برجوازي
06-27-2008, 08:59 PM
1) مسألة نقل الزكاة من بلد لبلد آخر:
قال الشيخ سليمان فرج الله عنه: قول من قال من الفقهاء أنه لا يجوز نقل الزكاة من بلد إلى بلد لادليل عليه, وغير خافٍ عليّ أنه قول جمع غفير من أهل العلم, ولكن لادليل عليه ولا أصل له من حيث الشرع, فإن معاذاً رضي الله عنه كان يأخذ زكوات أهل اليمن ويأتي بها إلى المدينة, وهذا رواه البخاري معلقاً, وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث الجباة, وكانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم بالزكوات وهو بالمدينة, وكذلك حديث معبد عن ابن عباس في الصحيحين حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن فقال له: "فليكن أول ماتدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله, فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة, فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم", أي من أغنياء المسلمين, وترد على فقراء المسلمين, ومن قال في هذا الخبر أن معنى تؤخذ من أغنيائهم أي: أغنياء البلد, فقد غلط, لأن هذا الحديث تقرير أمر كلي, في تقرير العقائد والأصول, وليس في تقرير الجزئيات, ولأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً .
,
2) الكلام على حديث صلاة الإستخارة:
جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله عن قتيبة بن سعيد قال حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا دعاء الإستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن, ويقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة, ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك, وأستقدرك بقدرتك, وأسألك من فضلك العظيم, فإنك تقدر ولا أقدر, وتعلم ولا أعلم, وأنت علام الغيوب, اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر, ثم يسمي حاجته, خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي, ويسره لي, ثم بارك لي فيه, وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه, ثم اقدر لي الخير حيثما كان, ثم رضّني به" , وهذا أصح حديث ورد في صلاة الإستخارة, وقد جاء في الباب حديث أبي أيوب وحديث ابن مسعود وحديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين, وليس في شيء من هذه الأحاديث ذكر صلاة ركعتين إلا ماجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما, وهذا الحديث -وإن كان في صحيح البخاري- فقد تحدث عنه جماعة من الأئمة وطعنوا في تفرد عبد الرحمن بن أبي الموال عن ابن المنكدر, وذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن "أهل المدينة يذكرون ابن المنكدر عن جابر, وأهل البصرة ثابت عن أنس", وقد ذكر بعض الأئمة بأنه لم يظهر له وجه كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري, وأجاب عن ذلك بأنه قصد التهكم بهؤلاء حيث يرد عليهم الحديث ويجعلونه عن ابن المنكدر عن جابر لكثرة رواية ابن المنكدر عن جابر, ولكثرة رواية ثابت عن أنس,وقد بين أنهم يختلفون عليهما, فإن أصحاب ابن المنكدر الثقات لم يذكروا ذلك, كما أن أصحاب ثابت لايذكرون ذلك, فينفرد عنهم من لايقبل تفرده ومن ليس معروفاً في الحديث, ولكن عبد الرحمن بن أبي الموال وثّقه جمع غفير من أهل العلم, منهم الإمام يحيى بن معين, وقد صحح له البخاري هذا الخبر مع كونه لايروى إلا من طريقه, وذكر الإمام أبو عيسى رحمه الله في جامعه بأن هذا الخبر حسن صحيح, وحين يصحح إمام كبير من الأئمة لراوٍ من الرواة ولايروى الحديث إلا من طريقه فهذا توثيق لهذا الراوي, لأنه لايمكن أن يقال: لعله صححه بطرقه, أو بشواهده, أو بمتابعه, فحينئذٍ نعلم أن البخاري يصحح لعبد الرحمن بن أبي الموال, وهو كذلك, فهو ثقة وقد توفرت فيه شروط التوثيق, الأمر الأول/ روى عنه جمع من الثقات, الأمر الثاني/ استقامة مروياته, الأمر الثالث/ أنه لم يتفرد بما يُنكر عليه, الأمر الرابع/ تنصيص الأئمة على توثيقه, كابن معين والعقيلي وجماعة, الأمر الخامس/ تصحيح الأئمة الكبار لحديثه كالبخاري والترمذي وابن حبان وجماعة, وحينئذٍ لا اعتراض على الإمام البخاري في إيراد هذا الخبر في صحيحه .
,
3) السبب في أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الصحابة الإستخارة كالقرآن لأن الإستخارة تتكرر بتكرر الحاجات, فوجه التشابه بينهما هو التكرار.
,
4) صلاة الإستخارة سنة وليست بواجبة, مع أن ظاهر الحديث الإيجاب, "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع", (إذا) ظرف لما يُستقبَل من الزمن, بخلاف (إذ) فإنها لما مضى من الزمن, (فليركع) الفاء رابطة لجواب الشرط, والأصل بالأمر الوجوب, فإذا أهمه أمر فيجب عليه أن يبادر إلى صلاة الإستخارة, هذا هو الظاهر من سياق الحديث, ولكن الأئمة حملوا الأمر في ذلك على الإستحباب, لأن هذا نفع دنيوي عائد إليه, فحينئذٍ يُقال باستحباب صلاة الإستخارة لمن نابه شيء, أو أهمه شيء أو عرضت له حاجة, وقوله : (بالأمر), الأمر هنا عُرِّف بالألف واللام, فهل يشمل كل أمر؟ طبعاً لا, إذ لايمكن الإستخارة في صلاة الفريضة لأنها واجبة, ولا في غيرها من الواجبات, وذكر غير واحد من الشراح أنه لايمكن أيضاً الإستخارة في المستحبات وفي هذا نظر, لأن الإستخارة في المستحبات قد لاتكون لذات الشيء, فمثلاً من يريد الحج والعمرة لايستخير لفضل الحج والعمرة, فهذا غلط, لأن فضل الحج والعمرة معلوم بالإجماع, وقد دل على ذلك الكتاب والسنة, إنما أستخير هل بقائي ونفعي في بلدي وبري بوالديّ أفضل من الحج أم أن حجي أفضل, فالإستخارة متكونة من أمرين أيهما أولى من الآخر, لأن الفاضل قد يكون مفضولاً في وقت آخر,,,
,
5) الكلام عن صلاة الإستخارة وقت النهي:
قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين), ظاهر هذا حتى في أوقات النهي, لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن أوقات النهي, وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم أداء ذوات الأسباب في أوقات النهي على مذاهب:
المذهب الأول/ المنع مطلقاً, وهذا المشهور في مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة وغيرهما.
المذهب الثاني/ الجواز, وهذا قول أحمد في إحدى الروايتين, وهو مذهب الشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
المذهب الثالث/ تجويز بعض الصور ومنع صور أخرى.
والصحيح في المسألة جواز فعل ذوات الأسباب في أوقات النهي, وبقي لنا: ماهي ذوات الأسباب؟ الجواب: هي التي يفوت وقتها بفوات الزمن, لأن بعض الأشياء لا يفوت وقتها بفوات الزمن, فيمكن تداركها في المستقبل.
أما بالنسبة لأداء صلاة الإستخارة في أوقات النهي ففيه تفصيل: فإذا كانت الإستخارة مستعجلة والوقت وقت نهي فلا مانع من صلاتها, وإذا كان يمكن تأخير صلاة الإستخارة إلى زوال وقت النهي فيجب حينئذٍ تأخير صلاة الإستخارة, لأنها حينئذٍ ليست من ذوات الأسباب.
,
6) قوله: (فليركع ركعتين), أقل صلاة الإستخارة ركعتان, قوله: (من غير الفريضة), فلا يصح أن تستخير في صلب الفريضة, ومفهوم هذا أنه يصح الإستخارة في النافلة وإن كانت راتبة, وقد جوّز هذا غير واحد من أهل العلم فقال: لا بأس من جمع الراتبة والإستخارة في صلاة واحدة, وقيل بالمنع لأن صلاة الإستخارة راتبة مقيّدة, وصلاة الراتبة راتبة مقيدة, فلا يمكن الجمع بين راتبتين, مقيدتين, كما أنه لا يمكن الجمع بين الأربع قبل الظهر بركعتين بنية واحدة, لكن يقال أن صلاة الإستخارة ليست براتبة, وإنما هي من ذوات الأسباب, فهي عارضة من العوارض لا يمكن إدخالها في الرواتب وهذا أقوى.
,
7) متى يقول المصلي دعاء الإستخارة؟
- قوله: (ثم ليقل: اللهم......) هذا من باب الإستحباب, والسنة أن يستخير بما ورد, وظاهر الحديث أن الدعاء بعد الصلاة, أن (ثم) تفيد الترتيب بخلاف الواو, هذا هو القول الأول, وهو أن الإستخارة تكون بعد السلام من الصلاة, والقول الثاني هو أن الإستخارة تكون بعد التشهد قبل السلام, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, لأمرين: الأمر الأول أن هذا موطن دعاء, الأمر الثاني هو أنه لا يزال في صلاة, وهذا أيسر لمن لم يحفظ دعاء الإستخارة أن يكتبه في ورقة,فإذا فرغ من التشهد قرأه من الورقة, والقول الثالث في المسألة أن دعاء الإستخارة يكون في السجود, لأن السجود موطن دعاء وإجابة, وقد جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد), فحينئذٍ يستحب جعل دعاء الإستخارة في السجود, والقول الرابع في المسألة أنه يصح جعل دعاء الإستخارة في الركوع, والأظهر في هذه المسألة والعلم عند الله, أن دعاء الإستخارة يكون في السجدة الثانية من الركعة الأخيرة, وإن جعله بعد التشهد قبل السلام فهذا جيد, وإن جعله بعد السلام فجيد أيضاً ولكن ما قبله أجود منه, والذي قبلهما أجود شيء في هذه المسألة -قلت(أي الأخ عبد الكريم العبد الله): يعني السجدة الثانية من الركعة الأخيرة- والله أعلم
,
8) الإستخارة مشروعة لمن لم يعزم على شيء, فإذا عزم على شيء فحينئذٍ لا تشرع الإستخارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا همّ أحدكم بالأمر", وقيل أنه يستخير ولو عزم على أمر, لأن الإستخارة قد تنقض العزيمة, وقد قيل لبعض السلف: بم عرفت ربك؟ قال: بنقضه للعزائم .
,
9) مسألة: الإستشارة قبل الإستخارة, أم الإستخارة قبل الإستشارة؟ الصحيح أن الإستخارة قبل الإستشارة لأن المشورة قد توافق ما استخار عليه, فحين يقبل على المشورة يكون بناءً على أنه استخار, فوفقه الله أن يشاور, وقد قيل: ماندم من استخار الخالق, وشاور المخلوق, وتوكل على الباري جل وعلا.
,
10) مسألة: ويشرع تكرار الإستخارة إذا لم يتبين له شيء, وورد عند عند ابن السني أداء صلاة الإستخارة سبعاً ولكنه منكر جداً, ولكن جاء في صحيح الإمام مسلم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه حين عزم على هدم الكعبة أنه قال: "إني مستخير ربي ثلاثاً", فتكرار الإستخارة لا مانع منه إذا لم يظهر له شيء, ولابأس أيضاً بتكرارها فوق الثلاث,فإذا استبان له شيء فلاداعي أن يكرر الإستخارة.
,
11) قوله: "اللهم إني أستخيرك بعلمك" فيه إثبات صفة العلم لله تعالى, وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفات لله تعالى بل إثباتاً بلا تمثيل, وتنزيهاً بلا تعطيل, لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء, لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, وهو السميع البصير, قال تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير), والأشاعرة يثبتون علم الله جل وعلا, أما المعتزلة فيقولون: عليم بلا علم, سميع بلا سمع, بصير بلا بصر, وهذا باطل شرعاً وعقلاً, فمن صفاته سبحانه وتعالى العلم,
وهو العليم أحاط علماً بالذي في الكون من سر ومن إعلان
وبكل شيء علمه سبحانه فهو العليم وليس ذا نسيان
فيعلم سبحانه الجزئيات والكليات, (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً), (وهو العليم الحكيم), (وكان الله بكل شيء عليما), (والله بكل شيء عليم), إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على إثبات صفة العلم لله جل وعلا, وأهل السنة يثبتون كل شيء جاء في الكتاب والسنة .
,
12) قوله: (وأستقدرك بقدرتك) فيه إثبات صفة القدرة لله تعالى .
,
13) قوله: (وأسألك من فضلك العظيم) في هذه الجمل قبل البدء بالإستخارة تجد عظمة هذا الشرع, وعظمة هذا الرسول الكريم, كيف أنه قدّم هذه الجمل قبل البدء بالإستخارة, تعظيماً لله, وتعظيماً لشأنه, واعترافاً بقدرته وعلمه, وخضوعاً بين يديه, فإنه لا غنى للعبد عن الله جل وعلا, فهو اعترف بأن الله عليم, واعترف بأن الله قدير, واعترف بأن الله هو المسؤول, فحينئذٍ يقدم مسألته .
,
14) نستفيد مما سبق اختيار الإسم المناسب بين يدي سؤاله تعالى الحاجة, فالإنسان حين يسأل الله جل وعلا الرزق ينبغي أن يتوسل لله جل وعلا باسمه الرزاق, وحين يسأل الله الرحمة يتوسل إليه باسمه الرحيم, وهكذا..
,
15) الشر مخلوق لله جل وعلا, خلافاً للطوائف من أهل البدع الذين يدّعون أن الشر ليس مخلوقاً لله جل وعلا, وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "والشر ليس إليك" فمعناه: لا يدخل لا في أسمائك ولا في صفاتك .
,
16) سئل الشيخ حفظه الله: هل في يوم الجمعة وقت نهي قبل الزوال؟
فأجاب: الذي يظهر والعلم عند الله أن في الجمعة وقت نهي كسائر الأيام, وبعض العلماء يقول: ليس فيها وقت نهي وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد واستدل بأن الصحابة يصلّون حتى يدخل الإمام, وهذا فيه نظر لأننا نقول لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل قبل الزوال, والدليل على هذا حديث جابر عند مسلم: "كنا نصلي الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم فننصرف إلى رحالنا في أقصى المدينة فنريحها حين تزول الشمس" وهذا واضح جداً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويصلي قبل الزوال, زيادة على هذا حديث عبد الله بن سيدان "أنه صلى خلف بي بكر وعمر فكانوا يصلون الجمعة ضحى" وهذا الأمر المعمول به في نجد إلى عهد قريب, فكانوا يصلون الجمعة ضحى, ودليل آخر قوي وهو أنه إذا اجتمع جمعة وعيد أليس تقدّم الجمعة مع العيد؟ فلو كانت الجمعة لا تصح قبل الزوال كيف نقدم الفرض العين ونسقطه بناءً على الفرض الكفائي, وهذا دليل على جواز تقديم الجمعة إلى الضحى كما فعل ذلك عبد الله بن الزبير وابن عباس وجماعة, والقول الثاني وهو قول الشافعي وأحمد أن الجمعة لا تصح لاخطبة ولا صلاة إلا بعد الزوال, والقول الثالث التفريق بن الخطبة فتجوز قبل الزوال وبين الصلاة فلا تجوز إلا بعد الزوال وهو قول مالك, والصواب في المسألة جواز الخطبة والصلاة قبل الزوال كما هو قول أحمد في رواية وهو فعل الصحابة .
,
17) الأحاديث الواردة عن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif في الجهر بالبسملة في الصلاة كلها ضعيفة, فلم يثبت عن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif حديث قط أن جهر ببسم الله الرحمن الرحيم, ولو كان في الباب حديث صحيح لنقل إلينا, وقد جزم الإمام الزيلعي في نصب الراية أنه لم يصح في الباب حديث, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, وهذا مذهب الإمام أحمد في الصحيح عنه, وهل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ فإذا قلنا أنها آية فيجهر بها كما يجهر بالفاتحة وعلى ذلك فلا تصح الفاتحة بدون البسملة, والصحيح أن البسملة ليست آية من الفاتحة ولا من غيرها, إنما يستفتح بها أوائل السور, والخلاف في كونها آية من الفاتحة أقوى من الخلاف في كونها آية من غير الفاتحة, والدليل على أنها ليست آية من الفاتحة ما جاء في صحيح مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي مولاهم عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif قال: " قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي..............." فسمى الله الفاتحة صلاةً, فإذا قال: الحمد لله رب العالمين عُلم أن البسملة ليست من الفاتحة, وهذ واضح الدلالة, وفي حديث آخر قال http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif :" ثلاثون آية شفعت لصاحبها: تبارك الذي بيده......." ولم يقل: بسم الله الرحمن الرحيم, وهذان دليلان قويان على أن البسملة ليست من الفاتحة, إلا أنه يسن افتتاح السور بها, والله أعلم.
,
18) جاء في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى من طريق أيوب عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي", فلا جديد في أحكام الصلاة عما جاء في كتاب الله, وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقوله صلى الله عليه وسلم: "صلوا" هذا أمر, والأصل في الأمر أن يقتضي الإيجاب, وليس المعنى من الحديث إيجاب جميع أقوال وحركات الصلاة, فهذا نأخذه من أدلة أخرى, بل المعنى من هذا الخبر أن لا تبتدعوا في الصلاة, فلا تزيدوا على ما شُرع لكم وسنّه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا تنقصوا منها على وجه التعبد أو تسقطوا شيئاً من الواجبات والأركان بدعوى صحة هذا العمل أو أنه لا بأس به.
,
19) هناك مسائل جاء بها الخلف ولا أصل لها عن السلف, من ذلك وضع اليدين على الرقبة كما يفعل كثير من شببة هذا العصر, وهذا من التعمق المذموم والتنطع في دين الله, فالسلف قالوا أن اليدين توضعان على الصدر, ومنهم من قال على السرة, ومنهم من قال تحت السرة, لكن ليس فيهم من قال أن اليدين توضعان على العنق, والأصح من مذاهب العلماء في مكان اليدين أن يوضعان على الصدر وهو مذهب المحدثين .
,
20) من محدثات هذا العصر أيضاً الإشارة بالسبابة بين السجدتين, وغير خافٍ علي أن بعض المتأخرين ممن آتاه الله علماً قال بهذا القول, لكنه غلط ولا أصل له, ولا قال به أحد من السلف, فالإشارة قد ثبتت في التشهد, ولا قياس في الصلاة, فالعبادات غير المعللة ليس فيها قياس, فإن قيل قد وردت رواية في المسند أنه أشار بين السجدتين فنقول هذا غلط باتفاق المحدثين, فقد جاءت من رواية عبد الرزاق عن الثوري, وعبد الرزاق كثير الغلط عن الثوري, كما ذكر ذلك يحيى وغيره, وأشار إلى ذلك ابن عدي في الكامل, وأخطاء عبد الرزاق عن الثوري كثيرة, لا يمكن حصرها في هذا المقام, ولا مانع من أن أشير إشارات, فمنها حديث مسلم "أفننقضه لغسل الجنابة والحيضة" فقد تفرد بذكر الحيضة عبد الرزاق عن الثوري وهي شاذة, ومنها وضع الأصبعين في الأذنين في الأذان, فقد جاء أيضاً من رواية عبد الرزاق عن الثوري وهي شاذة أيضاً .
,
21) هل يهوي للسجود على يديه أم على ركبتيه؟؟ من المواطن التي اختلف فيها أهل العلم: الهوي إلى السجود, فقيل يقدم ركبتيه على يديه, وقيل يقدم يديه على ركبتيه, وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب لأهل العلم:
المذهب الأول: أنه يهوي بيديه قبل ركبتيه, لما روى أهل السنن وغيرهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه" وهذا الحديث معلول, بعدة علل:
1- تفرد بذلك الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن, ولا يقبل تفرده بمثل هذا, ولا سيما أنه إذا حدث من حفظه غلط كثيراً, وإذا حدث من كتابه ضبط, قال عنه الإمام أحمد: "ثقة في كتابه, ضعيف في حفظه" .
2- تفرد محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد, وأين أصحاب أبي الزناد عن هذا؟
3- الإنقطاع بين محمد بن عبد الله بن الحسن وأبي الزناد, ذكر ذلك البخاري وغيره .
المذهب الثاني: يقدم ركبتيه على يديه, لحديث وائل بن حجر: "رأيت رسول الله صلى الله وعليه وسلم يصلي فإذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه", وهذا الحديث معلول, فقد رواه يزيد بن هارون عن شريك, وشريك سيء الحفظ, وقد تفرد بهذا, ولا يقبل تفرده لسوء حفظه .
المذهب الثالث: أنه مخير, فإن شاء قدم يديه وإن شاء قدم ركبتيه, فيفعل ما هو الأرفق فيه, ولكن إذا نزل على يديه فلا يتشبه بالبهائم, وإذا نزل على ركبتيه فلا يلقي بثقله فيكون للأرض منه وئيد, وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقدم ركبتيه, رواه عنه ابن أبي شيبة في المصنف, وثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقدم يديه, فالخلاف كما تسمعون موجود حتى بين الصحابة رضي الله عنهم, فمن قدم ركبتيه فقد اقتدى بأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه, وحسبك به قدوة, وفي صحيح مسلم من حديث قتادة قال قال صلى الله عليه وسلم: "فليطعوا أبا بكر وعمر يرشدوا", ومن قدم يديه فقد اقتدى بابن أمير المؤمنين عبد الله بن عمر رضي الله عنهما, فمن رأى صحة أحد الحديثين السابقين فهذا لا إشكال فيه فسوف يذهب إليه, ومن رأى ضعفهما معاً فالأمر في حقه واسع, فيفعل ما هو الأرفق فيه, إذن لا حجر في هذه المسألة, ولا وجه لتصنيف المصنفات الكثيرة في هذا الباب والتشنيع على من لا يرى رأيه, فأنت من حقك أن تعرض الرأيين ومن حقك أن ترجح ما تراه راجحاً, ولكن ليس من حقك أن تهجم على الآخرين وتتهم عقولهم وعلومهم, أو تتهمهم بعدم متابعة السنة وبعدم العمل بها, فهذا جهل عظيم بليت به الأمة, حين عزف الكثير عن العمل وركنوا إلى القول دون العمل, فرضوا من القول بالتقرير دون التطبيق العملي, فالإنسان إذا علم مسألة ظن أن العلم كله في هذه المسألة, فبدأ يصول ويجول في العلم كأنه ابن تيمية أو كأنه الإمام أحمد!! ورحم الله امرءاً عرف قدر نفسه فلم يتجاوز ما آتاه الله من العلم .
,
22) هل ينهض على يديه أم على ركبتيه؟
ومن المسائل المهمة أيضاً قضية النهوض, هل ينهض على يديه أم على ركبتيه؟ وهذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم أيضاً, فمنهم من قال ينهض على يديه, فيعتمد على يديه, كما ذكر ذلك الشافعي وغيره بناءً على حديث مالك بن الحويرث في البخاري أن النبي كان إذا نهض اعتمد على يديه, وقال غير الشافعي: يضع يديه على ركبتيه وينهض عليهما, والخلاف مبني على فهم الحديث, وعلى حديث آخر رواه أبو داود يعرف بحديث العجن, وحديث العجن ضعيف لا يحتج به, إذن نتحدث على رواية البخاري, فالأصل في الإعتماد على اليدين أن يضعهما على الأرض, لأنه لو وضعهما على الركبتين فيقال اعتمد على ركبتيه, لأن الثقل لا يكون على اليدين وإنما يكون على الركبتين, ففهم الشافعي للحديث أولى من فهم غيره, فإذا أراد أن ينهض يضع يديه على الأرض, ثم ينهض عليهما.
,
23) جلسة الإستراحة:
وهي في الأفراد من الصلاة, ولا ذكر فيها باتفاق أهل العلم, جاء في البخاري من طريق أيوب عن أبي قلابة عن مالك بن الحويرث http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/radia.gif قال: رأيت "رسول الله http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالساً", والحديث هنا نص على أن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif فعل ذلك, فمن العلماء من قال أن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif فعل ذلك حينما كبر وتقدمت به السن, وهذا اختيار شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم عليهما رحمة الله, ولم يذكرا دليلاً على ذلك, وإنما قالا إنه لم يذكرها إلا مالك بن الحويرث وهذا دليل على أن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif لم يفعلها إلا زمن الكبر, ولأن مالك بن الحويرث, هو آخر من قدم على النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif, والقول الثاني في المسألة أن جلسة الإستراحة سنة مؤكدة, نقلها لنا مالك بن الحويرث وهو راوي حديث ":صلوا كما رأيتموني أصلي", وبنفس الإسناد, وذهب إلى هذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى في آخر القولين عنه, وقد كان في بداية أمره لا يقول بها, وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله, ونصر ذلك أصحابه, ولاسيما النووي رحمه الله في المجموع, وقد جاءت جلسة الإستراحة أيضاً في حديث أبي حميد عند أبي داود, وفي الزيادة نظر, وقد جاءت جلسة الإستراحة أيضاً في صحيح البخاري في قصة المسيء صلاته, غير أن هذه الرواية فيها شذوذ, وأصح شيء في الباب حديث مالك .
,
24) متى يكبر عند جلوسه للإستراحة؟؟
قال بعض الفقهاء: يكبر حين الجلوس, فإن كان إماماً يتابعه المأمومون, فيكبرون ويجلسون للإستراحة, فإذا نهض نهضوا, وإن كان منفرداً فهذا واضح, وقال جماعة من أهل العلم: يجلس جلسة الإستراحة دون تكبير, فإذا أراد أن ينهض كبّر, لأنه لم يثبت في البخاري موطن التكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم, فدل هذا على أن الأمر واسع .
,
25) القضية المهمة هي أنه إذا كان الإمام لا يرى جلسة الإستراحة كما هو قول طائفة من أهل العلم, وكان المأموم يرى سنّيتها بناءً على قوة الأدلة في هذا الباب, فهل يجلسها المأموم دون الإمام أم لا ؟ قولان لأهل العلم:
الأول/ أنه لا يجلسها, وهذا طبعاً على قول من يراها, لأن في ذلك مخالفة للإمام, وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا كبّر فكبروا", والحديث في الصحيحين, وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الإمام ليؤتم به", والحديث متفق على صحته .
الثاني/ أنه لا مانع من جلوسها, لأمور:
أ- أنها جلسة خفيفة لا تؤثر على المتابعة .
ب- أنه لا ذكر فيها, فهذا دليل على خفتها .
ج- أنها لا تؤثر على المتابعة, كما لو لم يرفع الإمام يديه في تكبيرة الإحرام أو في الركوع, فلا يمتنع المأموم من رفع اليدين .
وقد يقول قائل: إن رفع اليدين ليس فيه مخالفة بحيث يكون هذا قائماً وهذا جالساً, فكلاهما في مقام واحد, كما لو تورك المأموم دون الإمام أو الإمام دون المأموم, بخلاف جلسة الإستراحة, ولكن يقال له إنها جلسة خفيفة غير مؤثرة على المتابعة أصلاً .
,
26) سئل: هل القياس في العبادات يمتنع مطلقاً؟
فأجاب فرج الله عنه: العبادات الغير معللة يمتنع فيها القياس مطلقاً, وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم, فكل عبادة غير معللة لا يصح القياس فيها, إنما يصح القياس في العبادات المعللة ما لم يمنع من صحة القياس مانع آخر .
,
27) سئل: هل للتورك صفات أخر؟
فأجاب: نعم له صفات ثلاث تجدها في صحيح مسلم .
,
28) سئل عن صفة جلسة الإستراحة؟
فأجاب: الأصح في صفة جلسة الإستراحة أنها كجلوسه بين السجدتين, يفرش اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى, وإن جلس مقعياً بناءً على حديث ابن عباس وأن الإقعاء مشروع بين السجدتين فهذا قد يقال به ولكن الإفتراش أولى, لأنه هو الذي يحصل به الطمأنينة والإستراحة .
,
29) سئل عن مدة جلسة الإستراحة؟
فأجاب: ليس لها مدة محددة لأنه لم يرد شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولا عن أحد من الصحابة, ولا عن أحد من التابعين أيضاً, لكن هي جلسة خفيفة نعلم خفّتها من عدم ورود دليل يبين أن فيها ذكر .
,
30) الكلام على حديث "ثلاث من كنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان......." الحديث
قال الشيخ فرج الله عنه: قوله : "ثلاثُ" نكرة, والأصل أنه لا يجوز الإبتداء بالنكرة, إذن كيف ساغ الإبتداء هنا بالنكرة؟ الجواب أن النكرة إذا نُوِّنت قامت مقام المضاف إليه, قال ابن مالك رحمه الله تعالى:
ولا يجوز الابتداء بالنكرة
مالم تفد كعند زيد نمرة
فثلاث في الحديث قامت مقام المضاف إليه, والمعنى: ثلاث خصال .
,
31) في رواية عند مسلم: "وجد طعم الإيمان", وفيه أن للإيمان طعماً, وهذا الطعم قد يجده المرء وقد لا يجده, على حسب إيمانه وأعماله الصالحة والإخلاص لله رب العالمين, وقد يوجد شخصان يعملان عملاً واحداً وأحدهما يستلذ بهذا العمل والآخر لا يجد لذته, لما بينهما من التفاوت في حقيقة الإيمان, وفي حقيقة العمل والإخلاص لله جل وعلا .
,
32) فيه دليل على معتقد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد .
,
33) الأعمال عند أهل السنة والجماعة شرط للإيمان, وليس معنى هذا أن كل عمل يكون شرطاً, ولكن الأعمال في الجملة شرط للإيمان بحيث يقال أن تارك جنس العمل كافر, وهذا مما اتفق عليه أهل السنة والجماعة كما ذكر ذلك الإمام الآجري في الشريعة والإمام ابن بطة وجماعة من أهل السنة والجماعة .
,
34) قوله http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif :" أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما", احتج بهذا بعض أهل العلم على جواز جمع الضميرين, ومنع من ذلك آخرون لأن النبي http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif قال للخطيب الذي قال: ومن يعصهما فقد غوى, قال http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif: "بئس الخطيب انت" والحديث رواه مسلم في صحيحه, ويمكن الجمع بين الأمرين فيقال: يجوز الجمع بين الضميرين للرسول http://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif دون غيره, ومن عداه فلا, لأن الجمع بين الضميرين يوجب نقصاً وهذا منتفٍ في حق الرسولhttp://www.ahlalhdeeth.com/vb/images/icons/sallah.gif , هذا أحد الطرق في الجمع, وقيل أن الجمع بين الضميرين يجوز في الطاعة دون المعصية, وقيل: لمقام البسط يجب إبراز الضمير, وفي مقام الإختصار لا مانع من إخفائه, وا؟لأولى في ذلك أن يبرز الضمير إلا فيما جاء النص به, وذلك لأمور:
الأول/ أن الأخذ بحديث: "بئس الخطيب أنت" أحوط .
الثاني/ أنه أولى لكثرة الأحاديث الواردة في هذا الباب .
الثالث/ أن حديث: "بئس الخطيب أنت" ناقل عن الأصل, والأصل الجواز, وهذا ناقل, والناقل يقدم في الغالب على المبقي على الأصل .