المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عالمات وفقيهات


nary_jon
06-22-2008, 01:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحياة الدنيوية لمريم ابنة عمران وابنها عيسى عليهما السلام
[وجعلناها وابنها آية للعالمين]
بقلم: صبحي العزب


كانت الحياة الدنيوية لروح الله وكلمته ورسوله الخاتم لرسل بني إسرائيل عيسى بن مريم، ولأمه مريم بنت عمران عليهما السلام سلسلة متواصلة من الابتلاءات والاختبارات، وكانت حياتهما الدنيوية نموذجاً للزهد والبعد عن الدنيا، والرغبة فيما عند الله.
فأما مريـم عليهاالسلام فإن الله سبحانه وتعالى اصطفاها واختارها على كل نساء الأرض. قال تعالى: {وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين]. وقال صلى الله عليه وسلم: [كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد..]الحديث

جاءت أنثى فيما ترجو أمها أن يكون مولودها ذكراً:

وأول امتحان لمريم عليها السلام أن أمها التي كانت ترجو أن ترزق غلاماً لتهبه لخدمة بيت المقدس رزقت بنتاً، والبنت لا تقوم بالخدمة في المسجد كما يقوم الرجل، وأسفت أم مريم امرأة عمران واعتذرت للرب جلوعلا فقالت: {رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت -وليس الذكر كالأنثى- وإني سميتها مريم، وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} وأوفت بنذرها كما اشترطته على الله: {رب أني نذرت لك ما في بطني محرراً}!! وكان لا بد من الوفاء بالنذر..

وقبل الله سبحانه وتعالى هذا النـذر وجعله نذراً مباركاً.. بل لا يعرف نذر أعظم منه بركة، فقد أعقب خير نساء العالمين ورسولاً من أولي العزم من الرسل يجعل الله ولادته وحياته، ورفعه إلى السماء، ونزوله آخر الدنيا، وما أجرى على يديه من المعجزات آية كبرى من آيات الله سبحانه وتعالى... فأي نذر أعظم من هذا؟

مريم عليها السلام اليتيمة في بيت الله:

ولدت مريم عليها السلام يتيمة فآواها الله عند زوج خالتها -والخالة بمنزلة الأم- وزوج خالتها هو زكريا عليه السلام وهو نبي قومه..

وكان هذا من رحمة الله بمريم، ورعايته لها. قال تعالى: {فتقبلها ربهابقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا]

وشبت مريم عليها السلام وبيتها المسجد، وخلوتها فيه، ويلطف الله بها فيأتيها الطعام من الغيب وكلما زارها زوج الخالة، وجد عندها رزقاً، وهو الذي يقوم بكفالتها فمن أين يأتيها شيء لم يأت هو به؟!

ويقول لها: {يا مريم أنى لك هذا} فتقول: {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب}، ولم تكن في هذا في جنة قبل الجنة، وإنما هو بلغة من الرزق يتحف الله به أولياءه، ويكرم به أهل طاعته اتحافاً وإكراماً، إذا ضاق بهم الحال واشتد بهم الأمر، وتذكيراً لهم بأن الله لا يضيعأهله، كما صنع الرب الإله لهاجر عليها السلام وابنها اسماعيل فقد فجر الله لهما زمزم ماءاً معيناً عندما تركهما إبراهيم في هذا المكان القفر.
وكما فعل الرب سبحانه بخبيب بن عدي رضي الله عنه صاحب رسول الله الذي حبسه أهل مكة ليقتلوه، فرأوا في يده وهو في سجنهم قطفاً من عنب يأكل منه، وليس بمكة كلها عنب، ولا هو بأوان عنب، وإطعام الله أهله وأولياؤه من الغيب، وهم في الدنيا هو من باب اللطف بهم، وإظهاره معجزاته لهم فكم نبع الماء من بين أصابع النبي الخاتم محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه؟! وكم بارك النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام القليل الذي لا يكفي خمسة من الناس فيأكل منه الجيش كله، وكانوا ثمانمائة رجل أكلوا لحماً وثريداً حتى شبعوا من عناق واحدة، وصاع من شعير لا يكفي خمسة.

مريم عليها السلام وأحلام الأنثى:

لم يكن لمريـم عليها السلام التي سكنت في محراب المسجد (المحراب غرفة في المسجد يعتزل فيه المقيم بها عنالناس)، وكان بنو إسرائيل يتخذون المحاريب في المساجد للخلوة والعبادة، (وسمي هذا المكان في المسجد بالمحراب لأن المقيم فيه كأنه محارب للناس مبتعد عنهم أو كأنه بيت الأسد).

أقول:لم يكن لمريم المنذورة لبيت الله من أحلام الأنثى -في الزوج المنشود- والمرآة، وصندوق أدوات التجميل شيء!! بل كان زادها وحلمها وآمالها الطاعة والعبادة!! فقد جاءها أمر الله: {يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين* يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين}
وهكذا نشأت مريـم فتاة عابدة في خلوة في المسجد تحيي ليلها بالذكر والعبادة والصلاة وتصوم نهارها، وتعيش لآخرتها.

المحنة الكبرى لمريم عليها السلام:

كانت المحنة الكبرى لمريم عليها السلام العابدة الزاهدة البتول أن يبشرها الله سبحانه وتعالى بولد منها وهي غير ذات زوج فقالت: {أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر} وحاولت دفع هذا عن نفسها، ولكن جاءها الأمر الإلهي: {كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً}

فكذلك قال الله، فلا راد لكلمته، وكان أمراً مقضياً فمن الذي يستطيع أن يمنع قضاء الله؟! ولله سبحانه وتعالىشأن في إخراج هذه الآية للناس: امرأة عابدة صالحة تبتلى بحمل من غير زوج يصدقها الصادقون المؤمنون، ويكذبها الكافـرون المجرمون، ويكون ابنها الذي قضاه الله وقدره على هذه الصورة المعجزة آية في خَلْقِه، آيه في خُلُقِه، آية في معجزاته، رحمة للناس في زمانه، وبعد زمانه، فتنة لعميان البصائر الذين يغالون فيه فيعبدونه ويجعلونه خالقاً رازقاً مدبراً موجوداً قبل الدهور مولوداً بطبيعة بشرية وهو في ذاته إله من إله!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً... وهكذا يهلك فيه من اعتقده ابن من الزنا!! ومن اعتقده الإله الخالق وينجو به أهل الصدق والتصديق: {قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً}

مريم عليه السلام تفر من المسجد خوفاً من الفضيحة والعار:

وتخرج مريم عليها السـلام من محرابها في بيت المقدس بعد أن رأت حملها في بطنها قد كبر، وبعد أن خافت الفضيحة، تخرج إلى مكان بعيد تتوارى فيه عن الأنظار، وفي بيت لحم يلجئها المخاض إلى جذع نخلة -وهي وحيدة غريبة طريدة- فتضع حملها ولا أم هناك، ولا خالة ولا قابلة!! ولا بيت دافئاً، ولا ستر تتوارى فيه عن أعين الناس إلا هـذه الأحراش!! تضع حملها ودموعها تملأ مآقيها، والهموم والآلام تلفها من كل جانب: هم الغربة والوحشة، وفقد الأهل والناصر، والستر وفقد الإرفاق بالوالد، وكم تحتاج الوالد من الإرفاق تحتاج إلى دفء، وحنان زوج، وشفقة أهل، وطعام مخصوص، وفراش، وتهنئة بالسلامة والعافية بالمولود الجديد... وأما مريم عليها السلام فلا شيء من ذلك وهي تنتظر الفضيحة بوليدها الجديد..

وعندما تجتمع كل هذه الهموم والمصاعب تتمنى أن تكون قد ماتت قبل هذا الامتحان!! ولم تعش إلى هذه المحنة الشديدة قالت: {يا ليتني مت قبل هذا، وكنت نسياً منسياً}. (أي شيء متروكاً محتقراً، والنسي في كلام العرب: الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى، فلا يتألم لفقده).

وفي هذه اللحظة التي يبلغ بها الحزن والأسى مداه يأتيها الأمن والأمان والبشرى والإرفاق.. فيناديها مولودها من تحتها: {ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً} أي سيداً عظيماً {وهـزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً* فكلي واشربي وقري عيناً فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً}

إن مع العسر يسراً:

وهنا تأتيها المعجزات بالجملة فهذا جدول ماء رقراق يفجره الله لها، وهاهي تستطيع وهي والد ضعيفة أن تهز جزع النخلة فيتساقط عليها الرطب رطباً جنيا، وأما القوم وخوف الفضيحة فدعي هذا لنا!! وعليك أنت بالصوم عن الكلام، ودعي هذا السيد العظيم الذي تحملينه يتولى الدفاع عنك، وبيان المهمة التي أرسل بها. قال تعالى: {فأتت به من قومها تحمله، قالوا يا مريم لقـد جئت شيئاً فرياً* يا أخت هارون ما كان أبوك امرأً سوء وما كانت أمك بغياً* فأشارت إليه، قالـوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً}، وهنا أنطقه الله ليبين لهم الآية في خلقه على هذا النحو...

وينشأ عيسى في قومه من بني إسرائيل وبدلاً من أن يقابل اليهـود المعجزة بالإيمان والتصديق يقابلونها بالجحود والنكران، ويتوجسون شراً من هذا المولود الذي تكلم في المهد، والذي ينشأ لا كما ينشأ الصبيان، فالأولاد يلهـون بالطين فيجعلون منه عصفوراً حجراً تمثالاً، ولكنه يصنع لهم عصفوراً من الطين ثم ينفخ فيه أمامهم فإذا بالعصفور حي يطير فيكون ردهم أن هذا ساحر كبير!!

عيسى عليه السلام العابد الزاهد البار التقي:

وينشأ عيسى عليه السلام عابداً زاهداً يلبس الصوف، وشعر الماعز ..

ولـم يتخذ له مسكناً قط، ولا سكن بيتاً طيلة حياته، ولا أوى إلى سقف قط، ولم يدخر شيئاً قط، ولا ادخر طعاماً لغده أبداً. ينتقل من مكان إلى مكان أينما يدركه المساء بات!! يلبس نعلين من لحاء الشجر، شراكهما ليف، كان عامة تنقله على رجليه، وأحياناً يركب حماراً، عمله السياحـة في الأرض لا يأويه بيت ولا قرية، مأواه حيث جنَّه الليل، سراجه ضوء القمر، وظله الليل، وفراشه الأرض لم يتخذ غطاءاً بينه وبين الأرض قط، ووسادته حجر من الأرض، بقله وريحانه عشب الأرض وربما طوى الأيام جائعاً، لم يره أحد مقهقهاً قط!!

أصحابه وأصدقاؤه وخلانه هم الفقـراء والمساكين والزمنى والمرضى، يمسح دموعهم، ويدعو لهم فيشفيهم الله ببركته، وجلساؤه الخطاءون وقطـاع الطرق، فيدعوهم إلى التوبة فيتوبون على يديه {وجعلني مباركاً أينما كنت} لقد كان عيسى مباركاً حيث كان وأنى تحول... كان مثالاً لبني إسرائيل الذي تكالبوا على الحطام، وأقبلوا على الدنيا، وكانوا أحرص الناس على الحياة، وبخلوا حتى اشتكى البخل من بخلهم، فجاءهم عيسى عليه السلام ليضع الدنيا كلها تحت قدميه، ويلقيها وراء ظهره ويعمل للآخرة فيشفي من يعجز الطب عن شفائه.

فينطق الأبكم، ويسمع الأصم، يفتح أعين من ولدأعمى، ويمسح جلد الأبرص فيعود أحسن من جلـد السليم، ويقيم المقعد الأشل، ويشفي الزمن اليائس من الشفاء، ولا يتخذ على شيء من ذلك أجراً ويعلم الدين، ولو أخذ أجراً لكان أغنى الناس.

ويجعل مجالسه وقيامه وقعوده مع الفقـراء والمساكين والمعوزين، فيمسح دموعهم ويغسل عن أرجلهم، ويتواضع لهم ويبشرهم بالدخول إلى ملكوت السماء إذا زهدوا في هذه الدار الفانية.

تعالوا أعلمكم صيد العالم بدلاً من صيد السمك!!:

ويمر على طبرية ويلقي مجموعة من صيادي الأسماك فيدعوهم إلى الإيمان، ويدعوهم إلى حمل دعوة الله، والتبشير برسالته فيعتذرون أنهم مشغولون بصيد السمك فيقول لهم (تعالوا أعلمكم صنعة تصيدون بها العالم بدلاً من صيد السمك) تعالوا فـ (أن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها) فيتبعه منهم مجمـعة يصبحون تلاميذه الخاصين، وأصحابه المنتخبين ويصحبونه من قرية إلى قرية، يدعون إلى الله، ويصيدون الناس في شباكهم إلى الجنة والمغفرة، بعد أن كان كل صيدهم سمكة يرجعون بها إلى أهلهم.

اليهود يلاحقون أنبياء الله الثالثة زكريا ويحيى وعيسى ليقتلوهم:

ولكن يظل اليهود هـ اليهود انكباباً على الدنيا، رضا بالذل، وحرصاً على الحياة، وماذا يفعلون وقد قام لهم ثلاثة من الوعاظ في وقت واحد زكريا وابنه يحيى، وعيسى بن مريم عليهم السلام جميعاً.

فأما زكريا عليه السلام فإن اليهود لاحقوه حتى قتلوه، وبعد أن لاذ منهم بشجرة شقوه معها إلى نصفين. وأما يحيى عليه السلام العابد الزاهد البار التقي فإنهم ظلوا يلاحقونه حتى كان آخر أمره أن طلبت رأسه علي طبق، بغي من بغاياهم، لمّا قدمت ابنتها إلى ملك من ملوكهم رقصت في يوم مولده فأذهلت الملك والحضور بجودة رقصها فقال لها اطلبي!! فقالت لها أمها: اطلبي رأس يحيى (يوحنا المعمدان) على طبق!! وقد كان!! قدم الملك رأس يحيى النبي هدية إلى زانية!! لأنها أدخلت السرور على قلب الملك وجلسائه في عيد ميلاده وقال لها لا تطلبين شيئاً إلا حققته لك فطلبت رأس من أفتى بقطع فنها، وتحريم عملها!!

وبقي عيسى عليه السلام النبي المخلص الذي يدعو اليهـود إلى الآخرة، ويريد أن يخرجهم من ذل الرومان الوثنيين، ويعيد لهـم الدين والشريعة والعزة والتمكين... فما كان من اليهود إلا أن صاحوا به وبدأوا يلاحقونه من قرية إلى قرية يريدون إهلاكه وقتله، وإلحاقه بيحيى الذي قطعوا رأسه، وزكريا الذي نشروه إلى فلقتين بالمنشار واتخذ اليهود كل سبيل لقطع عيسى عليه السلام من وسطهم.

ولما علم عيسى عليه السلام أنه ملاحق مطارد وأن القوم قد وشوا به إلى الرومان ليقتلوه واتهموه بالفساد والإفساد في الأرض، وقال اليهود للرومان الوثنيين الكفرة: إن تركتم عيسى فإنه سيفسد عليكم الشعب!! ولن تستقر لكم حكومة في فلسطين!! وكان الرومان الكفار الوثنيون أعظم رحمة وعدلاً مع عيسى عليه السلام من اليهود الذين هم قوم عيسى وجماعته وأهله!! وقال الحاكم الروماني (بيلاطس) لليهود الذين جاءوه شاكين من عيسى عليه السلام: إن هذا رجل بـار، لم نر منه شراً!! إذا كنتم تختلفون معه في شيء من دينكم فهذا شأنكم أننا لا نتدخل في مشكلاتكم الداخلية!! احكموا عليه فيما بينكم!! أما نحن فإننا لم نر منه شراً!! ولكن اليهود وهم اليهود يقولون له: إن لم تقتله شكوناك أنت إلى القيصر في روما، فإنك لا تقوم بعملك في فلسطين على الوجه الأكمل!! إنك تترك المفسدين ليفسدوا في الأرض!! فيقول لهم الحاكم الروماني: يا قوم كيف ألطخ يدي بدماء رجل برئ!! فيقولون له: اقتله ودمه في رقابنا!!

ولا يجد الحـاكم الروماني (بيلاطس) بداً من قتله ليسكن الفتنة فيرسل شرطته وجواسيسه ليأتوه بعيسى عليه السلام، ويتوصلون بالرشوة لمعرفة البستان الذي كان قد اختفى فيه عن الأنظار، ويلقي الله شبه عيسى عليه السلام على غيره ويقاد إلى الحاكم الروماني، فيقول: أنا برئ من دم هذا البار ويؤخذ إلى الحاخام اليهودي الأكبر قيافا، وفي محاكمة صورية هزلية يحكم عليه بأنه مبتدع ضـال مهرطق، وأن حكمه أن يقتل، ويؤخذ شبه عيسى هذا إلى السجن، وينتظر الحاكم الروماني لعل الأمور تتغير، ولعل اليهود يتغيرون ويراجعون حكمهم في عيسى ولكن هيهات..

الحكم على يسوع بالموت:

وكان من عـادة الحاكم في كل عيد أن يطلق لجمهور الشعب أي سجين يريدونه، وكان عندهم وقتئذ سجين مشهور اسمه باراباس، ففيما هـم مجتمعون، سألهم بيلاطس: من تريدون أن أطلق لكم: باراباس، أم يسوع الذي يدعى المسيح؟ إذ كان يعلم أنهم سلموه عن حسد، وفيما هو جالس على منصة القضاء، أرسلت إليه زوجته تقول: إياك وذلك البار، فقد تضايقت اليوم كثيراً في حلم بسببه. ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع أن يطالبوا بإطلاق باراباس وقتل يسوع. فسألهم بيلاطس:أي الاثنين تريدون أن أطلق لكم؟ أجابوا: باراباس. فعاد يسأل: فماذا أفعل بيسوع الذي يدعى المسيح؟ أجابوا جميعاً: ليصلب. فسأل الحاكم: وأي شر فعل؟ فازدادوا صراخاً: ليصلب!، فلما رأى بيلاطس أنه لا فائدة، وأن فتنة تكاد تنشب بالأحرى، أخذ ماء وغسل يديه أمام الجمع، وقال: أنا برئ من دم هذا البار، فانظروا أنتم في الأمر! فأجاب الشعب بأجمعه: ليكن دمه علينا وعلى أولادنا! فأطلق لهم باراباس، وأما يسوع فجلده، ثم سلمه إلى الصلب.

الجنود يستهزئون بيسوع:

فاقتاد جنود الحاكم يسوع إلى دار الحكومة، وجمعوا عليه جنود الكتيبة كلها، فجردوه من ثيابه، وألبسوه رداءاً قرمزياً، وجدلوا إكليلاً من شوك وضعوه على رأسه، ووضعوا قصبة في يده اليمنى وركعوا أمامه يسخرون منه وهم يقولون: سلام يا ملك اليهود، وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة منه، وضربوه على رأسـه، وبعدما أوسعوه سخرية نزعوا الرداء وألبسوه ثيابه، وساقوه إلى الصلب. (إنجيل متى 15-32 )

ولما أحس عيسى عليه السلام أنه ملاحق مطارد مطلوب رأسه، وأن اليهود لن يهدءوا إلا إذا ألحقوه بيحيى وزكريا
...
قال لخلص أصحابه: {من أنصاري إلى الله} قال تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون}.

عيسى عليه السلام يحمل الحواريين الأمانة ويصعد إلى السماء:

فحملهم عيسى الأمانة وأوصاهم بالدعوة إلى الله حتى الموت، وبايعهم على الشهادة في سبيل الله وأخبرهم أن الله رافعه إلى السماء، وأنه سيعود مرة ثانية إلى الأرض!! ولكن الحواريين يناشدونه البقاء معهم وألا يتركهم لخوض غمار هذه المحنة وحدهم!! فيخبرهم أنه سيذهب ليأتي المخلص الأعظم، والنبي الخاتم الذي تختم به الرسالات، وأنه إذا بقي فيهم ولم يصعد إلى السماء لا يأتي هذا المخلص الأكبر والنبي الأعظم، وأخبرهم عيسى أن عودته ستكون في النهاية قبل يوم القيامة وأنه عندما يرتفع الليلة إلى السماء سيدعو الله أن يؤيدهم في مهمتهم الشاقة بروح القدس جبريل أمين الله على وحيه ليكون معهم يشد أزرهم حتى يكملوا المهمة...

ويرفع الله عيسى إليه، ويطهره من الذين كفروا، ويصلب الذي ألقى الله شبهه عليه بدلاً من عيسى!! ويفتخر اليهود قائلين: (إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله)!!
ويقوم تلاميذ بالدعوة إلى الله، فيخرج كل منهم إلى مدينة من مدن العالم فينتشر الدين، ويقتلون جميعاً شهداء.

ويبقى عيسى عليه السلام اختياراً للناس إلى يوم القيامة:

ويفتن الناس في شأن عيسى فاليهود يسبونه ويرمونه وأمه بالزنا، ويقولون مبتدع مهرطق كذاب!! ادعى أنه جاء ليخلصنا من الذل، ولم يستطيع أن يخلص نفسه، وقد قتلناه واسترحنا منه!! وجمع من النصارى يغالون فيه وتتجارى بهم الأهواء فيقولون هو الله ولد من مريم، وكان موجـوداً قبل الدهور، وهو وروح القدس والله ثلاثة في واحد، الأب والابن وروح القدس إله واحد!! ويختلفون في حقيقته وطبيعته إلى مئات من العقائد والمذاهب والأقوال التي يضاد بعضها بعضاً، ويكفر بعضهاً بعضاً، وأهل الحق من أتباعه يعتقدون أنه عبد الله ورسوله جاء بني إسرائيل بالهدى والدين فكان من شأنهم معه ما كان، ورفعه الله وطهره لتتم الرسالات بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.

عيسى عليه السلام والعودة إلى الأرض:

ويعود عيسى في آخر الزمان نبياً ورسولاً، تابعاً للنبي الخاتم، حاكماً بالقرآن فيكسرالصليب الذي عبد جهلاً، ويقتل الخنزير الذي أحله من زعم أنهم من أتباعه، ويضع الجزية فلا يقبل إلا السيف، ويقيم الصلاة التي علمها محمد بن عبدالله النبي الخاتم، وينزل على مسجد المسلمين في دمشق، وليس على كنيسة من كنائس النصارى...
ويتبعه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فيقتلون عباد الصليب أينما كانوا وكيفما كانوا.

قـال صلى الله عليه وسلم: [والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكماً عدلاً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويؤذن بالصلاة ].

{ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان الله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول كن فيكون}

وهذه حياته وزهده ودعوته وعبادته سلسلة طويلة من الابتلاءات والاختبارات وهكذا أهل الله الذين هم أهله يبتلون ثم تكون العاقبة لهم.

ولقد كانت حياتهم الدنيوية زهداً وتكليفاً ودموعاً وتعالياً عن الدنيا، وإقبالاً على الله والدار الآخرة.

nary_jon
06-22-2008, 02:01 AM
زينب الغزالي

تحرير الأستاذ : صبحي العزب
نسبها ونشأتها:

زينب محمد الغزالي الجبيلي ، عربية الأصل، ينتهي نسب والدها من أبيه إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأما نسب أمها فينتهي إلىالحسن بن علي رضي الله عنهما . وقد ولدت في ( كانون الثاني ) يناير 1917م ، ونشأت بين والدين ملتزمين بالإسلام ، وكان والدها - رحمه الله - من علماءالأزهر الشريف، وكان حريصا على تنشئتها تنشئة إسلامية متكاملة.

درست زينب الغزالي في المدارس الحكومية، ثم تلقت عـلوم الدين على مشايخ من رجال الأزهرالكبار في علوم التفسير والفقه . ومنهم الشيخ عبد المجيد اللبان _ وكيل الأزهر ،والشيخ محمد سليمان النجار _ رئيس قسم الوعظ والإرشاد بالأزهر الشريف ، والشيخ علي محفوظ مـن هيئة كبار العلماء بالأزهـر.

وبذلك فقد جمعت زينب الغزالي بين الطريقتين في العلوم : المدرسية الحديثة والتقليدية القائمة على أخذ العلم من شيوخه وأهله مباشرة.

أعمالها وكتاباتها:

كانت زينب الغزالي من المؤسسين للمركز العام للسيدات المسلمات، فقد أنشئ سنة 1356هـ الموافق1936 م ، وأدى واجبات كثيرة، فقد اختلف مع كل الأحزاب السياسية؛ لأنه كان يطالب بأن تحكم الشريعة الإسلامية في مصر ، وكان يطالب بعودة المسلمين كلهم إلى الكتاب والسنة ،وإلى إقامة الخلافة الإسلامية .

وكتبت زينب الغزالي مجموعة من المصنفات من بينها ((أيام من حياتي (http://www.ummah.net/ioc/zinab.pdf) )) و (( نحو بعث جديد )) ، وكتابا آخر اسمه ((نظرات في كتاب الله (http://www.arabianbooks.com/cgi-bin/ArabianBooks/Arb_(*)(*)(*)(*)_MainSearch.asp?JavaSearch=&SearchToken=!0000100012800) ))، ولقد فسرت فيه سورة البقرة ، وآل عمران ، والنساء وكتب أخرى تحت الطبع، ومنها:

- (( أسماء الله الحسنى ))

- (( ولغريزة المرأة )).

والناظر في كتب الداعية زينب الغزالي يجد فيها امرأة عالمة وفقيهة واعية لعصرها ولما يدور من حولها من أحداث ، ويبرز ذلك في كتاب نظرات في كتاب الله.

تقول زينب الغزالي" - بعد صدور كتابها "نظرات في كتاب الله" : "أنا أحببت القرآن حتى عشته ، فلما عشته أحببت أن أدندن به لمَن أحب ، فدندنت بعض دندنة المفسرين ، ولا أقول إني مفسرة ، ولكني أقول : إنني محبة للقرآن ، عاشقة له ، والعاشق يدندن لمن يحب ، والعاشق يحكي لمن يحب ، ويجالس من يحب ، ويعانق من يحب ، فعانقت القرآن ، وتحدثت به وله في جميع الملايين من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، وعشت أدندن به في المساجد لأكثر من ستين عاماً ، أي عمر الدعوة التي أسستها في المساجد منذ 1937".

ويجد امرأة صاحبة قلم أدبي مؤثر ، وحس مرهف ، وذاكرة حاضرة في كتابها أيام من حياتي (http://www.ummah.net/ioc/zinab.pdf) .

حياتها السياسية:

طلبها جمال عبد الناصر يوما لمقابلته فرفضت ، فكانت بداية العداوةبينهما ؛ لأنها قالت لرسول الرئيس : "أنا لا أصافح يدا تلوثت بدماء الشهيد عبدالقادر عودة ". فدخلت السجن وتعرضت للتعذيب الشديد ، ولكنّ هذا لم يردعها عن مطالبحزبها الإسلامي بإعادة مبدأ الشورى في الحكم.

حياتها الدينية:

زارت المملكة العربية السعودية 60 مرة ، وأدتفريضة الحج 39 مرة ، واعتمرت 100 مرة، وزارت الكثير من الدول العربية والإسلامية لنشر الدعوة الإسلامية ،ولإلقاء المحاضرات الدينية في الدعوة إلى الله تعالى . وقد أمضت في حقل الدعوة 53 سنة - أكثر من نصف القرن - التقيت فيه بكلرجال الدعوة الكبار . وتأثرت بشخصيات كثيرة منهم : حسن البنــَّا ، هو الأكثر تأثيرا فينفسها وضميرها ، وحسن الهضيبى -رحمهم الله جميعا .

نظرتها المستقبلية:

لزينب الغزالي نظرة وأمل في مستقبل المرأة المسلمة ، وبأن القيادةالنسائية ستكون للمرأة المسلمة في المستقبل شاء أعداء الإسلام أم أبوا ، فإن الذينيتقدمون مسيرة المرأة في العالم تحميهم المراكز الكبرى الحاكمة بغير ما أنزل اللهسبحانه وتعالى
.
تحليل ونقـــد لكتاب "أيام من حياتي:

أهمية الكتاب وفوائده وقيمته في الحركة الإسلامية

يعتبر الكتاب وثيقة هامة وسجلا تاريخيا لحقية تاريخيه مهمة للدعوةالإسلامية ، وفيه تفاصيل وأحداث حدثت في فترة ما بين 1964) إلى (1971 ووثق فيه أيضا أسماء بعض رواد الدعوةالإسلامية الذين أسهموا في بقاء بعض التشريعات الإسلامية التي ظلت غائبة حتى وقتناالحاضر.

خصائص الأسلوب وطرائق العرض لكتاب [أيام من حياتي]:

كانت الكاتبة حاضرة في عرضها لموضوع كتابها ، وهذا أمر طبيعي ؛وذلكلأنها تكتب في سيرة حياتها .

وقد أبرزت الكاتبة هدفهـــا في النص بصورة مباشرة في مقدمة الكتاب ، وفي الكتاب صورلمواقف الثبات على المبدأ والدين الإسلامي في حياة الدعاة المعاصرين . ويتراوحأسلوبها بين الحوار والسرد .

وكانت الكاتبة تستخدم القران الكريم والشعر العربي العمودي كشواهدوأدلة داعمة ، مما جعل الكتاب أكثر دقة وعلمية وبعدا عن الذاتية والأنا ، ويلاحظعليها دقتها وحسن اختيارها للشعر لما يتضمنه من معان غزيرة وجميلة وعظيمة المغزى وحس أدبي مرهف .

الخاتمة:

وفي الختام وبعد هذه النظرة السريعة على حياة السيدة زينب الغزالي الجبيلي ،آمل من المولى عز وجل بأن يجعلنا من الدعاة إلى الإسلام وجنده المخلصين، وأن تكون لنا في قصة الداعية زينب الغزالي عبرة ومثلا يحتذى .
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .

مصادر ومراجع يمكن الاستزادة منها حول زينب الغزالي:

1. 1.ابن الهاشمي، الداعية زينب الغزالي مسيرة جهاد وحديث من الذكريات من خلا كتاباتها ، دار الاعتصام، القاهرة1989 م .

2. 2.امرأتان مؤمنتان في رحلة التحرر النسوي الجاد ( زينب الغزالي ، وعائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ) شهرزاد العربي http://www.islamweb.net/family/wemlibration/wemlibration8.htm (http://www.islamweb.net/family/wemlibration/wemlibration8.htm)

3. 3.زينب الغزالي ،أيام من حياتي ، دار الاعتصام – القاهرة

4. 4. شهر زاد العربي : زينب الغزالي من البرنيطة إلى الحجاب ، بيت الحكمة ، منشية الصدر ، القاهرة ، مصر ، عام 1996.

5. 5. لماذا سجنوها : http://gesah.net/st76.htm (http://gesah.net/st76.htm)

6. 6. من أجل زواج سعيد : http://www.islamweb.net/family/wife/wife4.htm (http://www.islamweb.net/family/wife/wife4.htm)

nary_jon
06-22-2008, 02:06 AM
رابـــعة العــــدوية


العابدة الزاهدة رابـــعة العدويــة


تحرير الأستاذ : صبحي العزب

رابعه العدوية، بصرية، زاهدة، عابدة، خاشعة، امرأة عاشت حياتها عكس سائر الناس، انعزلت في دنيا التصوف بعيدة عن أمور الدنيا، ألف الباحثون في تحديد هويتها وسيرة حياتها، وقد مزجوها برابعة الشامية وهي صوفية من الشام جاءت بعد رابعة العدوية الشخصية التي أول من عرف، ووضع معنى للحب الإلهي عند المسلمين، وتأثر فيها الكثيرون.

نسبها:

كما ذكر أن آراء الباحثين لم تتفق على تحديد هوية رابعة، فالبعض يرون أنها مولاة لآل عتيق، وآل عتيق بطن من بطون قيس، والبعض الآخر يرون أن من آل عتيق بني عدوة ولذا تسمى العدوية. وأما كنيتها فأم الخير..وقيل إن اسم رابعة يعود إلى أنها ولدت بعد ثلاث بنات لأبيها، عاشت في البصرة خلال القرن الثاني الهجري، وقد عمرت حوالي ثمانين عاماً، وتوفيت سنـــة هجرية.

نشأتها:

ذكر المؤرخ الصوفي فريد الدين العطار في (تذكرة الأولياء) بأن رابعة: ولدت في بيت فقير جداً، وتوفي أبوها وهي في مرحلة الطفولة، ولحقت به أمها فذاقت رابعة مرارة اليتم الكامل، وبذلك أطلق الشقاءعليها وحرمت من الحنان والعطف والحب الأبوي. بعد وفاة والديها غادرت رابعة مع أخواتها البيت بعد أن دب البصرة جفاف وصل إلى حد المجاعة ثم فرق الزمن بينها وبين أخواتها، وبذلك أصبحت رابعة وحيدة مشردة لا معيل لها ولا نصير .( )

حياتها:

اختلفت الآراء حول أن رابعة عاشت حياتها بلا بيت، وبلا مال، وبلا زواج ، غير أنه يبدو أن رابعة كانت مولاة، وكانت تعزف الناي ثم كانت مغنية، (هذا ما قاله العطار)، وأنها كانت على قدر من الجمال والحسن، وقد نقل اليافعي نص بعض الصالحين" خطر لي أن أزور رابعة العدوية -رضي الله تعالى عنها - وأنظر أصادقة هي في دعواها أم كاذبة، فبينما أنا كذلك، وإذا بفقراء قد أقبلوا ووجوههم كالأقمار ورائحتهم كالمسك، فسلموا علي وسلمت عليهم. وقلت: من أين أقبلتم؟ فقالوا: يا سيدي حديثنا عجيب. فقلت لهم: وما هو. فقالوا نحن من أبناء التجار الممولين. فكنا عند رابعة العدوية - رضي الله عنها - في مصر (ولعلها البصرة) فقلت: وما سبب ذهابكم إليها فقالوا: كنا ملتهين بالأكل والشرب في بلدنا. فنقل لنا حسن رابعة العدوية وحسن صوتها. وقلنا لابد أن نذهب إليها ونسمع غناءها وننظر إلى حسنها، فخرجنا من بلدنا إلى أن وصلنا إلى بلدها؛ فوصفوا لنا بيتها، وذكروا لنا أنها قد تابت. فقال أحدنا: إن كان قد فاتنا حسن صوتها وغنائها، فما يفوتنا منظرها وحسنها. فغيرنا حليتنا، ولبسنا الفقراء، وأتينا إلى بابها. فطرقنا الباب فلم نشعر إلا وقد خرجت، وتمرغت بين أقدامنا وقالت: لقد سعدت بزيارتكم لي فقلنا لها: وكيف ذلك. فقالت: عندنا امرأة عمياء منذ أربعين سنة، فلما طرقتم الباب قالت: إلهي وسيدي بحرمة هؤلاء الأقوام الذين طرقوا الباب إلا ما رددت علي بصري. فرد الله بصرها في الوقت. قال: فعند لك نظر بعضنا إلى بعض وقلنا ترون إلى لطف الله بنا، لم يفضح سريرتنا فقال الذي أشار علينا بلبس الفقراء: والله لا عدت أقلع هذا اللباس من علي. وأنا تائب إلى الله - عز وجل - على يدي رابعة فقلنا له. ونحن وافقناك على المعصية، ونحن نوافقك على الطاعة والتوبة فتبنا كلنا على يديها. وخرجنا عن أموالنا جميعها، وصرنا فقراء- كما ترى".

تصوفها:

دخلتطريق العباد والزهاد..طريق البكاء والخوف، وطريق التهجد في الليالي الطوال، فكانت تحضرحلقات المساجد والأذكار فاتخذت حياتها في حلقات الذكر والوعظ والإرشاد ومغالبة النفس، فتعرفت على (حيونه) عابدة من أكبر عابدات البصرة، هذه المرأة أثرت في رابعة أشد التأثير، فكانت رابعة تزورها وتقضي الليل معها، فتخلوا بنفسها وتنشد:
راحتي يا إخوتي في خلوتي
وحبيبي دائماً في حضرتي
لم أجد لي عن هواه عوضا
وهواه في البرايا محنتي
حيثما كنت أشاهد حسنه
فهو محرابي، إليه قبلتي
إن أمت وجداً وما ثم رضا
وأعنائي في الورى! وأشقوتي

وقد أكدت خادمتها التي لازمتها طوال حياتها، عبدة بنت أبي شوّال، إذ قالت: " كانت لرابعة أحوال شتى: فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها اليأس، وتارة يغلب عليها البسط، ومرة يغلب عليها الخوف"... ولكن العشق الإلهي كما رأينا يبقى طابعها المميز، ورائدها في تصوفها. فهذه أبيات
في إنشادها العشق الإلهي:

فليتك تحلو والحياة مريرة
وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
وبيني وبين العالمين خراب
إذا صح منك الود فالكل هين
وكل الذي فوق التراب تراب.

وهناك الكثير من الأبيات التي تنشدها رابعة العدوية في الحب الإلهي.

رابعه والحج:

تجاوزت رابعة نطاق المحبة وصارت إلى مقام (الخلة)، أي مقام الإشراف على بحار الغيوب، فهي حجت أكثر من مرة، وذكر في المراجع أن رابعة قد حجت بيت الله حافية تمشي على الأقدام، آخذة بوصية عبدالله ابن عباس لبنيه عند موته فقد قال:( يا بنيحجوا مشاة فإن للحاج الماشي بكل قدم يخطوها سبعمائة حسنة من حسنات الحرم. قيل وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف(.

رابعة والمؤرخون:

اختلفت آراء المؤرخين بخصوص حياة رابعة، فظهرت أساطير وحكايات عن تلك المرأةوأغلبها من الخيال، والخلافات بين الشخصيات التي عايشت زمن رابعة العدوية أمثال: رياح بن عمر القيسي، سفيان الثوري، عبدالواحد بن زيد. ومن هؤلاء المؤرخون الجاحظ و العطار والمناوي والعديد منهم.
وقد بالغ العطار في كتابته عن رابعة العدوية، إذ كتب عنها في حادثة السوق (أنها في أحد الأيام، كانت رابعه تقضي حاجة لسيدها، رآها رجل غريب وظل ينظر إليها بنظرات شريرة، فخافت منه وهربت. إلا إنها تعثرت وهي تركض، فغميّ عليها، فلما استيقظت أخذت تناجي ربها( إلهي، أنا غريبة يتيمة، أرسف في قيود الرق. ولكن غميّ الكبير أن أعرف: أراضٍ عني أم غير راضٍ؟)..عندها سمعت صوتاً يقول لها( لا تحزني! ففي يوم الحساب يتطلع المقربون في السماء إليك، ويحسدونك على ما ستكونين فيه).. وعندها اطمأن قلبها لذلك الصوت الغيبي، فتنهض وتعود إلى بيت سيدها).
وهنا يعلق الدكتور سميح عاطف الزين حول حادثة السوق ويقول يريد العطار أن يلهمنا أن هنالك عناية إلهية خاصة تحيط حيات رابعه، ولكن العطار وقع في خطأ فادح، فالصوت الغيبي الذي سمعته رابعه من الحي يقرر غيباً لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، مع أن الوحي أياً كانت أنواعه وأشكاله، قد قطع عن الأرض بعد وفاة سيدنا محمد( صلى الله عليه وسلم).
ومن شطحات الصوفيين ومبالغاتهم وخروجهم عن المألوف والمعروف، يحكى أن إبراهيم بن أدهم ذهب إلى الحج ماشياً على قدميه، وكان يتوقف كل خطوة ليصلي ركعتين فبلغ الكعبة بعد أربعين عاماً.. وكان يقول: (غيري يسلك هذا الطريق على قدميه، أما أنا فأسلكه على رأسي)، ولما بلغها لم يجدها فبكى وقال:( وا أسفاه! أأظلم بصري حتى لم أعد أرى الكعبة؟). فسمع صوتاً يقول: ( يا إبراهيم! لست أعمى، لكن الكعبة ذهبت للقاء رابعة). فتأثر إبراهيم، ثم رأى الكعبة وقد عادت إلى مكانها..ثم شاهد رابعه تتقدم فقال لها: أي رابعه! يا لجلال أعمالك! ثم ما تلك الضجة التي تحدثينها في الدنيا؟ فالكل يقولون: ذهبت الكعبة للقاء رابعة!). فأجابته: ( يا إبراهيم! وما تلك الضجة التي تثيرها أنت في الدنيا بقضائك أربعين عاما حتى تبلغ هذا المكان؟؟ فالكل يقولون إبراهيم يتوقف في كل خطوة ليصلي ركعتين. فقال إبراهيم: ( نعم مضيت أربعين ربيعاً اجتاز هذه الصحراء)، فقالت رابعة: ( يا إبراهيم لقد جئت أنت بالصلاة، أما أنا فقد جئت بالفقر). ثم بكت طويلاً.
هذا ما قاله المؤرخون عنها؛ فمنهم من وقف معها ومنهم من وقف ضدها، فالبعض يراها تبالغ في تصوراتها وخيالها؛ لأنها اعتبرت أن تشوقها للجنة إنما يشكل خطيئة تقترفها، كما يروي عنها المناوي فيقول: ( دخل جماعة على رابعة يعودونها من مرضٍ ألم بها، فسألوها: ما حالك؟ قالت:والله ما عرفت لعلتي سبباً، عرضت عليّ الجنة فملت بقلبي لها، فأحسست أن مولاي غار عليّ فعاتبني، فله العتبى)..وهنا تعني أن الله عاتبها لهذا الميل؛ لأنه مولاها وحبيبها، فتابت وقررت ألا تعود إليه أبداً!.

للمزيد عن رابعة العدوية انظر الموقع التالي فهو يبحث الموضوع من جانب آخر ، بعنوان :

رابعة رابحة.

http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mashaheer-11.asp (http://www.islamonline.net/iol-arabic/dowalia/mashaheer-11.asp)

هازم المجوس
06-28-2008, 11:28 PM
الــسلام عـلـيـكم ورحـمـة الله وبـركـاتـه

بـــارك الله فــيــكـ أختــي نــاريـ جــون

الله يـكـتب لكـ الأجــر

nary_jon
06-29-2008, 02:23 AM
وفيك بارك أخي هازم المجوس

المتابع
08-22-2008, 06:01 PM
مشكورة ويعطيكِ العافية ..

nary_jon
07-15-2009, 07:30 PM
حياكم الله وبياكم