المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم طاعة ( ولي الأمر ) إذا منع شخصًا من ( الدعوة إلى الله ) !


أبـــــــو ســـــليمان
05-08-2008, 08:39 PM
السؤال : فضيلة الشيخ ! إذا ندب الله عز وجل إلى أمر من الشريعة ندبًا عامًا كالدعوة إلى الله مثلاً ، ومنع من إيقاعه ( ولي الأمر ) !
فهل يستجاب لـ ( ولي الأمر ) في هذا مع قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إنما الطاعة في المعروف ) ، مع الضابط إذا تيسر - جزاك الله خيرًا - ؟
الجواب : إذا قال ( ولي الأمر ) لشخص مثلاً : لا تدعُ إلى الله ، فإن كان لا يقوم أحد سواه بهذه المهمة ؛ فإنه لا يطاع ( ولي الأمر ) في ذلك ؛ لأنها تكون فرض عين على هذا الشخص ، ولا طاعة لـ ( ولي الأمر ) في ترك فرض عين .
أما إذا كان يقوم غيره مقامه ، نظرنا : إذا كان ( ولي الأمر ) نهاه لأنه يكره دعوة الناس ، فهنا يجب أن يناصح ( ولي الأمر ) في هذا ، ويقال : اتق الله ، لا تمنع من إرشاد عباد الله .
أما إذا كان نهيه هذا الشخص لسبب آخر يحدث من جراء كلام هذا الرجل ، ورأى ( ولي الأمر ) أن المصلحة في إيقافه ، وغيره قائم بالواجب ؛ فإنه لا يحل لهذا أن ينابذ ( ولي الأمر ) .
وقد كان عمار بن ياسر - رضي الله عنه - مع عمر بن الخطاب في سفره ؛ فأجنب عمار - أي : أصابته جنابة - ، فجعل يتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة - يعني : تقلب على الأرض ليشمل التراب جميع بدنه - ثم عاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر ذلك له .
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمار : ( إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ) ، وأراه التيمم .
ثم جاءت خلافة عمر ، وصار عمار يحدث بذلك ، فاستدعاه عمر - رضي الله عنه - يومًا من الأيام ، وقال : كيف تحدث بهذا ( الحديث ) ؟
لأن عمر يرى أن الجنب لا يتيمم ، وأن التيمم في الحدث الأصغر فقط ، ومن عليه جنابة ينتظر حتى يجد الماء ثم يغتسل ويصلي ، هذا رأيه .
فقال له عمار : ( يا أمير المؤمنين ! أما تذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كذا وكذا ؟ ) .
فكأن عمر نسي هذا ، فقال له : ( يا أمير المؤمنين ! إن شئت بما جعل الله لك عليَّ من الطاعة ألا أحدث به فعلت ) .
فقال له عمر : ( لا . نوليك ما توليت ) .
يعني : فحدث به .
والشاهد أنه ما أنكر عليه قوله : ( إن شئت بما جعل الله لك علي من الطاعة ألا أحدث به فعلت ) .
أما لو قال ( ولي الأمر ) مثلاً : لا تصل النافلة .
فنقول : صلها ، لكن بدون منابذة ، صلها في بيتك ؛ لأن منابذة ( ولي الأمر ) يترتب عليها مفاسد كثيرة ، لا بالنسبة لك أنت أيها المنابذ ؛ لأنك - أنت أيها المنابذ - ربما تؤخذ وتؤذى ، وأنت تعتقد أنك أوذيت في الله ، لكن غيرك أيضًا يصاب بهذه المنابذة ، وربما يقتدي بك غيرك ممن لا يعرف ما عرفت فينابذ بدون علم ، وربما تُتحسس أخبار من حولك ، ويؤتى بكل إنسان حولك ويؤذى بدون جريمة .
ثم إن الحط من قدر ( ولاة الأمور ) من العلماء أو الأمراء في أعين الناس له ضرر كبير ؛ لأن قدر ( ولاة الأمور ) إذا سقط من أعين الناس تمرد الناس على ( ولي الأمر ) ، ولم يروا لأمره قيمة ، وصاروا يرونه كسائر الناس ، وإذا انحط قدر ( العلماء ) في أعين الناس لم يكن لما يقولونه للناس من شريعة الله قيمة ، ولم يثق الناس بأقوالهم ، ونبذت الشريعة من هذا الجسر ؛ لأن قدرهم هُوِّن في أعين الناس ، فصار الناس لا يبالون بهم ، ولا يأخذون بأقوالهم ، ويذهبون يأخذون من فلان وفلان ممن هو دونهم في فقه شريعة الله عز وجل .
فهذه الأمور لا ينبغي لنا أن ننظر إلى ظاهرها وسطحها ؛ لأن لها غورًا بعيدًا عميقًا .
وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ( ولاة الأمور ) الذين يطالبون بحقهم ويضيعون حق الله في رعيتهم ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : ( أعطوهم ما لهم واسألوا الله حقكم ) .
حتى لو منعونا حقنا ؛ فنحن نعطيهم ما لهم علينا ، ونسأل الله سبحانه وتعالى حقنا ، وذلك بأن يهديهم حتى يقوموا به .
فينبغي لنا أيها الإخوة ! ألا ننظر إلى الأمور من سطحيتها فقط ؛ بل ننظر لما يترتب عليها من المفاسد العظيمة ؛ والأمن حتمًا له قيمة ، فالدنيا كلها تبذل في سبيل الأمن ، ويضحي الإنسان من نفسه بأشياء كثيرة من أجل الأمن ، ولا يعرف قدر الأمن إلا من ابتلي بالخوف ، واسألوا آباءكم الأولين عما كانت عليه هذه البلاد من الخوف فيما سبق ؟!
كان الناس لا يذهبون من بريدة إلى عنيزة أو من عنيزة إلى بريدة إلا مسلحين ، وعلى خوف شديد ؛ بل قال بعض الكبار : كنا - والله نخرج - في رمضان من بيوتنا بعد العشاء بل بعد المغرب ونحن نحمل السلاح .
يخافون على أنفسهم من عدو يدخل البلد أو غير ذلك ، فنعمة الأمن والرخاء لا يساويها نعمة ، وإذا انفلت الأمن من يرده ؟
فيجب علينا أن نتجنب كل ما يثير الناس ، ونحن لا نبرئ ( ولاة الأمور ) من الخطأ ، ( ولاة الأمور ) من العلماء والأمراء عندهم خطأ كثير ، لكن جاء في الأثر : ( كما تكونوا يولِّ عليكم ) .
انظروا إلى أحوال الناس ، فمن حكمة الله أن الولي والمولى عليه يكونون متساويين كما قال تعالى : وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ . سورة الأنعام ، ( الآية : 129 ) .
كذلك يولي الله على الصالحين الصلحاء ، وإذا نظرنا إلى أحوال الرعية وجدنا أنفسنا نحن الرعية عندنا تفريط في الواجبات وإخلال وتهاون ، وتهافت على المحرمات ، نجد الغش في المعاملات ، والكذب والتزوير وشهادة الزور وأشياء كثيرة ، فلو أن الإنسان تعمق وسلط الأضواء على حال المجتمع الإسلامي اليوم لعرف القصور والتقصير ، فالمجتمع الإسلامي مجتمع صدق ووفاء وأمانة ، وكل هذه مفقودة الآن إلا ممن شاء الله .
فإذا أضعنا نحن الأمانة فيما نحن أمناء فيه - وليس عندنا ولاية كبيرة - ، فكيف من له ولاية أمرنا ؟
قد يكون أشد منا إضاعة للأمانة ، لكن استقيموا يول الله عليكم من يستقيم .
ثم إن الأولى أيضًا ، بل إن لم أقل الواجب أن ندعو لـ ( ولاة الأمور ) سرًا وعلنًا ، أن ندعو لهم بالتوفيق والصلاح والإصلاح ؛ لأنهم ( ولاة أمورنا ) ، أعطيناهم البيعة ، فلا بد أن نسأل الله لهم الصلاح حتى يصلح الله بهم .
ويذكر أن الإمام أحمد - رحمه الله - قال : ( لو أعلم أن لي دعوة مستجابة لصرفتها للسلطان ) .
لأنه إذا صلح السلطان صلحت الأمة ، وهذا صحيح .
فالواجب علينا - يا إخواني - ألا نيأس ، وأن ندعو لـ ( ولاة أمورنا ) أن يصلح الله لهم الأمور ، وأن يعينهم على ما حملهم ، وأن يبعد عنهم كل بطانة سوء ؛ لأن ( ولي الأمر ) ليس وحده فله أعوان ، وله وزراء ، وله جلساء ، تدعو الله أن يوفقه بجليس صالح ، وعون صالح ، ووزير صالح ، فهو من توفيق الله له وللرعية ، وإن كان الأمر بخلاف ذلك فهو من شؤمه وشؤم الرعية .
ولهذا يجب أن ندعو الله لـ ( ولاتنا ) أن يوفقهم للصلاح والإصلاح ، وأن ييسر لهم البطانة الصالحة ، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق .
السائل - أحسن الله إليك - : هل الكفاية قامت بدعوة الناس إلى الله عز وجل في أقطار الإسلام ؟
الشيخ : لا . لم تقم ، لكن بلادنا - والحمد لله - فيها من يقوم بهذا ؛ أكثر المتولين للمنابر اليوم - ولا سيما في المدن - كلهم طلبة علم ، وكلهم - والحمد لله - يوجهون الناس توجيهًا هادفًا تحصل به الكفاية ، صحيح أن في القرى من لا تحصل به الكفاية ، ولكن اتقوا الله ما استطعتم ، ولو أن كل قرية فيها طالب علم يعتمد عليه يرجع الناس إليه في الفتاوى والوعظ وغيره من أمور دينهم ودنياهم لكان جيدًا ، لكن ليس الأمر باليسير .
أما عن البلاد الإسلامية الأخرى فحدث ولا حرج ، الخلل فيها كثير ! خلاصة الفتوى : أنه يجب على من قيل له : لا تتكلم ، ألا يتكلم ، إلا إذا تعين الأمر عليه ، إذا تعين فإنه يجب عليه أن يعصي ( ولي الأمر ) ؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
السائل - أحسن الله إليكم يا شيخنا - : أنتم تذكرون الآن أن الكفاية لم تقم في ديار الإسلام . وليست الدعوة حكرًا على بلد معين أو حدود معينة !
الشيخ : على كل حال نحن لا نرى أن يمنع إنسان من أن يسافر إلى بلد آخر ، إذا كان يريد أن يدعو إلى الله ، لكن إذا كانت طريقة دعوته إلى الله هناك طريقة دعوته إلى الله في بلادنا بحيث يكون غير مؤهل في علمه وتصرفه ، فلـ ( ولي الأمر ) أن يمنعه ؛ لأن العلة كلها هي عبارة عن أشياء ربما توجب للناس وللرعية كراهة ( أولياء الأمور ) أو ما أشبه ذلك .
فضيلة العلامة محمد بن صالح العثيمين
مادة صوتية بعنوان : " سلسلة لقاء الباب المفتوح " : ( 50 )