قلادة من وتر وكانوا يتقلدونها في أشخاصهم ويقلدونها دوابهم كما مر في الحديث السابق، والغرض من ذلك اتقاء العين أو جلب البركة أو نحو ذلك من المقاصد.
(أو استنجى بعظم أو رجيع دابته) وجاء في بعض الأحاديث: (إن هذه زاد إخوانكم من الجن) ونهى عن الاستنجاء بها، أي: إزالة الآثار التي تكون عقب قضاء الإنسان لحاجته.
قال: (أخبرهم أن محمدا -صلى الله عليه وسلم- منهم بريء) وهذا يدل على شناعة هذه الأعمال وأنها من أعمال الجاهلية وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بريء ممن يفعل ذلك.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وعن سعيد بن جيبر قال: «من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة» رواه وكيع وله عن إبراهيم كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن).
ختم المصنف -رحمه الله تعالى- هذا الباب بأثرين: الأثر الأول عن سعيد بن جبير، والأثر الثاني عن إبراهيم النخعي.
سعيد بن جبير يقول: "من قطع تميمة فكأنما أعتق رقبة" وهذا من كمال فهمه -رحمه الله تعالى- فمن قطع تميمة أي: خلص إنسانا من هذا الأمر الشرك فلو عقدت مقارنة أيهم أفضل تخليص الإنسان من الرق أو تخليصه من الشرك؟
تخليصه من الشرك
تخليص الإنسان من الشرك أفضل من تخليص إنسان من الرق، فهذا يدل على فقه السلف وإدراكهم لخطورة الشرك وشدة ضرره، فالشرك عاقبته وخيمة وأضراره ونتائجه، لكن لو سألت إنسانا عاديا أو لا يدرك هذا الأمر أيهما قطع تميمة أم عتق رقبة؟ تجد الجواب ربما يقول: عتق رقبة لأنه لا يدرك خطورة هذا الأمر لكن فقه السلف ودرايتهم بهذا الباب وخطورته وضرره على الناس فيقول: قطع التميمة كان كعدل رقبة، يعني: كأنما أعتق رقبة بل هذا أفضل، يعني: أن يخلص إنسانا من الشرك أفضل من أن يخلص إنسانا من الرق.
وعلى كل حال هذا يدل على فقه السلف وحسن فهمهم -رحمهم الله تعالى ورضي عنهم-.
والأثر الثاني عن إبراهيم النخعي أنهم كانوا يكرهون التمائم حتى لو كانت من القرآن للأسباب التي ذكرها أهل العلم وأشرت إليها.
هناك سؤال كان مر معنا في آخر الدرس الماضي يتعلق بالأسورة النحاسية التي تصرف من قبل بعض الأطباء للوقاية من الروماتيزم وأنها مفيدة في هذا المرض وربما أنها تكون أيضا منتشرة وأيضا تباع ربما في بعض الصيدليات على اعتبار أنها نوع من العلاج، وكنت ذكرت الجواب فيما يظهر لي -والله أعلم- في الدرس الماضي، لكن هناك فتوى أحببت أن أضيفها إلى ما سبق حتى يكون الأمر أبلغ وأمكن، والجواب إذا كان من أهل العلم الراسخين لا يكون كالجواب من طالب علم، فالشيخ ابن باز -رحمه الله تعالى- كتب له أحد الأشخاص وأطبه أحد الأطبة مفصلا وذكر فيه الأشياء التي في هذه الأسورة النحاسية خصائصها وأثرها وكتب له أشياء وطلب من الشيخ أن يجيب على هذه المسألة فالشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: إنني تأملت هذا الأمر كثيرا وتباحثته مع كثير من أساتذة الجامعات والمشايخ ودرست الموضوع وذكر خلاصة لما يظهر له ويراه في هذه المسألة -رحمه الله تعالى- بعد التأمل الطويل والمباحثة مع المشايخ وطلاب العلم وأساتذة الجامعات كما ذكر هو، ونسمع الآن خلاصة الفتوى الطويلة لكن آخر كلام الشيخ نقلته بنصه ونسمعه من أخينا:
قال الشيخ بن باز -رحمه الله تعالى- «والذي أرى في هذه المسألة هو ترك الأسورة المذكورة وعدم استعمالها سدا لذريعة الشرك وحسما لمادة الفتنة بها، والميل إليها، وتعلق النفوس بها، ورغبة في توجيه المسلم بقلبه إلى الله -سبحانه وتعالى- ثقة به واعتمادا عليه، واكتفاء بالأسباب المشروعة المعلومة إباحتها بلا شك وفيما أباح الله ويسر لعباده غنية عما حرم عليهم وعما اشتبه أمره.... إلى أن قال -رحمه الله تعالى-: ولا ريب أن تعليق الأسورة المذكورة يشبه ما تفعله الجاهلية في سابق الزمان فهو إما من الأمور المحرمة الشركية، أو من وسائلها، وأقل ما يقال فيه: إنه من المشتبهات. فالأولى بالمسلم والأحوط له أن يترفع بنفسه عن ذلك، وأن يكتفي بالعلاج الواضح البعيد عن الشبهة، هذا ما ظهر لي ولجماعة من المشايخ والمدرسين»
هذه الفتوى من رغب أن يطلع عليها فهي موجودة في كتاب أصدرته رئاسة الإفتاء في بعض المجلدات بعنوان "أحكام الفتاوى الطبية وأحكام المرضى" في المجلد الأول صفحة 201 والكتاب طبع قريبا من سنتين عام 1424 بإشراف الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله- وتقديم المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والفتوى طويلة لكن نقلت لكم آخر هذه الفتوى وأسأل الله أن يثيب الشيخ، وأن يجزيه خير الجزاء، وأن ينفعنا جميعا بما علمنا إنه سميع مجيب.
فيما يتعلق بسؤال الدرس الماضي: تقول: الآيات الخمسة الدالة على التوحيد المفسرة له قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿60﴾ ﴾[النمل: 60] وقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿4﴾ ﴾[الأحقاف: 4] وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴿28﴾ فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴿29﴾﴾[يونس: 28، 29] وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿25﴾﴾[الأنبياء: 25] وقوله تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴿45﴾ ﴾[الزخرف: 45]
جواب ممتاز وانتقاء جيد.
نذكر ما ذكر من الأحاديث قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا في الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) رواه البخاري من حديث أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-
الحديث الثاني قال -صلى الله عليه وسلم-: (بني الإسلام على خمس: أن يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما-
كذلك نتقل إلى إجابة أخرى من الأحاديث التي ذكرتها عن زيد بن خالد الجهني صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح في الحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب) روي في صحيح مسلم
هو سيأتي عند المصنف -رحمه الله تعالى-.
ننتقل إلى إجابة أخيرة: ذكرت حديث عن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
وهذا مر معنا في الأبواب التي ذكرها الشيخ -رحمه الله تعالى- في المقدمة.
بمناسبة إجابات الإخوة أريد أن أذكر حديثا يتعلق بتفسير التوحيد، وحقيقة من باب التأكيد هي فائدة للإخوة ثمينة جدا وأحسبن كل من سيسمعها سيفرح بها -إن شاء الله- فائدة ثمينة في تفسير التوحيد من حديث مشهور عند جميع المستمعين والمتابعين، ولا أظن أحدا يخفى عليه هذا الحديث، لكنه مفيد جدا في تفسير التوحيد، جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن الزبير أنه كان يقول دبر كل صلاة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، قال: وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهلل بهن دبر كل صلاة) عقب الصلوات الخمس كل مسلم في الغالب يأتي بهذا التهليل وهو محفوظ لدى أكثر المسلمين والله أعلم، وهذا التهيل الذي يقوله المسلم دبر كل صلاة فيه تكرار لكلمة التوحيد "لاإله إلا الله" ثلاث مرات وفي كل مرة يبين معناها ويؤكد المرة الأولى قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وفي حديث سبق أن مر معنا ذكرت أن "وحده" فيها تأكيد للإثبات، و"لا شريك" تأكيد للنفي لأن "لا إله إلا الله" نفي وإثبات فأكد هذا العنى بقوله: "وحده لا شريك له".
"لا إله إلا الله" الثانية في الحديث قال بعدها ماذا؟ "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه" هذا هو معنى "لا إله إلا الله" فأكد معناها وحققه وذكره فمعنى "لا إله إلا الله" أي: لا نعبد إلا إياه إلها، ولا نعبد إلا إياه.
والمرة الثالثة قال: "لا إله إلا الله مخلصين له الدين" وهذا هو أيضا معنى "لا إله إلا الله" إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى.
إذن كأن المسلم كل يوم بعد الصلاة يردد هذه الكلمة ويستحضر معناها ويحقق دلالتها، فأنا أهيب بكل مسلم يسمع هذا الكلام ويردد هذه الكلمات العظيمة أن يحقق هذه المعاني: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" ثم قال: "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن" ثم قال: "لا إله إلا الله مخلصين له الدين" أي: نخلص له العبادة "ولو كره الكافرون" أي: ولو كره الكفار منا الإخلاص ما يهمنا، نحن نخلص الدين لله ليرضى عنا رب العالمين ولو كره الكفار منا ذلك، والكفار لا يريدون من المسلمين الإخلاص، إذن هذه فائدة مهمة وثمينة جدا في تفسير التوحيد يرددها المسلم إدبار الصلوات فيحسن به وهو يردد هذه التهليلات المباركة والذكر العظيم أن يحقق هذه المعاني بأن يكون فعلا لا يعبد إلا الله، بأن يكون فعلا مخلص الدين لله، بأن يكون فعلا موحدا بعيدا عن الشرك فيحقق هذه الكلمات، أما أن يقولها ألفاظا دون تحقيق للمعاني فإنها لا تفيده.
يقول: سؤالي في كتاب تيسير العزيز الحميد كثيرا ما يذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- هذه العبارة في التفسير: "المنسوب إلى الطبري الحنفي" ما مقصوده بالمنسوب؟
تحديدا ما أذكر شيئا، لكن قد يكون يشير إلى كتاب وفي نسبته نظر، لكن تحديدا لا أذكر، ولعل المسألة تراجع إن شاء الله تعالى .
تقول امرأة كلما نهضت استغاثت بالله وبالرسول -صلى الله عليه وسلم- وتعلل ذلك بأن الأذان والشهادة لا تتم إلا بهما، أرجو من فضيلتكم التنبيه ؟
هذا والعياذ بالله فهم باطل وسيء؛ لأن الشهادة لله بالوحدانية والشهادة للنبي بالرسالة، ليست الشهادة له بالوحدانية وإنما بالرسالة، فالعبادة ومنها الاستغاثة بالمرسِل وليس بالرسول، الرسول -عليه الصلاة والسلام- أرسل ليدعو الناس إلى الاستغاثة بالله وليعلمهم الاستغاثة بالله، فلا يستغاث بالمرسَل وهو النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- وإنما يستغاث بالله -جل وعلا- فالأذان فيه ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشهادة له بالرسالة لا أن يعبد.
قد مر معنا "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" وقلنا: إن "عبد" هذه تدل على أنه لا يعبد، و"رسول" تدل على أنه يطاع ويتبع، فعلى كل حال هذا من الفهم السيء، وعليها أن تتقي الله -جل وعلا- وأن تتنبه للأمر، فالأمر خطير، فالاستغاثة بالله، والله في القرآن يقول: ﴿ إِذْ َسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾[الأنفال: 9] والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما يكون القحط ويطلب منه الاستسقاء وطلب الإغاثة يقول ماذا؟ "اللهم أغثنا" يستغيث بالله هو -عليه الصلاة والسلام- ويدعو أيضا إلى الاستغاثة بالله: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" فكيف يجعل شريكا مع الله سبحانه وتعالى.
تقول: بعض الناس يكتب في ورقة آيات قرآنية كآية الكرسي ويعلقونها برقبة أطفالهم لدفع الأمراض، وأحيانا يعلقونها عند النوم لدفع الأحلام، ويكون هذا مع الأطفال فما حكم الشرع في ذلك؟
حكمه مر معنا هذه تميمة، وتميمة من القرآن، وهذا الذي تسأل عنه الأخت هو تميمة من القرآن آية الكرسي أو غيرها سواء علقت على الأطفال أو غيرهم، الصحيح المنع وعدم الجواز للأسباب التي أشرت إليه سابقا.
ذكرتم سؤالا بما يتعلق ببعض التمائم التي تعلق
تتعلق بقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: "من الشرك في الحلقة والخيط ونحوهما" فكنت أردت أن يعرض لنا الإخوة بعض الأشياء التي توجد بين الناس من هذه الشركيات.
أجابت ذكرت الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة، وذكرت كذلك بعضهم يعلق نعلا سواء في مقدمة السيارة أو مؤخرتها، وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان لدفع العين
كذلك ذكرت كلبس العين الزرقاء لدفع العين، أو وضع حدوة الحصان أو الحذاء البالي في السيارات
كذلك تقول: ذكرت بعض الأشياء والبدع الشركية نجانا الله وإياكم والسامعين منها: إعطاء حبل به سبع عقد لمن زار الكعبة ليفكه في كل شوط لقضاء حوائج المعطى بزعمهم، الإمساك بالخشب لدفع العين، تحريك المبخرة فوق رأس المصاب بالعين لشفائه، تثقيب الورق مع ذكر بعض الأسماء للوقاية من العين، أخذ مخلفات تغسيل الميت ليتداوى بها المريض
حقيقة لو فتحنا الباب لوجدنا أن هذه مأساة، فعلى كل حال نسأل الله -عز وجل- أن ينجي المسلمين، وأن يسلمهم من هذه الشرور.
وهذا الذي يأتي في كتابات الإخوة المشاركين يدل على أن هناك أشياء موجودة وواقعة هي من جنس تلك الأعمال الشركية التي جاء في الشرع تحريمها.
وأيضا يفيدنا هذا أن الواجب على المسلمين أن يتقوا الله -جل وعلا- وأن يعتنوا بدراسة التوحيد وقراءة السنة ومعرفة هدي النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- حتى يسلموا من هذه الخزعبلات والأضاليل والتعلقات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وأن تكون ثقتهم واعتمادهم وتوكلهم ورجاؤهم بالله -سبحانه وتعالى- لا بمثل هذه الأشياء، ولو فتح الباب لعد ما يوجد فالذي يوجد شيء كثير، لكن الواجب على كل مسلم أن يتقي الله، وأن يعتني بدراسة هذا العلم ومراجعة كلام النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- وأيضا يدرك النصح البالغ والتوجيه السديد في كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في هذا الباب وغيره من الأبواب التي تعالج مثل هذه الأمور والمخالفات والشركيات والأباطيل، أعاذنا الله وإياكم وحمانا وحماكم.
التميمة إذا وجدتها في إنسان وقطعتها منه هل لي أن أحرقها، أو كيف أفعل بها؛ لأن بعض الناس يقول: "فيها شياطين هذه التميمة يمكن تضرك ويمكن تضر هذا الشخص" فكيف تعاملي معها ؟
يسأل عن التميمة إذا قطعت من إنسان فماذا يصنع بها؟ هل تحرق أو ماذا يصنع بها فالتميمة هي كما أشرت في الدرس الماضي وأيضا في درس اليوم: أشياء تعلق، وفي الغالب تكون فيها من الشعوذة ومن الأباطيل وأسماء الشياطين، وأحيانا يخلطون القرآن بأشياء من هذه الأمور قرآن وأسماء شياطين والعياذ بالله، ومثل هذا رأيته أنا بنفسي، أذكر مرة في منطقة من المناطق رأيت رجلا معلقا تميمة فناصحته وقال لي: قرآن. قلت: طيب ننظر فيها منذ كم وأنت معلقها؟ ذكر أنها سنوات. قلت: طيب ننظر فيها تأكد أنت الآن، لا تعلق شيئا ويبقى في عنقك سنوات، وقلت تأكد مما فيها لو فتحتها ما يضر حتى لو كانت قرآنا افتحها وانظر ولا تستمر بهذه الطريقة، قد يكون الإنسان الذي أعطاك إياها مفسدا فلماذا تبقى عليك سنوات وأنت لا تدري ما فيها، فكان خائفا جدا، قال: أخشى، قلت: لا تخشى إلا الله، تخشى ماذا؟ افتحها وانظر ماذا فيها، فاستجاب وهو فيه شيء من الخوف ففتحتها ورأيت بنفسي الآيات مع أسماء الشياطين مخلوطة، يعني هذا فيه إستخفاف واستهانة بالقرآن، فلما أريته هذا الشيء فوجيء وصدم أنه سنوات ومعلقها؛ بل كان بعضهم يكتب ألفاظا فيها استخفاف بالشخص الذي أمامه.
حدثني بعض الناس أنهم فتحوا تميمة معلقة، والذي علقها كتب لهم فيها عبارة معناها: "إنني ضحكت عليكم وأخذت نقودكم" ويعلقها على عنقك سنوات مكتوب فيها: "ضحكت عليك وأخذت نقودك" لماذا هذا الضياع؟!! على كل حال أشياء هكذا مغلفة تعلق وإذا كانت من القرآن ليس معها شيء آخر فالصحيح المنع في أصح أقوال أهل العلم، وإذا كانت مخلطة، هذا ما فيه كلام في بطلانها وحرمتها، فلا يأخذ الإنسان أي شيء ويعلقه هكذا، وإذا كان يريد أن يأخذ بالقول الجواز من القرآن لا تأخذ شيئا هكذا مغلفا، مع أن الصحيح والأظهر للأسباب التي مرت معنا ألا يعلق حتى من القرآن للأسباب التي ذكرها أهل العلم، وطريقة التعامل مع هذه التمائم أنها تحرق وتسلت وإذا كانت أشياء فيها عقد، إذا كان فيها أشياء فيها عقد سحرية فتفتح العقد ويقرأ المعوذات وسورة الإخلاص وتسلت تحرق.
يقول: ذكرتم حفظكم الله أنه من علق تميمة فقد أشرك فهل نطلق على من فعل هذا الفعل اسم مشرك أو فقط فعله فعل الشرك؟
تصحيحا للسؤال ذكرتم أن من علق تميمة فقد أشرح
ذكرتم في الشرح يعني
حتى في الشرح هذا حديث ونصه: (من علق تميمة فقد أشرك) (إن التمائم والتولة شرك) والحديث أيضا مر معنا في الدرس الماضي فهذه الأعمال أعمال شركية، وهي بحسب حالها إما من الشرك الأصغر أو من الشرك الأكبر، فهذه أعمال شركية، ومن ترى عليه هذه التمائم يعلم ويوجه وتذكر له الأحاديث ويناصح هذا هو الذي ينبغي أن يفعل.
حقيقة الناس فيهم تقبل وفيهم خير، أنا أتوقع ونحن الآن نتحدث في هذا اللقاء أن عددا ممن ابتلى بهذا الشيء واتضح له الأمر وعرف هذه الأدلة لن يتردد، لكنه كان ماشيا فترة من الوقت بجهل ولم يعرف السنة ولم يعرف الأحاديث، أتوقع أنه في هذه الساعة أعداد تخلصوا من هذا البلاء بعد أن وقفوا على كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكلام أهل العلم، وما أظن أن أحدا تبلغه هذه النصوص وهذه الأدلة ويبقى مترددا.
أعمل طبيب أطفال، وأرى كثيرا من النساء يعلقون بعض الأشياء في عنق أطفالهن الصغار، فتكون مثل قطعة القماش وفيها من الداخل بعض الأشياء المحسوسة الجامدة، فأقول لهن: هذه تميمة فانزعوها. فيقلن: هذه ليست بتميمة، ولكنها من أجل الأسنان. فأقول لهن: إن هذه لا تنفع شيئا في الأسنان ولكن تعلقوا بالله -تبارك وتعالى- وربما جاء في الدرس عصر اليوم أنه كما قال الصحابي: "إنها من الواهنة" فيمكن نفس الحكم، ولكن قولهن: "إنها أعشاب" ومثل هذه الأشياء. فبماذا تنصحون جزاكم الله خيرا وهن الحمد لله يستجبن وينزعنها في الحال؟
شكر الله للدكتور وسلمه الله على هذا النصح وهذا البيان، وليس كل طبيب يكون بهذا المستوى من النصيحة والبيان؛ لأن الناس قد يكون فيهم تسرع وقد يكون فيهم جهل، وقد يتبع بعضهم بعضا في مثل هذه الأمور، وحقيقة ما يقوم به الدكتور -سلمه الله- عمل يشكر عليه وهو من النصحية للمسلمين ولعوام المسلمين، وأسأل الله أن يثيبه وأن يثبته وأن يوفقه لكل خير، ومثلما تفضل هذا من جنس ما جاء في الحديث قال: (من الواهنة فانزعها فإنها لا تزيدك إلا وهن) وهذه الأمور والتعاليق كلها ما أنزل الله بها من سلطان حتى الأسورة هذه التي يقال: "إنها تفيد في الروماتيزم" وعرفنا كلام الشيخ عبد العزيز بن باز وهو كلام واضح مسدد وبين ما الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في مثل هذه الأمور، وأن الواجب أن يكون تعلقه وصلته وتوكله على الله سبحانه وتعالى.
يقول: هل يجوز تعليق اللوحات التي فيها آيات القرآن الكريم على الجدران؟
هذا أشرت إليه في الدرس الماضي، والأولى ألا تعلق إن كانت تعلق من جنس التمائم للوقاية فالحكم واحد، وإن كانت تعلق للزينة مناظر جمالية مثل ما تجعل بعض الآيات مزخرفة حتى إنك ما تستطيع تقرأها، يعني: كنوع من الزخرفة، فالقرآن ما أنزل لهذا الغرض، وإن كانت آيات أو أحاديث يكتبها أمامه لكي يقرأها ثم يحفظها ثم يضع غيرها إن كان لهذا الغرض لا بأس بذلك.
للأسف الشديد تكون هذه اللوحات معلقة، وفي هذه الغرفة أو المجلس أو القاعة يكون مثلا أحاديث لغو، وأيضا بعضهم يدخنون أو يكون فيها من الموسيقى، هذه كلها مما يؤكد عدم التعليق؟
سؤال حول القلائد: فضيلة الشيخ القلائد التي تعلق في الإبل في هذه الأزمنة، تعلق في رقبة الناقة قلادة تكون للزينة، وهي تكون من صوف أو من قماش وليس فيها قرآن ولا أحاديث، ولكنهم يعلقونها للزينة فهل تدخل في النهي؛ لأنه قد يكون فيها تشبه بالجاهلية أو وضعها عادي جدا أو ماذا؟
أولا: في جواب سؤال أخينا: التأكد من أنها وضعت للزينة وهل هي نوع من الزينة أو ليست كذلك، ثم الأمر الآخر أن هذا التعليق أقل أحواله أنه ذريعة إن لم تكن في أصحاب هذه النوق ففي أولادهم فيما بعد، فقد يدخل عليهم الداخل أن الآباء إنما كانوا يعلقونها لكذا وكذا، فذريعة للتعليق الذي عليه أهل الجاهلية، فترك ذلك هو الأولى أما إذا كانت أشياء تستعمل شد الإبل أو ما يحمل على الإبل أو قلادة لتجر بها الإبل أو لغير ذلك من الأغراض الصحيحة فهذا لا حرج فيه.
يقول: كيف نميز بين الرقية الشركية أو البدعية وبين الرقية الشرعية؟
التمييز يكون بمراجعة الأدلة، أدلة الكتاب والسنة هي التي من خلالها يميز الإنسان بين الشرك والبدعة والعمل المشروع، أما بدون الأدلة أدلة الكتاب والسنة فلا يمكن التمييز فبالعلم النافع علم الكتاب والسنة يستطيع الإنسان أن يميز بين هذه الأشياء، أما بدون الأدلة أو بدون معرفة دلالات الكتاب والسنة فلا يمكن أن يكون هناك تمييز.
عندنا بعض الأئمة يعلقون تمائم، يكتب الحروز ويعلقها في عنق كلاب الصيد حتى تمسك الأرانب؟
السؤال الثاني: وجدنا حرجا في الصلاة خلفه، اقترح بعضنا أن يدخل في الصف مع الجماعة ولكن ينوي الانفصال؛ لأن ترك الجماعة يسبب لنا فتنة وقد يجر إلى أمور لا تحمد عقباها، وإذا صلينا وراءه نخاف على صحة صلاتنا، فاقترح أن ندخل في الصف وينو الانفصال كأنه مقتد بإمام آخر ما حكم هذه الصلاة؟
ما يتعلق بالحروز التي ذكرها؟
هو ذكر أن أحد الأئمة عندهم يكتب حروزا وتعلق على كلاب الصيد، والغرض منها أنها تفيد كلاب الصيد قوة أو تقيها من العين أو نحو ذلك، فهذه الكتابة إن كانت من القرآن فلا تجوز فيما يظهر لي بلا خلاف حتى عند القائلين بجواز التميمة إن كانت من القرآن ففيها امتهان للقرآن إن كان يعلق على الكلاب، فهذه إن كانت من القرآن وإن كانت من غير القرآن فهذا أيضا باطل بلا خلاف بين أهل العلم، والمطلوب من الأخ وغيره أن يجلسوا معه جلسة مناصحة ويقرءوا عليه هذه النصوص وهذه الأدلة، وإن شاء الله أنه يرجع ويدع ما هو عليه من باطل.
نرى بعض الناس اليوم يبيعون التميمة فما حكم الشريعة في ذلك؟ ونرى بعض الناس عندما يعلقون التميمة وموجودة آية قرآنية ويدخلون بها في أماكن غير نظيفة في دورة المياة وغير ذلك ما حكم الشرع في ذلك؟
بيع التميمة لا يجوز إن كانت من غير القرآن فالأمر واضح، وإن كانت من القرآن فالصحيح عدم جواز تعليقها، فبيعها لا يجوز لأن بيعها تكسب بأمر دلت الشريعة على المنع منه، والأحاديث واضحة في المنع، وبعض الناس خاصة أهل الضلال يتخذون هذه الأمور لكسب المال، ولقطع النظر عن هل هذا مباح أو غير مباح، لا يبالي ولا يفكر بل بعضهم يستخف.
حدثوني مرة عن رجل ممن يبيع التمائم عنده محل صغير، وعنده في المحل كراتين مفتوحة وفي داخل الكراتين تمائم، وعنده طير مقصوص الجناحين، يعني: لا يستطيع أن يطير مسافات طويلة وإلا مسافة قصيرة جدا فيأتيه شخص ويقول له: أريد تميمة من أجل المرض الفلاني فيحدد له القيمة ويستلم القيمة ويضع الطير على يده ويضربه، فالكرتون الذي يقع فيه الطير يعطيه منها التميمة فهذا جاهلية مركبة.
فعلى كل حال يوجد مرتزقة، وهنا ينتبه المسلم إذا أصابه مرض أو شدة أو كذا ألا يكتفي بأن فلان ذهب إلى كذا وأعطاه كذا واستفاد من كذا هذا ما يفيد، هل هو مشروع أو لا؟ مشكلة كثير من الناس أنه ينساق بعضهم وراء بعض، ما إن يقول له فلان أصيب بكذا وجرب كذا إلا ويذهب مئات إلى الشخص الذي قيل عنه فهذا ما يكفي، هل عمله مشروع أو ليس بمشروع؟
حتى بعضهم يا شيخ قد ينخدع بالمظاهر يقول: هذا مظهره يظهر عليه التدين والصلاح والتقوى، وهو في حقيقة الأمر يفعل هذه الشركيات
أسئلة كثيرة سواء كان يتعلق بالقرآن أو بغير القرآن أو التمائم أو الأشياء التي توضع على الأطفال، يعني: قاعدة أو كلمة ختامية توجهونها للإخوة والأخوت وفيما يتعلق بهذا الخصوص.
الذي أختم به هنا أن يتقي الله جميع المستمعين في هذا الباب وفي جميع أبواب الدين، وألا تؤخذ الأمور جزافا، ألايكون الإنسان إمعة يتابع الناس مما يراهم عليه من أعمال، وأن يربأ بنفسه عن مثل هذا الأعمال ويترفع ويرتبط بدين الله -سبحانه وتعالى-.
وأقول: كم نحن بحاجة إلى أن نقرأ كتاب التوحيد وأمثاله من كتب أهل العلم التي نصحوا فيها للناس وبينوا، فأنا أنصح جميع من يتابع معنا أن ينشروا هذا العلم وهذه الأحاديث التي أوردها الشيخ -رحمه الله تعالى- في كتاب التوحيد، وأن ينشروها بين الناس تعاونا على البر والتقوى، ونصيحة لعباد الله، وإقامة للحجة، ومعذرة إلى الله -سبحانه وتعالى- والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
أوصي جميع الإخوة في نهاية كل درس أن يراجعوا مثل "فتح المجيد" و"تيسير العزيز الحميد" وشروحات كتاب التوحيد حتى يزداد الفهم والاستيعاب، وأيضا الآيات والأحاديث فهذه تحفظ ويستفيد منها المسلم في نفسه ثم يبلغها للآخرين نصيحة للناس وبيانا لدين الله، والله تعالى أعلم.
nary_jon
06-05-2008, 02:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الحادي عشر
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
الدرس الحادي عشر
شرح كتاب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا أما بعد:
فأيها الإخوة، نواصل مع هذا الكتاب المبارك كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- ومع أبوابه الماتعة النافعة التي تمس الحاجة إلى دراستها والعناية بها ورعايتها فهما وعملا وتطبيقا.
ووصلنا في هذا الكتاب المبارك إلى باب يتعلق بالتبرك، التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها، وقد عقد الإمام -رحمه الله تعالى- في هذا ترجمة نافعة بين فيها من خلال أدلة القرآن والسنة حكم التبرك وما يترتب عليه من المفاسد والأخطار التي تضر بعقائد الناس وأديانهم والتي تبعدهم عن الصلة بربهم -جل وعلا- وخالقهم فنستمع أولا إلى تقريره -رحمه الله تعالى- ثم يأتي بعد ذلك التعليق على ذلك بما ييسره الله تبارك وتعالى.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما وقول الله تعالى ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴿20﴾ ﴾ [النجم: 19،20])
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما)، "مَن" هنا اسم شرط ومن المعلوم أنه يحتاج إلى جواب، والجواب هنا محذوف للعلم به وسيأتي في الأدلة ما يكون جوابا لهذا الاسم، اسم الشرط المبدوء بهذه الترجمة قال: باب من تبرك بشجر أو حجر أو نحوهما. وحذف جواب الشرط للعلم به ولما سيأتي في الأدلة من بيانه ألا وهو أنه: "فقد أشرك".
جواب الشرط: "فقد أشرك" من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما فقد أشرك؛ لأن هذا العمل الذي وهو التبرك بالشجر والحجر ونحوهما هذا من أعمال الجاهلية، ومن الأعمال الشركية كما سيأتي إيضاح ذلك وبيانه، ويحتمل أن تكون "مَن" موصولة بمعنى الذي فيكون الباب: باب حكم الذي يتبرك بالشجر والحجر ونحوهما. أي: أن حكمه الشرك، أو أنه مشرك على ما سيأتي بيان ذلك في الأدلة.
والتبرك هو طلب البركة والبركة لا تطلب إلا ممن بيده أزمة الأمور والتصرف في هذا الكون الخالق له والموجد لجميع الكائنات المدبر المسخر هو الذي تطلب البركة منه لا من غيره ولهذا قال عيسى -عليه السلام – ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ﴾ [مريم: 31] أي: الله -جل وعلا-.
فالبركة من الله ولا تطلب إلا منه سبحانه وتعالى وطلبها من غيره أيا كان صرف عبادة لغير المستحق وهو الله -سبحانه وتعالى- فمن طلب البركة وطلب لنفسه حصولها من غير الله -سبحانه وتعالى- فقد اتخذ هذا الغير شريكا لله -عز وجل-.
والبركة هي النماء والزيادة حصول الخير ونماؤه وزيادته وثباته، وهذا كله إلى الله -سبحانه وتعالى- هو من الله وإلى الله، ولا يطلب حصول الخير ولا دوام الخير ولا ثبات الخير إلا من الله -جل وعلا- بيده الخير -سبحانه وتعالى- الذي هو على كل شيء قدير ﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿26﴾﴾ [آل عمران: 26] هو الذي يطلب منه ذلك لا يطلب من غيره.
والمصنف -رحمه الله تعالى- قال: ( من تبرك بشجر أو حجر أو نحوهما ). وهذا فيه إشارة أن ما يفعله الناس من تبرك يكون بأشياء كثيرة جدا أشار إلى أشهرهما وهو الشجر والحجر وإلا فالتبرك يكون من الناس بأشياء كثيرة بالأشجار والأحجار والمغارات والكهوف والقباب والأضرحة، أشياء كثيرة جدا يتعلق الناس أو تتعلق قلوب الناس أو قلوب الجهال بها، ويبحثون عن البركة أو يطلبون البركة لأنفسهم من جهتها وهذا من الشرك بالله تعالى؛ لأن البركة لا تطلب إلا منه، وكل ما يطلب الناس من جهته البركة غير الله -سبحانه وتعالى- لا يملك شيئا لا يملك عطاء ولا نفعا ولا يملك رفعا ولا دفعا ولا حياة ولا موتا ولا نشورا لا يملك شيئا، فكيف تطلب البركة ممن لا يملك شيئا ولا تطلب من الذي بيده ملكوت كل شيء؟ أين العقول؟ تطلب البركة ممن لا يملك شيئا حجر أو شجر أو زاوية أو كهف أو مغارة أيا كان !!! تطلب منها البركة وهي لا تملك شيئا، ولا بيدها عطاء ولا منع ولا دفع ولا رفع ولا أي شيء وتطلب منها البركة، ولا تطلب من الذي بيده ملكوت كل شيء -سبحانه وتعالى- فهذا عين الضلال ومنتهى السفه -والعياذ بالله- ونهاية الغي ولهذا قال الله -جل وعلا-: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130] يعني: يذهب العقل في أودية السفه والضياع والعماية والغواية عندما يتعلق بهذه الأشياء طالبا منها البركة ولا يتجه إلى الخالق الجليل والرب العظيم والمدبر والمسخر الذي بيده أزمة الأمور -سبحانه وتعالى- قال: ( من تبرك بشجر أو حجر أو نحوهما ) أي: من المغارات والزوايا والقباب إلى غير ذلك مما يتجه إليها الجهال والضلال فيطلبون أو يلتمسون البركة من جهتها.
ثم كعادة المصنف -رحمه الله تعالى- يسوق الأدلة التي تشهد للترجمة وتدل عليها فبدأ أول ما بدأ بإيراد قول الله -سبحانه وتعالى- في سورة النجم: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴿20﴾ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿21﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿22﴾ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾[النجم: 19: 23] فساق هذه الآيات المباركة -رحمه الله تعالى- ليستدل بها على بطلان هذا العمل وفساه وضلالة فاعله ومخالفته لكتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وهذه الثلاثة التي ذكرت في الآية اللات والعزى ومناة هذه معبودات كان يعبدها المشركون ومن إمعانهم في الضلال وإمعانهم في الغواية جعلوا أو اشتقوا لهذه المعبودات من أسماء الله -جل وعلا- فـ"اللات" اشتقوا اسمه من "الإله" و"مناة" من "المنان" و"عزى" من "العزيز" اشتقوا لهذه المعبودات وهذه الأوثان الأصنام التي يعبدونها اشتقوا لها من أسماء الله -سبحانه وتعالى- وهذا من الإلحاد كما قال -جل وعلا-: ﴿ وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ﴾[الأعراف: 180] هذا إلحاد من الإلحاد في أسماء الله أن يشتق للأوثان والأصنام أسماء هي من أسماء الله -جل وعلا-.
وإذا تأملنا في هذه الثلاث: "اللات والعزى ومناة" ما حقيقتها؟ اللات قرأت بالتخفيف تخفيف التاء وتشديدها اللات واللاتّ من اللت وهو العجن، فعلى قراءة التخفيف اللات اسم صنم مشتق من الإله كما مر، واللاتّ بتشديد التاء هذا رجل كان يلت السويق، أي: يعجنه ويقدمه للحجاج فهو يقوم بعمل نافع عمل مفيد الناس يشكرونه عليه ويثون عليه به، فكان يلت ويعجن السويق ويقدمه للحجاج فلما مات عبدوه، عبدوه من دون الله فأصبح صنما من الأصنام الكبيرة الشهيرة بين المشركين.
وعزى هذا اسم شجرة كانت بين المدينة والطائف كان في الجاهلية يعظمونها ويعبدونها ويصرفون لها أنواعا من العبادة حتى قال أبو سفيان في معركة أحد: لنا العزى ولا عزى لكم. فكان المسلمون يقولون: الله مولانا ولا مولى لكم.
فهذه شجرة كانت تعظم في الجاهلية وتقصد للعبادة للذبح والنذر والدعاء والاستغاثة وطلب البركة إلى غير ذلك.
ومناة أيضا صنم كان في منطقة قديد بين المدينة ومكة وكانت الأوس والخزرج يحرمون منها بالحج.
فهذه ثلاثة أصنام وخصت بالذكر في هذه الآية من بين سائر الأصنام الأصنام كثيرة كان عند البيت وحول البيت ثلاثمائة وستين صنم كسرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بيده يوم الفتح فتح مكة وكان يقرأ: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴿81﴾﴾ [الإسراء: 81] فكسرها النبي -عليه الصلاة والسلام-.
وفي يوم الفتح أرسل خالد بن الوليد ليقطع الشجرة تلك التي يقال له العزى، وأرسل علي بن أبي طالب ليهدم مناة، وفعلوا ذلك فهدم -عليه الصلاة والسلام- الباطل وقوض أركان الضلال، وارتفعت راية التوحيد وعلا سلامه ودحض الباطل.
لاحظ معي هنا أن العزى شجرة، ومناة واللات صنم، أو مكان لرجل صالح، حجر حتى قيل إنه نفس الحجر الذي كان يلت عليه السويق أصبح يعبد ويتبرك به فإذن الله -جل وعلا- يقول: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴾ أي: أخبروني عنها، اللات والعزى ومناة أخبروني عنها، هل هي تملك شيئا؟ والمشرك في الجاهلية إذا سئل عن هذه الأصنام التي يعبدها هل هي تملك لك حياة؟ موتا؟ هل هي تملك لك نفعا أو ضرا؟ ماذا يجيب؟ يقول: لا، لا تملك. وإذا سئل: من الذي يملك ذلك كله؟ يقول: الله. وهذا في القرآن في مواضع كثيرة تدل على أن المشركين يقرون بأن هذه الأصنام لا تملك، حتى في التلبية التي سبق أن أشرنا إليها، تلبيتهم في الجاهلية فكانوا يقولون: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". يعني هم يعتقدون أنها هي لا تملك شيئا فهذا الذي هم يعتقدونه ويقرون به أنها لا تملك شيئا هو في الحقيقة دليل عليهم في إبطال تعلقهم بها إذا كانت لا تملك شيئا وأنتم تقرون بذلك فلماذا تتعلقون بها وتطلبون من جهتها البركة؟
﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴾ أي: أخبروني عنها هل هي تملك شيئا، عطاء منعا، خفضا رفعا، حياة موتا نشورا؟ الجواب يقولون: لا. إذن لماذا تتعلقون بها؟ ولماذا تطلبون البركة من جهتها وهي لا تملك شيئا؟ وأؤكد مرة ثانية نلاحظ أن اللات هذا صخرة وعزى شجرة والمؤلف يقول: (من تبرك بشجر أو حجر) فقد أشرك لأن هذا هو عين فعل الجاهلية الذي ذمهم الله عليه وأبطله بالآيات والدلائل الكثيرة في كتابه العزيز ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴿20﴾ َلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى ﴿21﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿22﴾ ﴾ أي: جائرة ثم تأمل حقيقة هذه الأصنام حقيقتها ما هي؟ قال ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا َ أنْتُمْ وَآبَاؤُكُم ﴾ هي في الحقيقة إما شجرة من جنس الأشجار المعروفة، أو حجر من أيضا الأحجار الذي حدث أنه أعطي اسم عظيم وتعلق به طلبا للبركة وطلبا للعافية وطلبا للصحة إلى غير ذلك، وإلا فهو في حقيقته حجر أو شجرة أعطي اسما ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾.
أنا أود أن كل واحد منا يقف هنا حتى يستفيد فائدة عظيمة جدا في إبطال الباطل وهدم الضلال، ﴿مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أي: ما أنزل الله بها من حجة لأن السلطان هو الحجة، وسميت الحجة سلطانا لأنها عندما تسلط على العقول والقلوب ما يستطيع العقل أو القلب أن يمتنع لأن الحجة تسلطت عليه فأصبحت لا مجال له أن يقول شيئا أو يدفع، فالحجة واضحة ولها تسلط ولهذا سميت الحجة سلطان لأن لها تسلط ﴿ مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ هنا من هذه الآية نأخذ فائدة ثمنية جدا للغاية؛ بل نأخذ منها قاعدة متينة لرد كل باطل، نأخذ منها قاعدة وأصلا عظيما لرد كل باطل، كل عقيدة لم ينزل بها سلطان فهي باطلة لماذا؟ الاعتقاد لمن؟ لرب العالمين هو الذي خلق وهو الذي يأمر خلقه أن يؤمنوا بما شاء، الأمر له -جل وعلا- فهو الذي خلق وهو الذي أوجد، وهو الذي يحكم ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ فأي عقيدة لم ينزل بها سلطان من الله -سبحانه وتعالى- فهي باطلة ويطالب كل صاحب عقيدة أن يأتي عليها بسطان، أي: حجة منزلة من رب العالمين.
وعلى ضوء هذه الآية نستطيع أن نقسم عقائد الناس على قسمين، العقائد الموجودة بين الناس نستطيع أن نقسها على قسمين:
القسم الأول: عقيدة نازلة.
والقسم الثاني: عقيدة نابتة عقيدة نازلة لها أي نزلت من رب العالمين ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿192﴾نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿194﴾﴾ [الشعراء: 192: 194] فهي عقيدة نازلة، أي: من الله -جل وعلا- لأنه هو -سبحانه وتعالى- الخالق، والأمر له والحكم له، الحكم الكوني، الحكم القدري الكوني، والحكم الشرعي الديني لله -جل وعلا-.
والقسم الثاني من العقائد العقائد النابتة وكيف تميز بين العقيدة النازلة والنابتة، إذا كان على العقيدة دليل من الكتاب والسنة فهي عقيدة صحيحة نازلة، وإذا لم يقم عليها دليل من الكتاب والسنة فهي عقيدة نابتة باطلبة، وهذه فائدة ثمينة جدا نأخذها من هذه الآية ﴿ إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ يوسف -عليه السلام- قال لصاحبي السجن ﴿ يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: 39: 40] وهذا سلاح قوي والأنبياء -عليهم السلام- استعملوه في إبطال الضلالات الموجودة بين الناس؛ ولهذا نستخلص هنا قاعدة ثمينة ومفيدة لكل مسلم وهي أن كل عقيدة لم ينزل بها سلطان فهي عقيدة نابتة، يعني: مخترعة أنشأها الناس، كل عقيدة مخترعة ومحدثة فهي عقيدة باطلة مردودة على صاحبها أيا كان.
وأذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية له في هذا الباب كلمة عظيمة جدا قالها عندما وقعت بينه وبين بعض المتكلمين مناظرة في العقيدة قال لهم: "ليس الاعتقاد لي ولا لمن هو أكبر مني الاعتقاد لله" يعني الاعتقاد حكم الله -جل وعلا- هو الذي يأمر بما يشاء ويحكم بما يشاء ليس لأحد أنه ينشئ اعتقادا يتكلفه من قبل نفسه والله تعالى يقول: ﴿ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ﴿10﴾﴾ [الذاريات: 105].
العقائد النابتة التي لم ينزل بها من سلطان من أين جاءت؟ ما هو سبب نشأتها؟ الجواب في الآية الله -جل وعلا- قال: ﴿ مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴿23﴾ ﴾ [النجم: 23] ولهذا العلماء أيضا استخلصوا فائدة مهمة هنا قالوا: إن العقائد الفاسدة تنشأ عن أمرين:
إما فساد في العقل، في التصور، أو فساد في الإرادة، إرادة الإنسان فساد العقل يكون به اتباع الظن وفساد الإرادة يكون به اتباع ما تهوى الأنفس إرادته فاسدة فيتبع الذي تهواه نفسه وذاك حصل له فساد في عقله فيتبع الظن ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ جاءهم بالوحي الذي نزل على الأنبياء، النور الحق، الهدى جاءهم بهذا الوحي لكن بسبب فساد العقل أو فساد الإرادة أو فسادهما معا العقل والإرادة يصبح الإنسان على عقيدة فاسدة والعياذ بالله.
نأخذ هنا فائدة في بابنا وموضوعنا أن هذه التعلقات الباطلة بالأحجار والأشجار والقباب والأضرحة وغيرها المغارات والكهوف وغيرها، هذه الاعتقادات والتعلقات ليس عليها سلطان، ليس عليها حجة، وهي في الحقيقة اتباع لماذا؟ للظن وما تهوى الأنفس، ليس هناك حجة، اتباع للظن بسبب فساد العقل، واتباع لما تهوى الأنفس بسبب فساد الإرادة أو بسبب فساد الأمرين ولهذا يجب علي الإنسان أن يبتعد عن ذلك ويقبل على كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فيأخذ منهما الاعتقاد الصحيح والإيمان الصحيح بعيدا عن هذه الانحرافات.
الشاهد من هذا السياق المبارك من سورة النجم إبطال التبرك بالأشجار والأحجار، وأنه من الشرك الذي أبطله الله في القرآن وذم فعله وفاعليه وأنكر عليهم وبين أنه لا حجة لهم عليه ولا سلطان، وفي أي وقت وفي أي مكان وبأي شكل وقع هذا التبرك بهذه الأشياء فالحكم واحد، الذي يتبرك بشجر أو يتبرك بحجر أو يتبرك بقبر أو يتبرك بكهف أو يتبرك بمغارة أو أيا كان الذي يطلب البركة من جهة هذه الأشياء وقع في هذا المحظور، وعندما يذهب العلم ونوره وتذهب البصيرة في دين الله ويصبح الناس في ظلمات الجهل -يتهافتون على أشياء حتى إن أشكالا تقع مؤسفة ومزرية جدا أحيانا في بعض الأماكن أحد الناس يمر على مكان فيمسح يده عليه ثم يأتي عشرات وراءه مجرد ما رأو إنسانا مسح يديه في هذا المكان فيه بركة وتطلب منه البركة فيبدأ يمسح، وبعضهم يخلع عمامته ويغرف بها غرفا للبركة، ويخلع أيضا طاقيته ويعبئها من البركة، لا يفوته البركة التي في هذا لمكان مجرد ما أن يرى شخص هل هؤلاء تبصروا أم أنهم في الحقيقة كما قال الله ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ﴾ هذا يبين لنا الواقع المؤسف لكثير من الناس وسفه العقول في هذا الباب ويتركون كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- والعجيب أن بعضهم عندما تتلى عليه هذه الآيات يقول: هذه الآيات في كفار قريش. وهل الذي ذمه الله -عز وجل- في كفار قريش وأفعالهم حلا لغيرهم إذا كان يفعل نفس العمل الله يقول في القرآن ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴿43﴾﴾ [القمر: 43] الكفر واحد، الشرك واحد، وقع من أي إنسان كان، وهو مذموم في كل وقت، ومر معنا عند المصنف -رحمه الله تعالى- باب الخوف من الشرك وأورد فيه من الدلائل والبراهين والحجج والبينات ما يكفي في هذا الباب، وسيأتي أيضا عند المصنف أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان مثل هذه الأمور يجب الإنسان أن يكون على حذر منها، وعندما يقرأ الآيات التي تذم الشرك ما يقول ما لي علاقة بهذه الآيات ولا تعنيني. لا، هي تعنيك لأن الله -عز وجل- لم يذكرها لك مجرد معلومات تقف عليها، وإنما ذكرها لك حتى تحذر وتبتعد وتجانب الذي كان عليه أولئك، لم يذكرها لك لمجرد معلومات ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُّفْتَرَى ﴾ [يوسف: 111] ففيها عبرة وفيها عظة، أما أن يقرأها ويقول هذه الآية لا تخصنا ولا تعنينا فهذا غير صحيح، الشاهد أن المصنف -رحمه الله تعالى- ساق هذ السياق المبارك في إبطال هذا العمل، ومن يتأمله ويقرأ كلام المفسرين عليه يقف على حقيقة الأمر وبينته واضحة من كلام ربنا سبحانه وتعالى.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (عن أبي واقد الليثي قال: (خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حنين ونحن حديثي عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الله أكبر إنها السنن قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنوا إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كمنا لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. لتركبن سنن من كان قبلكم) رواه الترمذي وصححه)
ثم أورد المصنف هذا الحديث وهو في سنن الترمذي عن أبي واقد الليثي -رضي الله تعالى عنه-.
والحديث للمتأمل واضح في الدلالة على مقصود الترجمة (من تبرك بشجر أو حجر ونحوهم) أي: فقد أشرك والحديث واضح جدا في الباب.
أبو واقد الليثي يقول: (كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين وكنا حديثي عهد بكفر)، أي: أنهم أسلموا حديثا، ومن أسلم حديثا لا يكون عنده الوضوح الكافي بأمور الإسلام، وربما أيضا تبقى معه بعض الرواسب من الأمور التي كان عليها في جاهليته قبل إسلامه، ولهذا يعتذر ويبين السبب، أبو واقد يقول (كنا حديثي عهد بكفر)، يعني: إسلامنا حديث، ودخولنا في الإسلام حديث، ومن دخل في شيء جديد لا يكون علمه بتفاصيله مثل علم غيره؛ ولهذا فالحديث يدل أن هذه المسألة التي خفيت على هؤلاء الذين هم حديثي عهد بكفر لم تخفَ على الآخرين، ليس الكل قال هذا وإنما الذي قال هذا فقط هؤلاء الذين هم حديثي عهد بكفر، أما الآخرون لا يقولون ذلك لأنهم راسخون وعرفوا الإيمان وعرفوا حقيقته فلا يقولون مثل هذا، فهو يبين سبب هذه المقولة أنهم حديثي عهد بكفر أن إسلامهم جديد.
يقول: (مررنا بسدرة) شجرة، والسدر نوع من الشجر، شجرة كبيرة كانت للمشركين (مررنا بسدرة للمشركين يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم) وهم في طريقهم مروا بهذه الشجرة، والشجرة من شأنها أنها متخذة للتبرك، اتخذها المشركون للتبرك، فماذا يصنعون؟ ذكر أمرين قال: (يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم)، (يعكفون عندها)، العكوف المكث الطويل، يمكث في المكان طويلا يرتجي منه البركة، وربما يلصق صدره بالبقعة التي يطلب منها البركة، وربما يسمح يده عليها ليطلب منها البركة، ربما أنه يمسح بها ثيابه، أو أشياء من بدنه يطلب منها البركة، فهم كانوا يفعلون هذا الأمر، (يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم)، أي: يعلقون الأسلحة، لماذا يعلقون الأسلحة؟ حتى يبارك في الأسلحة، حتى تحصل من هذه الشجرة مباركة لهذه الأسلحة، وإلا مجرد تعليق السلاح على مكان أو في موضع مجرد التعليق لا شيء فيه ولا يذم، ولكنهم يعلقونها لأنهم يطلبون من جهتها بركة لذواتهم وبركة لأسلحتهم، فهم يعكفون طلبا للبركة، والأسلحة تعلق على هذه الشجرة طلبا للبركة.
وهؤلاء الصحابة الذين هم حديثي عهد بكفر لما رأو هذا الأمر قالوا: (يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط). يعني: خصص لنا شجرة مثلهم نصنع عندها مثلما يصنعون ونفعل عندها مثلما يفعلون (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) لاحظ هنا معي فائدة مهمة قولهم: (اجعل لنا) هذا ماذا تستفيدون منه؟ (اجعل لنا) ماذا تستفيدون منه؟
فيه في الحقيقة فائدة مهمة جدا أن هؤلاء الصحابة الذين هم حديثي عهد بكفر، ولما أسلموا اقتنعوا أن أمور الإسلام لابد أن تكون جاء بها رسول الإسلام -عليه الصلاة والسلام- ولهذا ما باشروا الأمر مباشرة ولا فعلوه مباشرة واتخذوا ذات أنواط، قالوا: (اجعل لنا) فإذن قولهم: (اجعل لنا) هذا يدل على أنه متقرر عندهم أنه لا يشرع شيء أو يفعل شيء إلا إذا كان رسول الإسلام -عليه الصلاة والسلام- جاء بتقريره؛ ولهذا قالوا (اجعل لنا) لو كان الأمر لا يحتاج إلى ذلك كانوا مباشرة يتخذون هم ويتبركون لكنهم لم يفعلوا، قالوا: (اجعل لنا). ولما كانت هذه وجهتهم وهذا مسلكهم وفقوا للسداد، نهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وحذرهم وبين لهم أن هذا العمل من أعمال الجاهلية ومن أعمال المشركين، وانتهو عن الأمر لأنهم سلكوا المسلك الصحيح، وهذا الحقيقة نأخذ منه فائدة أنه يجب على الجميع أن يرد كل الأمور إلى الكتاب والسنة، هذا نأخذه من قولهم: (اجعل لنا ذات أنواط) ترد إلى الكتاب والسنة إذا كان الكتاب والسنة فيهما دليل على ذلك يفعل وإلا يترك ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59] الرد إلى الله إلى كتابه وإلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى سنته صلوات لله وسلامه عليه.
قالوا: (اجعل لنا ذات أنواط) لماذا طلبوا ذات أنواط ما مقصودهم؟ (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) أي: نفعل عندها مثلما يفعلون.
هؤلاء من الصحابة وهم حديثي عهد بإسلام وخفي عليهم وهم مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويمشون معه لكنهم لكونهم حديثي عهد بإسلام وحديثي عهد بكفر خفي عليهم الأمر، إذا كان هؤلاء خفي عليهم ألا يخفى على غيرهم ممن بعدهم بالعلم وبالرسالة يخفى على غيرهم من باب أولى إذا كان هؤلاء خفي عليهم الأمر وقالوا: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) يدل هذا على أن غيرهم أيضا يخفى عليه إذا كان ابتعد عن الوحي وعن الكتاب وعن السنة وهذا يفسر لكم أسباب الضلال العريض الذي يقع فيه الناس هو ماذا؟ هو البعد عن المصدر والمنبع الصافي كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- .
قالوا: (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) فماذا قال -عليه الصلاة والسلام-؟ قال: الله أكبر. وفي رواية قال: سبحان الله!! يعني أنزه الله لأن هذا الذي قلتموه وهذا الذي طلبتموه وأردتم هذا أمر ينزه الله عنه لأن هذا شرك، والله ينزه عن ذلك قد مر معنا قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿108﴾﴾ [يوسف: 108] أي: أنزه الله فلما قالوا هذه المقالة نزه النبي -صلى الله عليه وسلم- ربه -سبحانه وتعالى- بالتسبيح قال: سبحان الله. أي: أنزه الله عن ذلك فتعالى الله وتنزه وتقدس عن ذلك، ثم قال لهم مبينا ومعلما وموجها قال: (قلتم -والذي نفسي بيده-) ويقسم على ذلك بالله، وهذا الحلف في التعليم، والحلف في الفتوى لتأكيد المقام وتبيانه.
(قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) يعني: مقولتكم هذه مماثلة لمقولة أولئك (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) وأنتم رأيتم هؤلاء يعكفون على هذه الشجرة وينوطون بها أسلحتهم وطلبتم مثلهم فالصحابة هؤلاء تبين لهم الأمر وعرفوا الحقيقة وانتهو، وهذا أيضا نستفيد منه فائدة مهمة ألا وهي أن مسؤولية الدعاة وواجبهم نحو الناس عظيمة جدا؛ لأن كثيرا من الناس تجده يقع في هذه الأشياء أحيانا يقع فيها من شدة رغبته في الخير وحرصه على الخير، لكنه لما لم يكن عنده علم وبصيرة ودراية وقع في هذه المنزلقات فإذا ما بين له الأمر ووضح له الحكم رجع بإذن الله -سبحانه وتعالى-.
أضرب مثالا على ذلك: أذكر مرة من سنوات كان إلى جنبي رجل، وكنا في مسجد صلينا المغرب وجلسنا، أنا كنت جالسا وأنا لا أعرف أنه جالس إلى جنبي من إحدى الدول، وماد يديه ويدعو –حقيقة- دعاؤه أثر فيّ لأني لا أسمع ألفاظا في الدعاء لكني أسمع بكاءه يبكي وخاشع جدا في بكائه فأثر فيّ خشوعُه وبكاؤه ثم رفع صوته في الدعاء وإذا به يدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- من دون الله: مدد يا رسول الله، أدركني يا رسول الله. ماد يديه ويدعو أنا كنت متأثرا به، فتأثرت له، متأثر به، خاشع الرجل، ثم تبين أن خشوعه في دعاء غير الله -سبحانه وتعالى- مدد يا رسول الله، أدركني يا رسول الله، الحقيقة تدرجت معه في الكلام حتى أتلطف معه وأسأله عن صحته وعن أولاده وعن أهل بيته وعن كذا أمور، ثم قلت له الدعاء عظيم ومكانته عظيمة والحاجة إليه شديدة والدعاء مفتاح كل خير وأخذت أذكر له فضل الدعاء ثم بدأت أسوق له الآيات التي فيها بطلان صرف الدعاء لغير الله وذكرت له آيات كثيرة جدا وأحاديث مثل قوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأحقاف: 5] وقوله: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴿56﴾﴾ [الإسراء: 56] إلى غيرها من الآيات وذكرت بعض الأحاديث فأحببت بعد أن انتهيت أحببت أن أطمن هل فهم استوعب أو لا؟ فقلت له ما رأيك في هذا الكلام قال لي: تقول لي ما رأيك؟ هذه آيات وأحاديث وتقول لي ما رأيك؟ هذا ما فيه رأي لأحد هذا كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- فأحببت أن أطمئن أكثر هل فهم أم لا ، قلت له: أنا سمعتك تدعو الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأين أنت من هذه الآيات وهذه الأحاديث وهي واضحة أليست خلاف العمل الذي أنت تفعله؟ فماذا قال؟ قال لي: أنا من بلد كذا -سما لي بلده- ما أحد قال لي هذا الكلام، أنا من بلد -سما لي بلده- قال: ما أحد قال لي هذا الكلام، يعني: كلام واضح.
فإذن كثير من الناس قريبين لكن يحتاجون لأن يبين لهم هؤلاء الذين يتعلقون بقباب أو بأشجار لو قَرَأتَ عليهم هذه الآيات وهذه الأحاديث وبَيَّنْتَ لهم ووضحت فإنهم بإذن الله -سبحانه وتعالى- يرجعون ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يهدي الضلال عن الحق إلى سواء السبيل، وأن يبصرهم بدينه، وأن يردهم إليه ردا جميلا، وأن يعيذنا وإياهم من الشيطان الرجيم، وأن يبصرنا بديننا، وأن يوفقنا جميعا لاتباع نبينا -صلى الله عليه وسلم- إنه ولي ذلك والقادر عليه والله تعالى أعلم.
يسأل عن تقبيل الحجر الأسود والركن اليماني وهل هناك فرق بين التقبيل والتقديس أو التبرك بهما؟
فيما يتعلق بتقبيل الحجر الأسود واستلام الركن اليماني على ضوء درس اليوم وما سمعناه ما هو تقبيل الحجر الأسود وما المراد به؟
والجواب على ذلك نجده في كلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشهيرة التي أعلنها في وسط الحجاج حتى يعوا الأمر على حقيقته ويتبينوه فعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قبل الحجر الأسود ثم قال وأسمع الناس قال: (أما إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك) فتقبيل المسلمين للحجر الأسود ليس طلبا منهم للبركة من جهته واستلامهم للركن اليماني ليس طلبا للبركة من جهته وإنما هو اتباع واقتداء للرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- ولهذا قال عمر -رضي الله تعالى عنه- ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك، فهذا عمل فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- على وجه التعبد لله والطواعية له والامتثال لأمره الله -جل وعلا- قال: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿29﴾﴾ [الحج: 29] فطاف -عليه الصلاة والسلام- حول البيت سبعة أشواط طواعية وامتثالا وتذللا وانكسارا لله -بحانه وتعالى-وتقبيل الحجر واستلام الركن اليماني هو عبادة لله، وطاعة لله -بحانه وتعالى-فيما أمر وليس هو طلب للبركة من جهته، البركة تطلب من الله -بحانه وتعالى-لا تطلب إلا منه الشفاء والعافية والصحة والنماء والزيادة والخير كل هذا لا يطلب إلا من الله فإذن الجواب على هذا السؤال هو في كلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: (أما إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك).
وجاء في رواية منكرة باطلة لا تصح أن عليا -رضي الله تعالى عنه- قال: بل هو يضر وينفع.وهذه كما بين الحافظ في فتح الباري وغيره من أهل العلم: إنها باطلة لا تصح، منكرة، وسندها أيضا غير مستقيم.
الباب الأول فيه سؤال في حديث معاذ بن جبل كيف استدللنا أن عرق الحمار طاهر هل هناك دلالة؟ مثلا الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا طبع عرق الحمار في ملابسه وتراه نزل من الحمار وصلى وهناك دلالة واضحة استدللنا عليها من خلال الحديث أن عرق الحمار طاهر، وهل الحمار هو في أساسه نجس فكيف ذلك نرجو التوضيح؟
المسألة هذه ما أذكر أننا تطرقنا لها فيما يتعلق بالباب الأول حديث معاذ لكن لا بأس، قد طرح الأخ السؤال، معاذ يقول كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- -عليه الصلاة والسلام- على حمار وكان -عليه الصلاة والسلام- يركب الحمار والصحابة يركبونه ويباشر عرقه أجسادهم وكان يأتي إلى المسجد بثيابه التي باشر بها ركوب الحمار فعرقه طاهر، ملامسة البدن هل طاهر؟ وهذا من الأدلة الدالة على ذلك في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الكريم -عليه الصلاة والسلام- وأيضا في أفعال الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- بإقراره صلوات الله وسلامه عليه.
يقول: يعتقد بعض الناس بحضور البركة عند حضور عالم أو داعية أو عابد أو مولود فيقول مثلا زارتنا البركة أو البركة بوجودك أو شيء من هذا؟
هذه الكلمة يقولها بعض الناس مثلا إذا لقي عالما أو زاره عالم يقول :زارتنا البركة أو نحوها من هذه العبارات، واجتناب هذا اللفظ أولى، وإن كان المقصود به في الغالب صحيح يقول: زارتنا البركة؛ لأن العالم إذا زارك وجلست عنده ستسمع منه خيرا تسمع منه علما تسمع منه فائدة وفي قوله تبارك وتعالى ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴿74﴾﴾ [الفرقان: 74] ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ ﴾ [مريم: 31] قال بعض أهل العلم لا يكون الإنسان مباركا أينما كان إلا إذا كان في كل مكان يأتي إليه يفيد الناس فالبركة في الفائدة تعليم الناس العلم، وتعليمهم الحق، وبيان الدين لهم، وعرض الآيات، هذا الذي تحصل به البركة، فالبركة بهذا، ومن يقول: زارتنا البركة، أي: أن مجلسنا سيكون فيه ذكر وسيكون فيه علم وسيكون فيه مدارسة واستدلال بالآيات والأحاديث وهذه بركة ولا شك، بركة تحصل بمدارسة العلم وبلقاء لعالم وزيارة العالم لا شك أن هذه بركة، وإذا كان هذا هو المقصود والغالب أن هو الذي يقصد فهذا المعنى صحيح.
إذن البركة فيما يقول لا في ذاته
البركة في العلم والهدى والهدى والحق والتعليم والتوجيه وتربية النفس على دين الله جل وعلا.
بالنسبة لضابط الشرك الأصغر وضابط الشرك الأكبر هل هو إذا كان يعتقد أن أي شيء سبب هل هو شرك أصغر؟ وإذا اعتقد أنه ينفع أو يضر من دون الله هل يكون شركا أكبر، إذ كان يعتقد أن كل شيء سببا وهل قول المشركين: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3] هل يعتقدون أنه سبب للتقريب من لله، يعني: هل هو شرك أصغر أو أكبر قولهم هذا؟
ذكرت في درس ماضٍ أن الشرك الأكبر يختلف عن الشرك الأصغر في الحد والحكم، فحدهما مختلف، وحكمهما أيضا مختلف، فرق بينهما في الحد والحكم أما الحد فالشرك الأكبر هو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله سواء الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، فمن أعطى غير الله شيئا من خصائص الله في ربوبيته، أو شيئا من خصائصه في أسمائه وصفاته، أو شيئا من خصائصه في ألوهيته -فقد أشرك؛ ولهذا قال العلماء: إن الشرك الأكبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام باعتبار أقسام التوحيد الثلاثة فكل قسم منها يضاده نوع من الشرك، فهناك شرك في الربوبية، وهناك شرك في الأسماء والصفات، وهناك شرك في الألوهية، هذا من حيث الحد، حد الشرك الأكبر.
والشرك الأصغر هو ما جاء تسميته في الشرع النصوص شركا ولا يصل إلى هذا الحد مثل الألفاظ التي تقع من الناس، وسيأتي معنا أبواب كثيرة من هذا النوع: "لولا البط لجاءنا اللصوص" "لولا قائد السفينة لغرقنا" وأيضا قول "عبدي وأمتي" ومثل الحلف بغير الله ونحو ذلك فهذه جاء تسميتها في الشرع شركا وتنديدا، ولكن لا تبلغ في أمرها حد الأكبر، فإذن اختلاف في الحد أما الاختلاف في الحكم فالشرك الأكبر صاحبه يوم القيامة مخلد في نار جهنم وصاحب الشرك الأصغر صاحبه ليس كذلك.
تقول: ما حكم المسح على الوجه بعد تلاوة آيات الله ونقول أيضا ما حكم التبرك بالمصحف بعضهم يضعه في مكان أو يتبرك به يسمح عليه؟
المسح على الوجه مسح اليدين على الوجه بعد الدعاء هذا ورد فيه حديث لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول شيخ الإسلام لا تقم به حجة، غير ثابت فلا يفعل، لا يسمح وجهه بعد الدعاء؛ لعدم ثبوت الحديث، ومن قال بالمسح ربما أنه يرى أن الحديث ثابت، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول ورد فيه -أي المسح- حديثان لا تقوم بهما حجة.
وأيضا فيما يتعلق بالقراءة قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثبت في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي-صلى الله عليه وسلم- يقرأ وينفث ويمسح بهما وجهه، وهذا المسح فيه استشفاء بالقرآن، فالقرآن كلام الله -عز وجل- وفيه بركة في كلام الله والله جعل فيه شفاء لما في الصدور شفاء للمؤمنين: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا ﴿82﴾﴾ [الإسراء: 82] ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾ [فصلت: 44] القرآن فيه شفاء وسورة الفاتحة تسمى الشافية فيها شفاء فكان يفعل ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فهذا ثابت ويفعل.
ولسؤالها بقية تقول التبرك بالمصحف، التبرك بالمصحف ليس بمسح اليد على المصحف ولا بمسح المصحف على الوجه أو نحو ذلك، التبرك به وطلب البركة بقراءة القرآن وفهم القرآن والعمل بالقرآن بهذه الأمور الثلاثة كما قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121] ومر معنا النهي عن تعليق التميمة من القرآن، وأن هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم والذي يريد البركة يقرأ القرآن ويتدبر القرآن ويعمل به حتى يكون من التالين له، لا أن يكون القرآن مجرد أشياء تعلق أو لوحات توضع في أماكن، وإنما بالتلاوة والتدبر والعمل بالقرآن الكريم.
nary_jon
06-05-2008, 03:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم [/COLOR]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الثاني عشر
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
الدرس الثاني عشر
شرح كتاب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله آصحابه أجمعين، أما بعد،
فدرس هذا اليوم في باب يتعلق بعبادة عظيمة وطاعة جليلة وقربة مباركة، يتقرب بها المسلم إلى الله -جل وعلا- ألا وهي الذبح.
فالذبح عبادة من أجل العبادات وقربة من أعظم القربات؛ بل هي من أفضل العبادات المالية، ولهذا يأتي ذكرها مع أفضل العبادات البدنية وهي الصلاة، كما سيأتي في بعض الأدلة.
فالذبح عبادة وقربة وطاعة يتقرب بها المسلم لربه -جل وعلا- وإذا تقرب بها إلى غير الله فهذا شرك بالله؛ لأنها عبادة لا يتقرب بها إلا إلى الله -جل وعلا- فمن ذبح لغير الله فقد أشرك.
والمؤلف -رحمه الله- من نصحه للأمة وبيانه للمسلمين عقد ترجمة في التحذير من الذبح لغير الله، وذكر الأدلة على أنه من الشرك ومن الإثم العظيم والذنب الوخيم، وأورد في الترجمة من الدلائل والنصوص ما يشهد لما أراده وقصده -رحمه الله- فنستمع الآن إلى الباب والأدلة التي أوردها -رحمه الله- فيه.
قال المصنف -رحمه الله-: (باب ما جاء في الذبح لغير الله، وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿163﴾﴾ [الأنعام:162، 163]).
قال المصنف -رحمه الله- شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد: (باب ما جاء في الذبح لغير الله) ما جاء في الذبح لغير الله، أي: من الوعيد الشديد (ما جاء) أي: في القرآن والسنة (في الذبح لغير الله) أي: في صرف هذه العبادة لغير الله -عبادة الذبح- من الوعيد الشديد، وأنه شرك بالله -جل وعلا- لأن الذبح كما قدمت عبادة وقربة يتقرب بها إلى الله -سبحانه وتعالى- وهي عبادة عظيمة، فيها من الإيمان والثقة بالله، والتوكل عليه سبحانه، ورجاء ثوابه، وخوف عقابه، وطلب رحمته وغفرانه، تحقيق تقواه فيها معاني عظيمة وجليلة خاصة إذا استحضر الذابح وقت ذبحه وتقربه هذه المعاني الجليلة، والله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ [الحج: 37] ولهذا يجب على من ذبح لله أن يتقي الله في ذبحه، وأن يحسن في تقربه إلى الله -جل وعلا- بهذه العبادة، وهذه العبادة شأنها كشأن غيرها من العبادات، لا تصرف إلا لله، فإذا صرفت لغيره فهذا من أعمال الشرك، وفعل المشركين، المتقربين إلى غير الله بحق الله -سبحانه وتعالى- فقوله: (باب ما جاء في الذبح لغير الله) أي: من الوعيد الشديد وأنه من الشرك بالله -عز وجل- وأورد -رحمه الله- على ذلك بعض الأدلة، من القرآن والسنة، فأورد أولاً قول الله -عز وجل-: (﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿163﴾﴾ [الأنعام:162، 163]) قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ هو الشاهد من الآية للترجمة، والنسك هو الذبح، المراد بقوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، فكما أن الصلاة لله فالنسك لله، وكما أن الصلاة عبادة لله لا يجوز صرفها لغيره فالنسك كذلك عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، فمن صرفها لغيره فقد أشرك ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ ﴿163﴾﴾ [الأنعام:162]، فهي حق لله الصلاة والنسك والمحيى والممات، أي: ما يحيى عليه العبد من الإيمان والعمل الصالح وما يموت عليه لله، فيكون الإنسان في حياته وفي تقربه وفي أعماله وفي طاعاته كلها لا يبتغي بها إلا وجه الله -عز وجل- ويكون بعيدا عن الشرك ﴿للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ ﴿163﴾﴾ فهذا فيه معنى "لا إله إلا الله" صرف العبادة لله وعدم صرف شيء منها لغيره.
﴿للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ ﴿163﴾﴾ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بهذا الإخلاص وأمر بهذا التوحيد، وأمر بالدعوة إلى الإخلاص والدعوة للتوحيد؛ ولهذا فإن من ذبح لغير الله خرج عما أمر به النبي -عليه الصلاة والسلام- وناقض الشريعة، ووقع في الشرك، وظلم نفسه في ارتكاب أعظم محرم، ولم يستفد لا في دينه ولا في دنياه؛ لأن من يتقرب لهم بذبح القربان وذبح النسك من شجر أو حجر أو قبر أو غير ذلك لا يغنوا عنه من الله شيئًا، ولا يستحقون شيئًا من هذه العبادات، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿163﴾﴾ هذا الدليل الأول وفيما يتعلق بالذبح.
أنبه على مسألة مهمة حتى يضبط هذا الموضوع: الذبح له شقان وجانبان وتقرب الإنسان بالذبيحة له جانبان: جانب الاستعانة، وجانب قصد القربة، الذي هو العبادة، وكلا الجانبين يجب أن يكون فيهما الناسك والذابح والمتقرب مخلصا لله، مخلصا في استعانته ومخلصا في عبادته، فهما جانبان، الاستعانة والعبادة، الاستعانة، من يذبح يذكر اسم الله على ذبيحته، يقول: بسم الله، والباء للاستعانة، فيذبح باسم الله، مستعينا بالله -تبارك وتعالى- متوكلا عليه معتمدا عليه، ويذبح لله ،أي: يقصد بذبيحته ونسكه وجه الله، فالأول جانب الاستعانة والثاني جانب العبادة وكلاهما يجب أن يكون العبد فيهما مخلصا لله -سبحانه وتعالى- فيذبح بسم الله ويذبح لله قاصدا بذبيحته وجه الله، فمن ذبح بغير اسم الله أشرك بالاستعانة، ومن ذبح لغير الله أشرك في العبادة، إذن أحوال الناس في هذا الباب أو القسمة في هذا الباب تكون رباعية، من ذبح باسم الله لله، فهذا موحد في استعانته وفي عبادته، ومن ذبح باسم غير الله متقربا إلى الله، فهذا مشرك في الاستعانة، ومن ذبح باسم الله متقربا لغير الله فهذا مشرك في العبادة، ومن ذبح باسم غير الله متقربا لغير الله مشرك في الأمرين، والموحد من هؤلاء من ذبح باسم الله لله، لا يذكر على ذبيحته إلا اسم الله يهل بها ويذبحها باسم الله متقربا بها إلى الله فيخلص في الاستعانة ويخلص في العبادة، هذا جانب مهم ينبغي أن يعلم فيما يتعلق بالذبح، الذبح باسم الله ولله، باسم الله مستعينا ولله متقربا.
يشمل يا شيخ الذبح في جميع الأنواع، سواءً كانت في الأنعام أو كانت غيرها؟
الذبح عبادة وقربة لا يذبح شيء ويتقرب به إلا إلى الله، ومن ذبح شيئًا أيا كان متقربا به لغير الله ولو كان من أحقر الحيوان فقد أشرك.
بعضهم يسأل يا شيخ مثلاً شيء يذبحه حتى يأكل منه ويستفيد منه، كيف يكون التقرب إلى الله؟
هذا يعني ذبح للأكل فهو لم يذبحه للتعبد، وإنما ذبحه للأكل وللطعام، فذبحه ليأكل وذبحه ليطعم منه ويطعم منه غيره، هذا الذبح يكون عبادة إذا صحت فيه النية بأن يذبحه ليأكل ويطعم ويتقوى به بدنه على طاعة الله وعبادته يدخل من هذه الجهة في العبادة.
قال المصنف -رحمه الله-: (وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿2﴾﴾ [الكوثر:2 ]).
قال -رحمه الله-: (وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿2﴾﴾ [الكوثر:2 ]) الشاهد من الآية قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: وانحر لربك لا لغيره، كما هو الشأن في الصلاة وفي هذه الآية جمع بين الصلاة والنحر كما هو الشأن في الآية التي قبلها، في الآية التي قبلها جمع بين الصلاة والنحر، وهذه الآية جمع فيها بين الصلاة والنحر، والصلاة أفضل العبادات البدنية، والنحر من أفضل العبادات المالية، وفيهما من التذلل والخضوع والانكسار وطلب الثواب ورجاء رحمة الله ومغفرته فيهما معاني عظيمة جدًا، وقد جمع الله بينهما في هاتين الآيتين قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿2﴾﴾ أي: له لا لغيره، وكما أن الصلاة لا يجوز صرفها لغير الله فالذبح لا يجوز صرفه لغير الله.
قال المصنف -رحمه الله-: (وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: (حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثا ولعن الله من غير منار الأرض) رواه مسلم).
ثم أورد الشيخ -رحمه الله- هذا الحديث، حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهو في صحيح مسلم، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات) وهنا قوله: (كلمات) أطلقت الكلمة على الجملة؛ لأنها أربع جمل، والجملة يقال لها كلمة، بل أوسع من ذلك الخطبة يقال لها كلمة، ألقى كلمة مثلاً يقال: ألقى كلمة، وهنا (حدثني بأربع كلمات) المراد أربع جمل، أربع جمل فكل جملة كلمة.
وقوله تعالى يا شيخ: ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾[إبراهيم: 24]
كلمة التوحيد ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: 24] كلمة التوحيد، فهي جملة مفيدة، لا إله إلا الله جملة مفيدة وقيل عنها كلمة، وأيضًا مثله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿99﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴿100﴾﴾ [المؤمنون: 99، 100] قال: (حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات) الكلمات هي جمل مفيدة كلها فيها لعن لفاعلين لأمور معينة ومخالفات في أربعة أمور، كلها صدرت باللعن، واللعن هو الطرد، والإبعاد من رحمة الله، والملعون هو المطرود المبعد من الرحمة، وهذا يدل على شناعة هذه الأمور الأربع التي جاء فيها اللعن، قال: (حدثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله) وذكر الأمور الأخرى، هنا البدء باللعن لمن ذبح لغير الله، ماذا نستفيد منه على ضوء قاعدة أو تأصيل سبق أن ذكرته في درس ماض؟
البدء بالأهم
بدأ بالأهم والقاعدة في هذا الباب.
يبدأ بالنهي الأعظم ثم الأذل
نعم، طيب تذكر مثالا مما مر معنا في الدروس الماضية؟
نعم
مثل؟
حينما بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: (إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله)
هذا مثال من السنة، تذكر مثالا من القرآن؟ مما مر معنا، أيضاً مر معنا أمثلة كثيرة؟ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ [الإسراء: 23] ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ [النساء: 36] وآيات كثيرة مرت معنا يبدأ بالأهم، مثلما تفضلت الحديث فيه أربع كلمات وبدأ بالأهم، قال: (لعن الله من ذبح لغير الله) الذبح لغير الله شرك، والأمور الآتية كبائر، واللعن يدل على أن الفعل الذي جاء في حقه اللعن من الكبائر، يعني من علامة أن الأمر كبير لأن يصدر بلعن، هذا مما ذكره أهل العلم في ضابط الكبيرة، ضابط الكبيرة مما ذكره أهل العلم فيه أن يكون مصدر بلعن، فإذا صدر بلعن فهو من الكبائر، فهذه الأمور الأربع كلها كبائر، وأكبرها وأعظمها ما بدأ به وهو الذبح لغير الله، وبدأ به لأنه أكبرها، وهو شرك بالله -عز وجل- قال: (لعن الله من ذبح لغير الله) ففيه لعن لمن يذبح لغير الله أيا كان سواءً ذبح لملك مقرب أو نبي أو ولي أو شجر أو حجر، الذبح لغير الله لا يجوز أيا كان، الذبح عبادة لا تصرف إلا لله -سبحانه وتعالى- والله -جل وعلا- أمر نبيه -عليه الصلاة والسلام- أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿162﴾ لاَ شَرِيكَ لَهُ ﴿163﴾﴾ [الأنعام:162، 163] فقال: (لعن الله من ذبح لغير الله) هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني قال: (لعن الله من لعن والديه) ولاحظ ذكر حق الوالدين بعد حقه مثل الآية ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] هذا حق الله، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ [الإسراء: 23] حق الوالدين ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: 14] ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ [النساء: 36] فهذا مثله، وهذا يدلنا على عظم شأن حق الوالدين، يذكر حقهما عقب حقه، فهنا لعن من جعل حقه لغيره فقال: (لعن الله من ذبح لغير الله) والأمر الثاني: لعن من لعن والديه، وقوله: (لعن الله من لعن والديه) يشمل من لعنهما ابتداءا أو تسببا، ما معنى تسببا؟
بأن يلعن مثلاً والدي شخص معين أمامه، فيرد ذلك عليه بالمثل
هذا هو الجواب، اللعن بالتسبب يوضحه ما جاء في الحديث لما قال الصحابة: (وهل يلعن الرجل والديه) لما عد من الكبائر: (لعن الرجل والديه، قالوا: وهل يلعن الرجل والديه) يعني: أمر مستبعد، مع أنه في بعض الأماكن -والعياذ بالله- بين بعض الصبية والأولاد يمكن مثل "السلام عليكم" على لسانه لعن والديه ولعن كذا، وهذا من أخطر الأمور التي تجري على لسان بعض الصغار وهذا من حماقتهم وسفههم وقلة الدين، يجري على لسانه سب الوالدين، عند أي خطأ إذا دفعله زميله أو كذا رأسا يشتم الوالدين، فبعضهم يشتم والديه ابتداء هذا الأمر الذي استبعده الصحابة قالوا: (هل يلعن الرجل والديه) هذا المستبعد موجود في بعض الشباب الطايش الضائع يشتم والديه مباشرة، والأمر الثاني بالتسبب، قالوا: (وهل يلعن الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه فيسب أمه) هذا تسببا، يكون سبب، والحديث يدل على أن الأمر ينسب لمن تسبب فيه؛ لأنه قال: (لعن الله من لعن والديه) فإذا كان تسبب لهما في اللعن فينسب إليه هذا الأمر، فإذن الحديث يشمل من لعنهما ابتداء أو لعنهما تسببا، يعني: بأن تسبب في لعن والديه، وهذا يدل على خطورة الأمر وأنه من الكبائر، بل إن هذا من أعظم وأشنع ما يكون في حق الوالدين إذا كان الله نهى أن يقول لوالديه "أف" وهي مكونة من حرفين، "أف" يعني: يتأفف منهما ويتضجر ويتململ ويبدي لهما تضجره، نهى الله عن ذلك ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمً﴾ [الإسراء: 23] إذا كان الله نهى عن ذاك، فكيف بمن يسب الوالدين والعياذ بالله سواءً بسبهما ابتداء أو سبهما بالتسبب.
قال: (لعن الله من لعن والديه).
والأمر الثالث: قال: (لعن الله من آوى مُحْدِث) محدث شخص مرتكب لحد يستحق به العقوبة فيأويه إنسان ويحول بينه وبين أن يعاقب، فيؤويه، ويروى مُحْدَثاً (من آوى محدث) أي أمراً محدَثا أي: مبتدعا (من آوى محدث) أي: أمراً محدثا مبتدعا، وليس شخصاً (آوى محدث) أي: نصر البدعة وحماها وآذرها، وسعى في بقائها، فهذا أيضاً عرضة لهذا اللعن (لعن الله من آوى محدث).
والأمر الرابع: (لعن الله من غير منار الأرض) ومنار الأرض هو العلامات التي تعرف بها حدود الأراضي التي تميز أرض زيد من عبيد، فيكون أحياناً التغيير للاعتداء والاقتطاع من أرض الغير وكما جاء في الحديث: (من اقتطع شبرا طوقه يوم القيامة من سبعة أراضين) فيغير منار الأرض يخلع العلامة التي تميز أرضه عن أرض جاره، ويدخل العلامة في أرض جاره حتى تتسع أرضه وتضيق أرض جاره، هذا داخل في قوله: (من غير منار الأرض).
وأيضًا يدخل في هذا منار الأرض أي: العلامات التي يهتدى بها، التي يهتدى بها يعرف الناس بها الطرق، مثل اللوحات الإرشادية البلد الفلاني يعطيك سهمًا هكذا، لو أن إنسانا غيرها وجعل السهم متجها إلى جهة أخرى والناس ستضيع وتذهب إلى غير طريقها فيكون فيه تضليل للناس وإضاعة لهم عن الطريق القاصد، فهذا فيه اللعن (لعن الله من غير منار الأرض) أي: العلامات التي تميز الأرض عن غيرها أو أيضاً العلامات التي يهتدى بها في الطريق، الشاهد من الحديث أول كلمة فيه وهي: (لعن من ذبح لغير الله) واللعن يدل على خطورة الأمر وشناعته وأنه أكبر الكبائر ولهذا جاء في مقدمة هذه الكبائر.
شيخنا الكريم اللعن الأول تقول: أنه من الشرك، يعني: الذي يفعله يكون قد أشرك، وبقية الأقسام الثلاثة من الكبائر، لكن أليست معطوفة عليه، يعني: لماذا انفرد الأول بالشرك؟
النصوص دالة على أن هذا العمل شرك؛ لأنه صرف عبادة لغير الله، وكثيرا ما يأتي عطف الكبائر على الشرك (اجتنبوا السبع الموبقات) وذكر الشرك بالله والسحر وقذف المحصنات وعدد الموبقات (ألا أخبركم بأكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين وقول الزور) وتعطف الكبائر ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: 68] أول واحدة شرك والبقايا كبائر.
قال المصنف -رحمه الله-: (وعن طارق بن شهاب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب لهم شيئًا، قالوا لأحدهما قرب، قال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا: قرب ولو ذبابة، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر: قرب، قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئًا دون الله -عز وجل- فضربوا عنقه فدخل الجنة) رواه أحمد)).
ثم أورد المصنف -رحمه الله- هذا الحديث عن طارق بن شهاب مرفوعا، والحديث فيه بيان خطورة الذبح لغير الله ولو كان بأتفه شيء، فالذباب كما هو معلوم من أخس الحيوان وأحقره، وحيوان ما يؤبه به، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كما في هذا الحديث قال: (دخل رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب) وأنت عندما تسمع هذا الكلام لأول وهلة يشدك الأمر، يعني الذباب يدخل بسببه واحد الجنة وآخر النار!!! .
أمر يشد (دخل رجل الجنة في ذباب ودخل رجل النار في ذباب) أي: بسبب ذباب، دخوله النار بسببه والآخر دخوله الجنة بسبب الذباب، (قالوا: كيف) الأمر يشد (قال: مر رجلان) ولعل هذين من بني إسرائيل وكثيرا ما يأتي التحديث عنهما، عن بني إسرائيل وأفعالهم، قال: (مر رجلان على قوم لهم صنم) والصنم عرفنا المراد به فيما سبق، تمثال على هيئة شخص أو رجل يعبد من دون الله (فمروا على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب شيئً) أي شيء كان، لكن لا يسمحون لأحد يمر إذا وصل إلى ذلك المكان لا يمر حتى يقرب، وهذا يدل على تعلق أهل الباطل بباطلهم ونصرتهم للباطل، وتواصيهم عليه، وتعاونهم في غرسه والتمكين له بين الناس (فقالوا لأحدهما: قرب، قال: ما عندي شيء أقرب) هنا يحتمل أن هذا الرجل الأول يحتمل أنه مستعد للتقريب لكنه يعتذر أنه ما عنده شيء، ويحتمل أنه مكره وخاف من القتل، خاف من أن يقتل، فقال: (ما عندي شيء أقرب) يحتمل هذا ويحتمل هذا، وهذا ننتبه له، سيأتي بيان له (فقال: ما عندي شيء أقرب) فاحتمال أنه مستعد، لكن يقول: (ما عندي شيء أقربه) ويحتمل أنه لا يريد هذا الشيء لكنه خوفا من القتل، استجاب، قال: لكن ما عندي شيء أقربه (قالوا: قرب ولو ذباب) الذباب تافه وحقير حتى في عرف هؤلاء الذين طلبوا منه لكنهم يريدون تحقيق العمل الذي هو التقرب لغير الله لمعبودهم والتحقق من فعل من يمر حتى لو كان بذباب ما يبالون، إذن هم قصدهم ليس ذات العمل؛ لأن ذات العمل ذباب تافه ما يعني شيئًا، لكن يريدون الموافقة على العمل والتحقق موافقة وميل القلب إلى هذا الأمر الذي هم يفعلونه، حتى لو كان بذباب (قال: ما عندي، قالوا: قرب ولو ذباب) فصاد ذبابا وقطع عنقه قربه لهذا الصنم، فقالوا تمشي تركوه يذهب ومات ودخل النار.
فيه فائدة في قوله: (دخل رجل النار في ذباب) هنا قوله (دخل النار في ذباب) يدل على أنه مسلم في الأصل أو ليس بمسلم، لماذا لأنه قال: (في ذباب) الأصل أنه عمله عمل أهل الجنة، لكنه دخل النار في ذباب تحول من إسلامه الذي هو كان عليه، لأنه لو لم يكن في الأصل مسلم وكان كافرا ما يقال: دخل النار في ذباب؛ لأنه في الأصل من أهل النار في أعماله، لكن هنا قال: (دخل النار في ذباب) يعني بسببه، إذن هو كان مسلما، وانتقل من الإسلام إلى الكفر بماذا؟ بسبب الذباب، فإذا كان انتقل من الإسلام إلى الكفر بسبب الذباب فكيف بمن ينتقي أطيب الدواب، وأجود الماشية وأحسنها ويذهب بها إلى من يتقرب إليهم من قباب وقبور أو أضرحة أو غيرها ويذبحها عنده، إذا كان في ذباب ذبحها لغير الله دخل النار، والذباب من أحقر الحيوانات، فكيف بمن ينتقي أفضل الدواب وأطيب الماشية وأحسنها ويقدمها قربة إلى قبر أو ضريح أو أيا كان، أيا كان لأن الذبح عبادة لا تصرف إلا لله -سبحانه وتعالى- فهذا الأول.
قالوا: للثاني قرب، فانظر لقوة التوحيد عند أصحابه وأهله قال: (ما كنت لأقرب شيئًا لأحد دون الله عز وجل) ما أقرب إلا لله، حتى لو تذهب عنقي ما أقرب، وهذا من قوة توحيده وإيمانه، فقطعوا عنقه فدخل الجنة، مات في سبيل الله، قتل في سبيل الله امتنع من الشرك، فقتلوه.
الرجل الأول الذي دخل النار كما قلت لكم إما أنه رجل مستعد ومستجيب لكن ما عنده شيء يقربه فهذا الأمر فيه واضح وإما أنه مكره، فإذا كان مكرها فكيف يقال إنه دخل النار في ذباب وهو فعل ذلك مكرها؟! ولا إشكال في هذا كما بين ذلك أهل العلم بأن العذر بالإكراه هذا جاء في شريعة محمد -عليه الصلاة والسلام- رفع الله عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت عليه الناس، ومما يدل على ذلك الحديث: (إن الله يتجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) قوله: (أمتي يتجاوز عن أمتي) وأيضًا في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴿20﴾﴾ [الكهف: 20] لاحظ فيه رجم من أجل الإعادة في الملة، فلو أطاعوهم خوفا من الرجم، قال: ﴿لَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ ولهذا فيه كلام جميل جدًا أحيل الإخوة طلاب على أضواء البيان عند كلامه على هذه الآية، حقق هذه المسألة وأورد هذا الحديث وبين أنه لا إشكال في كونه مكره؛ لأن هذا في شريعة من قبلنا لا يعذر، ومن رحمة الله -عز وجل- بهذه الأمة أنه رفع عنهم ذلك، وإذا أكره فهو يعذر كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] فإذا كان القلب مطمئنا بالإيمان لم ينشرح الصدر للكفر وفعل الكفر خوفا من القتل لا رغبة في الكفر فهو معذور كما دلت على ذلك الآية الكريمة.
ثم إذا كان مكرها وغير معذور فالاستدلال به في هذا الباب هل هو مستقيم؟ نعم مستقيم؛ لأن المؤلف استدل به على تحريم الذبح لغير الله والحديث واضح في تحريم الذبح لغير الله وأنه من موجبات دخول النار، ومن أسباب دخول النار.
قال المصنف -رحمه الله-: (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله وقوله الله تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108]).
ثم عقد المؤلف هذه الترجمة الجديدة وهي لها تعلق بالترجمة السابقة، السابقة فيما جاء في الذبح لغير الله، وهذه في الذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله، الذبح لله أي مخلصا، ما جاء في الذبح لله أي مخلصا في ذبيحته لا يريد بها إلا وجه الله لكنه اختار مكانا لذبحها، اختار مكانا يعبد فيه غير الله، فما حكم ذلك هل يجوز؟ قال المصنف -رحمه الله-: (باب لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله) فالمكان الذي يعبد فيه غير الله لا يذبح فيه حتى لله على وجه الإخلاص لماذا؟ لأن هذا ذريعة للباطل ومشابهة لأهل الباطل في صورة العمل، فمن المعروف أن هذا المكان يذبح فيه لغير الله فمن جاء إلى المكان نفسه وذبح وهو بينه وبين نفسه يريدها قربة لله شابه أهل هذا الباطل وأيضًا أحيى الباطل في صورته، وإن كان هو في نيته مخالف لذلك ولا يريد الشرك، فهذا لا يجوز، لا يجوز الذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله، واستدل المصنف لذلك بقول الله تعالى: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108] والمراد ﴿فِيهِ﴾ أي مسجد الضرار الذي بناه جماعة من المنافقين بنوه في المدينة، وقالوا: نحن بنينا هذا المسجد من أجل الضعفة ومن أجل مساعدتهم في البرد وذكروا أغراض حميدة في ظاهر الأمر، وقالوا نحن قصدنا هذا الشيء، وأتوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أيام خروجه لتبوك، وطلبوا منه أن يصلي في هذا المسجد، أن يصلي فيه، فقال: إنا على سفر، وإذا عدنا من تبوك يكون ذلك، وذهب -عليه الصلاة والسلام- إلى تبوك، ولما رجع إلى المدينة وقرب منها نزلت عليه هذه الآية ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108] هو لما أقبل على المدينة وعدهم أنه إذا رجع، فلما أقبل على المدينة نزلت هذه الآية، وهي من جملة آيات في سورة براءة، وهي تسمى السورة الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين وكشفتهم؛ ولهذا يكثر في سورة براءة "ومنهم" "ومنهم" "ومنهم" وتذكر صفات فضائح للمنافقين.
ومن ضمن ما فضحهم الله -عز وجل- فيه هذا المسجد الذي بنوه في ظاهر الأمر أنه لمساعدة الضعفة وإيوائهم إلى آخره وهم في الحقيقة بنوه إرصادا لمن حارب الله ورسوله وإيذاءً للمسلمين وقصدا للإغراء بالإسلام وأهله، بنوه لهذا الغرض فالشاهد قوله: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108] ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الأرض جعلت مسجدا وطهورا، لكن هذه البقعة المعينة بنيت على غير التقوى، بنيت على أساس الباطل والضلال ومحاربة الإسلام والمسلمين، فنهى -عليه الصلاة والسلام- على أن يقوم فيه قال: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: 108] فالاستدلال من الآية واضح، المكان الذي أعد للظلم وللبغي وللعدواون على الإسلام والمسلمين ليس مكانا صالحا أن يكون للعبادة والتقرب وهذا فيه تعزيز للغرض الذي أقامه أهله لأجله، وإذا كان هناك مكان تعاهد أهل الشرك وأهل الباطل أنهم يذبحون فيه ويقربون فيه النذور لغير الله قصد هذا المكان للذبح لغير الله فلا يجوز لأن المكان مؤسس على الضلال والباطل والشرك وسيأتي معنا الحديث وهو صريح في الترجمة.
قال المصنف -رحمه الله-: (عن ثابت بن الضحاك قال: (نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أوفِ بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه ابن أبي داود وإسناده على شرطهم).
هل يمكن أن تعيد أول الحديث فقط؟
(عن ثابت بن الضحاك قال: (نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟)).
أثابك الله، أورد هنا المصنف -رحمه الله- هذا الحديث في سنن أبي داود حديث ثابت بن الضحاك: (أن رجلاً نذر أن ينحر إبلا ببوانة) بوانة ما هو؟ موضع، وهو هضبة معروفة قريبة من ساحل البحر الأحمر، فالرجل نذر أن ينحر إبلا في ذلك المكان بعينيه، يعني: نذر أن ينحر في ذلك المكان المعين ببوانة، وجاء يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- هل يفي بهذا النذر الذي هو التزمه والنذر يوجب على نفسه، النذر هو أن يوجب على نفسه ما ليس واجبا عليه، هو ليس واجبا عليه أن يذبح هذه الإبل، لكن إذا أوجبها على نفسه وأدخلها في ذمته وألزم ذمته بها فهذا نذر، (نذر أن يذبح إبلا ببوانة) أي: بذلك المكان، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- وجه إليه بعض الأسئلة، قال: (هل فيه -يعني ذلك المكان- عيد من أعياد الجاهلية؟ قال: لا، قال: هل فيه وثن من أوثانهم؟ قال: لا، قال: أوفِ بنذرك) لاحظ هنا أن الحكم الذي هو قوله: (أوفِ بنذرك) متعلق بالوصف، هل فيه كذا هل فيه كذا قال: لا، قال: (أوفِ بنذرك)، يعني أوفِ بنذرك ما دام أن الموضع كذلك، ليس فيه هذه الأشياء أما لو كانت هذه الأشياء موجودة لما أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالوفاء وإلا ما فائدة الاستفصال؟! هل فيه كذا وهل فيه كذا والرجل يقول: لا، قال: (أوفِ بنذكر) أي: أوفِ به ما دام هذا الموضع هذه حاله، أما لو كان فيه عيد من أعيادهم أو فيه وثن من أوثانهم، فالوفاء في هذه الحال لا يجوز.
قال: (هل فيه عيد من أعيادهم)، والعيد اسم يدل على معنى الاجتماع ليوم يتكرر إما في السنة أو في الشهر أو في الأسبوع ويتبع هذا الاجتماع عادات وعبادات، ويسمى عيدا للمعاودة والتكرر إما في سنة أو في شهر.
فقال: (هل فيه عيد من أعيادهم؟) هل هذا المكان متخذ لعيد من أعياد الجاهلية، يجتمعون فيه في يوم أو في شهر أو في أسبوع معين لأعمال أو عادات خاصة بهم في ذلك؟ قال: (لا، قال: هل فيه وثن) يعني: هل فيه صخرة أو صنم أو شجرة أو أيا كان يعبد قال: (لا، قال: أوفِ بنذرك) يعني: ما دام أن الموضع خالٍ من هذه الأشياء أوفِ به، إذن الحديث واضح الدلالة على أنه لا يجوز أن يذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله، وهذا واضح في الاستفصال الذي في الحديث وأيضًا افتاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له بقوله: (أوفِ بنذرك) فتوى متعلقة بالوصف المذكور في الحديث، قال: (أوفِ بنذرك) تتمة الحديث (أوفِ بنذرك...)
( فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله).
قال: (فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله) لأن إذا كان المكان مكان شرك أو مكان أعياد جاهلية فهذا معصية أن يقصد الإنسان التقرب إلى الله -عز وجل- في مكان الجاهلية ومكان عبادة غير الله -سبحانه وتعالى- ويكون في الصورة مشابها لأعمال المشركين.
(لا نذر في معصية الله، ولا في ما لا يملك ابن آدم) يعني: لا يجوز الوفاء فيما لا يملك الإنسان مثل لو قال قائل: لو مثلاً نجحت أتصدق بسيارة تركي وهو لا يملكها، أو أتصدق بشيء لا يملكه فما لا يملكه ابن آدم ليس له، إنما هو حق الغير حق الآخرين، قال: (ولا وفاء في ما لا يملك ابن آدم) وإذا نذر الإنسان نذر معصية مثل هذا الذي جاء في الحديث، عرفنا أنه لا وفاء، لكن هل عليه كفارة، هل يكفر كفارة يمين؟ أو أنه لا يفي وانتهى الأمر؟ قولان لأهل العلم: واختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه لا كفارة عليه، وبعض أهل العلم ذهبوا أن عليه كفارة ومن قال: ليس عليه كفارة استدل بمثل هذا الحديث، حديث الترجمة، والله تعالى أعلم.
أسئلة الموقع:
الأخ الكريم يقول: يا فضيلة الشيخ ما حكم من يذبح لغير الله جهلا؟
الذبح كما عرفنا في هذه الترجمة وفي الأدلة التي ساق المصنف -رحمه الله- عبادة لا يتقرب بها إلا إلى الله -سبحانه وتعالى- فالتقرب بها إلى غير الله شرك، ومن يقول "لا إله إلا الله" يجب عليه أن يحقق هذه الكلمة ويعرف من خلالها أن فيها نفيا للعبادة عن من سوى الله وإثبات العبادة بكل معانيها لله وحده حتى ينعقد التوحيد عنده بالإخلاص وتحقيق العبادة لله -تبارك وتعالى- والذبح عبادة ومن يذبح لغير الله لقبر أو لشجر أو لحجر، أو لغيرها هو يذبح تقربا، والتقرب لا يكون إلا لله وابتغاء القرب لا يكون إلا إلى الله -سبحانه وتعالى- فهو الذي أنعم بالذبيحة وأنعم بنعمه المتعددة وعطاياه المتنوعة والذي يقول: "لا إله إلا الله" وينطق بهذه الكلمة ويحققها لا يكون نطقه بها مجرداً، والأماكن التي يفشوا فيها هذا الجهل من القائلين لـ"لا إله إلا الله" تعظم المسئولية على الدعاة وعلى العلماء وعلى طلاب العلم أن يبينوا للناس منافاة هذا الذبح لغير الله للتوحيد الذي خلق الإنسان لأجله وأوجد لتحقيقه.
الأخ الكريم يقول: جرت العادة عند أكثر الناس أن تذبح ولائم عند نزوله منزلا جديداً نرجو تبيين حكمها؟
الذبيحة التي تكون عند سكنى المنزل الجديد على نوعين: إما أن صاحب المنزل بعد أن يكرمه الله -عز وجل- بتيسر المنزل والمأوى الجديد فيذبح ذبيحة لله -عز وجل- شكراً، ويأتي بها إلى بيته ويطبخها ويدعو إليها قرابته وإخوانه وجيرانه ونحو ذلك فهذه لا بأس بها، وجاء في بعض الآثار ما يدل عليها مثل ما جاء أن أحد الصحابة الآن غاب اسمه عن ذهني، لما بنى بيته بالعقيق ذبح ذبيحة ودعا إليها بعض المسلمين وطعموا منها، فهذا ما فيه بأس، هي ذبيحة شكر لله بتيسر هذا الأمر، ويدعو إليها من يدعو من إخوانه وأقاربه إلى آخره، هذا لا بأس به.
أما المحرم فما يفعله بعض الجهال يأتي وقت البناء عند عتبة البيت ويأتي بالذبيحة ويريق دمها على عتبة البيت إما دجاجة أو ذبيحة أو شاة إلى آخره، فيذبحها عند عتبة الباب ويعتقدون أن هذا العمل يصرف الجن ويقي من الشياطين فهذا باطلة، وقد تكون نوع من التقرب للجن أو الشياطين بغرض الحماية والوقاية أو نحو ذلك.
الأخ الكريم يقول: ؤ؟ وهل ثبت عن ابن عمر أنه كان يتبرك بمنبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ الأخ الكريم يقول: فيما يتعلق بدرس العصر بالتبرك يا شيخ، عندنا في منطقتنا بئر، البئر هذه فيها ماء والناس يردون إليها من قديم الزمان ويشربون منها على أساس أنها ماء يرِدونه، لكن الآن شاع عند الناس أنها تفلة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويأتون إليها، أنها تفلة، أي أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تفل فيها أو بصق فيها ونبع هذا الماء، فهم يتبركون بهذا الماء، فما أدري يا شيخ الحكم؟ هل ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه مر بوادي كعسفان مثلاً وتفل في بئر؟
الأخ الكريم يسأل عن التبرك بآثار الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟
فيما يتعلق بسؤال أخينا الكريم وفقه الله، التبرك بآثار الرسول -صلى الله عليه وسلم- قسمها أهل العلم إلى قسمين كما ذكر الأخ الكريم في سؤاله الآثار المتصلة والآثار المنفصلة، وأولاً فيما يتعلق بالآثار عمومًا، أعظم ما ينبغي أن يعتني به المسلم ويهتم به في هذا الباب، العناية بآثار النبي -صلى الله عليه وسلم- التي هي دينه الذي دعى العبادة إليه، دين الله -جل وعلا- دين النبي محمد آثاره، فهذه الآثار التي هي اتباع سنته والتزام هديه وتحقيق محبته باتباعه والانقياد لأوامره هذه ينبغي أن تكون لها مكانتها واهتمامها في قلوب المسلمين لأنه يلاحظ أن بعض الناس ربما يصل به الاهتمام بالآثار الحسية المنفصلة أو المتصلة ولا يكون عنده بالدين ربما حتى الصلاة لا يعتني بها التي هي فريضة من فرائض الإسلام ولا يحافظ عليها، ويتتبع أشياء لا تعرف أو لا سند لها أو لا أدلة مثبتة لحقيقتها، فهذه حقيقة مشكلة لابد من التأكيد للتنبه لها، أن يعتني المسلم بالسنة التي هي آثار النبي -عليه الصلاة والسلام- ولهذا بعض العلماء كتبهم في الحديث سموها الآثار لأن الأحاديث كلها آثار النبي -عليه الصلاة والسلام- فتتبع هذه الآثار ويعتني بها المسلم يقرأ ويتعلم ويدرس ويطبق وفي ما يتعلق بالآثار المتصلة هذا خاص بالنبي -عليه الصلاة والسلام- التبرك بآثاره وهذا ثابت في أفعال الصحابة بإقرارهم كانوا يتبركون بريقه، ويتبركون ببصاقه -عليه الصلاة والسلام- وبشعره لما حلق شعره -عليه الصلاة والسلام- في حجة الوداع قسم شعره بين الصحابة، وهذا أمر خاص بالنبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا لم يثبت أنه كان يفعل مع أحد من الصالحين غير ما ثبت في حقه -عليه الصلاة والسلام- وهذا من خاصته وهذا أمر دلت السنة على فعله على أنه الآن قد يرتقي الأمر بالناس إلى نوع من الغلو الباطن، أذكر مرة في منطقة من المناطق في دولة من الدول رأيت مكانا فيه قبة عظيمة جدًا مبنية في مكان وسألت إيش هذا؟ قالوا: هذه قبة يوجد تحتها شعرة من النبي -عليه الصلاة والسلام- ويقصدونها من أماكن كثيرة يتمسحون بجدران القبة، الشعرة الآن في الداخل إن كان، أولاً ما الدليل على أنها شعرته، ثم إن كانت الشعرة التي في الداخل، شعرة النبي -عليه الصلاة والسلام- فهذه الجدران ما دليلكم على التمسح بها وإلصاق الجدار بها وقصدها من الأماكن البعيدة؟ فهذا يرتقي بالناس إلى نوع من الغلو فيصبحون أي شيء مثل ما جاء في سؤال الأخ الثاني قضية بئر تفل فيه، أولاً يُثبت هذا ثم كل ما يشاع: هذا لمسه النبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا تفل فيه وهذا .... ويبدأ الناس يتعلقون بهذه الأشياء ويقصدون هذه الأماكن فيسبب فيهم النقص في الصلة بالله وطلب العافية منه وحسن الصلة به إلى قصد.
إذن يا شيخ الأولى هو التبرك بالآثار من أحاديثه وفعله؟
هذا واجب، التبرك الذي هو طلب البركة باتباع السنة هو البركة المطلوبة، ولا تنال إلا باتباع السنة، يحفظ الإنسان السنة ويتعلم الأحاديث يترك الإنسان الصلاة ويتهاون فيها ثم يذهب ويتتبع أشياء من هذا القبيل ويريد البركة، البركة باتباع السنة، والتقيد بهدي النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- وقضية التبرك بالآثار آثار النبي -عليه الصلاة والسلام- المتصلة به هذا أمر ثابت ودلت عليه النصوص وفعله الصحابة ولكن قبل أن يدخل الإنسان في شيء من ذلك ما يدخل في أمور يقال، وقيل، يستثبت، يعني هات دليل أن هذه شعرته -عليه الصلاة والسلام- إذا كان هناك أحاديث كثيرة جدًا تنسب إليه وبين أهل العلم أنها غير صحيحة، فلا نقبل حديثا بمجرد أن نجد قبله قال رسول الله، هذا لا يكفي -عليه الصلاة والسلام- حتى نتحقق من ثبوت إسناده إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وأيضًا لما يؤتى بشعرة أو بأثر ويقال هذا أثر النبي -عليه الصلاة والسلام- ما الدليل؟ قد يكون هذا أثر رجل توفي قبل عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، أو أربعين أو مائة أو مائتين أو خمسمائة أو سبعمائة أو تسعمائة أو ألف، إيش الدليل؟ هل فيها أسانيد؟ إذا كان حديثه -عليه الصلاة والسلام- ما نقبله إلا إذا تحققنا من إسناده ليس كل حديث نجد قبله قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقبله، حتى نتحقق من ثبوت الإسناد.
الأخ الكريم يقول: لدي سؤالين:
السؤال الأول: هل دخول الكنائس للاطلاع عليها يعد مشابهة لأهل الباطل؟
السؤال الثاني: هل دخول الأماكن التي فيها منكرات يعد مشابهة لأهل الباطل؟
الأخ الكريم وفقه الله عنده سؤالان: الأول: دخول الكنائس للمشاهد.
ابتداءً ليس لمسلم أن يقصد أماكن الكفار وأماكن عبادتهم؛ بل وقته أسمى من هذا، لكن إذا كان هناك غرض شرعي وغرض صحيح حصل بسببه دخول أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به، أما أنه يقصد الكنائس ومعابد النصارى ومعابد الهنادكة وغيرهم، ويتفرج فلا، يعني: هذا ربما يكون له ضرر عليه في إيمانه وفي عبادته، إلا إن كان له غرض صحيح، فيذهب يدعو، يذهب ينصح، يذهب يعلم، وما يتعلق بأماكن المعصية يذهب إليها للمناصحة والتوجيه والتعليم والبيان وإنكار المنكر ونحو ذلك، أما يذهب للمشاركة والجلوس والمباسطة، فليس المسلم أن يفعل ذلك والله تعالى أعلم.
الأخ الكريم يقول: في الحقيقة سبقني أخي الكريم في السؤال الذي كنت سأسأله فيما يتعلق بالكنائس وهكذا، حديث الرجل الذي نذر أن يذبح ببوانة وسؤال النبي -صلى الله عليه وسلم- هل فيها وثن يعبد؟ أو هل فيها عيد للمشركين؟ فعندما تأكد وتبين له عدم وجودها أباح له النبي، فما هو حكم حضور بعض المسلمين بعض أعياد الكفار مثل عيد رأس السنة أو أعياد ميلادهم أو دور عبادتهم للمشاركة فقط، بناءً على دعوتهم، هل هو فيه شبهة شرك أو فيه نهي شديد عن عدم الحضور ولا سيما إن لم يكن له عمل صالح كالدعوة لدين الله ودين الإسلام؟
لا يحل للمسلم حضور أعياد المشركين والمشاركة سواءً واليهود والنصارى سواءً بدعوة أو بغير دعوة؛ لأن هذه الأعياد قائمة على الباطل أصلاً، وما يفعل بها هو الباطل، الآن عيد النصارى عيد يعود عليهم اجتماعهم بغرض ماذا، الآن عيد الميلاد ميلاد المسيح في هذا العيد يجتمعون على ماذا؟ على التقرب لرب العالمين والتقرب أيضاً للمسيح؛ لأنه إله عندهم وابن للإله فيجتمعون على الشرك وعلى التقرب لغير الله، وعلى فعل المنكرات تفعل في تلك الاجتماعات الشرك والمنكر والمعصية والاختلاط وربما الخمور وربما آلات اللهو أشياء كثيرا فالمسلم ما له ولهذه الأماكن، سواء دعي أو لم يدعَ لا يحل له أن يذهب لهذه الأماكن، وأيضًا لا يحل له التهنئة بأن يهنئهم ويقول: أهنئكم بعيدكم، عيد باطل هو تهنئهم على الباطل، هل تهنئهم على الباطل؟ أهنئكم بالعيد أو جعل الله عيدكم عليكم سعيدا، تهنئهم بالباطل، رجل يثلث ورجل يجتمع على المنكر، وتقول لك مني التهنئة على ماذا تهنئه؟ تهنئه على قصده السيء في ذاك العيد أو على الفعل السيء الذي يفعله في ذاك العيد على ماذا تهنئه؟ فمن يفهم حقيقة الإسلام لا ينهنئ أهل الباطل على أعيادهم القائمة على الباطل.
والحضور أيضاً فيه معنى التأييد وفيه تهنئة ولن يذهب ويجلس، ربما يذهب ويقول: مبارك عليكم العيد، أو يقول: أهنئكم بعيدكم، أو لن يذهب ويجلس، بل يذهب ويهنئ ويشارك ويهنئ على ماذا؟ يعني هل من فهمت يا من تريد أن تهنئهم على عيدهم على ماذا قام العيد؟ وماذا يفعل في هذا العيد؟ وهل هذا العيد مما يرضي الله أو مما يسخطه؟ هذه أمور لابد أن ينظر فيها الإنسان قبل أن يدخل في هذا الأمر والله تعالى أعلم.
الأخ الكريم يقول: يا شيخ مسألة تحنيك الطفل، هناك من يقول: أنها خاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لأن التبرك بالنبي -عليه الصلاة والسلام- ولا يجوز لغيره، فما التوجيه في ذلك؟
السؤال الآخر: هل هناك تبرك مشروع؟
السؤال الثالث: هل الذبح عند القبر يعتبر شركا أم بدعة؟ وما هو ضابط الشرك وما هو البدعة؟
يسأل عن التحنيك هل هو خاص بالرسول -صلى الله عليه وسلم- أم لغيره؟
تحنيك الطفل مشروع أن يحنكه والده أو والدته هذا مشروع، وهو بأن يؤتى بتمرة إن تيسر أو رطبة وتبل بالماء أو بالريق ثم يحنك فيها الطفل ويدرج هذا الحلو في فمه، حتى يكون أول ما يدخل ريقه عند الولادة الشيء الحلو، فالتحنيك من حيث هو مشروع، ومن السنة، وأما الذهاب بالطفل لرجل صالح ليحنكه فهذا لا يفعل، هذا الأظهر وإنما كان يؤتى بالصبيان تبركا بريق النبي -عليه الصلاة والسلام- وهذا أمر ثابت ومشروع وكان يفعله الصحابة الكرام، وإذا ولد لأحدهم مولود أتى به إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- ليحنكه تبركا بريقه -عليه الصلاة والسلام-.
يقول: هل هناك تبرك مشروع؟
هذا من التبرك المشروع الذي كان يفعله الصحابة وطلب البركة المشروع ما أوضحته سابقاً التقيد بالسنة والتمسك بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- فهذا أعظم ما تطلب به البركة؛ بل البركة لا تنال إلا بلزوم كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.
الأخت الكريمة من الجزائر تقول: هل هذا التقسيم للبركة وارد: في الزمان كليلة القدر، في المكان: كمكة، في الأشياء: كماء زمزم، وفي الذوات: كذاته -صلى الله عليه وسلم- ويقول: هذه البركة، يعني: هل تدخل في هذا النطاق؟
الله -عز وجل- البركة منه -سبحانه وتعالى- ويبارك فيما شاء من الأشخاص والأوقات والأمكنة فليلة القدر ليلة مباركة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] فهي ليلة مباركة، ومن بركة هذه الليلة أن العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، يعني ثلاثة وثمانين سنة تقريباً، فهذا من بركة ليلة القدر والله -عز وجل- اختصها بالبركة، وأيضًا بركة البقاع، مكة الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد آخر بمائة ألف فهذه من بركة المكان، والأشخاص أيضاً يوجد أشخاص الله طرح فيهم بركة وأعظم المباركين من الناس نبينا -عليه الصلاة والسلام- وقال الله عن عيسى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكً﴾ [مريم: 31] وأهل العلم والفضل فيهم بركة من حيث أنهم يعلمون الناس الخير، ويفتحون أبواب الخير، ولا يكون الإنسان مباركا أينما كان إلا إذا كان في كل مكان يعلم الخير؛ لأن البركة في الخير واتباع الشرع والتقيد بهدي الكتاب والسنة.
يسأل في سؤاله الثالث: الذبح عند القبر، هل هو بدعة؟ ما هو الضابط في هذا المجال؟
الذبح كما مر معنا الذبح لغير الله شرك، الذبح لغير الله شرك والذبح عند القبر إن كان أتى بذبيحته متقربا بها لصاحب القبر فهذا شرك، وإن كان أتى بذبيحته متقربا بها لله، واختار هذا المكان فهذا عمل باطل وهو من ذرائع الشرك، مثل الصلاة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تصلوا إلى القبور) فالذي يصلي لله عند القبر صلاته هذه ليست شركا لكنها ذريعة للشرك، ولهذا جاء في صحيح البخاري، أن عمر -رضي الله عنه- رأى أنس وهو يصلي وأمامه قبر ما انتبه إليه، لم ينتبه أن أمامه قبر، فصاح به عمر، يقول: يا أنس القبر، يا أنس القبر، مثلما تقول أنت لصاحبك يا فلان الحية أو العقرب انته، وهو ما انتبه أن أمامه قبر، وهذا فيه أن الصحابة قام في قلوبهم شدة نكارة هذا العمل الصلاة إلى القبور، والذبح عند القبر إن كان أتى بها قربة لله -سبحانه وتعالى- في هذا المكان مر معنا، لا يحل الذبح لله في مكان يعبد فيه غير الله، إذا كان هذا المكان يتقرب فيه للمقبورين.
الأخ الكريم يقول: بعض الناس يذهبون بذبائح إلى بعض الأضرحة، فتذبح هناك، وإذا سألتهم أجابوا إن ذبحنا هذا لله في هذا المكان؟
إن كان صادقًا في قوله: إن ذبحنا هذا لله في هذا المكان، من الذي أذن لك بهذا العمل أين دليلك في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- والواقع أن كثير من هذه الأماكن يذبح أو يذهب فيها إليها بالذبائح تقربا للمقبورين، وإلا لم خص هذا المكان وقصده بنقل الذبيحة إليه وذبحها فيه، فإن كان صادقًا أنه يذبح لله فهذا عمل باطل وذريعة للشرك وهو عمل منكر مخالف لشرع الله -عز وجل- ولهديه ولا يوجد أي دليل في الشريعة لأن تقصد القبور وتذبح عندها لله.
شيخنا الفاضل كلمة ختامية في أقل من نصف دقيقة تختمون بها هذا المجلس المبارك
كما علمنا أن الدرس في هذه الدورة التي نسأل الله أن يبارك فيها يتوقف إلى فترة ما بعد الفجر، وهذا التوقف لا يكون انقطاعا عن دراسة هذا العلم بل أوصي الإخوة بالمراجعة وأقترح وأرجو أن يحظى بقبول الجميع أن تكون هذه الفرصة المباركة ولاسيما العشر السمينة من أوائل شهر ذي الحجة، أن يكون من قربات الإخوة المتابعين في هذه العشر أن يحفظوا كتاب التوحيد، وهذه قربة عظيمة وطاعة جليلة يحفظ كتاب التوحيد آيات وأحاديث التوحيد حتى يتقوى أمر التوحيد في القلوب ويتمكن في النفوس من خلال فهم كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأسأل الله للجميع التوفيق والسداد والبركة في العلم والعمل والحياة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
nary_jon
06-06-2008, 03:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الثالث عشر
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
الدرس الثالث عشر
شرح كتاب التوحيد
نرحب بشيخنا الفاضل، فأهلا ومرحبا بكم فضيلة الشيخ.
حياكم الله يا أخ تركي، ومرحبا بجميع المتابعين معنا لهذا الدرس، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يلهمنا فيه الصواب، وأن يوفقنا لسديد القول وصالح العمل إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب.
مشاهدينا الكرام في هذا الدرس المبارك -بإذن الله تعالى- سنبتدأ مع شيخنا الكريم في باب من الشرك، النذر لغير الله، تستفتحون يا شيخنا الكريم الدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله آصحابه أجمعين- أما بعد،
فهذا عود حميد -إن شاء الله- بعد موسم الحج المبارك، وتوقفٍ لهذا الدرس لفترة يسيرة بمناسبة هذا الموسم وأعماله ومناسبته الكريمة، ونسأل الله -جل وعلا- أن يجعله عودا حميدا، وأن يوفقنا جميعاً لمواصلة العلم، ومواصلة الطلب، ومواصلة المسير في عمل الخير، ننشد بذلك رضا ربنا -تبارك وتعالى- فنسأله -جل وعلا- أن يوفقنا لكل خير، وأن يعيننا على طاعته وما يقرب إليه، ولا شك -معاشر الإخوة الكرام- أن الدراسة في هذا الكتاب نعمة عظيمة ومنة كبيرة؛ لأنها دراسة في أهم الأمور، وأجلها على الإطلاق في توحيد الله -تبارك وتعالى- الذي خلقنا -عز وجل- لأجله وأوجدنا لتحقيقه، وقد مر معنا في هذا الكتاب المبارك مقدمات مهمة وتأصيلات عظيمة في التوحيد، وتقريره والاستدلال له وبيان فضله وعظمته وأهمية تحقيقه، والتحذير من ضده وأهمية الدعوة إليه، ثم إن المصنف -رحمه الله- بدأ بعد تلك المقدمات العظيمة المهمة بدأ يشرح التوحيد، وهو يشرح التوحيد ببيان أفراد العبادة وأنواعها التي هي حق خالص لله -تبارك وتعالى- يجب إفراده وحده بها، وأيضًا يبين -رحمه الله- الشرك الذي يناقض أصل التوحيد، وكذلك الشرك الذي يناقض كمال التوحيد الواجب، وكنا عرفنا فيما سبق أن الشرك نوعان: شرك أكبر مناف للتوحيد بالكلية، وشرك أصغرمناف لكمال التوحيد الواجب، وعرفنا حد كل منهما، وحكم كل منهما في دروس سبق أن مرت معنا في دراستنا لهذا الكتاب المبارك.
وفي ضمن تقرير المصنف وبيانه للتوحيد وشرحه له عقد هذه الترجمة التي هي موضوع درسنا في هذا اليوم وعنوانها: (باب من الشرك النذر لغير الله) وقصد -رحمه الله- في هذه الترجمة أن يبين نوعا من أنواع العبادة وهو النذر، فهو طاعة عظيمة، وعبادة جليلة، وقربة من القرب التي يُتَقَرب بها إلى الله -جل وعلا- ويجب أن يُخَصَّ به وحده دون سواه، فعقد المصنف -رحمه الله- هذه الترجمة لبيان هذه العبادة، عبادة النذر، وبيان أنها من العبادات التي أحق للخالق لا يجوز صرفها لغيره كائنا من كان، وأن من صرف هذه العبادة لغير الله فقد أشرك بالله -عز وجل- من نذر لأحد كائنا من كان غير الله -تبارك وتعالى- فقد اتخذ هذا الذي نذر له شريكا لله -جل وعلا- في هذه العبادة التي هي حق لله دون سواه.
والنذر هو أن يوجب العبد على نفسه من الأقوال أو الأفعال ما لم يوجبه الله -تبارك وتعالى- عليه، أن يوجب على نفسه وأن يلزمها بشيء ليس بواجب، أن يوجب على نفسه ما لم يجب عليه، مثل أن يوجب على نفسه صياما، يقول: لله علي أن أصوم يوم الاثنين القادم. يوم الاثنين صيامه مستحب ليس بواجب، وفي صيامه فضل وثواب عظيم، لكن ليس هو من الأمور الواجبة، فإذا قال: لله علي أن أصوم يوم الاثنين القادم. أصبح صيام يوم الاثنين في حقه واجبا وليس مستحباً، وهو الذي أوجبه على نفسه بهذا النذر، سواءً قال : نذرت لله أن أصوم يوم الاثنين القادم مثلاً، أو قال: لله علي أن أصوم يوم الاثنين أو أي صيغة تؤدي هذا المقصود الذي هو إلزام النفس وإيجاب ما لم يجب عليها، أن يوجب علينا ما لا يجب، سواءً من الأقوال أو من الأعمال مثل لو قال: نذرت لله -تبارك وتعالى- أن أقرأ سورة البقرة. فقراءته ليست من الواجبات لكنها بهذا النذر أصبحت واجبة، وأصبح متعلقٌ بذمته هذا الواجب، وأصبح فريضة يجب عليه أن يفي بها.
والنذر يكون عن تعظيم للمنذور له، والتعظيم حق لله -سبحانه وتعالى- هو الذي يعظم بالذل والخضوع والعبادة والانكسار، فلا يكون شيء من ذلك إلا له وحده دون سواه.
والنذر أنواعه كما ذكرها أهل العلم متعددة منها:
أولاً: نذر الطاعة، ونذر التبرر وهو أن يوجب المكلف على نفسه ما لا يجب عليه، مثل الأمثلة التي ذكرتها قبل قليل، مثل أن يقول: لله علي أن أصوم مثلاً يوما، أو أصوم ثلاثة أيام، أو أصوم عشرة أيام، أو كذلك أن يقول: لله علي أن أتصدق بعشرة ريالات، أو بمائة ريال، أو مثلاً يقول: لله علي أن أذهب اليوم أعود المرضى، أو مثلاً لله علي ... يذكر من الأمور التي ليست واجبة فيوجبها على نفسه فتصبح في حقه من الواجبات، وفي حق غيره من المستحبات المندوبات ، هذا نذر طاعة وسيأتي معنا في الحديث أن: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) والأمر هنا للوجوب لأنه أوجب على نفسه هذا الذي لم يكن واجبا عليه وإنما وجب عليه بالنذر الذي نذره، هذا النوع الأول.
النوع الثاني:
يسميه بعض أهل العلم "نذر المجازاة" وهذا كرهه أهل العلم، مثل أن يقول شخص مثلاً إذا كان مريضا: إن شفاني الله تصدقت بكذا، أو مثلاً أنفقت كذا، أو كذلك أن يقول بصدد بيع أو تجارة معينة : إن ربحت تجاربي تصدقت بكذا، ونحن الأيام في أيام الامتحانات مثلاً يقول الطالب: لله علي إن نجحت في الاختبار أو مادة معينة يخصصها، يكون مثلاً متخوفا منها فيقول: لله علي إن نجحت في هذه المادة أن أتصدق بمائة ريال أو أن أصوم كذا أو أشياء من هذا القبيل.
فهذا يسميه أهل العلم نذر المجازاة، يعني: إذا تحقق له ما يريد المائة ريال هذه لا يخرجها لو لم ينجح، لا يخرجها لو لم يشفَ من المرض، لا يخرجها لو لم يتحقق، فهي مجازاة، يعني: بعوض أو بمقابل، وهذا الذي قال عنه -عليه الصلاة والسلام- في الحديث: (إنما يستخرج به من البخيل) بل قال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث: (لا تنذرو) حديث ثابت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (لا تنذروا فإن النذر لا يرد من القدر شيئً) يعني: النذر لا يرد إن كان قدر للإنسان عدم الشفاء، فليس النذر هو الجالب وإن كان مثلاً قدر له عدم النجاة، فليس النذر هو الجالب، وهكذا يقول: (فإن النذر لا يرد من القدر شيئً) فالأمر المقدر حاصل، وإنما الإنسان يبذل السبب النافع والمشروع، ويدعو الله بالتوفيق والتيسير، وإن كتب الله له ما يحب فيشكر الله، ويتصدق وينفق ويحمد الله -عز وجل- على نعمته، لكن لا يكون الأمر بهذه الطريقة: إن كان حصل لي كذا أفعل كذا، يعلق فعله للطاعة بحصول ما يحب من أموره أو حاجاته، وهذا كرهه أهل العلم الذي هو النوع الثاني وهو نذر المجازاة.
النوع الثالث:
وهو: نذر المعصية، مثل أن ينذر إنسان أن يفعل شيئًا حرمه الله، أن ينذر أن يفعل شيئًا حرمه الله، كأن يقول مثلاً: نذرت أن أشرب مثلاً شيئا من المحرمات، أو أن أفعل كذا من الأمور المحرمات أو نحو ذلك، فهذا نذر معصية سيأتي في الحديث: (أن من نذر أن يعصي الله فلا يعصيه) لا يجوز لا تجوز المعصية مطلقاً، لا بالنذر ولا بغيره، معصية الله محرمة في كل وقت وحين وفي كل حال، ولا يجوز للإنسان هذا النذر، ولو نذر هذا النذر فلا يجوز له أن يفي به؛ لأنه عصيان لله -تبارك وتعالى- هذا النوع الثالث.
النوع الرابع:
من أنواع النذر: النذور الشركية -والعياذ بالله- التي يتقرب بها أهل الشرك وأهل الضلال لغير الله، وعرفنا أن النذر عبادة وقربة له -سبحانه وتعالى- لا يجوز صرفها لغيره، وصرفها لغيره شرك، فإن النذر الشركي هو أن ينذر إنسان لأحد من المخلوقات مثل من ينذرون للقباب أو للأولياء أو للأضرحة أو ينذرون لغيرهم من مخلوقات الله -سبحانه وتعالى- فهذا كله من الشرك، كله من الشرك بالله -عز وجل- والمصنف -رحمه الله- عقد ترجمة ليبين ذلك، قال: (باب من الشرك النذر لغير الله) النذر لغير الله: أن يتقرب الناذر لغير الله من المخلوقات أيا كانت من البشر أو من الحجر أو شمس أو قمر أو أيا كان، فالعبادة حق لله -سبحانه وتعالى- وليس لأي مخلوق كائنا من كان أي حق في شيء منها.
هذا الذي عقد المصنف -رحمه الله- الترجمة لأجله (باب من الشرك النذر لغير الله) أي: من الشرك بالله أن يتقرب متقرب بهذه العبادة لغير المستحق لها وهو الله -تبارك وتعالى- ثم شرع كما هي عادته في كتابه بذكر الأدلة.
ينذرون لهم بماذا يا شيخ من الناحية الشركي؟
يعني يقول مثلاً: نذرت للولي الفلاني أو للشيخ الفلاني أو للضريح الفلاني أو للشجرة الفلانية -أن أصوم مثلاً عشرة أيام، أو أن أذبح شاة، أو أن أذبح بعيرا.
هكذا دون مجازمة لا يقول إذا تحقق الأمر.
لا ، يعني هذا نوع من أنواع العبادة التي يصرفها من يشرك بالله لغير الله -تبارك وتعالى- وهو ينشأ عن التعظيم؛ بل بعض من فسد في إيمانه وتوحيده ربما يكون عنده في السنة يوم معين يوم النذور، ينذر فيه أهل القرية أو كثير منهم لشيخ معين، ويتجهون بالذبائح وبالنذور والقرابين كل على قدر استطاعته، هذا يأتي بشاة، وهذا يأتي مثلاً بطعام، كلها نذور يتقرب بها إلى غير الله -تبارك وتعالى- فهذا كله من الشرك بالله؛ لأن النذر عبادة والعبادة حق لله -تبارك وتعالى- وصرفها غيره شرك به -عز وجل-.
نأخذ الآن الآيات التي أوردها المصنف.
قال المصنف -رحمه الله-: (باب من الشرك النذر لغير الله، وقول الله تعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ ).
وقول الله تعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ فهذا المصنف ساقه دليلاً على أن النذر عبادة، لأن الله -عز وجل- أثنى على هؤلاء، وثناؤه عليهم لفعلهم هذا الأمر ووفائهم به، لفعلهم هذا الأمر ووفائهم به، قال: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿7﴾﴾ وهذا من مدحة الله لهم وثنائه عليهم، وهو -تبارك وتعالى- إنما يثني على فعل الواجب أو فعل المستحب أو ترك المحرم، وهؤلاء فعلوا الواجب الذي أوجبوه على نفسهم من الطاعات فقال: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ ﴾ أي: يوفون بما أوجبوا على أنفسهم من الطاعات سواءً من صيام أو صدقة أو غير ذلك من أنواع الطاعات التي يتقربون بها إلى الله -سبحانه وتعالى- فأثنى الله عليهم بذلك ومدحهم، فهذه مدحة لهم وثناء من الله، وهذا الثناء من الله -تبارك وتعالى- عليهم، يدل على أن هذا الأمر عبادة وقربة إلى الله -جل وعلا-.
وإذا ثبت هذا فإن الآية دليل على أن صرف هذه القربة لغير الله -عز وجل- شرك به -سبحانه وتعالى- وقد جاء في حديث ذكر فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- خير القرون قال: (خير القرون قرني) ثم ذكر في الحديث أنه: (يأتي أقوام يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون) بهذا وصفهم، هذا وصف لهم على وجه المذمة، ذمهم بذلك، والمدحة هنا في الآية لأهل الإيمان بالوفاء بالنذر عبادة وقربة لله -سبحانه وتعالى- مدح الله من قام بها، ومن وفى بنذره.
وعدم الوفاء بالنذر مذمة كما ذكر ذلك -عليه الصلاة والسلام- في أقوام يأتون في آخر الزمان ذكر من أوصافهم أنهم: (ينذرون ولا يوفون) أي: لا يوفون بالنذر الذي نذروه، وهذا حال كثير من الناس تجده ربما في حاجة ملحة أو كذا يدخل في ذمته أو يوجب على نفسه ما ربما يعجز عن فعله ، لكن شدة رغبته في شيء معين وحرصه عليه تجده يوجب، ثم إذا تحقق له ما يريد، وتيسر له ما يطلب لا يفي بنذره ويبدأ يبحث عن المخارج التي يتخلص بها من هذا النذر الذي لزمه.
الشاهد من الآية للترجمة أن فيها ثناء الله -تبارك وتعالى- على من يوفون بالنذر ومدحه لهم بذلك، وهذا دليل على أنه عبادة وقربة لا يجوز صرفها لغير الله -عز وجل-.
قال المصنف -رحمه الله-: (وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾).
وهذه الآية كذلك تدل على ما سبق من أن النذر عبادة مثل النفقة، ولهذا جمع معا في هذه الآية: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾، ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ ﴾ متقربين بها إلى الله وكذلك ﴿ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ ﴾ متقربين به إلى الله -سبحانه وتعالى- فإن الله يعلمه، وذكر علم الله عقب الحسنة أو الطاعة يقتضي الثواب، كما أن ذكر علم الله -سبحانه وتعالى- عقب الذنب أو الخطيئة يقتضي العقاب، وهذا يعني أنه ينبغي أن يتنبه له في قراءة القرآن ، عندما يُذكر ذنبٌ مثلاً ويُذكر عقبه علم الله ، وإحاطة علمه، فكأنه يقال تنبه، فإنه الله عليم بك، ومطلع عليك، ستقف أمامه، وقد أحاط علماً بكل أعمالك وبكل صنائعك، وسيحاسبك على ذلك، وإن كان الذي ذُكر طاعة كما هو هنا في هذه الآية النفقة والنذر ثم ختمه بقوله: ﴿ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي، كل نفقاتكم وكل نذوركم محيط بها علم الله -تبارك وتعالى- وهذا يقتضي أن -سبحانه وتعالى- يثيب على ذلك أعظم الثواب، فدل ذلك على أن النذر كالنفقة عبادة من العبادات وقربة من القرب، التي يتقرب بها إلى الله -سبحانه وتعالى- وإذا ثبت ذلك فإن صرفه لغير الله شرك بالله -عز وجل-.
قال المصنف -رحمه الله-: (وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)).
قال: وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) هنا في هذا الحديث ذكر نذر الطاعة ونذر المعصية، وماذا على من نذر نذر الطاعة، وماذا على من نذر نذر المعصية.
أما من نذر نذر الطاعة، فيقول -عليه الصلاة والسلام-: (فليطعه) (من نذر أن يطيع الله فليطعه) نذر أن يطيع الله بقول أو فعل، من صلاة أو مثلاً صيام أو مثلاً صدقة أو قراءة قرآن أو قراءة كتاب من كتب العلم، أو نحو ذلك فمن نذر أن يطيع الله فليطعه، فليقم بهذا الأمر، وقد أصبح بالنذر واجباً عليه فيجب عليه أن يقوم بهذه الطاعة، وأن يفي بنذره، وأن يكون ممن مدحهم الله وأثنى عليهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
والقسم الثاني من الحديث في حق من نذر نذر معصية، قال: (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) وهل عليه كفارة أو لا؟ قولان لأهل العلم:
بعضهم قالوا: عليه كفارة يمين وبعضهم قالوا: لا كفارة عليه، قولان لأهل العلم في هذه المسألة.
وأما النذور الشركية، مثل من ينذر لقبر أو لولي فهذه النذور الشركية لا يوفي بها الناذر ولا كفارة لأن الشرك لا حرمة له، وليس هناك كفارة بل يجب عليه أن يتوب من هذا النذر وأن يعود إلى توحيده وإلى إيمانه وأن يحذر من صرف هذه العبادة لغير الله -تبارك وتعالى-، وليس عليه في ذلك كفارات.
شيخنا الكريم الباب انتهى، تريد أن نبدأ في الباب الآخر؟
ما فيه بأس.
قال المصنف -رحمه الله-: (باب من الشرك الاستعاذة بغير الله، وقول الله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴿6﴾﴾).
قال المصنف -رحمه الله-: (باب من الشرك الاستعاذة بغير الله) والاستعاذة هي طلب العوذ، والسين في الاستعاذة هي للطلب فالاستعاذة بالله هي طلب العوذ منه -تبارك وتعالى- والله -سبحانه وتعالى- إليه الملجأ المفر، كما في القرآن الكريم: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللهِ ﴾ [الذاريات: 50] لا مفر إلا إلى الله -سبحانه وتعالى- وإليه الملجأ كما كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- يقول في دعائه: (لا ملجأ منك إلا إليك) فإليه الملجأ، وإليه المفر وهو المستعاذ، والالتجاء والاعتصام والاستعاذة إنما تكون به دون سواه.
والمصنف -رحمه الله- عقد هذه الترجمة ليبين أن الاستعاذة عبادة، والعبادة لله ليست لغيره، ولا يستحق غيره من العبادة أي شيء؛ ولهذا عقد هذه الترجمة قال: (من الشرك الاستعاذة بغير الله) أي: طلب العوذ من غير الله، وأورد الحديث، أولاً أورد الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴿6﴾﴾ ﴿أَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ﴾ أي: نفر إنسيون كانوا يعوذون برجال من الجن، يلتجئون إليهم، ويستعيذون بهم مثلما كان يفعل المشركون الأوائل الذين بعث فيهم رسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان الواحد منهم إذا مر بوادٍ ماذا قال؟ قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه. فهذا مثال لما ذكر في الآية الكريمة: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ ﴾ مثل قول أولئك: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، أو من شر أهله أو نحو ذلك. فهذا تعوذٌ من هؤلاء الإنس بهؤلاء الجن، ما ثمرته؟ قال ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴾ زاد الإنسيون الجنيين رهقا، أو زاد الجنيون الإنسيين رهقا؟ قولان لأهل العلم في معنى الآية قال: ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴾ أي زاد الإنسيون الجن رهقا، أي كبراً وعلواً وتعاظماً وترفعاً، والمعنى الثاني وهو الأظهر والأقرب أن الجنيين زادوا الإنسيون رهقاً أي مذلة وضعفا وتوهما وخورا وجبنا إلى غير ذلك من المعاني الداخلة تحت قوله: ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴾ ومعنى ذلك أنهم لم يحصلوا من هذه الاستعاذة بغير الله إلا الخيبة، وعوملوا بنقيض قصدهم.
وهذه فائدة عظيمة جداً تظهر من هذه الآية، وهي تصلح أن تكون قاعدة في هذا الباب أن من يصرف العبادة لغير الله طلباً لجلب خير أو دفع ضر لا يحصل من وراء ذلك إلا نقيض قصده ويعامل بنقيض قصده، فهو طلب من جهتهم عزا فلا يظفر إلا بذل، طالباً من جهتهم شفاءا فلا يحصل إلا مرضا ووهنا، طلباً من جهتهم غنىً فلا يحصل إلا فقرا، وهذه نتيجة الشرك، نتيجة الشرك أن يعامل المشرك بنقيض قصده.
وقد مر معنا من شواهد هذه القاعدة شيء كثير في حلقات ماضية، لعلك تذكر أخانا تركي ما مر معنا في بعض الأبواب مثل: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له) (من تعلق ودعة فلا ودع الله له) مثلاً أيضاً قوله -عليه الصلاة والسلام-: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهن) فهذا كله يندرج تحت هذه القاعدة أن من يشرك بغير الله -تبارك وتعالى- لا يحصل من وراء شركه إلا نقيض قصده، يكون أراد عزا فلا ينال إلا ذلا ، أراد غنا، فلا ينال إلا فقرا، أراد شفاءا فلا ينال إلا مرضا، ولهذا قال الله هنا: ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴾ وهناك قال: (انزعها فإنها لا تزيك إلا وهن) وفي الحديث الآخر قال: (فلا أتم الله له) فالمشرك لا يحصل بتعلقه بغير الله -تبارك وتعالى- إلا الخير، وانظر هذا في قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (من تعلق شيئًا وكل إليه) ومن يوكل إلى مخلوق أي خير يظفر به؟ وأي ربح يغنمه؟
ما يحصل من هذا التعلق إلا الخسران ولهذا قيل: استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة الغريق بالغريق؛ لأنها ما تثمن ولا تفيد بل تضره، ولا يستفيد من ورائها شيئًا فهنا قال: ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴾ ولهذا ينبغي حقيقة أن ننتبه إلى هذه القاعدة وهذه الفائدة الثمينة التي تدل عليها هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿ فَزَادوهُمْ رَهَقًا ﴾ أي: أن كل متعلق بغير الله -تبارك وتعالى- وكل طالب من غير الله سواءً جلب نفع أو دفع ضر أو نحو ذلك لا ينال من ذلك إلا الخيبة والخسران أما من يكون طلبه من الله والتجاؤه من الله واستعاذته بالله واعتصامه بالله فهو الذي يفلح في دنياه وأخراه ﴿ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101].
شيخنا الكريم بالنسبة للاستعاذة يعني معناها الشرعي الديني، الاستعاذة لكن لو بعضهم قال مثلاً نريد العون أو الغوث.. بمثل هذه المفردات؟
هناك أمر نبه عليه العلم ودلت عليه نصوص الشريعة وهي طلب العون من الحي القادر الحاضر فيما يقدر عليه هذا ليس شركاً، مثل قوله -تبارك وتعالى-: ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ﴾ [القصص: 15] فالاستغاثة من مخلوق حاضر يقول له الإنسان مثلاً: ساعدني أو أعني أو أغثني مثلاً أو نحو ذلك فيما يقدر عليه هذا ليس من الشرك، وإنما هذا من التعاون الذي لا شيء فيه، لكن أن يطلب أن يستعيذ أو يستغيث بميت أو بحي غائب، فهذا شرك بالله -سبحانه وتعالى- إن استعاذ بميت أو استعاذ بحجر أو استعاذ بشجر أو استغاث بهم أو نحو ذلك أو استغاث بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله -سبحانه وتعالى- فهذا كله.
حتى لو كان حاضر هذا.
إذا كان فيما لا يقدر عليه إلا الله فهذا من الشرك بالله ؛ لأنه اعتقد في المخلوق أمرا هو من خصائص الله، فيكون من هذه الجهة أشرك ويكون كذلك مشركاً من جهة الاستغاثة أو الاستعاذة بالمخلوق الغائب أو بالمخلوق الميت فهذا كله يدخل في الشرك.
قال المصنف -رحمه الله-: ( وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) رواه مسلم).
ثم أورد المصنف رحمة الله عليه هذا الحديث في باب الاستعاذة عن خولة بنت حكيم -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من نزل منزل) ليس المراد بالمنزل هنا البيت فقط، وإنما هذا مطلق أي منزل نزله الإنسان سواءً في البر أو مثلاً في البيت أو في مكان استأجره أو أي مكان (من نزل منزل) مثل كنت في سفر ونزلت في مكان لليلة واحدة، أو سكنت في بيت جديد أو مثلاً استأجرت مكانا لتبيت فيه ليلة أو ليلتين أو ثلاث أو نحو ذلك هذا كله يتناوله قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامة كلها من شر ما خلق ) أي: أتى بهذا التعوذ، وهذا تعوذ بالله والتجاء بالله -سبحانه وتعالى-.
قال: (أعوذ بكلمات الله التامات) وكلمات الله التامة أي الكاملة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه سواءً قيل إنها كلماته -سبحانه وتعالى- الكونية القدرية كما في قوله -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿82﴾﴾ [يس: 82] أو كلماته الشرعية الدينية كالقرآن الكريم وهو كتاب ﴿لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿42﴾﴾ [فصلت: 42] فكلمات الله تامات، أي: لا نقص فيها بأي وجه من الوجوه، فمن قال هذا التعوذ: (أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق) وهنا قوله: (من شر ما خلق) أي: من شر ما خلق من المخلوقات التي قام فيها الشر، وليس هنا إطلاق لكل المخلوقات بمعنى أنها موصوفة بأنها فيها شر، وإنما هنا تقييد وصفي بأن بالتعوذ من شر يعني: من قام فيه الشر من المخلوقات، مثل ما جاء في الحديث الآخر: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) أي: قام فيها شر، فهذا تعوذ من شر ما خلق، وهذا يعم كل ما يتخوف الإنسان أن يأتيه شر من جهته وهو في منزله، يشمل هذا الهوام والسباع والجن والإنس، ويشمل كل من فيه شر، فينزل المنزل ويأتي بهذا التعوذ بالله وهو واثق بالله، عظيم الثقة بالله، عظيم التوكل على الله -سبحانه وتعالى- فلا يضره شيء كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (فلا يضره شيء حتى يرحل من منزله) لأنه سيكون بحفظ الله -سبحانه وتعالى- ينام وتمر الحية أو تمر العقرب أو يكون في مكان قريب من هذه الأشياء فكلها لا تضره بإذن الله -سبحانه وتعالى- لأنه تعوذ بهذا التعوذ، والتجأ إلى الله بهذا الالتجاء.
لكن ينبغي أن ينبه هنا على أمر ربما الكثير منا يغفله ألا وهو أن بعض الناس قد يقول هذا الدعاء بلسان رخو، ما معنى ذلك؟ يعني: ما فيه يقين، يعني: تجده يقول غير مطمئن، فالثقة لم تقم بقلبه، والذكر جرى على لسانه، والثقة ليست قائمة في قلبه، فهذا يضعف الأثر، والذي ينبغي في الدعاء أن يكون وهو موقن بالإجابة، وواثق بالله -تبارك وتعالى- وهو مطمئن أنه سيحفظ بحفظ الله -عز وجل-.
قال -عليه الصلاة والسلام-: (فإنه لا يضره شيء) أو (لم يضره شيء حتى يرحل من مكانه) من القصص الطريفة اللطيفة المفيدة في هذا الباب قصة الإمام القرطبي المفسر -رحمه الله- يقول القرطبي -رحمه الله-: منذ سمعت هذا الحديث ما تركته في أي منزل نزلته، يقول: وليلة من الليالي كنا بالنهدية بتنا ليلة فيها فلدغتني عقرب في تلك الليلة، يقول: وتذكرت أني نسيته تلك الليلة، فنسي الدعاء ليمضي قدر الله.
بعضهم يا شيخ العكس، يقوله كما ذكرت لكن بدون يقين، يذكر الدعاء وإذا أصيب بشيء يقول: كيف حصل هذا وأنا قد قلت الدعاء؟
هو من المهم في الدعاء كما جاء في الحديث، قال -عليه الصلاة والسلام-: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) فمع الدعاء لابد من الثقة بالله -عز وجل- وأن الله على كل شيء قدير، وهذا يعطي الداعي قوة لما يستحضر المعنى، قوة ثقة بالله عندما يقول: (أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيته) النواصي كلها بيد الله -جل وعلا- ولا يمكن أن تقع حركة أو سكون في هذا الكون إلا بمشيئة الله -سبحانه وتعالى- فلابد من الثقة بالله لابد أن يكون الداعي والمستعيذ واثقا بالله تعالى.
وبالمناسبة باب الاستعاذة هذا باب مبارك، وباب مهم نحتاجه في حياتنا كلها، يحتاجه المسلم في قراءة للقرآن، في صلاته، في جميع شئونه، في نزوله المنزل كما هنا، في جميع شئونه، والإمام النسائي -رحمه الله- في كتابه السنن عقد كتاباً عظيماً مباركًا عنوانه: كتاب الاستعاذة، والإمام ابن مفلح -رحمه الله- له كتاب مطبوع بعنوان الاستعاذة، وهذا باب من الأبواب المهمة العظيمة جداً التي يحتاج المسلم أن يتفقه فيها؛ حتى يقوى إيمانه، ويقوى توحيده، وتعظم صلته بالله -تبارك وتعالى- ويفقه هذا الباب العظيم.
شيخنا الكريم هل الاستعاذة في كل وقت بمعنى مثلاً لما يستعيذ الإنسان في بداية الدروس، أو كذلك قبل بداية قراءة للقرآن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، يعني الاستعاذة ما رابطها؟ هل تقال في كل وقت؟ أو أن لها مقامات وأوقات معينة؟.
الإنسان يستعيذ بالله في كل وقت وحين لكن جاءت نصوص القرآن والسنة بالتأكيد على الاستعاذة في مقامات وأحوال معينة ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ ﴾ [النحل: 98] فهذا فيه تأكيد على الاستعاذة عند تلاوة القرآن، وكذلك أيضاً الاستعاذة عند نزول المنزل، وكذلك التعوذ في أول النهار وآخره، وكذلك عند النوم وردت تعوذات في هذه المقامات، وأيضاً في الصلاة بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة القرآن، فهذه المواضع جاءت السنة بالتعوذ بالله -سبحانه وتعالى- فيها.
هل هناك فرق يا شيخ بين التعوذ والاستعاذة؟
التعوذ هو الاستعاذة، الاستعاذة هي طلب العون من الله، ولما يقول: استعاذ أو تعوذ أي طلب العون من الله -تبارك وتعالى-.
لكن ليس مثلاً "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" هذا ما تسمى مثلاً تعوذا؟
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" هذه استعاذة، وهي أيضاً تعوذ، طلب عوذ من الله، والعوذ واللوذ بالله استعاذ بالله واستلاذ به أو لاذ به ، فالعوذ في دفع الشر، واللوذ في طلب الخير.
الأخ الكريم يقول: طبعاً نعرف أنه من السنة ذكر (أعوذ بالله من كلمات الله التامات من شر ما خلق) ثلاث مرات أثناء المساء، أذكار المساء، هل يكفيه أن يقوله في أذكار المساء؟ أو كونه نزل منزلا أن يذكر هذا الدعاء؟
السنة في كل موضع أن يؤتى بما ورد في السنة في ذلك الموضع، وهذه قاعدة مفيدة في هذا الباب، ولا يكتفي بموضع عن آخر، وإنما يحرص في كل موضع أن يأتي بما جاء في السنة في هذا الموضع، ويكون ما قام به خيرا على خير، ونورا على نور، فجاء التعوذ كما تفضلت في الصباح ثلاث مرات، وهذا ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وأيضاً ثبت التعوذ عند نزول المنزل، فيأتي بهذا ويأتي بهذا؛ لأن هذا فيه خير وهذا فيه خير، فإذن السنة في كل موضع أن يأتي بما ورد في السنة فيها، إذا كان في الصباح يأتي بأذكار الصباح ومن ضمنها هذه التعوذات، وإذا نزل منزلا ولو بعد قوله لهذا الدعاء في الصباح بقليل، فإنه أيضاً يأتي به لأن هذا متعلق بالمنزل.
ولاحظ هنا ملاحظة أن التعوذ متعلق بالمنزل مدة إقامتك فيه، ربما أنت ستقيم به سنوات بيت جديد سكنته فأتيت بهذا التعوذ في أول سكناك فيه، فهذا دعاء لك في كل بقاءك في البيت، أما التعوذ الذي ذكرته في الصباح فهذا إلى المساء، فإذن كل تعوذ ورد يؤتى به حتى يستفيد الإنسان من خيرات وثمار وبركات هذا التعوذ في حياته كلها.
الأخ الكريم يقول: عندي ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول فيما يتعلق بالاستعاذة، قول (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) عند نزول المنزل هل تقال مرة واحدة أو ثلاث مرات؟
السؤال الثاني: هو فيما يتعلق في أبواب سابقة، وهو قضية الحلقة التي تلبس في المعصم، انتشر بارك الله فيك الآن ما يسمى بالسوار النحاسي أو الفضي أو نحوه يوضع في المعصم، يزعمون أنه يخسس الوزن ويعالج الروماتيزم، وهو يباع في الصيدليات بثلاثين، وبستين ويقال أن منه بثلاثمائة، وما ندري هل هو يقاس على حديث عمران بن حصين الذي قال فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( ما هذه؟ فقال: من الواهنة)؟
السؤال الثالث: وهو عندنا بئر اسمها "التفلة" يزعمون أن هذه البئر مر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتفل فيها فنبع الماء، وكانت منذ القدم الناس يردون إليها أهل البادية يسقون حلالهم ويشربون منها ولا يعتقدون فيها شيئا، لكن الآن انتشر ونشر في الصحف أنها تفلة الرسول، وأصبحت يفد إليها الإخوة من بعض البلدان، وأيضاً أناس يفدون إليها وينشرون أن هذه تفلة الرسول ويتبركون بها، السؤال يا شيخ بارك الله فيك: هل ثبت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الشيء وهل يتبرك بهذا الماء؟
الأخ الكريم من الكويت يقول: عندي سؤالين بالنسبة للاستعاذة:
السؤال الأول: أي شخص عندما ينزل سواءً كان مسافر أو ينزل بيته مثلاً، شخص نزل بيته وقال الدعاء المأثور عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذهب إلى شغله أو دوامه ثم رجع مرة ثانية، هل يقوله مرة ثانية أم أن مرة واحدة تكفي للمنزل طوال فترة سكنه في هذا المنزل؟
السؤال الثاني: بعض الناس يقول هذا الدعاء وهو موقن ومتوكل على الله -سبحانه وتعالى- ولكن ينام عند الدواب وعند العقارب ويخالف السنة الكونية لله -جل وعلا- هل هذا صحيح أم خطأ يا شيخ؟
الأخ الكريم يسأل في أول أسئلته عن الاستعاذة هل تكون ثلاث مرات أو يكتفي بمرة واحدة؟
أخونا الكريم -سلمه الله- يسأل عن حديث خولة الذي مر معنا في الدرس، هل التعوذ الذي ورد فيه يقال مرة واحدة أو يقال ثلاث مرات؟ والذي ورد في هذا الحديث هو ذكر هذا الدعاء مرة واحدة، ولم يذكر أنه يقال ثلاثاً، فيكتفى بقوله مرة واحدة، قد يستدل البعض بأحاديث مطلقة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (كان إذا دعا دعا ثلاث) لكن الذي ورد في هذا الحديث هو أنه يقوله مرة واحدة، فيكتفي بأن يقوله مرة واحدة.
يسأل يا شيخ عن الحلقة وسبق أن أجبنا عنها، وكان هناك نقل لكم من كتاب فتوى الشيخ ابن باز الله –يرحمه- لو تذكرون على عجالة.
هو في حينه لما مر معنا شرح هذا الحديث سأل بعض الإخوة مشروعية لبس هذه الحلقة التي يصفها بعض الأطباء ويذكر أنها تفيد في مرض الروماتيزم أو بعض الأمراض، وكنت نقلت للإخوة المتابعين معنا فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمة الله عليه- وهي فتوى طويلة وكان بناها الشيخ كما ذكر في مقدمتها أنه تأمل في الأمر طويلاً، وبحث الأمر مع الكثير من المشايخ وأساتذة الجامعات ثم قرر -رحمه الله- ما ظهر له أن هذه الحلقة لا يجوز أن تلبس، وأنها من جنس ما جاءت الشريعة بمنعه من الحلقة والخيط وأن الباب في ذلك واحد، والشريعة جاءت بسد الذريعة ومنع هذه التعلقات والنهي عنها، وكان أولئك الذين يلبسون الخيط أو الحلقة من النحاس مثل الرجل الذي رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- في عضده حلقة من صفر (قال: من ماذا؟ قال: من الواهنة) يعني: أنه ربما أنه يرى لها شيئا من الأثر، فوجود الأثر ليس دليلاً على صحة العمل، وجود الأثر ليس دليلاً، فالشاهد أنه لا يجوز أن تلبس، وكنت قد نقلت فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمة الله عليه- في ذلك وأيضا،ً وقفت على فتوى أخرى للشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- سأل عن هذا فأجاب بالمنع وعدم جواز لبسها، وأنها من جنس هذا الذي جاء النهي عنه في الأحاديث الصحيحة؛ ولهذا الشيخ عبد العزيز في فتواه نقل هذه الأحاديث في الفتوى مثلاً حديث: (من تعلق تميمة) ومثل حديث لبس الحلقة، وأحاديث أخرى في هذا الباب، وأن الشريعة جاءت بسد الذرائع إلى غير ذلك من الأحاديث التي سبق أن مر معنا الكثير منها في هذا الباب فالشاهد أنها لا تلبس.
بالنسبة يا شيخ في سؤاله الثالث أن البئر التي يقولون أن فيها تفلة أو أنها نبعت ؟
هذه الأمور تنشأ في الناس في غربة السنة، ويبدأ الناس يتعلقون بأشياء لا يكون لها مستند، وإنما يثير الإنسان شيئا، ويقول مثلاً هنا تفل النبي -عليه الصلاة والسلام- وهنا جلس، وهنا اتكأ، وهنا كذا، يذكرون أشياء تحتاج إلى مستند علمي ثابت لإثباتها، هذا من جهة وتحتاج أيضاً إلى مستند علمي ثابت لما يفعل عندها من تبرك أو من تجاوزات، فيحتاج الأمر إلى الشاهد من جهتين: من هذه الجهة، ومن الجهة الأخرى، فأولا يقال عن هذه البئر أو غيرها أثبت ما قلت، بالأسانيد الصحيحة.
طريفة
اذكر من الطرائف أنه يوجد مكان يقصده بعض الناس للتبرك، أحد طلبة العلم ذهب ليحقق في الأمر وينظر إيش.. فوجد أحد الأطفال من صغار أطفال الحي القريبين من المكان قال: هنا ماذا يوجد ؟ قال : يوجد مزار، قال: هل يمكن أن تُرِيَنِي؟ قال: تبغى أني أُزَوِّرَك، ولد عمره سبع سنوات، قال: فمشى معه ، يقول: فذهبنا إلى المكان قلت: ماذا هنا؟ قال: هنا جلس النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهنا فعل كذا، وهنا.. أشياء يذكرها هذا الصغير، فقلت له من أين لك هذه المعلومات؟ قال: هذه المعلومات من أولاد الحارة... يعني هذا السند.
هل هذه تعتبر.
يتكسبون من ورائه.
يتكسبون من ورائها، يرتزقون من ورائها، ويعني أشياء ما لها حقائق، فما ينبغي على المسلم أن ينساق وراءها، يعني لما يأتي واحد يقول: هنا مثلاً اتكأ، أو هنا جلس، أو هنا مثلاً .... ، طيب ما المستند؟ ما كل ما يقال يقبل، الآن لما يأتينا في حديث -سلمك الله- ويقال: قال -صلى الله عليه وسلم- : "...." هل يكفي هذا لنقبل الحديث، أم ننظر في سنده وصحته وثبوته؟
ننظر في سنده.
لابد أما هكذا، كم من الأحاديث يقال فيها: -صلى الله عليه وسلم- وهي أحاديث مكذوبة وغير صحيحة، هذا من ناحية لكن يوجد ناحية أخرى في الموضوع لم يشرع لنا أن نتتبع هذه الآثار، وجاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما بلغه أنه يوجد أناس يذهبون إلى شجرة استظل في ظلها النبي -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، وكانوا يذهبون إلى تلك الشجرة فأمر عمر بقطعها وقال: إنما هلك من كان قبلكم بتتبعهم لآثار أنبيائهم، أو كلام نحو هذا، فمن ناحية لم نؤمر بتتبع هذه الآثار، ومن ناحية أخرى نحتاج إلى أسانيد صحيحة تثبت صحة هذا الأمر.
الأخ الكريم يقول: بالنسبة لدعاء الاستعاذة إذا دخل مسجده هل يكفي مرة واحدة؟ أم أنه إذا مثلاً رجع من العمل أو رجع من المسجد مثلاً يكرر هذا الدعاء كلما دخل منزله؟
نعم أخونا الكريم -سلمه الله- يسأل عن هذا، وهذا الدعاء ليس من أذكار دخول المنزل، ورد أن يسمي المسلم عند دخول منزله في كل مرة، يقول: (بسم الله) ويسلم قال: (تكن بركة عليك وعلى أهل بيتك) يسلم، وأما هذا التعوذ فليس ذكر دخول المنزل، وإنما هذا ذكر لنزول المنزل، ومعنى ذلك أنه يقال في أول مرة ينزل ، فإن نزل بيتا جديداً فأول ما ينزله يأتي به لأول مرة إن نزل في ليلة واحدة في صحراء أو في بر أو أو نحو ذلك يقوله مرة واحدة عند نزوله المنزل.
سواءً بالليل أو النهار يا شيخ .
من ليل أو نهار إذا نزل منزلا سكن في فندق أو في شقة أو مثلاً في....، أو مثلاً للحظة يسيرة ليبيت أو.. فيأتي بهذا .. فهو لنزول منزل، وليس ذكر دخول بمعنى أنه كل مرة يدخل بيته يأتي بهذا التعوذ.
في سؤاله الأخير يقول: أن بعضهم ينام في أماكن يكون فيها من الهوام أو من الدواب السامة ومع ذلك يذكر الأذكار، فهل يتنافى هذا؟
نعم هو مع الدعاء لابد من فعل الأسباب، مع الدعاء لابد من فعل الأسباب، والله -عز وجل- قال في القرآن: ﴿ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195] فلابد أن يبذل السبب، يعني لا يأتي إلى المكان مثلاً المعروف مثلاً بكثرة السباع، أو معروف مثلاً بكثرة الحيات والهوام أو نحو ذلك، وإنما يتحرى مكانا طيبا ومكانا نظيفا بعيدا عن هذه... ثم يأتي بهذا التعوذ.
الأخ الكريم يقول: فضيلة الشيخ ذكرت الاستعاذة، طبعاً قد تكون شركا وقد تكون عبادة، تعويذ الغير كأن يعيذ الأطفال أو المرضى أو المصابين مثلاً، هل هذا يعتبر كأن يقول مثلاً: نعيذكم بكلمات الله التامات من شر ما خلق، وإن كانوا أطفالا مثلاً لا يعرفون الكلام، حكم ذلك يا شيخ؟
هذا مما جاءت به السنة، مما جاءت به السنة أن الصغير يطلب له العوذ، ويعوذ لأنه غير قادر على أن يفعل ذلك بنفسه ولهذا يعوذ ، يعوذ بهذه التعوذات "أعذيكما بكلمات الله التامة" النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعوذ الحسن والحسين بذلك، والصغير ليس قادرا، ثم إذا بدأ الصغير يفهم الكلام فإنه يعلم.
وأيضاً مما ينبه عليه بمناسبة هذا السؤال أن بعض الناس يظن أن تعويذ طفله لا يكون إلا بحضرة الطفل، يعني إذا كان الطفل أمامه، وإذا كان أمامك الطفل تعوذه وإذا كنت غائباً عنه، يعني سافرت مثلاً فأيضا تعوذ طفلك ولو لم يكن عندك، فتعوذه تقول: أعيذكم بكلمات الله التامة كلها من شر ما خلق، يعوذ سواء كان في حضرته أو في غيبته.
طيب أحسن الله إليكم ، شيخ إذا أذنت لي في أقل من دقيقة؛ لأنه لم يبق لدينا وقت، الأخ الكريم من الإمارات يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ إذا سألك سائل أريد أن أنذر نذر طاعة فبماذا تنصح السائل أن ينذر أو لا ينذر؟
ينصح المسلم بأن يكون محافظا على طاعة الله -تبارك وتعالى- الفرائض والواجبات والسنن والمستحبات، ولا يوجب على نفسه ما لم يوجبه الله -تبارك وتعالى- عليه، ثم قد يعجز عن ذلك، أو يضعف عن ذلك، أو يصيبه من الأمور التي لا تمكنه، فالآن يقدر ويرى نفسه قادرا ثم يعرض له أمور فلا يوجب على نفسه، لكنه يعود نفسه على المواظبة على العبادة، والمنافسة في الطاعة، ويجاهد نفسه على ذلك.
شيخنا الكريم لعلكم تختمون هذا الدرس المبارك وتذكرون سؤالي هذا الدرس؟
يمكن أن أطرح سؤالين، سؤالًا يتعلق بالحلقة الأولى، نعم، بالموضوع الأول والثاني يتعلق بالموضوع الثاني:
الموضوع الأول كان عن النذر، وذكرت أقسام النذر، فأود أن يكون هناك من بعض الإخوة من يتفضل بالكتابة عن هذه الأقسام ويذكر على كل قسم دليلاً إما من القرآن الكريم أو من السنة، وإن تمكن أن يورد نقلا أو نقلين عن أهل العلم في أقسام النذور فهذا أيضاً من تمام هذه الإجابة؟
والموضوع الثاني: الاستعاذة وكنت ذكرت في الدرس أن الإمام النسائي -رحمه الله- في كتابه الاستعاذة أورد أحاديث عديدة في الاستعاذة ، الاستعاذة من شر النفس والاستعاذة من شر الشيطان، والاستعاذة من ... أمور كثيرة عددها، أمور كثيرة عددها، "أعوذ بك من شر سمعي، من شر بصري، من شر فؤادي" أمور كثيرة عددها فأريد نقل خمسة أحاديث متنوعة في هذا الباب؟ خمسة أحاديث متنوعة في باب الاستعاذة، ويتحقق مَن يجيب مِن صحة الأحاديث، وأيضاً من الصحة أو الدقة في نسبتها إلى مصادرها؟ والله تعالى أعلم.
أحسن الله إليكم يا شيخنا الكريم ونفع الله بكم
وأنتم كذلك شكر الله لكم، وشكر الله للإخوة الحضور المشاركين معنا ولجميع المتابعين لهذا الدرس، ونسأل الله لنا ولكم وللجميع التوفيق والسداد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
nary_jon
06-06-2008, 03:14 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الرابع عشر
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
الدرس الرابع عشر
شرح كتاب التوحيد
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا:
أستهل لقاءنا هذا بالتنويه بكلمة سماحة الإمام شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز -رحمة الله- عليه التي استمعنا إليها قبل قليل في ديباحة ومفتتح هذا البرنامج، وهي تأكيده -رحمة الله عليه- على الفقه في الدين، وأن من إرادة الله -عز وجل- الخير للعبد أن يفقهه في الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) .
ومفهوم المخالفة لهذا الحديث أن من لم يتفقه في الدين لم يرد به خيرا، ثم إذا كان شأن الفقه في الدين كذلك فينبغي أن يعلم أن أعظم ما يكون في هذ الباب الفقه في الدين -الفقه الأكبر الذي هو التوحيد، فهذا الدرس في هذا الكتاب المبارك هو درس في الفقه الأكبر؛ ولهذا يقسم أهل العلم أمور الدين إلى قسمين أو نوعين من الفقه:
فقه أكبر، وهو باب التوحيد والاعتقاد.
وفقه أصغر، وهو يتناول الشرائع والأحكام من صلاة وصيام.
ولهذا فإن قول النبي-صلى الله عليه وسلم- (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين) أي: الدين كله أصوله وفروعه، الأصول التي هي التوحيد والعقيدة، والفروع التي هي الشريعة والعبادات والأحكام، وهذا مما يجعل المسلم يعطي أمر التوحيد عناية عظمى وأهمية كبرى؛ لأنه هو الأساس الذي تبنى عليه العبادات وتقام عليه الطاعات؛ بل إن الطاعات كلها والعبادات جميعها لا تكن مقبولة إن لم تكن قائمة على التوحيد والإخلاص لله -جل وعلا-.
وموضوعنا في هذا اليوم في نوع من أنواع العبادة التي هي حق خالص لله -عز وجل- ولا يجوز صرفها لأحد سواه -تبارك وتعالى- والآن نستمع إلى كلام المصنف -رحمه الله تعالى- ثم نعلق عليه بما يتيسر -إن شاء الله تعالى-.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (باب من الشرك أن يستغيث بغير لله أو يدعو غيره، وقوله تعالى ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴿106﴾ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو...َ ﴾ [يونس: 106: 107])
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره)
عقد المصنف -رحمه الله تعالى- هذه الترجمة المباركة لبيان وجوب الاستغاثة لله -جل وعلا- وأنهما من جملة العبادات التي لا يجوز أن تصرف لغير الله -تبارك وتعالى- فلا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يستعاذ إلا بالله، ولا يستعان إلا بالله، ولا يصرف شيء من العبادة إلا لله -جل وعلا- فمن استغاث بغير الله أو دعا غير الله فقد اتخذ هذا الذي استغاث به أو دعاه شريكا لله -جل وعلا- والعبادة حق الله ليس لأحد فيها حق، وليس لأحد فيها شركة؛ بل هي لله -سبحانه وتعالى- وحده فلا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يلتجأ إلا إلى الله ولا يتوكل إلى على الله، ولا يستعاذ إلا بالله، ولا يصرف أي شيء من العبادة إلا لله -سبحانه وتعالى- والاستغاثة هي طلب الغوث فيما يحل بالإنسان من كرب أو شدة أو مصاب أو نحو ذلك، فيستغيث أو يطلب من يغيثه بتخليصه مما أصابه أو ألم به من كرب أو شدة أو نحو ذلك، والمغيث هو الله -جل وعلا- وحده -تبارك وتعالى- الذي يطلب منه الغوث، وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وهو -تبارك وتعالى- الذي بيده أزمة الأمور، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا رافع لما خفض، ولا خافض لما رفع، ولا قابض لما بسط، ولا باسط لما قبض، ولا معز لمن أذل، ولا مذل لمن أعز، الأمور كلها بيده -تبارك وتعالى- ليس بيد أحد كائنا من كان أي شيء من ذلك، فهذا الله -تبارك وتعالى- وحده فلا يطلب الغوث إلا منه، ولا يدعى إلا هو -تبارك وتعالى- ولهذا قال المصنف -رحمه الله تعالى- من الشرك أن يستغيث بغير الله، أي: يطلب الغوث من غير الله أو يدعو غيره.
عرفنا -حفظكم الله- أن الاستغاثة هي طلب الغوث وهي دعاء، دعاء مخصوص بماذا؟ بطلب الغوث في كرب حل بالإنسان، كما أن الاستعانة طلب العون، الاستغفار طلب الغفران وهكذا، فالاستغاثة طلب الغوث ممن أصابه كرب أو شدة فيطلب من يغيثه، والاستغاثة دعاء.
قال المصنف: (من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) عطف الدعاء على الاستغاثة مع أن الاستغاثة دعاء؛ لأن الدعاء منه الاستغاثة ومنه الاستنصار طلب النصر، ومنه الاستغفار طلب المغفرة، ومنه الاسترحام طلب الرحمة، كل هذا من الدعاء وداخلة فيه، فالمصنف -رحمه الله تعالى- عطف الدعاء على الاستغاثة وهذا كما قال أهل العلم: من باب عطف العام على الخاص، فذكر الخاص أولا وهو الاستغاثة وهي نوع من الدعاء، ثم عطف عليها الدعاء، وذكر هذ الأمر الخاص الذي هو الاستغاثة لأهميته ولكثرة الخطأ فيه، ولا سيما ممن ضل وانحرف في هذا الباب وتعلق قلبه بغير الله، ففي حال الشدة يتجه إلى من يظن أنه يخلصه من المخلوقين، وينسى من بيده مقاليد السماوات والأرض، على أن المشركين الذين بعث فيهم رسولنا -صلى الله عليه وسلم- كانوا في حال الكرب والشدة يخلصون لا يستغيثون إلا بالله، وفي حال الرخاء واليسر يشركون كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [العنكبوت: 65] وهذه حال شدة وحال استغاثة وصفهم الله بأنهم يشركون قال: ﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ ففي حال الشدة يخلصون، وفي حال الرخاء يشركون، ولكن بلغ المبلغ ببعض من ضل أن يشرك في حال شدته ورخائه، وفي سرائه وضرائه، فيستغيث بغير الله، و يدعو غير الله، ويستنجد بغير الله، ويطلب من المخلوقين ما لا يقدر عليه إلا الخالق -سبحانه وتعالى- وهذا من الشرك بالله الذي عقد المصنف -رحمه الله تعالى- وغفر له هذه الترجمة المباركة للتحذير منه.
حتى إن بعض المشايخ في أثناء الحلف لما يحلف بالله قد يكذب، لكن حين يحلف بالولي أو بالصالح يتحرج أن يكذب
هذا كله ناشيء من تعظيم المخلوق تعظيما أعظم من تعظيم الخالق، وأذكر على ذكرك لهذا الأمر أنني قرأت في أحد الكتب يتحدث عن الشرك محذرا منه، فذكر مثالا فقال أحد هؤلاء الذين اعتادوا على الحلف بغير الله مع أن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) يقول: إن أحدهم مرة حلف بالله فحلف بولي معظم عنده، فغضب أحد الحاضرين عنده. أنا لما سمعت كلمة "غضب" ظننت أنه غضب لحلفه بغير الله، فقال تحلف بالولي الفلاني وأنت تعلم أنه يعلم أنك كاذب!! فجمع بين شرين -والعياذ بالله- حلف بغير الله واعتقاد في غير الله أنه يعلم ما اختص الله -عز وجل- بعلمه. فعلى كل حال هنا المصنف -رحمه الله تعالى- قال: (من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره) لأن الاستغاثة وهي طلب الغوث عبادة، والدعاء الذي هو السؤال والطلب عبادة، وهو أمر خاص بالله -جل وعلا- لا يطلب إلا منه.
وينبغي أن نعلم هنا والحديث عن الدعاء أن الدعاء أفضل العبادات وأجلها وأعظمها حتى إن نبينا قال في عظمة هذه العبادة وجلالة قدرها قال: "الدعاء هو العبادة" وتلا قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿60﴾ ﴾ [غافر: 60] وجاءت أحاديث كثيرة جدا تدل على فضل هذه العبادة وعظيم مكانتها عند الله، كقوله -عليه الصلاة والسلام-: (من لم يسأل الله يغضب عليه) وكقوله -عليه الصلاة والسلام- (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) ونحو هذه الأحاديث الدالة على فضل هذه العبادة ومكانتها وعظيم قدرها، فهي حق لله -جل وعلا- لا يدعى إلا هو؛ لأنه هو المان، وهو المتفضل، وهو المعطي، وهو المانع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو الذي بيده -تبارك وتعالى- أزمة الأمور، ويا سبحان الله !!! الرب يعطي وينعم ويتفضل ويرزق ثم يتجه هؤلاء إلى غيره، يخلقهم الله، ويرزقهم الله، ويعافيهم الله، ويمن عليهم الله، ثم يتجهون إلى غيره ممن لا يملك لنفسنه نفعا ولا ضر، ولا حياة ولا نشورا، تارة يطلب منهم مددا، وتارة يطلب منهم رزقا في أمور لا يقدر عليها إلا رب العالمين، فأين عقول هؤلاء؟ ولهذا سيأتي معنا من الآيات التي ساقها المصنف -رحمه الله تعالى- في هذا الباب ما يبين لنا سفه عقول من يلتجيء إلى غير الله، ويدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، ويطلب المدد والشفاء من غير الله، سوءا اتجه إلى نبي أو إلى ولي أو إلى ملك أو غيرهم، فكل ذلك ضلال وباطل، العبادة -ومنها الدعاء- حق للرب العظيم والخالق الجليل -سبحانه وتعالى- ونقف الآن على النصوص التي ساقها المصنف -رحمه الله تعالى- في هذه الترجمة.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقول الله تعالى ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴿106﴾ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾)،
أول ما أورد المصنف في هذه الترجمة هذه الآية الكريمة وهي قول الله -عز وجل-: ﴿ وَلاَ تَدْعُ ﴾ والخطاب هنا لمن؟ للرسول -عليه الصلاة والسلام- الله -عز وجل- يخاطب رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقول له: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ والمراد بالظلم هنا الشرك؛ لأن الظلم يطلق في القرآن ويراد به أمور منها الشرك، والمراد بالظلم هنا الشرك كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿13﴾ ﴾ [لقمان: 13] وقوله تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿254﴾﴾ [البقرة: 254] فقوله هنا: ﴿ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: الواقعين في الظلم الذي هو الشرك، وذلك بصرف العبادة لغير مستحقها، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، ونظير هذه الآية قول الله -عز وجل- مخاطبا رسوله -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿213﴾ ﴾ [الشعراء: 213] كذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿88﴾ ﴾ [القصص: 88] وكذلك قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿65﴾ بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ ﴿66﴾ ﴾ [الزمر: 65: 66] وفي هذا وردت آيات كثيرة.
يقول أهل العلم: الخطاب خرج مخرج الخصوص والمراد به العموم. خرج مخرج الخصوص، مخاطبٌ به النبي-صلى الله عليه وسلم- في كل هذه الآيات والمراد العموم ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴿21﴾ ﴾ [الأحزاب: 21] قال: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ ﴿106﴾ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُّرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿107﴾﴾ فالأمور كلها بيده -جل وعلا- وتأمل هنا إبطال دعاء غير الله بهذا السياق بالمبارك، إبطال دعاء غير الله بقوله: ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ ﴾ لا يقدر على كشف ضر كتبه الله عليك أي أحد كائنا من كان ﴿ وَإِن يُّرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ إن أرادك الله بخير لا يستطيع أحد رده، وإن أرادك بضر لا يستطيع أحد كشفه، كما في قوله تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿2﴾ ﴾ [فاطر: 2] وكما أيضا في الحديث الصحيح يقول -عليه الصلاة والسلام-: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك) فإذا كان هذا الأمر واضحا فلم يدع غير الله؟ لم يستغاث بغير الله؟ لم يسأل غير الله؟ الأمور كلها بيده ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ ﴾ أي: أيا كانوا ﴿ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴿56﴾﴾ [الإسراء: 56] لا يملكون كشف ضر نزل، يعني: رفعه ولا يملكون تحويله، من مكان إلى مكان، قبل أن يقع ولا يملكون رفعا ولا دفعا، فلم يدع غير الله، إذن هذا من براهين بطلان دعاء غير الله، أن غير الله مهما كان إن أرادك الله بضر لن يستطيعوا منعه، إن كتب الله لك مرضا موتا فقرا أيا كان لا يستطيع أحد كائنا من كان أن يكشفه أو أن يرفعه، وإن أرادك الله بخير من الذي يستطيع أن يمنعه فالأمور كلها بيده فإذن لم يدع غيره.
قد يفتنوا في بعض الأحيان أنه يدعو غير الله ويتحقق المراد الذي دعا الله به
هذا من الاستدراج، يعني: قد يدعو الإنسان ثم يشاء الله -سبحانه وتعالى- أن يتحقق المراد، فيظن أن هذا الأمر الذي تحقق هو ممن استغاث به، فيعظم الشرك وهذا من الفتنة، وإلا وجود الأثر بقدرة الله وإذنه -تبارك وتعالى- ليس دليلا على صرف العبادة أو استحقاق غير الله -تبارك وتعالى- لهذه العبادة، ويكون هذا من الفتنة والابتلاء، فيغتر الكثير، وينخدع الكثير، وأيضا ربما -وهذا لابد أن ننتبه له- ربما يختلط بعض الأفاكين شيئا من القصص والأكاذيب حتى مثلما يقول بعضهم قبر فلان ترياق المجربين، يعني: جربوا قبره ووجدوا أن له أثرا، ويكذبون حتى على النبي-صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب، يقولون: إن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: "من اعتقد في حجر نفعه" يقول ابن القيم: هذا من وضع عباد الأصنام، فلمَّا يقال للعَوَامِ: إن النبي-صلى الله عليه وسلم-: "قال من اعتقد في حجر نفعه" تأكد لديه، بالرغم من أن هذا من وضع عباد الأصنام، من وضع المشركين عباد الأصنام وعباد الأحجار والقبور وغيرها، يضعون مثل هذه الأحاديث وغيرها.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ ﴾ [العنكبوت: 17]، الآية)
وقوله: ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿17﴾﴾ هذه الآية عظيمة جدا في تقرير الإخلاص في العبادة والدعاء لله –جل وعلا- ﴿ فَابْتَغُوا ﴾ أي: اطلبوا ﴿ عِنْدَ اللهِ ﴾ تقديم الظرف هنا يفيد الاختصاص، أي: لا عند غيره ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ ﴾ أي: لا عند غيره، فلا تسأل إلا الله، لا تطلب رزقك إلا من الله -سبحانه وتعالى- فالرزق بيده ﴿ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿58﴾﴾ [الذاريات: 58] الرزق بيده، وهو الرزاق -سبحانه وتعالى- والفضل فضله، والعطاء عطاؤه ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ﴾ [النحل: 53]﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]،] فإذن من ابتغى الرزق فليطبه من الرزاق ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ لأن كل رزق وكل نعمة نزلت بكم ونلتموها فهي منته فاشكروه -سبحانه وتعالى- ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ وهنا تنبه لهذه الخاتمة العجيبة للآية ﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: مرجعكم إليه، وفي المرجع الحساب والعقاب فمن كان مخلصا موحدا فله في المرجع جميل المئاب وعظيم الثواب، ومن كان مشركا ملحدا فله في المرجع والمئاب شديد العقاب وآليم النكال، فليتنبه الإنسان لذلك، ختم هذه الآية بقوله: ﴿ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي: تنبهوا فإن مرجعكم إليه، خلقكم لعبادته، وأوجدكم لطاعته، وأمركم بتوحيده، وأنتم راجعون إليه، فمن كان موحدا فله على توحيده أعظم الثواب، ومن كان مشركا فله أشد العقاب.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأحقاف: 5])
وقول الله تعالى ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿5﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴿6﴾ ﴾ أريد أن أسمع من الإخوان الحاضرين فائدة تكون مقتبسة من الآية في بداية الآية قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو ﴾ ثم ختم ذلك بقوله: ﴿ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ ماذا نستفيد من هذا السياق فيما يتعلق بموضوعنا هنا في لابداية قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو ﴾ ثم ختم ذلك بقوله: ﴿ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ فيه فائدة مهمة جدا.
نستفيد أن الدعاء هو العبادة
جميل هذه الفائدة .
ومن الآية الأخرى ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ختمها ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ﴾
في القرآن آيات كثيرة جدا تدل على هذا المعنى، يعني: يسمي الله -تبارك وتعالى- الدعاء عبادة فهنا قال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو ﴾ ثم ختمه بقوله: ﴿ وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ ﴾ إذن الدعاء عبادة، وإذا كان الدعاء عبادة فهو حق لمن؟ حق للمعبود وهو الله -سبحانه وتعالى- إذن لا يدعى غير الله، ومن يدع غير الله فلا أضل منه، والاستفهام هنا في قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ أي: لا أضل استفهام إنكاري، أي: ليس هناك أحد أضل ممن يدعو غير الله ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ وهذا أيضا من دلائل بطلان الشرك ودعاء غير الله؛ لأن من يُدعَى غير الله ليس بيده عطاء ولا منع، ولا بيده خفض ولا رفع، وليس بيده شيء، الأمر كله بيد الله، نظير هذا قول الله -عز وجل- في سورة الرعد: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴿14﴾ ﴾ [الرعد: 14].
وهنا قال: ﴿لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إذن لا يستجيب، وليس بيده نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، إذن لماذا يدعى أيا كان؟ لأن الآية تشمل الكل قال: ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ يعني: من دون الله أيا كان، لا نبيا مرسلا، ولا ملكا مقربا، ولا وليا من الأولياء، الدعاء كله عبادة لا تصرف إلا للرب العظيم والخالق الجليل ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ غافلون عن دعاء من دعاهم لأنهم يسمعونه، ولو فرض أنهم سمعوا فليس لهم قدرة على الإجابة، كما قال عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿13﴾ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴿14﴾ ﴾ [فاطر: 13: 14] وكفرهم بشركهم ذكر في آيتنا هذه قال: ﴿ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿5﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ إذن ماذا حصَّل من يدعُ غير الله؟ لم يحصل من دعائه غير الله -تبارك وتعالى- لاغنيمة في الدنيا ولا سلامة في الآخرة؛ بل لم يحصل إلا الخيبة والخسران، وهذا من الدلائل والبراهين على بطلان الشرك وفساده.
الآن مثل هؤلاء الذين يستغيثون بغير الله ويدعون غير الله إذا وردت عليهم مثل هذه النصوص، ومثل هذه الشواهد البينات التي لا تحتاج إلى أي مناقشة لماذا لا يقتنعون بمثل هذه الأشياء والنصوص؟
أحب أن أذكر لك قصة في هذا المجال، أذكر مرة كنت في المسجد بعد صلاة المغرب، وجالس اقرأ قرآنا بعد الصلاة، وكان إلى جانبي رجل من إحدى الدول العربية، وكان مادا يديه يدعو، والرجل في دعائه كان خاشعا وباكيا، في الحقيقة شدني وأثر فيَّ خشوعُه، يعني: تسمع خشوعا وبكاءً وإلحاحا لكن ما كنت أسمع له صوتا، ثم رفع الصوت في الدعاء لما اشتدت مناجاته، فإذا به يقول: مدد يا رسول الله، أغثني يا رسول الله!!! ينادي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فالخشوع هذا والبكاء ليس استغاثه بالله، وليس دعاء لله، وليس التجاء إلى الله، وإنما هو التجاء للرسول -صلى الله عليه وسلم- التجاء إلى الذي قال: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة) يعني: هو يستغيث بمن وجَّهَهُ، فحقيقةً أنا كنت متأثرا به، فتأثرت له، وحزنت عليه وعلى وضعه، فالتفتُّ إليه وبدأت أخاطبه برفق، أولا سألته عن صحته، وعن أولاده، وعن سفره، لعلك ما شق عليك السفر، وما وجدت متاعب، وكيف أنت؟ وكيف أخبارك؟ الرجل الآن منهمك في الدعاء وأنا ماسك يده أسلم عليه وأحييه، وهو كان مترددا بين أنه يجامل من يحييه وبين أن يستمر، لكني بتوفيق الله غلبته وارتاح واطمأن فقلت له الدعاء من يخشع فيه، ومن الذي يبكي في دعائه فهذا في الحقيقة أمر عظيم جدا أن يوفق الإنسان للخشوع والبكاء في الدعاء، وقلت له الدعاء مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة، والدعاء شأنه عظيم، والدعاء .... والدعاء .... وأخذت أذكر له فضائل الدعاء، وأسوق الآيات والأحاديث، وهو كان معطيني جنبه فاستدار وأعطاني وجهه، وأخذ يتابع الكلام فسردت له كلاما مطولا في فضل الدعاء ثم انتقلت إلى سرد آيات كثيرة، وتقصدت أن أسردها له في أن الدعاء حق لله لا يدعى غير الله كائنا من كان، وهو يسمع الآية الأولى يقول الله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿22﴾ ﴾ [سبأ: 22] الآية الثانية يقول الله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ﴿56﴾﴾ الثالثة يقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ الآية الرابعة ﴿ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ﴾ [يونس: 106] الآية الخامسة يقول الله تعالى: ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿213﴾ ﴾ [الشعراء: 213] الآي السادسة يقول الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88] الآية السابعة يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿13﴾ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾ وذكرت له آيات كلها خاصة بإخلاص الدعاء بالذات، ثم بدأت أسوق الأحاديث، والرجل يستمع كلها آيات وأحاديث، لما انتهيت قلت هذا الذي سمعته ليس لي فيه ولا كلمة، كلها آيات قرأتها عليك من الكتاب والسنة، وأنت الآن سمعتها كلها قلت واضحة؟ قال: نعم، حقيقة أنا كنت أريد أن أتأكد هل الرجل فهم أو لا، قلت له: ما رأيك؟ طبعا السؤال خطأ، آيات وأحاديث تقول ما رأيك؟ السؤال خطأ، لكن أنا كان قصدي أن أعرف، فقلت له ما رأيك؟ فقال كلمة عجيبة جدا عليها نور والله قال لي: تقول لي ما رأيك وأنت تقرأ آيات وأحاديث؟!! ما فيها رأي هذه واضحة، وأنا أيضا ازددت رغبة في أن أعرف الرجل فهم أو لا، قلت يا حاج: أنت الآن سمعتك تقول وأنت ماد يديك: مدد يا رسول الله، والآن تسمع الآيات كلها واضحة، أنت تقول واضحة، فلماذا أقول لك ما رأيك؟ قال لي بالحرف الواحد قال لي: أنا من بلد كذا وكذا ما أحد قال لي هذا الكلام، وسمى لي بلده، قال: أنا من بلد كذا وكذا ما أحد قال لي هذا الكلام، يعني: هذه الآيات ما تليت عليه وإنما الذي ذكر له من بعض المضلين الذين قال عليهم عنهم -عليه الصلاة والسلام- "إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين" قيل له أشياء غير هذا وصوروا له أن دعاء غير الله هو توسل أو مثلا هو استشفاع، وأطلقوا أسماء على دعاء غير الله لا تغير الحقيقة؛ لأن تغيير الأسماء أو إعطاء الشيء غير اسمه لا يغير حقيقته، مثل الآن لو سميت الخمر مشروبا روحيا، أو سمي الربا فوائد، أو سميت الرشوة إكرامية، أو سمي الشرك توسلا هل تتغير الحقائق؟ ما تتغير الحقائق، لكن مساكين العوام لبس عليهم بطريقة أو بأخرى، وأوهموا أن هذا ليس شركا، وإنما هذا استشفاع أو مثلا توسل، أعطيت أسماء وإلا فالأمر واحد، يعني: الله قال في القرآن: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ ﴾ [يونس: 18].
يعني يا شيخ بعد إيراد هذه الآيات اقتنع؟
يعني من فضل الله -سبحانه وتعالى- فالذي يريد الخير -الحمد لله رب العالمين- أمامه الآيات والأحاديث، وأمامه كلام الله -سبحانه وتعالى- وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- تذكرت آية مهمة كانت غابت عني ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿117﴾ ﴾ [المؤمنون: 117] هنا يقول ﴿ وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ قوله: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ من المراد بها؟ يقول أهل العلم: هذا وصف لازم بمعنى أن كل دعاء غير الله لا برهان عليه ولا حجة، وكل ما يتمسك به من يدعون غير الله كلها أشياء ليست حجة لا برهانا مهما أوردوا، يعني: خذها فائدة لك "كل ما يورد في الاستدلال على دعاء غير الله لا برهان له به" هذا وصف لازم لكل دعاء غير الله، مثلها أيضا قول الله -سبحانه وتعالى- في الآية الأخرى ﴿ يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ﴾ [يوسف: 39: 40] يعني هذا وصف لازم لكل عبادة لغير الله، ﴿مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ يعني: لا حجة فيها ولا برهان.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62])
وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ هنا يا إخوان تابعوا معي: المشتكي في زمنٍ ما إذا سئل هذا السؤال: من يجيب المضطر إذا دعاه ماذا يقول؟ المشتكي إذا قيل له: من الذي يجيب المضطر إذا دعاه؟ ومن الذي يكشف السوء إذا حلَّ؟ الأصنام أم الله؟ ماذا يقولون؟ الله. فالآن هنا لاحظ معي الآن الله -سبحانه وتعالى- يقررهم ويحتج عليهم بأمر يقرون به لأمر لا يقرون به، ما الذي يقرون به؟ أن الذي يجيب المضطر ويكشف السوء هو الله ومم الأدلة على ذلك: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ لقناعتهم أن الذي يجيب المضطر هو الله، والذي يكشف السوء هو الله، هم مقتنعون بهذا فالله -عز وجل- يحتج عليهم بأمر يقرون به، وهو أن الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء هو رب العالمين، فإذن لماذا تعبدون غيره؟ لاحظ التقرير ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ ﴾ يعني: كيف تتخذون إلها مع الله وأنتم تعلمون أنه وحده الذي يجيب المضطر، ووحده الذي يكشف السوء، ووحده الذي يجعلكم خلفاء الأرض، يموت واحد ويخلفه آخر؟ ﴿ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿129﴾ ﴾ [الأعراف: 129] ﴿ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ ﴾ والإله هو المعبود، فكيف تتخذ معه آلهة، والحالة أنه لا يجيب المضطر إذا دعاه ولا يكشف السوء إلا الله -سبحانه وتعالى-؟ قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ يعني: قليل تذكركم، وإلا لو كان لكم تذكر وتبصر وتدبر في الأمر لعلمتم أن هذا برهان واضح تعرفونه أنتم وتدركونه على فساد دعاء غير الله والالتجاء إلى غيره ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ ﴾ فلا يجيب المضطر ولا يكشف السوء إلا الله، إذن لماذا يدعى غيره؟ لماذا يتخذ شريك معه؟ لماذا يسأل غيره؟ الأمر كله بيده سبحانه وتعالى.
هنا حقيقة يوجد أمر لابد من الإشارة إليه وأيضا يجرنا إليه التساؤل الذي طرح قبل قليل، بعض من يلبسون على العوام وعلى الجهال في هذا الباب ماذا يقولون؟ يقولون بالحرف الواحد وقرأناه في بعض كتبهم: إن دعاء غير الله، وسؤال غير الله ليس شركا إلا إذا اعتقد فيمن يسأله أنه نافع ضار، فإذا وجدت عقيدة فيمن تسأله أنه النافع الضار فهنا يكون شركا حتى بعضهم قال: لو سألت حجرا ما لم تعتقد أنه نافع ضار ليس شركا.
إذن ماذا يعتقدون هنا لاحظ الرد عليهم في الآية ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ هل يعتقد المشركون في أصنامهم أنها نافعة أو ضارة ومعطية ومانعة؟ لا. لا يعتقدون ذلك، وإنما يعتقدون ذلك في الله، إذن لماذا تسألونهم؟ يقولون بصريح ما ذكره الله في القرآن ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3] بل يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شرك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. ما يملك شيئا، أنت الذي تملك.
إذن لماذا تعبدونه؟ قال: نعبده ليقربنا إلى الله. فهنا يقول هؤلاء: دعاء غير الله وسؤال غير الله ليس شركا إلا في حالة واحدة إن اعتقدت فيمن تدعوه بيده نفع وضر هنا يكون الشرك.
فلما يسمع الجهال مثل هذا الطرح تنقلب عندهم الموازين، وتنخفق العقول، ويقعون في الشرك الصراح، ويقرأ الآيات ويظن أنها لا تعنيه؛ لأنه يدعو غير الله، ويعرف أنه يدعو غير الله، لكن قالوا له: ما دمت لا تعتقد فيه أنه ينفع ويضر فلست مشركا.
لو أنه دعا غير الله، واعتقد فيه أنه ينفع ويضر، بيده النفع والضر يكون وقع في شرك الربوبية وشرك الألوهية.
شرك أنه دعا غير الله
وإذا دعا غير الله ولم يعتقد أنه نافع وضار فهو مشرك شرك الألوهية؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، العبادة لله، الآيات التي تلوناها وفي القرآن مثلها كثير كلها تتعلق بالدعاء.
أما شرك الربوبية فالمشركون كانوا يقرون أن الله الخالق الرازق المنعم الذي يجيب المضطر يقرون بهذا، ولكن يشركون في العبادة، فالذي يفعل الأمرين وقع في نوعين من الشرك.
في عصرنا هذا يا شيخ يفعلون الأمرين بالنسبة للذين يطوفون حول القبور يعتقدون أن صاحب هذا القبر يضر وينفع
يوجد من يقول ويصرح أن من الأولياء من عنده من القدرة على أن يقول للشيء كن فيكون، هذا ما قاله!!! ماله مَن عبد الأصنام؟ ما قالوا إن الأصنام تقول للشيء كن فيكون ولا قالوا أنها تعلم ما كان وما سيكون ما قال ذلك وإنما هي تماثيل أو أصنام لأشخاص صالحين وهم يعبدونها لكي تقربهم إلى الله لكن ما اعتقدوا في هذا.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (ورى الطبراني بإسناده ( أنه كان في زمن النبي-صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم قوموا بنا نستغيث برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا المنافق فقال النبي-صلى الله عليه وسلم- إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ))
ثم ختم المصنف -رحمه الله تعالى- هذه الترجمة بهذا الحديث الذي رواه الإمام الطبراني بإسناده في معجمه.
والطبراني -رحمه الله تعالى- له ثلاثة معاجم: المعجم الكبير، والمعجم الأوسط، والمعجم الصغير وكلها مطبوعة.
وهذا الحديث رواه -رحمه الله تعالى- في معجمه الكبير، وبعض العلماء تكلم في هذا الحديث من جهة إسناده، لكن يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه الاستغاثة: إنه يصلح للاعتضاد، ويشهد لمعناه الكتاب والسنة، يقول: ( أنه كان في زمن النبي-صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذي المؤمنين) يعني أنه من شأنه ومن صفته أنه يؤذي المؤمنين (فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عليه الصلاة والسلام- إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله ) وهذا موضع الشاهد من الحديث للترجمة، وهو أن الاستغاثة عبادة ولا تصرف إلا لله جل وعلا.
هنا نريد أن نتأمل سويا في الحديث وتابعوا معي هنا قال بعض الصحابة: قوموا بنا نستغيث برسول الله. يأتي سؤال هنا: هل هذا الذي قاله هذا الصحابي (قوموا بنا نستغيث برسول الله) هل هو في أمر يقدر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو في أمر لا يقدر عليه؟ هل كف أذى هذا المنافق الذي كان يؤذيهم؟ هل كان قادرا عليه -عليه الصلاة والسلام- أو ليس قادرا؟ من قال هذه الكلمة (قوموا بنا نستغيث برسول الله) لأنه بيده السلطة، وبيده الولاية، فقالوا: "قوموا بنا نستغيث برسول الله" فهل هم طلبوا الاستغاثة في أمر يقدر عليه أو في أمر لا يقدر عليه؟ إن كان طلب في أمر يقدر عليه فمر معنا في الحلقة الماضية ﴿ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ [القصص: 15] يعني: أن تطلب من شخص حاضر وقادر أو قال: قوموا نستغيث بفلان. يعني: نخبره بهذا الأمر ونذكر له هذا الخبر فإن كان قادرا على كف أذاه فيكونون طلبوا منه شيئا قادر عليه، وإن كان ليس قادرا على كف أذاه فيكونون طلبوا منه أمرا لم يكن قادرا عليه، أنا أريد أن نستحضر هذين الأمرين حتى نفهم الحديث على ضوء ذلك.
الاحتمال الأول إن كان قادرا، إن كان هذا الذي طلبوه منه قادرا عليه -عليه الصلاة والسلام- أن يكف أذاه بما آتاه الله -عز وجل- من ولاية وسلطة، إن كان قادرا -فما معنى قوله -عليه الصلاة والسلام- وانتبه للفائدة ما معنى قوله -عليه الصلاة والسلام- (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله).
أنه لا يقدر عليه
لا نحن الآن قلنا الاحتمال الأول أنه قادر، طلبوا منه شيئا هو قادر عليه، قال: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله) إذا كانوا قالوا هذه الكلمة: (قوموا بنا نستغيث برسول الله) في أمر يقدر عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك قال لهم: (إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله) يعني: في أمر جائز، ولكن منعهم من هذا اللفظ سدا للذريعة، وحماية لحمى التوحيد، يعني: طلبوا منه في حياته، وفي أمر قادر عليه، ومع ذلك قال لهم: (إنه لا يستغاث بي) كل هذا صيانة منه –عليه الصلاة والسلام- وحماية منه لحمى التوحيد، وسدا لذرائع الشرك، طلبوا منه وهو حي بين أظهرهم في أمر هو قادر عليه -عليه الصلاة والسلام- وقال لهم هذه الكلمة، فكيف يستغاث به بعد مماته فيما لا يقدر عليه إلا الله هذه واحدة؟
الثانية: إن قيل: إنهم طلبوا منه أو استغاثوا به في أمر لم يكن قادرا عليه، وهو فكهم من أذى هذا المنافق، ويكون النبي-صلى الله عليه وسلم- قال: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) يعني: يطلبوا كف أذاه من الله، والتجئوا إلى الله، فيقال هنا أيضا إذا كان النبي-صلى الله عليه وسلم- قال لهم في حياته وهو بين أظهرهم: (إنه لا يستغاث بي) في أمر هو لا يقدر عليه (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) فكيف به بعد مماته.
فإذن في كلا المعنيين الحديث فيه إبطال الاستغاثة بغير الله -تبارك وتعالى- إن كان في أمر يقدر عليه فمن باب سد الذرائع وحماية حمى التوحيد يمنع، وإن كان بأمر ليس قادرا عليه فهذا الأمر فيه أوضح، ومع ذلك تجد من يغالي في شأن النبي-صلى الله عليه وسلم- ويقول في مغالاته وفي شأنه مخاطبا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ميت -صلاة الله وسلامه عليه- يقول:
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وإن من جودك الدنيا وضرتها وإن من علومك علم اللوح والقلم
لاحظ هذا الأمر وقارنه بالحديث، وقارنه بالآيات حتى تدرك غربة الدين وغربة التوحيد عند هؤلاء وعند أمثالهم، وتأمل البيت بعد إصلاحه على التوحيد، لو كان القائل قال في بيته هذا يخاطب الله -سبحانه وتعالى-:
يا خالق الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم
يكون توحيد وإخلاص وإذا أعطي حق الله لغير الله ماذا يكون الكلام
فيما يتعلق بالدرس الماضي وصلتنا بعض الأجوبة:
يقول: يذكر أولا أنواع النذور: النوع الأول نذر الطاعة، وهو كل نذر كان في طاعة الله -عز وجل- فنجد الصلاة والصوم والعمرة والحج إلى آخره، كأن يقول: لله على أن أصوم كذا أو أتصدق بكذا ودليله ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ [الحج: 29] وهذا النذر يجب الوفاء به.
ثانيا نذر المعاوضة الذي يعلق فيه الناذر الطاعة على حصول شيء أو دفع شيء، بحيث لو لم يحصل لم يقم بالطاعة وهذا محل النهي
ويقال له أيضا نذر المجازاة.
وذكر الحديث أخذ النبي-صلى الله عليه وسلم- ينهاناها عن النذر ويقول (إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به من الشحيح) رواه البخاري ومسلم
وأيضا قال في الحديث الذي معنا (لا تنذروا، فإن النذر لا يرد من القدر شيئ)
النوع الثالث نذر المعصية، وهو كل نذر فيه معصية لله، كأن ينذر أن يفعل معصية من المعاصي كالزنا وشرب الخمر والسرقة، وهو مما لا يجوز الوفاء به بحال؛ بل عليه أن يكفر عن نذره بكفارة يمين في أحد أقوال أهل العلم، دليله عن عمران بن حصين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا وفاء لنذر في معصية ) رواه مسلم.
النوع الرابع: نذر اللجاج والغضب، وهو كل نذر يخرج مخرج اليمين في الحث على فعل شيء، أو المنع منه، أو التصديق أو التكذيب، غير قاصد صاحبه للنذر ولا للقربة على وجه التحقيق، وصاحبه مخير بين كفارة يمين والوفاء به، ومثله نذر المباح الذي ليس بطاعة ولا معصية
وبقي الأمر الذي مر وهو المقصود هو النذور الشركية، جوابه طيب.
تقول: بالنسبة للجواب الثاني من أحاديث التعود عند النسائي أولا: (اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر) الحديث صحيح، لكن أين تخريج هذا الحديث.
الحديث الثاني: (اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجزام، ومن سيء الأسقام) أيضا تقول: هذا الحديث صحيح.
ثالثا (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة).
رابعا (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والذلة والقلة، وأعوذ بك أن أظلم أو أظلم) صحيح.
الخامس: (اللهم إني أعوذ بك أن أغتال من تحتي) وهذا حديث صحيح، عقبت في ملحوظة تقول: تخريج الأحاديث من 1: 5 هو تخريج الشيخ محمد السويجري في كتابه مختصر الفقه الإسلامي.
بالنسبة للاستغاثة المقصودة بالحديث الذي رواه الطبراني هل هو يستفاد أنه السؤال أنهم يريدون أن يسألوا عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- الاستغاثة في طلب أن يفكهم عن المنافق؟
السؤال الثاني: عن أهمية التوحيد ودراسة هذا الكتاب المهم، والشيء الثاني: أوقات أنا أتابع على قناة المجد لكن للأسف ما أقدر أن أضبط الأوقات
من خارج المملكة السعودية يدعي علم الغيب، ويدعي أنه يطير في الهواء، ويدعي أن عندهم كرامات، وعندهم -بارك الله فيك- أن عندهم أولياء يطلبون المدد منهم، ويدعون أن الرجل إذا مات وأتوا به إلى الولي يجعله يتكلم ويخبرهم عما حصل، أي يجعله يحيا ويتكلم
أرجو أن يعلق الشيخ ولو تعليقا بسيطا حول ما حصل مؤخرا من التعدي على شخصية النبي-صلى الله عليه وسلم- فيما حصل من الدنمارك وإساءتهم للحبيب -صلى الله عليه وسلم-
السؤال الأول طلب المعونة من المخلوقين إذا كان يقدر على طلبه هل يدخل في الاستغاثة
مع أن الشيخ أجاب عن ذلك لكن -بإذن الله تعالى- سنطرح السؤال مرة أخرى.
السؤال الثاني: أيهم أعظم إثما الحلف بالله كاذبا أو الحلف بغيره صادقا؟
يسأل عن الحديث الذي رواه الطبراني أن السؤال لا يكون بقصد الاستغاثة إنما هو بطلبهم من الرسول -صلى الله عليه وسلم-
الواضح في هذا الطلب أن هذا المنافق كان يؤذي المؤمنين، فقالوا: (قوموا بنا نستغيث برسول الله) أي: نطلب منه أن يكف أذاه هذا المراد، وإما أن يكون هذا في مقدوره -عليه الصلاة والسلام- ومستطاع أن يقمعه ويمنعه، أو أنه ليس في مقدوره أن يقمعه، فعلى كلا الاحتمالين قال عليه الصلاة والسلام: (إنه لا يستغاث بي) فإن كان أمرا في مقدوره فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يحمي حمى التوحيد ويسد ذرائع الشرك بالمنع من هذا اللفظ، وإن كان أمرا ليس في مقدوره عليه الصلاة والسلام فهو أيضا منعهم من طلب أمر من مخلوق لا يقدر عليه إلا الخالق -سبحانه وتعالى- وكل هذا يدلنا على خطورة الشرك سواء في ذاته أو في وسائله وما يفضي إليه.
هو أشار إلى أشياء من الضلال التي توجد مثلا الاستغاثة بغير الله، والاعتقاد في غيره أنه يعلم ما كان وما يكون، وأنه يقول للشيء كن، وأشياء من المغالاة عجيبة من الغلاة وأهل الضلال والباطل.
يأتون بالميت عند الولي عند القبر ويسألونه بعض الأشياء
نعم، ربما يفعلون هذا أو أشنع منه، فهذه أمور كثيرة تأتي من الجهل بالتوحيد، ولو وقف هؤلاء وأمثالهم على التوحيد، وعلى هذه الآيات المباركة والأحاديث التي جمعها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لزالت عنهم هذه الضلالات، ولكنهم ركنوا إلى ما عندهم من مفهومات باطلة وأهواء فاسدة، ونشأوا عليها واعتادوا عليها، ولما يخاطبوا بالآيات والأحاديث يتكابر ويتكاثر الواحد منهم أن يترك شيئا نشأ عليه، ونشأ عليه آباؤه وأجداده فيتكاثر أن يرجع إلى الحق إلا من فتح الله عليه، والذي ندعو إليه كل من يسمع أن يقرأ التوحيد في القرآن وفي السنة، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إنما جمع للناس آيات التوحيد وأحاديث التوحيد في هذا الكتاب، يعني: ليس له إلا جمع كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب العظيم وكثير من الناس منَّ الله عليهم بقراءة هذا الكتاب كتاب التوحيد قرأوه وتفكروا فيه وتأملوا في الآيات، وشفاهم الله تعالى من هذا البلاء وهذا الشر؛ ولذلك فهذه دعوة حقيقية أوجهها للجميع أن يقرأوا هذا الكتاب المبارك، كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أُأكد أنه ليس في هذا الكتاب إلا جملة جمعت في تقرير التوحيد وبيانه وهي فيها شفاء -بإذن الله تعالى- لكل هذا الضلال المتراكم والباطل الكثير الذي بلي به كثير من الناس.
وهو كتاب متيسر شراؤه بأقل من القليل، الحمد لله منتشر حتى في جميع المكتبات ودور النشر
ومن فضل الله -سبحانه وتعالى- ومن بركته التي في هذا الكتاب أنه ترجم لكثير من لغات العالم، وشرح كثيرا من الشروح، وهدى الله -عز وجل- خلقا كثيرا للتوحيد والحق والإخلاص بتوفيق من الله من خلال هذه الآيات والأحاديث التي جمعها المصنف في هذا الكتاب.
الأخ تطرق إلى نقطة هامة جدا وهي ما يتعرض له الرسول -صلى الله عليه وسلم- من اتهامات باطلة في بعض وسائل الإعلام، وخاصة ما كان في دولة الدنمارك، نريد توجيها يا شيخ بهذا الخصوص وأيضا موقف المسلمين تجاه هذه القضية.
هذا الذي الآن في الدنمارك الذي يفعله بعض الحاقدين على النبي-صلى الله عليه وسلم- الكريم ليس أمرا جديدا في التاريخ، لا تاريخ نبينا -عليه الصلاة والسلام- ولا تاريخ الرسل الذين قبله، والله -عز وجل- سلى نبيه بالقرآن بقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: 10] فالاستهزاء موجود، وهو موجود عند القلوب المظلمة والنفوس الضائعة التي لم تكتفِ بالضياع والضلال، بالإعراض عنه بل بالسخيرة والاستهزاء بحملته، وإلا فإن محمدا -صلى الله عليه وسلم- هو إمام الهدى، وبعثه الله -تبارك وتعالى- رحمة للعالمين، وأرسله -تبارك وتعالى- بالحق والهدى ودين الحق، أرسله بالتوحيد، أفضل عباد الله، وأقومهم قيلا، وأفضلهم طريقة، ليس في عباد الله من هو أفضل عبادة منه، وليس في عباد الله من هو أكمل خلقا منه، وفي كل جوانب الخير إمام وقدوة؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] والذي أقوله في هذه المناسبة وأستدل عليه من القرآن أن هجوم هؤلاء الشرس على أفضل البشرية وخيرهم محمد بن عبد الله هذا إذنٌ -إن شاء الله- بمحقهم وزوالهم وهلاكهم ودمارهم، واقرأ قول الله تعالى في سورة الرعد ﴿ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿31﴾ ﴾ اقرأ الآية التي بعدها ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ [الرعد: 31] مرة ثانية نتابع السياق، وهذا الحقيقة فيه بشارة، ونسأل الله -عز وجل- أن يهلك كل من تجرأ على شخص النبي-صلى الله عليه وسلم- بالاستهزاء والسخرية والتهكم، وأن لا يبقي منهم ديارا إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب يقول: جل وعلا: ﴿ وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿31﴾ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿32﴾ ﴾ وتأمل: "أمليت" يملي للظالم ولا يهمله، وإذا أخذه -تبارك وتعالى- أخذه أخذ عزيز مقتدر، وأي جناية وأي ظلم وأي عدوان أن يكفر بإمام البشرية وقدوة العباد؟!
إذا أظلمت عليك الطريق فلم تر الحق فكف عن السخرية لعله يفتح عليك يوما من الأيام فتفهم الحق، أما إذا سخرت واستهزأت قطعت وحرمت نفسك من الخير، وناديت على نفسك بالنكال والعقوبة المعجلة والمؤجلة.
فهذه حقيقة بمحق هؤلاء، نسأل الله تعالى أن يهلكلهم ويقطع دابر كل ساخر مستهزيء برسول الله -صلوات الله وسلامه عليه- وتأمل في هذا المقام قول الله -عز وجل-: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ﴿3﴾ ﴾ [الكوثر: 3] وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿95﴾ ﴾ [الحجر: 95] وتأمل قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿47﴾ ﴾ [الروم: 47] وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج: 38] وقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ [غافر: 51]
فالله -عز وجل- ناصر رسوله، وسيكبت بإذنه -تبارك وتعالى- هؤلاء ويمحقهم بهذه الجرأة وهذه السخرية؛ ولهذا فعقلاء هؤلاء ومن عندهم شيء من الفهم ينبغي عليهم أن يأخذوا على يد هؤلاء الحمقى ويد هؤلاء الغوقى؛ لأنهم يجرون مصيبة على مجتمعهم كله بهذه السخرية بإمام البشر وقدوة عباد الله وأزكى البشرية صلوات الله وسلامه عليه.
نحن حتى في عقيدة الإسلام نحترم أنبياء النصارى وأنبياء اليهود
هذا الهجوم هو حقيقة حماقة، وأيضا أريد أن أقول بالمناسبة شيء في زمن النبي-صلى الله عليه وسلم- كان بعض المشركين يذمونه ويهزءون به فماذا كانوا يقولون؟ كانوا يقولون: "مذمم فعَل كذا" ويسخرون "ومذمم فعل كذا" ويسخرون ويأتون بأشياء وينسبونها إلى "مذمم" فكان عليه الصلاة والسلام يقول في معنى الحديث: (انظروا كيف يصرف الله عني؟ يسبون مذمما وأنا محمد ) وهنا أيضا لو نظرت فهم رسموا صورة، وهذه الصورة جعلوها سخرية، وهذا في تخيلهم هم، وإلا شخص محمد -عليه الصلاة والسلام- أكمل البشر لا ترسمه أقلامهم، ولا تصله أفهامهم، وكيف تصل أفهامهم شخصَ أزكى البشرية وأطيبهم؟ (انظروا كيف يسبون مذمما وأنا محمد) وهؤلاء يرسمون صور سيئة لا تمثل إلا ما يدور في مخيلاتهم من الفساد، وهم يصفون ما يدور في مخيلاتهم من سفاهة وحماقة، وإلا فمحمد -عليه الصلاة والسلام- أزكى وأجل والله -عز وجل- قال: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴿95﴾﴾ والله -عز وجل- يتولاه ويتولى كل مؤمن ومؤمنة.
يسأل عن حكم طلب المعونة إذا كان الشخص يقدر، إذا كان حاضرا هذا الشخص، ويستطيع تنفيذ هذا الأمر فهذا ليس فيه إشكال، ذكر: أيهم أعظم الحلف بالله كاذبا أم الحلف بغير الله صادق
الحلف بغير الله صادقا أعظم؛ لأن هذا الشرك الذي هو الحلف بغير الله صادقا والحلف بالله كاذبا كبيرة، ولهذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه- لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلى من أن أحلف بغيره صادقا، الحلف بغير الله صادقا هذا شرك والحلف بالله كاذبا هذا كبيرة والشرك أعظم.
أطرح سؤالا أولًا يتعلق بموضوع الدرس، وسؤالا ثانيا يتعلق بسؤال الأخ:
الأول: أريد جمع عشر آيات من القرآن الكريم في بطلان دعاء غير الله، وعرضت أنا جملة منها، نريد جمع عشر آيات من القرآن الكريم في أنه لا يدعى غير الله، تجمع من كتاب الله عز وجل.
والسؤال الثاني: جمع الآيات من القرآن الكريم فيما يختص بهذا الموضوع، وهذا الحدث المشين والتصرف القبيح الذي فعل في الدنمارك، تجمع الآيات التي فيها أن المستهزئين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والساخرين به شأنهم هو الأبتر، وكفاية الله عز وجل لنبيه -صلى الله عليه وسلم- وأن الله -عز وجل- لهم بالمرصاد، يجمعون عشر آيات تتعلق بهذا الأمر. ونسأل الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعز دينه، وأن يعلي كلمته، وأن ينتصر لرسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- وأن يمحق هؤلاء المستهزئين، وأن يقطع دابرهم، وأن يصلح لنا جميعا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب قريب.
nary_jon
06-06-2008, 03:47 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدرس الخامس عشر
فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=670&lang=)
بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله رب العالمين، نحمده و نستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا نزال في دراسة هذا الكتاب المبارك، كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- نستفيد من أبوابه الماتعة وتقريرات النافعة وبياناته السديدة التي اشتمل عليه هذا الكتاب المبارك، كتاب التوحيد في الغاية التي خلقنا لأجلها، ووجدنا لتحقيقها، وقد كان من المصنف -رحمه الله تعالى- في مقدمات هذا الكتاب وترتيبه له ترتيب البديع أن بين أهمية التوحيد وفضله ومكانته وعظيم شأنه، وما يترتب على تحقيقه من الآثار الحميدة، والعوائد المباركة على محققه في الدنيا والآخرة ثم إن المصنف -رحمه الله تعالى- أخذ يبين أنواعا من الشرك محذرا منها مبينا لخطرها ومناقضتها للتوحيد ومباينتها له، ثم ابتداء من هذه الترجمة عقد -رحمه الله تعالى- جملة من التراجم أراد أن يبين من خلالها البراهين الواضحة والدلائل البينة على بطلان الشرك وفساده الترجمة التي هي موضوع درسنا هذا اليوم، وكذلك بعض التراجم الآتية بعدها هي في بيان البراهين الدالة على فساد الشرك وبطلانه ونستمع الآن من أخينا تركي حفظه الله وسلمه تقرير الشيخ وما ذكره، ثم نعلق على ذلك بما ييسره الله عز وجل.
قال المصنف-رحمه الله تعالى- (باب قول الله تعالى ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿191﴾ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا ...﴾ [الأعراف: 191: 192])
قال المصنف -رحمه الله تعالى- ( باب قول الله تعالى ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿191﴾ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴿192﴾﴾) هذه الآية الكريمة جعله المصنف عنوانا للترجمة، والترجمة هي في بيان بطلان الشرك، وبطلان التعلق بالمخلوق عبادة ودعاء وسؤالا وطلبا، فهذه أمور لا يلتجأ فيها إلا إلى الله، ولا تصرف إلا لله -تبارك وتعالى- فهو المستحق للعبادة دون سواه، كما أنه -تبارك وتعالى- تفرد بالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتصرف في هذا الكون، فيجب أن يفرد وحده -تبارك وتعالى- بالعبادة كما قال عز وجل: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿92﴾﴾ [الأنبياء: 92] أي: كما أنه وحده ربكم الذي خلقكم وأوجدكم فيجب أن يعبد وحده، ولا أن يصرف شيء من العبادة لغيره كائنا من كان.
فهذه الترجمة عقدها الإمام -رحمه الله تعالى- ليبين من خلالها بطلان الشرك وفساده، وأن المشرك مبطل في شركه، ضال في عبادته لغير الله؛ لأنه تعلق قلبه واتجه بدعائه وطلبه وعبادته إلى من لا يخلق؛ بل هو مخلوق وإلى من لا ينصر بل هو يحتاج إلى من ينصره، لا يستطيع نصر نفسه ولا يستطيع نصر من يطلب منه نصرا، فكيف يتجه بالدعاء والعبادة والطلب إلى مخلوق هذا شأنه وهذا قدره، ولا يتجه بالعبادة والدعاء إلى من بيده أزمة الأمور ومقاليد السماوات والأرض والمصنف -رحمه الله تعالى- جعل عنوان هذه الترجمة التي هي معقودة لبيان بطلان الشرك وفساده وذكر الدلائل والبراهين على ذلك جعل عنوان هذه الترجمة هو هذه الآية الكريمة
﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ الاستفهام هنا في أول هذه الآية ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ هو استفهام إنكاري وفي تقريع وتوبيخ لمن كان هذا شأنه مشركا بالله صارفا للعبادة لغير الله -تبارك وتعالى-.
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ يعني: لا يملك أن يخلق شيئا كائنا من كان، ومهما كان قدره، وهم يخلقون، فهذا الذي يدعونه من شأنه ومن صفته أنه لا يستطيع أن يخلق، وهو في الوقت نفسه مخلوق لله -تبارك وتعالى- فليس بخالق ومخلوق فكيف يعبد؟ كيف يسوى هذا الذي هو مخلوق والذي أوجده رب العالمين؟ كيف يسوى المخلوق بالخالق، والمربوب بالرب؟ ومن أوجده الله -تبارك وتعالى- ومن عليه بالنعم والصحة والعافية كيف يسوى بالرب العظيم والخالق الجليل -سبحانه وتعالى- ؟ فهذا الاستفهام جاء على وجهين تقريع والتوبيخ وبيان شناعة هذا الأمر الذي عليه المشركون أنهم يشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون، أي: هؤلاء الذين يدعون ويعبدون وتصرف لهم العبادة هم مخلوقون لله، فالآية فيها تقريع المشرك وبيان خبث عمله، بأنه يشرك ما لا يخلق شيئا، وفي الوقت نفسه مخلوق لله، فكيف يسوى المخلوق بالخالق؟ كيف يسوى المربوب بالرب العظيم والخالق الجليل -تبارك وتعالى؟ ثم هذا الذي هذا شأنه لا يستطيع أن يخلق شيئا، ولو كان من أحقر الأشياء كما في الآية الأخرى كما يقول الله -تبارك تعالى-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿73﴾﴾ [الحج: 73]، فهو لا يستطيع أن يخلق أي شيء كان، وفي الوقت نفسه هو مخلوق لله، فكيف يعبد؟ هذا برهان من براهين بطلان الشرك.
وبرهان آخر في الآية قال: ﴿ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ أي أن هذه المعبودات أيا كانت لا تستطيع نصر من يلتجيء، ولا أيضا تستطيع نصر أنفسها إذا اعتدي عليها، فهي لا تملك نصرا لعابديها، ولا تملك نصرا لنفسها، فكيف يدعى من كان هذا شأنه؟ وهذا برهان قوي من براهين بطلان الشرك وفساده، ولو تفكر المشرك في هذا البرهان لكفاه دليلا وحجة؛ بل وجد من المشركين من اهتدى من خلال هذا البرهان.
يذكر الإمام بن جرير الطبري في تفسيره قصة رجل من الأعراب قطع مسافة طويلة متجها قاصدا أحد الأصنام؛ ليعرض عليها حاجة وليسأله، فلما وصل إلى الصنم بعد جهد وتعب، لما وصل إلى الصنم ماذا وجد؟ وجد أن هذا الصنم الذي اتجه إليه وقصده مسافة طويلة ليسأله ويعرض عليه حاجته وجد فوق رأس الصنم ثعلبا، والثعلب يبول، والبول ينزل من فوق رأس الصنم إلى أسفل قدميه، البول يصب من فوق رأس الصنم إلى أسفل قدميه، بول هذا الثعلب، والثعلب فوق رأس الصنم، وهذا جاءه مستنصرا به، فرآه بهذه الصفة فقال بيتا من الشعر ورجع، قال:
أرب يبول الثعلبان برأسه لقد هان من بالت عليه الثعالب
يعني: من يبول عليه الثعلب كيف يستحق أن يكون إلها؟
وصورة مثل هذه قرأتها في إحدى الصحف أن أحد أصحاب الديانات الهندوسية أو البوذية -لا أذكر الآن- ذكر في مقابلة معه كيف أسلم يقول: دخلت المعبد، والمعبد فيه الأصنام التي يعبدها هؤلاء، يقول دخلت المعبد فإذا فيه كلب يبول عند الصنم، يقول منذ رأيت هذا المنظر أدركت أننا على فساد، وأن عقيدة الأجداد والآباء عقيدة باطلة، إذ كيف يقصد بالعبادة هذا الذي يبول الكلب عنده أو عليه؟!! فيقول منذ رأيت هذا المنظر وأنا نفسي منقبضة ونافرة وأبحث عن الديانة الصحيحة حتى هداني الله تعالى إلى الإسلام، دين التوحيد ودين الإخلاص لله سبحانه وتعالى.
أيضا شبيه بهذا الأمر؛ بل هو عين هذا الأمر -التعلق ممن وقعوا في الشرك من هذه الآمة، التعلق بالمخلوقين، أو بأجزاء من المخلوقين يعظمونها ويقصدونها بالعبادة.
أذكر مرة في إحدى الدول كان هناك مكان فيه شعرة يزعمون أنها شعرة النبي-صلى الله عليه وسلم- ويقصدون هذا المكان من جهات كثيرة من أجل سؤال ودعاء وعبادة هذه الشعرة، ويسجدون ويدعون ويستغيثون ويسألون ويبكون عندها، ففي يوم من الأيام اعتدى بعض اللصوص والسراق على هذه الشعرة وسرقوها، وقامت مظاهرات صاخبة في الشوارع يحتجون، بينما كان المفترض أنهم يستفيدوا من كونها تسرق أنها لا تملك شيئا لهم عندما كانوا يدعونها ويسألونها ويطلبون منها ويبكون عندها ويسألونها حاجاتهم، فكان من المفترض أن يكون سرقتها دليل على أنها لا تنصر ولا تملك نصرا؛ بل من تنسب إليه هذه الشعرة، والله أعلم بصحة النسبة من تنسب إليه هذه الشعر وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمن كان يستنصر؟ كان يقول -عليه الصلاة والسلام- في دعائه: (اللهم أنت عضدي وأنت نصيري، بك أحول وبك أصول وبك أقاتل) يقول، أنت نصيري، والله -تبارك وتعالى- يقول: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾[غافر: 51] فالنصر من الله ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﴾[آل عمران: 126]، فالنصر لا يطلب من المخلوقات، ولا يلتجأ فيه إلى المخلوقات، وإنما يلتجأ فيه إلى الله -سبحانه وتعالى- العافية الهداية الصحة أيا كان كل ذلك لا يطلب إلا من الله.
إذن هذه الآية التي هي عنوان الترجمة ساقها المصنف وجعلها عنوانا للترجمة؛ لأنها فيها الدلالة الواضحة على بطلان الشرك وفساد عقيدة وطريقة من يتعلق بغير الله كائنا من كان سواء كان ملكا أو نبيا أو وليا أو أيا كان من المخلوقات فالمخلوقات كلها هذا شأنها لا تملك شيئا.
هل ضرب الله تعالى المثل بالخلق في هذه المعبودات أنها لا تستطيع الخلق لماذا ضرب الله المثل بالخلق مثلا بالرزق أو مثلا بالنصرة هل إفراد هذه بالخلق له معنى؟
هو الآن الذي هو ذكر الخلق هو أحد الأدلة، وهو من جملة الأدلة، يعني: الآية التي نحن الآن بصدد درساتها وهي عنوان الترجمة لم يخلق فيها الخلق وحده، ذكر الخلق ثم ذكر النصر وهناك آيات تذكر الرزق وهناك آيات تذكر الإحياء والإماتة، وهناك آيات تذكر قبح الصنم مثلما قال إلياس لقومه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴿125﴾ اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ ﴿126﴾﴾ [الصافات: 125: 126]، وتارة يبين فساد عبادة هذه بأنها لا تسمع ولا تبصر، وتارة يبين فساد عبادتها بأنها لا تملك شيئا كما سيأتي معنا، ولو ملكت فلا تقدر على إجابة من دعاها، فهي أنواع اشتمل عليها القرآن، وهي تسمى عند أهل العلم براهين التوحيد، وفي الوقت نفسه براهين بطلان الشرك وفساده، وهذا من الأشياء التي فصلت في القرآن أتم التفصيل، ولو كان المسلم عندما يقرأ القرآن يتدبر هذا الأمر يجد حقيقة من الحجج والبراهين القوية المقنعة التي تدل على فساد عبادة غير الله -تبارك وتعالى- أيا كان.
قال المصنف-رحمه الله تعالى- (وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿13﴾﴾[فاطر: 13])
ثم أورد المصنف -رحمه الله تعالى- هذه الآية الكريمة وهي أيضا شاهد لهذه الترجمة المعقودة لبيان بطلان الشرك وفساده، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: أيها المشركون يا من تدعون غير الله ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿13﴾ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ هنا الآية اشتملت على براهين لفساد الشرك وبطلانه والآية تدل على بطلان حال المشرك وفساد ما هو عليه ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ والقطمير ماهو؟ يقول ابن عباس -رضي الله عنهما- القطمير هو اللفافة التي تكون على نواة التمر، نواة التمر يكون عليها لفافة، وهي قشرة رقيقة جدا، فالله تعالى يقول عن هذه المعبودات التي تعبد وتدعى من دون الله أيا كانت لا تملك من قطمير، يعني: ولو شيئا يسيرا ولو أمرا تافها ولو أمرا حقيرا لو أمرا لا يؤبه به قال: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾ انتبه لهذه الأمور الثلاثة التي ذكرت في الآية:
1-﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ هذا الأمر الأول.
2- والأمر الثاني: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾.
3- والأمر الثالث: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾.
فهذا فيه برهان لبطلان الشرك لأن من يدعى ويقصد ويلتجأ إليه لابد أن يكون فيه هذه الصفات، أن يكون مالكا، وأن يكون سميعا، وأن يكون عنده قدرة على الإجابة، فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فيه استحق أن يدعى، وإذا فقد أحدها لا يستحق أن يدعى، فكيف إذا فقدت كلها، ولهذا يقول الله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ يعني: ولو شيئا يسيرا، ولو شيئا قليلا ما يملكون من قطمير.
وقد مر معنا في درس ماضٍ قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ﴾[سبأ: 22] يعني: لا يملك من يدعى من دون الله أيا كان سواء كان ملكا أو نبيا أو صالحا أو غيره ما يملكون من قطمير، أي: ولا شيئا قليلا ولا أمرا يسيرا وما يملكه الناس هو ليس ملكا استقلاليا، وإنما هم يملكونه بتمليك الله -تبارك وتعالى- لهم كما قال -عز وجل-: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿26﴾ ﴾[الأنعام: 26]، فلاحظ الآن ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴿13﴾ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾ فهم لا يملكون ولا يسمعون ولا يقدرون على الإجابة، إذن كيف يدعون؟ فهذا برهان واضح على بطلان الشرك وبطلان التعلق بغير الله.
أمر آخر ذكر في هذه الآية الكريمة قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ يعني: اتخاذكم لهم شركاء هذا أمر سيكفرون به يوم القيامة، ويتبرءون منه يوم القيامة، يبترءون من هذا الشرك، الملائكة تتبرأ، والأنبياء يتبرءون، والصالحون يتبرءون، كل من عبد من دون الله وهو غير راض يتبرأ، وأما من كان راضيا وداعيا لأن يتخذ شريكا من دون الله ومعبودا من دون الله فهذا هو ومن أشرك به يلقى في النار، ويكونون يوم القيامة من حطب جهنم العابدون والمعبودون، أما من عبد من دون الله وهو غير راض من الملائكة والأنبياء والأولياء فكلهم يتبرءون من هذا الشرك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أنت تأخذ هنا فائدة عظيمة جدا أن الله -عز وجل- سمى دعاء غير الله ماذا؟ شركا ومر معنا في آية سابقة تسمية الدعاء عبادة تذكرون الآية:
يقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴿5﴾ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴿6﴾ ﴾[الأحقاف: 5: 6]،
سمى الله -سبحانه وتعالى- الدعاء عبادة وهنا سمى الله سبحانه وتعالى صرف الدعاء لغيره شركا، فمن صرف الدعاء لغير الله تعالى فهو مشرك، ومن أخلص الدعاء لله -تبارك وتعالى- فقد وحد الله بهذه العبادة العظيمة، فالدعاء عبادة، وهذا من جملة البراهين التي في القرآن على أن الدعاء عبادة يجب إخلاصها لله تعالى، ثم ختم -جل وعلا- هذه الآية الكريمة: ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ وهو الله -سبحانه وتعالى- فعليك أن تتلقى هذا الأمر وهذا البيان وهذه الدلائل بقلب منشرح ونفس مطمئنة، فإن فيها الخير لك والسعادة في الدنيا والآخرة.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وفي الصحيح عن أنس قال: (شج النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال كيف يفلح قوم شجوا نبيهم فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾[آل عمران: 128]) وفيه عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول (إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلانا وفلانا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله تعالى ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ ) وفي رواية يدعو على صفوان بن أمية وسهل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾)
هنا المصنف -رحمه الله تعالى- أورد هذا الحديث، والحديث الذي بعده قد سمعنا لفظه، أورد هذا الحديث لبيان بطلان الشرك وفساده، وأن التعلق بغير الله أيا كان باطل، وهنا مثل المصنف -رحمه الله تعالى- بما يتعلق بشخص نبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أشرف عباد الله وأكملهم طاعة وعبودية وذلا وخضوعا لله -تبارك وتعالى- أنه -عليه الصلاة والسلام- مع قدره ومع مكانته وفضله وجلالة شأنه -صلوات الله وسلامه عليه- لا يستحق من العبادة أي شيء، العبادة حق للمعبود، حق لله وقد بعث -عليه الصلاة والسلام- للدعوة إلى الإخلاص والتحذير من الشرك، فكيف يدعى هو؟ وكيف يتخذ هو شريكا؟ وإنما بعث -عليه الصلاة والسلام- للدعوة إلى الإخلاص والتوحيد؛ بل جاء في القرآن توجيه الخطاب إليه هو -عليه الصلاة والسلام- بألا يدعو إلا الله، وجاء الخطاب إليه هو -عليه الصلاة والسلام- بالتحذير من الشرك، وجاء الخطاب خاصا خرج مخرج الخصوص، والمراد به العموم فهو قدوة -عليه الصلاة والسلام- قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿88﴾﴾[القصص: 88]، وقال الله تعالى ﴿ فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿213﴾﴾[الشعراء: 213] ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿65﴾﴾،[الزمر: 65]، هذا خطاب كله لمن للرسول -عليه الصلاة والسلام- فكيف يتجه بالعبادة إلى من حذر هو نفسه من صرف العبادة لغير الله؟ هو حذر من صرف العبادة، وحذر من الشرك -صلوات الله وسلامه عليه- في آيات واحدة وصريحة، خوطب بالنهي فكيف يتجه إليه بالطلب والدعاء والسؤال؟ والمصنف أراد أن يبين هنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مع كمال قدره وفضله وأنه خير ولد آدم، وأنه سيد ولد آدم، وأنه إمام المرسلين، وقدوة الموحدين، وله المقام المحمود، والحوض المورود، وله الشفاعة، وله القدر الرفيع والدرجة الرفيعة -صلوات الله وسلامه عليه- ومع ذلك كله لا يستحق من العبادة شيئا، العبادة لله وكان -عليه الصلاة والسلام- يغضب إذا حصل شيء من ذلك ولو كان قليلا، يعني: (سمع رجلا يقول: ما شاء الله وشئت فغضب، وقال: أجعلتني لله ندا؟) و(سمع امرأة تقول: وفينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلم ما في غد. فغضب وقال: لا يعلم ما في غد إلا الله) .
فالمصنف -رحمه الله تعالى- أراد أن يبين هنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مع فضله ومكانته وقدره وجلالة شأنه ورفعة مكانته العبادة لا يستحق منها شيئا، ولا يستحق أن يصرف له شيء منها؛ بل بعث -عليه الصلاة والسلام- لإبطال ذلك.
وتأمل هنا معي الدليل الذي ساقه المصنف لبيان هذا الأمر، قال: شج رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكسرت رباعيته بفتح الراء وكسرت رباعيته فقال: (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم ) بل جاء في بعض الروايات (أنه أخذ يمسح الدم -عليه الصلاة والسلام- وهو يسيل على وجهه ويقول: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ) أمر الفلاح بيد من؟ بيد الله سبحانه وتعالى فهو لما رأى هذه الحال المؤسفة المذرية التي بلغ بها هؤلاء قال هذه الكلمة، قال: كيف يفلح هؤلاء وبلغ بهم المبلغ أنه نبي وبعث إليهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور والخاتمة أنهم يشجون رأسه! كيف يفلح أمثال هؤلاء؟ فماذا نزل؟ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ الأمر لمن؟ واقرأ تتمة الآية ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ وقرأ كذلك الآية التي بعدها ﴿﴿128﴾ وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَّشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿129﴾﴾ الأمر لله -سبحانه وتعالى- إذن هو -عليه الصلاة والسلام- مهمته ما هي؟ البلاغ. يعني: كأنه قال له: فامض في بلاغك وبيانك ودعوتك ونصحك، أما فلاحهم هدايتهم صلاحهم واستقامتهم وتوبة الله تعالى عليهم فهذا أمره لمن؟ لله ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ الأمر لله -سبحانه وتعالى-.
قال: كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم؟ فنزلت الآية: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ وشاء الله -سبحانه وتعالى- وتاب على أفراد من هؤلاء وهداهم -سبحانه وتعالى- إلى صراطه المستقيم.
وفي قصته مع عمه حاول -عليه الصلاة والسلام- هداية عمه، وأن يدخل في هذا الدين، ومات ولم يهتدِ، ونزل قول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾[القصص: 56]، فلا يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يسأل.
الآن بعض من يضل ويزيغ في هذا الباب، ويعظم النبي -صلى الله عليه وسلم- تعظيما لا يليق إلا بالله تجده ماذا؟ يستجير بالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول أنا مستجير بك، أنا دخيلك، أنا أطمع في مغفرتك، أنا أرجو عفوك. يسأل أمور لا تسأل ولا تطلب إلا من الله -تبارك وتعالى- والأمر ليس له -عليه الصلاة والسلام- بل إنه جاء عنه كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه -عليه الصلاة والسلام- ذكر الغلول، والغلول معروف، الغلول أخذ المال وابتزازه بغير حق وسلبه من ملاكه، فذكر الغلول وعظمه وعظم أمره وقال -عليه الصلاة والسلام- (لا يأتين أحدكم يوم القيامة وهو يحمل على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا محمد أغثني، و يا رسول الله أغثني، فيقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك )لاحظ كلمة: (قد ابلغتك) (لا أملك لك شيئا قد أبلغتك) قال: (لا يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس له حمحمة ) يعني: أخذه في الدنيا بغير حق (فيقول يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا يأتين أحدكم يوم القيامة وعلى رأسه شاة لها رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا يأتين أحدكم وعلى رقبته رقاع تخفق -يعني فيها مظالم وحقوق- فيقول: يا رسول الله، أغثني. وأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا يأتين أحدكم يوم القيامة وعلى رقبته صامت ) ما هو الصامت؟ هو الذهب أو الفضة؛ لأن العرب كانت تقسم المال إلى قسمين صامت وناطق، الناطق مثل الماشية والدواب ونحوها، والصامت مثل الذهب والفضة (فيقول يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك).
إذن الذي يريد السعادة ويريد الفلاح ويريد السلام في الدنيا والآخرة عليه بماذا عليه بأن يقوم بتحقيق ما بعث به -عليه الصلاة والسلام- لا أن يتعلق بغير الله ويلتجيء إلى غير الله ويطلب الهداية والعافية من غير الله، أو النصر من الأنبياء أو الملائكة أو غيرهم، فهذا لا يملكون لا يملكه إلا مَن؟ إلا الله -سبحانه وتعالى- لا أملك لك شيئا يقول.
قوله يوم القيامة: (لا أملك لك شيئا) هذا في القرآن في قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ يعني: الأمر كله لله -سبحانه وتعالى- ثم أيضا في الحديث الآخر حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول (سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في صلاة الفجر بعد قوله: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد يدعو باللعنة على أعيان من المشركين: اللهم العن فلانا وفلانا، ويذكر أسماء وهو في صلاته) وتأمل أنت الآن هذا الحديث تأمله جيدا ينفعك الله به الآن سيد الخلق -عليه الصلاة والسلام- في صلاته وفي قنوته في الفجر ماد يديه لله -سبحانه وتعالى- ويدعو باللعنة وهي الطرد والإبعاد من رحمة الله على من؟ على أعيان من المشركين؛ لأن أذاهم على المسلمين عظُم وشرهم زاد، فكان يدعو عليهم بأعيانهم أن يطردهم الله من رحمته: (اللهم العن فلانا، اللهم العن فلان) يسميهم بأسمائهم، ومن وراءه وهو في صلاته؟ سادات الأولياء آمين آمين آمين، سيد ولد آدم -عليه الصلاة والسلام- يدعو على هؤلاء باللعنة والطرد والإبعاد من رحمة الله ، ووراءه سادات الأولياء يؤَمنون ثم قال ماذا؟ فأنزل الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ هو الآن يسأل الله والصحابة وراءه أن يطردهم من رحمته وكان يسمى بعضهم بأسمائهم، سمى صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام في الصلاة يسميهم بأسمائهم اللهم العنهم، اللهم اهلكهم، اللهم اطردهم من رحمتك يدعو عليهم والصحابة من خلفه تقول: آمين آمين آمين يؤمنون وينزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ ويشاء الله أن يتوب عليهم، تاب عليهم، ودخلوا الإسلام، وهداهم الله، مع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سأل الله أن يطردهم من رحمته والصحابة من خلفه قالت آمين، ونزل قول الله: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ وهداهم الله للإسلام واهتدو.
وبالمقابل جلس عند رأس عمه كما في صحيح البخاري (قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله) ومات عمه، والله يقول في القرآن: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿103﴾﴾[يوسف: 103]، ونزل قول الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾ إذن الأمر بيد الله، لا يلتجيء لمخلوق لا ملك ولا نبي ولا ولي، ولا أيا كان لا يلتجأ إلا إلى الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ هذا من براهين التوحيد، من هو الذي قال الله له: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ سيد ولد آدم أحب عباد الله إلى الله خليل الله -عليه الصلاة والسلام- مكانته عليا عند رب العالمين، ويقول له رب العالمين: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ أمر الهداية بيد الله، ولنقرأ الآية التي بعدها ونتأمل في ذلك: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴿128﴾وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَّشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَّشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ الأمر كله لله -سبحانه وتعالى- إذا أرد الإنسان الهداية إذا أراد الجنة إذا أراد النجاة من النار، إذا أراد مغفرة الذنوب، إذا أراد شرح صدره، إذا أراد التوفيق، إذا أراد السداد يلتجيء إلى من؟ لا يلتجيء إلا إلى الله، وكل أدعية النبي -صلى الله عليه وسلم- توجه إلى الله: اللهم ربنا، اللهم إني أسألك. كله توجه إلى الله سبحانه وتعالى فهذا من براهين التوحيد العظيمة ودلائله النافعة المباركة.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (وفي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أنزل عليه ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴿214﴾﴾[الشعراء: 214]، فقال: يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئا ))
فيما يتعلق بالحديث الأول إن أذنت نرجع إليه قليلا أيضا أهل العلم أخذوا فائدة من قوله في حديث شج رأسه وكسر رباعيته وهو -عليه الصلاة والسلام- سيد ولد آدم شج رأسه وكسرت رباعيته قال أهل العلم: ومن الحكم في ذلك أن يدرك الناس أنه بشر -عليه الصلاة والسلام- يعتريه ما يعتري البشر ويصيب جسمه ما يصيبهم، فهو مع كونه سيد ولد آدم -عليه الصلاة والسلام- شج رأسه وكسرت رباعيته، قال أهل العلم: وفي ذلك من الفائدة ألا يغتر الناس أو لا يغتر بعض الناس مثلما حصل اغترار للأمم السابقة النصارى وغيرهم عندما رأو آيات تظهر على أيدي أنبيائهم ومعجزات وأمور خارقة للعادة جعلتهم ما ينصرفون إلى عبادة أولئك، وظنوا أنهم بيدهم الأمر، وأن لهم الملك ولهم القدرة، فلم يستفيدوا من هذه المعجزة فيما كانت له، وإنما دخلوا فيها مدخلا وفهما خاطئا باطلا، فتعلقوا به فهنا حتى لا يغتر أحد تأتي هذه الأشياء لتبين لهم أن هذه المعجزات هي من قدرة الله أظهرها على يد هذا المخلوق الذي هو بشر ويعتريه ما يعتري البشر وهو في الواقع مخلوق من مخلوقات الله -عز وجل- وهذه الأشياء الله -عز وجل- أظهرها عليه يديه حجة له فيما يدعو إليه من التوحيد، لا أن تجعل ذريعة للوقوع في الشرك فيأتي مثل هذه الأمور شج رأسه وكسرت رباعيته؛ ولهذا يأتي في القرآن: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾[فصلت: 6]، ثم أورد المصنف -رحمه الله تعالى- حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- لما نزل قول الله تعالى: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ﴾ قام -عليه الصلاة والسلام- بهذه النذارة كما أمره الله صعد على الصفا ونادى أولا: نادى نداءً عاما: يا معشر قريش، أو كلمة نحوها مثل ياقوم أو نحو ذلك ناداهم جميعا، ماذا؟ قال: (يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا) اشتروا أنفسكم، أي: بالإخلاص والتوحيد وإفراد لله -عز وجل- والبعد عن الشرك وعن عبادة غير الله، (اشتروا أنفسكم) خلصوا أنفسكم من النار، اشتروا أنفسكم لتربحوا الجنة بماذا؟ بإخلاص التوحيد والعبادة لله -عز وجل- لا أغني عنكم من الله شيئا، ثم أخذ ينادي قرابته واحدا واحدا: يا عباس يا عم رسول الله، يا صفية يا عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا، ولاحظ قوله لفاطمة ابنته: (سليني من مالي ماشئتي لا أغني عنك من الله شيئا) ماذا يطلب منه -عليه الصلاة والسلام- يطلب منه الأشياء التي يملكها وفي مقدوره، مالٌ، أشياء من هذا القبيل: (سليني من مالي ما شئتي) أما الأمور التي لله مثلا فيقال له: أسألك الجنة، أو أسألك أن تنجيني من النار، أو أسألك أن تشرح صدري، أو أسألك أن تذهب همي، أو أسألك أن تفرج كربي، أو أن تغيثني، أو أن تنصرني، أو أن تعيذني، من الشيطان، أو توفقني، أو أن تنجحني، كل هذه لا تسأل منه؛ لأنها بيد الله، يقول لها: (سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئا) الأمر لله -سبحانه وتعالى- قال له رجل مرة: (أسألك مرافقتك في الجنة) فماذا قال؟ (أعني على نفسك بكثرة السجود) اعبد الله، اتجه بالعبادة إلى الله والدعاء والسؤال والافتقار إلى الله والسجود له والتضرع بين يديه (أعني على نفسك بكثرة السجود) يعني: استجد لله، وادع الله، والتجيء إلى الله (أعني على نفسك بكثرة السجود) أما أن يأتي الإنسان فقط مضيعا التوحيد وملتجئا إلى غير الله ثم يرجو النجاة فلا يمكن.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها!! ما يمكن هذا، فلابد من الإخلاص والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى.
(سليني من مالي ما شئتي لا أغني عنك من الله شيئا) لأن الأمر لله قال الله له في الآية التي مرت معنا: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ يعني الأمر كله لله -سبحانه وتعالى- هنا لبس على كثير من الناس وأفهموا أن دعوة الأنبياء ودعوة الصالحين هو من محبتهم وهو من التوسل بهم، ولهم الوسيلة عند الله، فأفهموا عوام الناس وجهالهم أن هذا من محبة الصالحين ومن ينكر دعاءهم من دون الله ويبين بطلانه يقولون عنه ماذا؟ يقولون: لا يحب الصالحين. عندما تقول: لا يجوز دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- من دون الله يقول هذا لا يحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وعندما يقال: لا تدعُ الولي الفلاني من دون الله دعاء عبادة يقول: هذا لا يحب الأولياء فجعلوا إشراكهم أو تسويتهم بالله في حق الله هو دليل المحبة، وهذا من قلب المفاهيم وتغيير الحقائق فمحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- باتباعه وطاعته لا بعبادته من دون الله عبادته من دون الله شرك، وقد بعث -عليه الصلاة والسلام- للتحذير من الشرك، وهو -عليه الصلاة والسلام- نفسه نهي عن الشرك وحذر منه فهذا من الدلائل العظيمة المباركة النافعة التي من تأملها ظهر له مكانة التوحيد وفضله وجلالة قدره وفساد الشرك وبطلانه وأن المشرك لا متعلق به ولا حجة.
السؤال الأول: استشكل علي أمر شرح اليوم في الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا على بعض من آذوه وأنزل الله تبارك وتعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ فإذا ظلم المسلمون وقوتلوا في دينهم هل لا يجوز لهم أن يدعو على من ظلمهم وإن لم يكونوا يملكوا إلا الدعاء؟
السؤال الآخر لقد لفت انتباهي عند قراءة كتاب الله -تبارك وتعالى- أنه بعد سرد آيات التوحيد والدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- وعدم استجابة القوم أن ويأتي تكذيب النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي ذكر نبي الله موسى دون غيره من الأنبياء، فمثلا في سورة الدخان بعد قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ حم ﴿1﴾ وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿2﴾﴾ [الدخان: 1:2]، ثم ذكر الله -تبارك وتعالى- للأقوام الذين لم يستجيبوا لرسلهم يقول: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ﴿17﴾﴾[الدخان: 17]، ثم في الجاثية مثلها ﴿ حم ﴿1﴾ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿2﴾ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾[الجاثية: 1: 2]، ثم يقول أيضا في ذكر موسى ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ﴾[الجاثية: 16]، السؤال هل من رابط بين آيات التوحيد ويليلها رفض الدعوة من الأقوام ثم يأتي ذكر نبي الله موسى بالتحديد دون غيره من الأنبياء؟
السؤال الثاني: جاء في الدروس السابقة أن بعض الإخوة كان تكلم أكثر من مرة في سؤال: أن بعض الناس يذكرون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد تفل في بئر ما، وأن الناس يتبركون به وهكذا، هل ليس من الأولى سد الذرائع ودفع الناس عن مثل هذا كما يحدث مع قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ورد الخرافة عن الناس، فكذلك في مقام إبراهيم، كذلك في شرح كتاب التوحيد في الدرس السابق جاء أن الدعاء دعاء مسألة ودعاء عبادة، والعلماء شرحوا أن دعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، وأن دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة أرجو شرح هذا الأمر؟.
السؤال: في الاختبار الذاتي سؤال صح أو خطأ يقول قوله تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾[النساء: 48]، قال يدخل فيه من مات على الشرك كتبت أنا خطأ واكتشفت الإجابة أنها صح لا أدري إن كان هذا خطأ مني أنا أو خطأ منهم؟
السؤال الثاني: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ هل ذكرت هذه الآية لكي لا يغالى في الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويعتبر بشر كما ذكر الشيخ في دعاء بنته حين قال سليني من مالي ما شئتي، حتى لا يغالى فيه كما غالى غيره فيمن قبله
يقول: عن أنه كيف نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- على من آذوه فهل هذا يقاس على حالنا نحن المسلمين فيمن يؤذوننا ولا نملك إلا الدعاء فهل ندعو عليهم؟
الأسئلة التي طرحها جميعا، أسئلته التي طرحها جميعا علمية جيدة نافعة تدل على الاهتمام والحرص، يقول في سؤاله كون النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا على هؤلاء الذين آذوه وآذو أصحابه باللعن واللعن طرد وإبعاد من رحمة الله، ثم ينزل قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ فيتساءل هل هذا يدل على أن الإنسان ليس له أن يدعو على من ظلمه وآذاه وألحق به الضرر أن يدعو الله عليه؟ فالجواب ليس في الحديث أي دلالة على ذلك، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعا على هؤلاء فالذين حصل منهم هذا الأذى وحصل منهم هذه الإساءات للمسلمن والإيذاء لهم حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- شج وكسرت رباعيته -عليه الصلاة والسلام- فدعا عليهم فالدعاء دعاء الإنسان على من ظلمه له ذلك، والنبي -عليه الصلاة والسلام- دعا على هؤلاء، لكن هل استجاب له في ذلك الأمر؟ الله قال في تمام الآية: ﴿ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ لكن الأمر له ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾.
أريد السؤال عن مسألة اللعن الذي جاء في الحديث: (اللهم العن فلانا اللهم العن فلان) نحن نعلم بأن لعن المعين هذا حرام بالإجماع كما نقل غير واحد من أهل العلم، ولعن العاصي وأصحاب المعاصي هذا جائز بالإجماع، إشكالي هو في حديث (العنوهن فإنهن ملعونات) في حق المتبرجات، فهل يكون هذا اللعن من باب الجواز بأن يقول أحدهم: عليكِ لعنة الله، أو يقول لعن الله المتبرجات؟ أريد التفصيل في هذه المسألة
يسأل الثاني ويقول ضوابط آيات التوحيد، هو يقول أثناء قراءتي للقرآن يلاحظ أن هناك آيات التوحيد ويليها حال الأقوام أو حال الأمم التي أهلكها الله -سبحانه وتعالى- ثم يذكر بعد ذلك قصة موسى، فهل لهذا التدرج حكمة؟
لاشك أن الحكمة موجودة، وقصة موسى خصوصا يكثر ذكرها في القرآن للتقارب بين أمته -عليه الصلاة والسلام- وأمة موسى -عليه السلام- وموسى -عليه السلام- أكثر الأمة تابعا بعد نبينا -عليه الصلاة والسلام- قد مر معنا قريبا في باب تحقيق التوحيد حديث ابن عباس قال: (وعرض على سواد عظيم فقلت هؤلاء قومي، قال: هؤلاء موسى وقومه، ثم عرض علي سواد سد الأفق فقيل: هؤلاء قومك وفيهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب) فموسى -عليه السلام- أكثر الأنبياء تابعا، وحصل له ابتلاءات وقتال وشدة، فيوجد تقارب بين ما حصل له وما حصل لنبينا -عليه الصلاة والسلام- وأيضا من حيث النتائج ففي دعوته -عليه الصلاة والسلام- التابع الكثير من أقوامه، بينما بعض الأنبياء يأتي يوم القيامة معه الرجل، ومعه الرجلان، ومعه الرهط، وليس معه أحد، فعل هذا من الأمر في هذا الأمر، وقصة موسى هي من أكثر القصص ذكرا في القرآن الكريم.
يسأل في سؤال ماضٍ فيما يتعلق بالاعتقاد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تفل في بئر وأنهم يأتون إلى هذه البئر فيقول كيف يكون سد الذرائع؟
هذا طرح في مرة ماضية وذكرت فيه أمرين:
الأمر الأول: إثبات ذلك، إثباته، لا يكفي فيه مجرد الإشاعات لأن الإشاعات في هذا الباب تكثر، يعني: يأتي أناس يقولون هنا جلس وهنا مر إلى آخر ذلك، ثم إذا أثبت ذلك يأتي إثبات جواز التبرك بهذا الموضع وكل منهما يحتاج إلى الدليل من سنة نبي الله -صلوت الله وسلامه عليه- وذكرت في ذلك الحين سد الذريعة الذي كان عليه الصحابة في قصة عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- مع الشجرة التي كانت في الطريق، وكان بعض الناس يميلون إليها ويصلون عندها لأن رسول الله صلى عندها فذهب عمر أو أرسل إليها من قطعها، وهذا كله من سد الذريعة ما أبقاها لأنه أصبح الناس يتعلقون فمثل هذه الآبار لا يجوز التعلق بها، ولا يجوز التبرك بها لأنه أولا: لا دليل على صحة هذا الأمر، ومن جهة ثانية لا دليل على جواز قصدها لطلب البركة .
يسأل في سؤاله الأخير ما يتعلق بدعاء المسألة ودعاء العبادة ودلالة الاستلزام في أحدهما ودلالة التضمن.
هو مثلما تفضل أخونا -أكرمه الله- ذكر أهل العلم بين دعاء المسألة ودعاء العبادة ما بينهما من استلزام وتضمن، والدلالات ثلاثة أنواع دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام، فدلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على كامل معناه، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على بعض معناه، ودلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على أمر خارج معناه، وهذه هي أنواع الدلالة الثلاثة وعرفنا أيضا في الدرس الماضي عند الكلام على الدعاء المراد بقسميه دعاء العبادة ودعاء المسألة، وعرفنا أن دعاء العبادة هو التوجه إلى الله بالعبادة من صلاة وذكر وتلاوة القرآن وغير ذلك، فهذه كلها عبودية لله -سبحانه وتعالى- ودعاء المسألة هو التوجه إليه بالسؤال والطلب: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم نجني من النار، اللهم أدخلني الجنة، ونحو ذلك هذا كله دعاء مسألة، والصلاة والحج والذكر وتلاوة القرآن هذه كلها دعاء عبادة، وبين الدعاءين تلازم، دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة؛ لأن من دعو الله ويفتقر إليه ويلتجيء إليه ويتجه له وحده بالطلب هو عبد لله وملتجيء لله -سبحانه وتعالى- ودعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة من يعبد الله ويقنت له الدين هذا يستلزم أنه في سؤاله وطلبه يلتجيء إلى الله في كل حاجاته وفي جميع شئونه.
هنا مشاركة جميلة من الأخت تقول: من العجيب أن ترى هذه الظاهرة وهي عبادة الأصنام في وقتنا الحاضر وفي أرقى البلاد في العلم، هناك طالبتان تدرسان في كلية طب الأسنان وعندهما تمثالين صغيرين في غرفتهما، يطبخون لهما الحلويات ويشيرون بأيديهم لإطعامهما، أي الطالبتان. فقيل لهما من قِبَلِ مسلمة: لماذا تفعلون ذلك؟ فإنهم لا يأكلان شيئا ويبقى طبق الطعام كما هو؟ أجابوا: بل إنهما يأكلان ولكن لا نراهم
أولا: شكر الله لهذه الأخت، ونسأل الله أن يحفظها ويحفظ جميع بنات المسلمين في دينهم، وأن يصرف عنهن الفتن إنه سميع مجيب، وأذكر أنا شاهدا آخر أو قصة أخرى رأيتها بنفسي: مرة كنت في رحلة داخل دولة أجنبية لا يحتاج الأمر إلى التحديث بذكرها، ففي داخل الدولة مسافر من مدينة إلى مدينة أخرى يعني استغرقت الرحلة تقريبا ساعة ونصف، فكنت في المقعد هنا والمقعد الآخر أمامي على جهة اليسار امرأة كبيرة مسنة وزوجها، يعني مسنة تقارب السبعين أو الثمانين وزوجها إلى جنبها لما لمست الطائرة أرض المطار فتحت حقيبتها وأخرجت صنما من الحقيبة ووضعتها أمامها وسجدت وهي على المقعد للصنم، ثم مستحته بالمنديل معها وأعطته زوجها وأيضا وضعه أمامه وسجد، هذا الآن سجود شكر لأن هذا الذي في الحقيبة أوصلهم إلى أرض المطار بسلام، رب يحمل في حقيبة، ثم لفته في المنديل وأغلقت عليه في الحقيبة حتى تخرجه مرة ثانية إذا حصل لها مثل ذلك، وحال المشركين الأول كان مثل هذا، يعني أذكر بعض الصحابة الذين هداهم الله يروي قصة لهم حال الشرك يقول: مرة كنا في سفر ومعنا حجر جميل كنا