المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقدمة الطحاوى: فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف


nary_jon
04-27-2008, 12:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




الدرس الأول

مقدمة الطحاوى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، أحيي الجميع فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وسنبدأ مستعينين بالله تعالى وحده لا شريك له، سنبدأ بعون الله -تعالى- في شرح العقيدة الطحاوية من خلال الاستفادة من شرح ابن أبي العز الحنفي -رحمة الله عليه-، فنسعى إلى أن يكون المتن الذي هو العقيدة الطحاوية هو الأصل في هذه الدرس في هذه الدورة، ونستأنس بشرح ابن أبي العز من جهة أننا نقرأ ما فيه أو نقرأ بعض الكلام الذي فيه ثم ما يحتاج إلى تعليق أو تعقيب أو توضيح أو بيان هذا دور المدرس في هذه الدورة.

العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي -رحمه الله- والمتوفى سنة واحد وعشرين وثلاثمائة هي من العقائد التي تلقاها علماء أهل السنة بالقبول وصار لها من الانتشار والقبول ما لها ولله الحمد والمنة؛ ولهذا حرص العلماء على شرحها والاعتناء بها، ومن أفضل الشروح شرح ابن أبي العز الحنفي الذي له من القبول والانتشار ما له، لاسيما وأن شرح ابن أبي العز الحنفي -رحمة الله عليه- صار فيه على طريقة أهل السنة والجماعة، هذا بالنسبة للكتاب الذي سيكون بين أيدينا.

لعلنا الآن نبدأ في الحديث من خلال مقدمة أوردها ابن أبي العز الحنفي -رحمة الله عليه- في الحديث عن أهمية العقيدة وأترك المجال لأخينا يقرأ المقدمة في أهمية العقيدة فليبدأ:

قال الإمام ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله تعالى-: (الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم، إذ شرف العلم بشرف المعلوم، وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع، ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة -رحمة الله عليه- ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: الفقه الأكبر، وحاجة العبادة إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه).المسألة الأولى: أهمية العقيدة:

المقدمة التي استمعنا إليها تشير إلى أهمية العقيدة، والشارح -رحمه الله- تحدث عن أمرين في

بيان أهمية العقيدة:

الأمر الأول: أن علم العقيدة أشرف العلوم، أشرف العلوم على الإطلاق علم العقيدة، لم؟ عَلَّلَ ذلك وبينه بقوله قال: (إذ شرف العلم بشرف معلومه) والمقصود أن علم التوحيد موضوعه هو معرفة الله -سبحانه وتعالى-، والتعرف على الله بأسمائه وصفاته وأفعال، وما يُلحق بذلك من التعرف على الأنبياء والرسل واليوم الآخر، هذه الموضوعات لا شك أنها أجل العلوم؛ ولهذا نجد أن الإمام أبا حنيفة النعمان لما كتب في العقيدة سمى ما كتبه في العقيدة: "الفقه الأكبر" فهو ليس فقهًا فحسب بل هو الفقه الأكبر، هذا الأمر الأول.

الأمر الثاني: ما ذكره -رحمه الله- في أن الحاجة إلى العقيدة هي أعظم الحاجات، فالحاجة إلى معرفة الله فوق كل حاجة، وضرورة التعرف على الله فوق كل ضرورة، وبيَّن ذلك وعَلَّله ووضحه لماذا؟ لأنه (لا حياة للقلوب ولا سعادة ولا طمأنينة إلا بمعرفة الله -سبحانه وتعالى-).

وها هي البشرية تعاني من الضياع والشقاء لما أعرضت عن عبادة الله -سبحانه وتعالى- كما هو مشاهد في العالم الغربي وما شابه.أمر ثالث نشير إليه في هذه المقدمة في أهمية العقيدة:

الأمر الثالث: ألا وهو أن العقول لا تستقل، العقول البشرية -أيها الإخوة الكرام- لا تستقل بمعرفة تفاصيل أمور الدين، فالتعرف على الله -سبحانه وتعالى- ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة الغيب مما يتعلق بالجنة والنار واليوم الآخر، كل ذلك العقول البشرية لا تستقل بمعرفة ذلك، فلابد من رسولٍ يبين ذلك؛ لهذه الأمور الثلاثة ولغيرها صارت العقيدة لها من الأهمية ما لها.

هذه هي المسألة الأولى التي بدأنا فيها في هذا

الدرس ألا وهي أهمية العقيدة.

المسألة الثانية: حكم المعرفة الإجمالية والتفصيلية.

المسألة الثانية وهي: ما يمكن أن نسميه بحكم

المعرفة الإجمالية والمعرفة التفصيلية.

المقصود بالمعرفة الإجمالية: هي الإيمان المجمل. الإيمان بأركان الإيمان الستة إيمانًا مجملاً عامًا، هذا الإيمان المجمل هذا فرض عين، فيجب على كل مسلمة وعلى كل مسلم أن يؤمن إيمانًا عامًا مجملاً بهذه الأركان، عندنا حديث جبريل الذي نعرفه وتعرفونه جيدًا أنه -عليه الصلاة والسلام- لما سئل عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) فالإيمان المجمل العام دون تفاصيل هذا يجب على كل مسلم ويجب على كل مسلمة، إذن نخلص من هذا أن المعرفة الإجمالية الإيمان المجمل العام، دون تفاصيل، هذا الإيمان العام المجمل فرض عين على كل مسلم ومسلمة.

أما المقصود بالمعرفة التفصيلية وهو الجانب الآخر: معرفة تفاصيل أركان الإيمان الستة، هذه التفاصيل -أيها المشاهدون المشاهدات- فرض كفاية، ونوضح ذلك بمثال: يجب على كل مسلم ومسلمة أن يؤمن باليوم الآخر، لكن تفاصيل اليوم الآخر، أن ثمة صراط وثمة ميزان، وثمة حوض للنبي -عليه الصلاة والسلام- هذه التفاصيل ليست فرض عين على كل مسلم ومسلمة، وإنما هي فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج والإثم عن الباقين، هذا ما يتعلق بمسألة المعرفة الإجمالية والمعرفة التفصيلية، لكن نحب أن نؤكد على مسألة مهمة بعد هذا البيان للمعرفة الإجمالية والمعرفة التفصيلية.

نؤكد على مسألة أنه قد يجب على الأعيان- على أشخاص- بأعيانهم، يجب عليهم ما لا يجب على غيرهم، وهذا الأمر أنه يجب على أشخاص بأعيانهم ما لا يجب على غيرهم منوط بأمرين:الأول: القدرة.

الثاني: الحاجة.

الأمر الأول: القدرة: بمعنى أن من قدر على سماع العلم فيجب على من قدر عليه ما لا يجب على من لم يسمع ذلك.

ما معنى ذلك؟ يعني لو أن أحد العوام صلى الجمعة مع إمام، وتحدث الإمام مثلاً عن الحوض، فهنا نقول على هذا العامي الذي سمع كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذا الخطيب - أن يؤمن بهذا الكلام، ولا يجب على غيره من العوام ممن لم تجب عليه هذه الجمعة مثلاً، فيجب على من سمع العلم وقَدِّر عليه ما لا يجب على غيره.

الأمر الثاني: الحاجة: فقد يحتاج بعض الأشخاص -بعض الأعيان- إلى أن يتعرفوا شيئًا من التفاصيل لهذا الدين ما لا يجب على من لم يحتج إلى ذلك؛ ولهذا قال العلماء: إذا كان عند العامي مال بلغ النصاب وحال عليه الحول عليه أن يعرف أحكام الزكاة -عليه أن يتعرف على أحكام الزكاة في هذه المسألة- ما لا يجب على من لم تجب عليه الزكاة.وبهذا نخلص إلى أن المعرفة الإجمالية فرض عين والمعرفة التفصيلية فرض كفاية، وأن تفاصيل العلوم الشرعية، ومنها مسائل الاعتقاد أنه يجب على الأعيان أو على بعض الأعيان ما لا يجب على غيرهم، وهذا منوط بأمرين: إما القدرة وإما الحاجة. أترك المسألة هذه وأنتقل إلى المسألة الثالثة في هذا الدرس.

من باب رفع الجهل يا شيخ: هل نقول إنه يستحب للمسلم -أو يؤكد عليه- أن يبحث عن العلوم العقدية ويدرسها ويفهمها حتى ينفي الجهل عن نفسه ويرفع الجهل عن نفسه؟.

هو لا شك، ولكن نحن نتكلم عن الوجوب العيني، عليه أن يؤمن إيمانًا مجملاً بأركان الإيمان الستة، فالعبد كما نعرف وتعرفون إذا وضع في قبره يسأل المسائل الثلاثة هذه فرض عين، من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ أيضًا كما قال أبو العالية -رحمه الله-: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ما زاد على فرض العين لا شك أنه يستحب له أن يبحث عنه؛ لأنه من أعظم القربات، وهو أن الشخص يشتغل بالعلوم الشرعية لاسيما ما يتعلق بعلم الاعتقاد علم العقيدة الإسلامية.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، قال الإمام ابن أبي العز في الشرح: اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله -عز وجل-، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [المؤمنون: 23]، وقال هود -عليه السلام- لقومه: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾، وقال صالح -عليه السلام-: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ وقال شعيب -عليه السلام- لقومه: ﴿ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ [المؤمنون: 32]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]).

المسألة الثالثة: سبب الضلال.

عفوًا عندنا أيضًا مسائل قبل أن نبدأ في شرح عبارة الطحاوي ها هنا فأحب أن أشير إليها وذكرها ابن أبي العز لأهميتها: كنا تحدثنا قبل قليل عن حكم المعرفة الإجمالية والمعرفة التفصيلية، هناك مسالة مهمة أشار إليها ابن أبي العز -رحمة الله عليه- ومن المهم أن نشير إليها في هذا الدرس، ألا وهي سبب الضلال، ما سبب ضلال الفرق والناس ووقوعهم في هذا الشقاء والنكد؟

السبب بإيجاز شديد: ألا وهو الإعراض عن كتاب الله وعن سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-، هذا المعنى هو الذي أشار له الشارح لما أشار -رحمه الله- في هذه المسألة إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه: 124]، وذكر -رحمه الله- كلام ابن عباس -رضي الله عنهما- إذ يقول: " تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل به أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة".

فالذي يلتزم بكتاب الله ويصدق بنصوص الوحيين ويتبع ذلك التصديق الانقياد والإذعان والعمل بموجب ذلك يحصل من ذلك الحياة الطيبة والإيمان والأمن والسلامة في الدارين، أما من تنكب صراط الله المستقيم وأعرض عن نصوص الوحيين فما الذي يعرض له؟ يعرض له ما سمعنا في الآية الضلال والشقاء، ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ﴾ الضنك: هو الضيق -نسأل الله العافية- قال تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ هذا حال المعرضين عن نصوص الوحيين.

يقول: ما الفرق بين العقيدة والتوحيد؟ أو العقيدة والإيمان؟.

قضية الفرق بين العقيدة والتوحيد أو العقيدة والإيمان: أنت لو نظرنا إلى المعنى من جهة اللغة نجد أن هناك فرق بينها، فالعقيدة مأخوذة من فعل عقدت، وفعل عقد فيه معنى الجزم والعزم، تقول: عقدت الحبل، فالعقيدة فيها معنى الجزم والحزم والصلابة، فالعقائد مبنية على اليقين؛ ولهذا الله -سبحانه وتعالى- قال عن المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ [الحجرات: 15]، لما نأتي مثلاً لموضوع الإيمان نجد أن الإيمان في اللغة قد يطلق على التصديق، قد يطلق ويكون من الأمن الذي هو ضد الخوف.

التوحيد لو جئت إليه في اللغة وهو جعل المتعدد واحدًا وهذا سيأتي معنا -إن شاء الله- تفصيلاً، فنجد أنها يختلف معناها من جهة اللغة، لكن نجد أن أهل العلم يطلقون على العقيدة: أنها العقيدة، ومرة يطلقون الإيمان، ومرة يطلقون التوحيد، وعلى كلٍ هذا لا إشكال فيه، نسمي هذا العلم العقيدة فنجد أن السلف استعملوا هذه الكلمة في كتبهم لا إشكال، نسمي ذلك توحيدًا لا إشكال، نسمي ذلك إيمانًا، أي نعم مع أن ثمة فرق بين هذه الأمور لكن علم العقيدة يسمى بهذه الأسماء كلها، لكن لا يعني أن هذه الكلمات كلها مترادفة، بل لكل منها معنىً، وهذه المعاني كما تلحظ فيها شيء من التداخل والتقارب، هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة.

المسألة الرابعة: الفرق بين التحريف والتأويل:

عندي هنا أيضًا مسألة أنا أحب أن أنبه عليها لأن الشارح ذكرها ولم يفصل فيها الكلام، وهو سيفصل فيها فيما بعد -في موضع آخر- الشارح ابن أبي العز يقول: (وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل) فابن أبي العز يشير إلى أن هناك فرق بين التحريف وبين التأويل، لكنه لم يذكره في المقدمة بل جعل له كلاماً مطولاً في موضع آخر ونحب أن نذكر في هذه العجالة الفرق بين التحريف والتأويل:

باختصار شديد نقول: التحريف كله مذموم، والله -سبحانه وتعالى- إنما ذكر التحريف عن أهل الكتاب قال -عز وجل-: ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ [النساء: 46]، والتحريف هو: إمالة الكلام عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر، يعني المعنى المتبادر منه -المعنى الصحيح، المعنى الظاهر- يميل عنه ويعرض عنه إلى معنى آخر، هذا هو التحريف، فالتحريف هو إمالة الكلام وصرفه عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر.

أما التأويل -أيها الإخوة الكرام-: التأويل ليس مذمومًا بإطلاق، لكن التحريف كله مذموم.

الأمر الأول: أن التأويل ليس مذمومًا بإطلاق، بل منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود.

الأمر الثاني: أن التأويل له أكثر من معنى، يعني له معانٍ صحيحة، وله معانٍ ليست بذلك.

فالتأويل قد يطلق على التفسير، ولا شك أن تفسير القرآن ومعرفة معاني الكتاب، لا شك أن هذا من الأمور المحمودة المحبوبة أن الإنسان يتعرف على معاني القرآن، وهذا الذي تجده عند شيخ المفسرين ابن جرير -رحمه الله- وهو يستعمله، لما يقول ابن جرير - وهو شيخ المفسرين- في تفسيره: "اختلف عن التأويل"، يقول: "تأويل قوله تعالى كذا" ومراده التفسير.

وقد يراد بالتأويل: الحقيقة، حقائق الأمور.

وقد يراد بالتأويل: صرف الكلام عن احتمال راجح، إلى الاحتمال المرجوح.المقصود أن التأويل له عدة إطلاقات لا يمكن أن نذمه بإطلاق، أما التحريف فهو مذموم بإطلاق. المسألة الخامسة : ذم علم الكلام.

أيضًا عندنا مسألة عرض لها المؤلف وأيضًا نحب أن نشير إليها قبل أن نبدأ في شرح العبارة التي قرأها أخونا، وهي مسألة ذم الكلام، تحدث ابن أبي العز عن ذم الكلام، أو ما يمكن أن نسميه علم الكلام، قبل أن نذكر بعض آثار السلف في ذم علم الكلام أحب أن نوضح ما معنى علم الكلام، ما معناه؟ علم الكلام: هو علم يزعم أصحابه أنهم يريدون التوفيق والجمع بين الأدلة النقلية وبين الأدلة العقلية. فأصحابه يَدَّعُون ذلك، يَدَّعُون التوفيق والجمع؛ لكن هؤلاء المتكلمين الذين اشتغلوا بهذا الكلام في الواقع أنهم تركوا نصوص الوحيين أعرضوا عنها وقدموا عقولهم ولم يعطوا النصوص الشرعية حقها، فنجد أنهم يظنون أن النصوص النقلية مجرد أخبار ليس فيها أدلة عقلية ولا براهين، هذا غير صحيح، النصوص الشرعية -الكتاب والسنة- حافلة بالأدلة العقلية والبراهين.هذا وإن علم الكلام أورث أصحابه شكًّا صار عندهم شيء من الشك الاضطراب والحيرة التردد، فالذي نريد أن نخلص إليه -أيها الإخوة الكرام- أن السلف ذموا الكلام، ولاحظ السلف يسمونه "الكلام"، ولا يقولوا: "علم الكلام"؛ لأن العلم هو ما قام عليه الدليل، والكلام لو سميناه "علمًا" تجوزًا فهو في الواقع ليس قائمًا على الدليل، إنما هو فيه تخرص وفيه ظنون وفيه أقوال أقرب ما تكون للمجهولات إلى الفساد، فالسلف تجدهم يقولون: "الكلام" ما يقولون: "علم الكلام"، لكن نحن نسميه "علم الكلام" تجوزًا؛ وإلا فالعلم ما قام عليه الدليل، والكلام لم يقم على دليل.فبان لكم هذا العلم وأن السلف ذموه ولعله يشير فقط إلى بعض عبارات من أقوال السلف في ذلك:- عندنا أبو يوسف -رحمه الله- صاحب أبي حنيفة يقول في عبارته: «من طلب العلم بالكلام تزندق» يعني يقول الذي يطلب العلم عن طريق علم الكلام هذا يؤدي به إلى الزندقة، والمراد بالزندقة عند الفقهاء أي: النفاق، فعلم الكلام هو باب إلى الزندقة والنفاق.- ولهذا جاء عن الإمام أحمد بن حنبل أيضاً أن علماء الكلام زنادقة، يعني أنهم تلبسوا بشيء من النفاق.- عندنا أيضًا عبارة الإمام الشافعي -رحمه الله- وهي عبارة مشهورة: «حكمي على أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال» قال هؤلاء حقهم أن يضربوا بالجريد والنعال، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واشتغل بالكلام.السلف ذموا علم الكلام لما فيه من الحيرة، إذ يوقع في الحيرة والشك، ويوقع في انتقاص النصوص الشرعية.

المسألة السادسة: أول واجب على المكلفين هو التوحيد.

أنا أعتذر على هذه الإطالة وأرجع للعبارة التي قرأها أخونا وهي التي سمعناها عندما قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له) هنا التوحيد كما سمعنا كلام ابن أبي العز هو أول واجب على المكلف، وهذه مسألة مهمة لما نسألك ما أول واجب على المكلف؟ هو التوحيد، من أين أخذنا هذا؟ أخذناه من كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- لما أرسل معاذ بن جبل فجاء في الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- قال لمعاذ: (إنك تأتي قومًا من أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) فهذا أول واجب، أول واجب على المكلف هو التوحيد، هكذا جاء في وصية النبي -عليه الصلاة والسلام- لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-، وسمعنا الآيات الكريمات، الآيات الكريمات نجد أن الرسل عليهم السلام بدءوا بالتوحيد، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ ما من نبي من أنبياء الله إلا وقد قال لقومه ابتداءً واستهلالاً بدعوته اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.

هذه المسألة التي ربما تكون عندنا وعندكم بدهية وتحصيل حاصل، هذا الأمر البدهي القطعي للأسف هناك من يخالفه ويصادمه، والذين صادموا ذلك وخالفوه هم الذين اشتغلوا بعلم الكلام ومن تأثر بهم، ولاحظوا أننا نقول: ومن تأثر بهم؛ لأن هناك أناس ربما تجدهم من المنتسبين لأهل السنة قد أصابتهم هذه اللوثة، لوثة علم الكلام، فبعض هؤلاء ما يقول: أول واجب: التوحيد،ولكن يقول: أول واجب: النظر، وبعضهم يقول: أول واجب: القصد إلى النظر، وبعضهم يقول لك: أول واجب: الشك -نسأل الله العافية- وهذه العبارات كلها سواء قيل: أول واجب: النظر، ومرة يقولون: أول واجب: المعرفة، ومرة يقولون: أول واجب: القصد إلى النظر، وآخرون يقولون: أول واجب: الشك.

لا نريد أن نُشْكِل عقول المشاهدين والمشاهدات في الدخول في مصطلحات كلامية؛ لكن الذي يهمنا أن نوضح العبارات ولو بشيء من الإيجاز والتقريب هم حينما يقولون: أول واجب النظر، ما معنى أول واجب النظر؟ مقصودهم النظر في الكون الذي يؤدي إلى إثبات أن الله -تعالى- هو الصانع، وأن العالم حادث، هذا باختصار شديد، معنى النظر، وكلمة القصد إلى النظر هو: الطريق إلى هذا النظر، فالقصد هو أشبه ما يكون بالوسيلة والطريق إلى النظر.

أما حينما يقول لك: أول واجب الشك، فمقصودهم -والله أعلم- أن الإنسان يبدأ من الشك وينتقل إلى اليقين بأن الله -تعالى- هو الصانع الخالق وأن الكون حادث، فهذا الكلام مردود؛ نقول لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال أول واجب التوحيد -كما سمعنا-: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) أما قضية أول واجب النظر وإثبات أن الله -تعالى- هو الصانع فهذا:

أولاً: خلاف الدليل.

الأمر الآخر: أن هذا تحصيل حاصل؛ لأنه معلوم أن الله -تعالى- هو الصانع ليس هناك شك، ومشركو العرب يقولون بذلك كما سيأتي معنا بعد قليل. إذن نخلص -أيها المشاهدون والمشاهدات- إلى أن أول واجب هو التوحيد، علينا أن نعتي به وأن نشتغل بالتفقه فيه، وهو كما أنه أول واجب هو آخر واجب، كيف آخر واجب؟ الشخص يطالب بذلك ويستحب له أن ينطق بالتوحيد عند احتضاره؛ ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) وفي الحديث الآخر قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.

لعل الكلام يكون في هذا واضح وبَيِّن، إذا كان هناك إشكال عند الإخوة، هل هناك استفسار أو سؤال؟ يقول: لا شك أنكم حينما تطرقتم إلى أهل الكلام ولا نقول علم الكلام كما تفضلت وبينت أنهم قد ضلوا في اعتمادهم على العقل دون النقل، فهل نقول فضيلة الشيخ أن العقيدة إنما تستمد من النقل فقط دون العقل؟ أم أنه قد يُجمع في استمدادها بين النقل والعقل؟.

الأمر الأول: أنه لا تعارض بين العقل والنقل.ليس هناك إشكال وهذا ما نعتقده وندين الله -تعالى-به، أنه لا تعارض بين العقل والنقل، فالعقل خلقه الله والنقل أنزله الله، ولا يمكن أن يتعارض ما خلقه الله -سبحانه وتعالى- مع ما أنزله الله -تعالى- من وحيه، ونجزم ونوقن بأن النقل الصحيح يتفق مع العقل الصحيح لا يمكن أن يتعارضا أبدًا.

الأمر الثاني: أن أهل الكلام لم يعظموا النصوص ولم يعطوا النصوص الشرعية حقها، بسبب أنهم أعرضوا عن نصوص الوحيين، وظنوا أن نصوص الكتاب والسنة مجرد أخبار، يعني مجرد أدلة خبرية ليس فيها أدلة عقلية، وهذا كلام فاسد ومردود.فالقرآن حافل وكذا السنة، سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- حافلة بالأدلة العقلية، كم من الأدلة العقلية في القرآن التي تقرر التوحيد أو النبوات أو اليوم الآخر، وهذه الأدلة بسطها مثلاً ابن القيم في "الصواعق المرسلة" ومن قبل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الرسالة التدمرية" ومثل ذلك مما نتكلم فيه جعل هذا الكلام قاعدة فقال شيخ الإسلام: «إن الكثير مما دل عليه النقل دل عليه العقل» فهذه قضية ينبغي أن نتنبه لها، أنه لا تعارض بين النصوص الشرعية وبين العقل إذا كان هذا العقل عقلاً صريحًا وليس مجرد ظن وتخرص.

والقرآن حافل بالأدلة العقلية، وسلفنا الصالح اعتنوا بالأدلة العقلية، فمثلاً الإمام أحمد بن حنبل كتب كتابًا اسمه "الرد على الزنادقة" وأورد الأدلة العقلية، الإمام عثمان بن سعيد الدارمي له كتاب في "الرد على بشر" وغيره وهو حافل بالأدلة العقلية، فبعض الناس للأسف يظنون أن أهل السنة لم يعتنوا بالعقل، هذا غير صحيح هم اعتنوا بالعقل وأعطوه حجمه دون إفراط أو تفريط.

يقول: حكم أهل السنة في أهل الكلام .

على كلٍ أولاً نحن نبدأ في موضوع المسألة التي سأل عنها أخونا فنقول: أهل السنة والجماعة -رحمة الله على أمواتهم وحفظ الله أحياءهم- أهل السنة هم يعلمون الحق ويرحمون الخلق، فأهل السنة يعلمون الحق ولا يضيعون الحق من باب التميع وتضييع دين الله، وفي نفس الوقت أيضًا لا يسيئون إلى الناس ولا يظلمونهم، فنحن نقول: علم الكلام لاشك أن له من الآثار السلبية والآثار الوخيمة ما له، فأهل الكلام أوقعوا أنفسهم في الشك والحيرة، بل إن الكلام أوقع بعضهم من الانسلاخ عن دين الإسلام؛ ولهذا قال الإمام أحمد أو غيره من الأئمة: إن أكثر الناس شكًا عند الموت أهل الكلام وهذا واقع، يعني أنهم عند الموت يصابون بالشك، ويقعون في الحيرة، فإذا كان هذا العلم يورث شكًا وحيرة ويورث قسوة القلب ويورث ترك العمل، وهذا نسينا أن نشير إليه أن السلف لماذا نهوا عن الكلام؟ الإمام مالك نهى عن الكلام؛ لأنه يقول: ليس فيه عمل، مجرد جدل عقلي، فإن قلتم وقلنا إلى آخر ما يسميه العلماء: "الفنقلة" (فإن قالوا قلن)، والسلف أرباب عمل وأرباب جد، أرباب اجتهاد في العبادة وأرباب تسليم، فعلم الكلام لا يسلم للنص الشرعي، وفي نفس الوقت أيضًا أصحاب جدل لا يعملون ولا يمتثلون بالسنة. فيبقى الكلام أن عبارة الإمام أحمد قال: «علماء الكلام زنادقة» يعني عندهم شيء من النفاق، لكن لا يمكن أن نطلق القول بتكفيرهم، فالتكفير كما هو معلوم هو حق الله -سبحانه وتعالى- لا نكفر إلا من تلبس بالكفر قولاً أو عملاً وقامت عليه الحجة، هذا بالنسبة للأعيان، لكن كوننا نقول: إن علم الكلام يورث نفاقًا يورث شكًا هذا أمر ظاهر؛ لكن الحكم على الأعيان -على أعيان المتكلمين- هذا يحتاج إلى هذين الأمرين:الأمر الأول: نجزم أن والله هذا الشخص تلبس بالكفر قولاً أو عملاً ودل الدليل على ذلك.

الأمر الثاني: هل قامت عليه الحجة؟ بمعنى اجتمعت الشروط فيه وانتفت الموانع. ومع هذا يحضرني عبارة جميلة أحب أن أذكرها في هذا المقام جاءت في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في ختام "الرسالة الحموية" لما تكلم وتحدث عن المتكلمين وانحرافهم في آخر الرسالة قال كلامًا جميلاً ما معناه، قال هذا لما ذكر ضلالهم قال: «وإذا نظرت إليهم بعين القدر: رحمتهم» هذه الرحمة ثم قال -رحمه الله-: «أوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدةً فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء» قال: أوتوا علومًا ولم يؤتوا فهومًا، أي نعم، أوتوا علماً ولم يؤتوا ذكاءً، ثم قال: «وأوتوا سمعًا وأبصارًا وأفئدةً فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء».

يقول: هل علم الكلام مكروه لذاته؟ أم أنه مكروه لما يعتري صاحبه من قوادح في العقيدة؟.

لا نريد أن نفصل، الفرق بيِّن، هو لا ينفك عن هذا، علم الكلام لا ينفك عن هذه الأمور، علم الكلام لا ينفك عن مخالفة نصوص الوحيين- انتبهوا يا إخوان- البعض يظن أن السلف نهو عن علم الكلام مجرد؛ لأن فيه مصطلحات جديدة، هذا غير صحيح، نحن نقول: «لا مشاحة في الاصطلاح» وإن كنا نوقن ونجزم أن المتعين الالتزام بالعبارات الشرعية الدينية، لكن ذم السلف للكلام ليس لمجرد المصطلحات فحسب، ليس هذا أمرًا جوهريًا إنما ذم علم الكلام؛ لاشتماله على الباطل؛ لأنهم خالفوا الدليل، خالفوا النصوص الشرعية، خالفوا عقائد أهل السنة والجماعة، فعلم الكلام هو مذموم؛ لأنه لا ينفك عن هذه الأمور، لا ينفك عن الشك، لا ينفك عن الحيرة، لا ينفك عن مخالفة النصوص الشرعية، المتكلمون يقولون هذا، جاء العقل والنقل تجده يقدم النقل عند التعارض كما يتوهمون، فعلم الكلام مذموم، علم الكلام مذموم لذاته، والمقصود بذاته أنه لا ينفك عن هذه الأمور التي أشرنا إليها.

المسألة السابعة: قصة لأبي حنيفة.

يبدو أيضًا أن هناك شيء نسيته وأحب أن أنبه عليه لما فرغنا من الحديث عن أول واجب في مسألة كان قد تحدث عنها ابن أبي العز الحنفي -رحمة الله عليه- أحب أن أنبه عليها؛ لأنه حصل فيها شيء من الإشكال وهي أنه ذكر قصة أبي حنيفة ممكن لعلك تقرأها يا شيخ، في المخطوطة عشرة قبل ما قرأت هذا، (ويحكى عن أبي حنيفة..).

قال ابن أبي العز -رحمه الله تعالى-: (ويحكى عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أن قومًا من أهل الكلام أرادوا البحث معه في تقرير توحيد الربوبية فقال لهم: أخبروني قبل أن نتكلم في هذه المسألة عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها وتعود بنفسها فترسي بنفسها وتتفرغ وترجع، كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، فقالوا: هذا محال، لا يمكن أبدًا، فقال لهم: إذا كان هذا محالاً في سفينة فكيف في هذا العالم كله علوه وسفله؟ وتحكى هذه الحكاية عن غير أبي حنيفة أيضً).

يعني هذه الحكاية التي أشار لها وذكرها ابن أبي العز -رحمه الله- في هذا المقام هي قصة مشهورة عن أبي حنيفة -رحمه الله- وعن غيره في تقرير توحيد الربوبية.

لكن الذي حصل يبدو أن هناك شيء من سبق قلم من الناسخ أو من المؤلف والله أعلم هنا قال: (ويحكى عن أبي حنيفة -رحمه الله- أن قومًا من أهل الكلام) لا.. ليس الأمر كذلك، وإنما هؤلاء قوم من الملاحدة، وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الدار لما ذكر القصة عن أبي حنيفة، وأيضًا ذكره الحافظ ابن كثير في بداية تفسيره فالمقصود أنه ينبه على هذا الخطأ اليسير، وأن الذين ناظرهم أو ناقشهم الإمام أبو حنيفة هم قوم من الملاحدة وليسوا من أهل الكلام؛ لأن أهل الكلام مقرون بأن الله -تعالى- هو الخالق، لا يجحدون ذلك ولا ينكرونه، لكن يبقى كلام أبي حنيفة -رحمة الله عليه- كلام يعني قوي وحجة ظاهرة أنه لا يمكن، فإذا كان لا يمكن لسفينة أن تحمل أزوادها وأثقالها وتنتقل من ضفة إلى ضفة دون قائد أو ملاح فكيف بهذا الكون الفسيح بسمائه وأرضه أن يكون قائمًا بلا خالق ولا صانع؟!! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

يقول: يا شيخ أريد أن أستفسر عن عبارة عن كلام الله عن القرآن يقول: "القرآن كلام الله القديم النفسي القائم بذاته" هل هذه العبارة صحيحة أم لا؟.

"كلام الله القديم النفسي القائم بذاته" هل هناك زيادة على هذا؟

أي نعم، هذه المقولة قال: "أن كلام الله قديم قائم بذاته"؟

هذه العبارة من الأقوال التي قالها بعض المتكلمين، وهم أنهم زعموا أن كلام الله صفة قائمة بذات الله يعني صفة ذاتية، وهذا كلام فاسد، فكلام الله -سبحانه وتعالى- هو صفة ذاتية فعلية، والمقصود أننا لما نقول صفة ذاتية فعلية أي أنه قديم النوع حادث الآحاد، والمقصود بكلمة قديم النوع أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكلام منذ الأذل -سبحانه وتعالى-، فله صفات الكمال والجلال، وإذا قلنا إنه "حادث الآحاد" فالمقصود بكلمة "حادث الآحاد" إن كلامه -سبحانه وتعالى- متعلق بمشيئته واختياره، أي نعم، مثل ما قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾[يس: 82]، فالعبارة هذه ليست صائبة وإنما هي عبارة مشهورة عن الأشاعرة، وأما مذهب أهل السنة فهم يقولون كلام الله صفة ذاتية فعلية، وأن كلام الله قديم النوع حادث الآحاد.

المسألة الثامنة: الحديث عن الضابط الدليل العقلي في الكتاب والسنة:

يقول: لدي سؤال هنا يتعلق بالمسألة أريد أن أورده لكم بارك الله فيكم: يقول: حبذا لو يتكرم الشيخ ببيان ضابط الدليل العقلي الوارد في القرآن والسنة؟. هو السؤال مُلح أو سؤال مهم لما يقول: أريد الحديث عن الضابط الدليل العقلي في الكتاب والسنة يعني الذي يمكن أن يقال في هذا المقام وأشرنا في الكلام السابق ولا نريد أن نعيده إلى أن القرآن حافل بالأدلة العقلية وكذا السنة، وأشرنا أيضًا إلى أنه لا تعارض بين النقل الصحيح وبين العقل الصريح.أما ما أشار السائل الكريم من قضية الضوابط في هذا فهنا يمكن أن نشير إلى جملة من الضوابط التي ذكرها أهل العلم:

أولاً: العقل لا يستقل بمعرفة تفاصيل مسائل الاعتقاد.

العقل لا يستقل، ما معنى لا يستقل؟ يعني العقل ليس دليلاً مستقلاً يستقل بمعرفة مسائل الاعتقاد، فالعقل وحده لا يمكن أن يثبت مثلاً صفة مثلاً الاستواء على العرش، ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] صفة الاستواء هذه مردها إلى الخبر، مردها إلى نصوص الوحيين، مثلاً قضية مثلاً أن هناك حوض للنبي -عليه الصلاة والسلام- هذا أمر لا يستقل عقل بإثباته فإذن نخلص من هذا أن العقل ليس وحده دليلاً كافيًا وليس دليلاً مستقلاً بإثبات مسائل الاعتقاد، وإنما هو يكون من باب الاعتضاد، لا من باب الاعتماد، هذا أمر.

ثانيًا: أنه عندما تتنازع العقول وهذا من الضوابط المهمة، عندما تتنازع العقول يأتي شخص يقول لك: العقل يقتضي إثبات هذه المسألة العقدية، يقول لك العقل يقتضي إثبات مثلاً هذه الصفة لله، ويأتي آخر العكس، يقول: العقل يقتضي استحالة إثبات هذه الصفة لله، يقول: العقل يقول هذه الصفة مستحيلة أن يوصف بها الله -سبحانه وتعالى-، هنا عندما تتنازع العقول وكل يرى أن عقله أولى من عقل صاحبه، عندما تتنازع العقول - أيها المشاهدون والمشاهدات- المرد إلى من؟! إلى نصوص الوحيين قال تعالى: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59]، عندما نتنازع واحد يقول لك والله إثبات الرؤية مستحيل، إثبات رؤية الله -تعالى- في اليوم الآخر، والآخر يقول لك: إثبات الرؤية دل عليها العقل، فكل يعني تنازعت العقول، المرد الوحي، المرد إلى قوله تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 22، 23]، المرد إلى الأحاديث المتواترة عنه -عليه الصلاة والسلام- في إثبات الرؤية، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر...) الحديث، أي نعم.

قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ولا شيء مثله)؟.

العبارة التي قرأها أخونا: (ولا شيء مثله) تلحظون أن العبارة هي نفي المثيل عن الله، (ولا شيء مثله) والدليل على هذا في قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، فالله تعالى لا مثيل له -سبحانه وتعالى-، نفي المثلية جاءت في هذه الآية جاءت في قوله تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65] هذا استفهام يراد به النفي، فالله تعالى لا سمي له -سبحانه وتعالى-، لا أحد يساميه -سبحانه وتعالى- أو يماثله، أيضًا جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4] الآيات تقرر أن الله -تعالى- لا مثيل له.

هذه الآية التي سمعناها ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ والتقدير لو أخذناها في التقدير، فتقدر:" ليس شيء مثله"، تلاحظ هنا قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ فالشيء ما محلها من الإعراب؟ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ هو اسم "ليس" والتقدير "ليس شيء مثله" فإذا كانت الجملة "ليس شيء مثله" يعني هذا تقديرها فالآية الكريمة تنفي تمثيل المخلوق بالخالق، وهذا هو الذي جاء به القرآن، ألا وهو نفي تمثيل المخلوق بالخالق.نعم هناك تمثيل آخر الذي هو ماذا؟

نقول: الأول: تمثيل المخلوق بالخالق، فيه تمثيل آخر الذي هو ماذا؟الثاني: تمثيل الخالق بالمخلوق، حتى تكون المسألة واضحة لمن يستمع ويشاهدها في هذه اللحظة نمثل نعطي مثالاً على كل منهما:تمثيل المخلوق بالخالق مثلاً الذي يذبح لغير الله هو الآن مثل من بمن؟ مثل المخلوق بالخالق، الذبح لله -سبحانه وتعالى- ما هو لأحد من الناس ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]، قال -عليه الصلاة والسلام-: (لعن الله من ذبح لغير الله) فهذا يعتبر من باب تمثيل المخلوق بالخالق، فالذين يصرفون العبادة لغير الله هؤلاء مثلوا المخلوق بالخالق، لكن تمثيل الخالق والمخلوق مثل ما قاله جملة من اليهود والنصارى لما زعموا أن لله ولد -تعالى الله عن ذلك-، فلما قالوا مثلاً المسيح ابن الله أو عزير ابن الله فهذا يعد ماذا؟ تمثيل الخالق بالمخلوق.التمثيل الذي نجد أن القرآن والسنة اشتغلا بنفيه ألا وهو تمثيل المخلوق بالخالق؛ لأنه أكثر وقوعًا، والآن تلحظ الذي يذبح لغير الله يعد ممثلًا؛ لأنه مثل مخلوق بالخالق، الذي يدعو غير الله في ما لا يقدر عليه إلا الله، الذي ينذر لغير الذي يصرف أي عبادة من العبادات التي هي لله تعالى وحده لا شريك له فليصرفها لغيره، هذا كله شرك ويعد ممثلًا؛ ولهذا قال ابن القيم -رحمه الله-: «هؤلاء هم المشبهة في الواقع» المشبهة هم الذين مثلوا المخلوق بالخالق، واضح هذا، تفضل يا أخي عندك سؤال. يقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ سمعت بعض الناس يذكرون الحديث: (خلق الله آدم على صورته) كيف نشرح هذا الحديث؟.ما فيه إشكال، كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- حق وصدق وكلامه وحي فقوله -عليه الصلاة والسلام-: (خلق الله آدم على صورته) يعني جاء ما يفسر هذه الرواية في بعض الروايات: (خلق الله آدم على صورة الرحمن) وجاء ما يبين هذا الكلام أو كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- في كلام الأئمة الكبار ومنهم خطيب أهل السنة ابن قتيبة -رحمه الله- وهو أن الله -تعالى- له صورة تليق به كما أن المخلوق له صورة تخصه، ولا يلزم من ذلك التمثيل، ولا يلزم من ذلك المشابهة من كل وجه، فالله -سبحانه وتعالى- ليس كمثله شيء، وإنما المراد: (إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) كما بين ابن قتيبة -رحمه الله- خطيب أهل السنة: أن الله -سبحانه وتعالى- له صورة فهو سميع بصير يوصف بالسمع والبصر وسائر صفات الكمال، وكذلك المخلوق له صورة وهذه الصورة لا تنفك عن أن له سمع وبصر، فكما أن المخلوق يوصف بالكلام والله -عز وجل- يوصف بالكلام، ولا يلزم من ذلك التمثيل فكذلك أيضًا الله -سبحانه وتعالى- له صورة تخصه ولا يلزم من ذلك أن تكون مماثلة لصورة المخلوق، واضح هذا؟ هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة. يقول: يسأل عن الفرق بين التمثيل والتشبيه؟ ويقول: لماذا ذكر التمثيل في القرآن؟ ولم يذكر التشبيه؟. هو على كل كنا نتحدث عنها لكن ما دام جاء السؤال الذي أنا أعرفه من كلام المحققين من أهل السنة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أنكم تلاحظون في النصوص التي مرت بنا أن القرآن نفى التمثيل، جاء نفي التمثيل ولم يأت نفي التشبيه، الآية الكريمة سمعناها: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾، وعلى كلٍ البعض من أهل العلم يرى أن التشبيه والتمثيل بمعنى واحد، والذي حققه شيخ الإسلام أن الأمر ليس كذلك وأن هناك فرق من جهة اللغة والشرع بين التمثيل والتشبيه، وعلى كلٍ المتعين علينا أن نلتزم بالعبارات الشرعية الدينية وأن نقول: أن الله -تعالى- لا شيء مثله؛ ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما ألف عقيدته الواسطية قال -رحمه الله- قال: «إني عدلت عن لفظ التشبيه إلى لفظ التمثيل؛ لأن لفظ التمثيل جاء القرآن بنفيه»، دون لفظ التشبيه، فالواجب علينا أن نلتزم بالعبارات الشرعية الدينية لفظًا ومعنى، هذا أمر.الأمر الآخر: أن هناك فرق بين التشبيه والتمثيل: من أهل العلم من يرى أن التمثيل هو المساواة من كل وجه، والتشبيه من وجوه دون وجوه، هذا قاله بعضهم- بعض أهل العلم-.والذي يهمنا في هذا أن نلتزم بالعبارات الشرعية الدينية وأن المشابهة يعني يمكن أن تكون بين الخالق والمخلوق فيما يسمى بالقدر المشترك وهذا لعلنا نتحدث عنه غدًا -إن شاء الله-، فهذا القدر المشترك لابد من إثباته، مثل ما سمعنا الآن، الله -سبحانه وتعالى- يوصف بالسمع والمخلوق يوصف بالسمع الله -تعالى- قال عن نفسه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ والمخلوق يسمى سميع بصير، قال -عز وجل-: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾ ثم قال تعالى ماذا؟ ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 1، 2]، فالمخلوق سميع بصير والله -عز وجل- سميع بصير لكن لا يلزم من ذلك التمثيل، نعم فيه قدر مشترك نعم أن المخلوق يسمع يعني يدرك المسموعات والله -سبحانه وتعالى- يسمع كل شيء لكن لا يلزم من ذلك التمثيل، أنت تسمع القريب لكن ما تسمع البعيد، أما الله -سبحانه وتعالى- فلا يخفى عليه شيء يسمع دبيب النملة في صخرة سوداء في ظلمة الليل -سبحانه وتعالى- وهذا سيأتي له حديث غدًا -إن شاء الله-. أسئلة الحلقة. السؤال الأول: ما الفرق بين التأويل والتحريف؟ السؤال الثاني: لم ذم السلف علم الكلام؟ نريد أن تذكر أو يذكر المشاهد والمشاهدة أن يذكروا ثلاثة أجوبة أو ثلاثة تعليلات لهذا؟


(http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Item&id=3380&lang=)

nary_jon
04-27-2008, 01:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس الثالث

قوله: "قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء"

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فنستأذن فضيلتكم باستعراض الحلقة الماضية:
إجابة أسئلة الحلقة الماضية
السؤال الأول: هل جملة كل نفي يتضمن إثبات الصفات صحيحة أم لا مع الدليل والتعليل؟
تقول: هذه قاعدة مهمة وصحيحة: أن كل نفي يأتي في صفات الله وفي الكتاب والسنة إنما هو لثبات كمال ضده، مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ [مريم: 64] فالآية نفت النسيان لله -عز وجل- وأثبتت كمال العلم له، والدليل من السنة قول حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الدجال حين قال: (إن ربكم ليس بأعور، وإن الدجال أعور العين اليمنى) فهنا نفى العور عن الله -جل وعلا- وإثبات لله -عز وجل- بأن له عينين.
الإجابة صحيحة.
هل إثبات القدر المشترك في باب الأسماء والصفات يستلزم تمثيلا؟ مع الدليل؟
كذلك أجاب الأخ الكريم: يقول: لا.. إثبات القدر المشترك في الأسماء والصفات لا يستلزم تمثيلاً، والدليل أن لله -سبحانه وتعالى- صفة السمع والبصر وهي الاسم العام أو القدر المشترك لكن الله -سبحانه وتعالى- له سمع وبصر يليق بجلاله وكماله وهو لا حدود له ولا نهاية، ولكن المخلوق الذي له أيضًا سمع وبصر أن سمعه وبصره قاصر ناقص لا يتعدى حدودًا بعينه.
نعم أيضًا إجابة الأخ الكريم إجابة صحيحة.
نشكر الإخوة الكرام الذين أجابوا عن السؤالين، ونبتدئ درسنا بإذن الله فضيلة الشيخ.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في العقيدة: (قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء).
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
قول الإمام أبي جعفر الطحاوي: (قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء) هذا الكلام الذي قرره الإمام الطحاوي من باب الإخبار عن الله -سبحانه وتعالى-، فهو -سبحانه وتعالى- هو الأول الذي ليس قبله شيء وهو -سبحانه وتعالى- هو الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن يبقى أن نشير إلى أن القديم، وكذا الدائم، أنهما وإن وردا في بعض الأحاديث، لكن الأحاديث التي ورد فيها اسم القديم أو اسم الدائم -الذي أعرفه- أنه لم يثبت عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، القديم جاء في حديث أخرجه ابن ماجه، والدائم جاء في حديث أخرجه الحاكم في المستدرك، لكنه لا يثبت عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وإنما الذي ثبت في القرآن والسنة هو الأول والآخر، فقد جاء ذلك في القرآن في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾ [الحديد: 3]، وجاء ذلك مفسرًا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) فلا شك أن الحديث الذي سمعناه في مسلم أنه -سبحانه وتعالى- هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، لاشك أن هذا هو أصح، وأيضًا من جهة أخرى هو أكمل وأتم من اسم القديم أو اسم الدائم، لكن أحب أن أشير وأن أذكر المشاهدين والمشاهدات وأذكر قبل ذلك الإخوة الفضلاء الذين يحضرون معنا في هذا الدرس أن الطحاوي -رحمه الله- قال ذلك من باب الإخبار، لعله قال ذلك من باب الإخبار، والعلماء -رحمة الله عليهم- أشاروا إلى أن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء، يعني لك أن تخبر وتقول: إن الله -تعالى- قديم، أو تقول: أن الله -تعالى- موجود -سبحانه وتعالى- أو تقول: إن الله -تعالى- شيء، أو تقول: إن الله -تعالى- ذات -سبحانه وتعالى-، لكن عندما تدعو الله -تعالى- أو عندما تعبد نفسك إنما يكون ذلك بأسماء الله الحسنى، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 108]، فالمقصود أن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء كما بين ذلك ابن القيم -رحمه الله- في "بدائع الفوائد" وأيضًا بينه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- في كتابه "الدرء" وأيضًا أشار إلى ذلك في "مجموع الفتاوى".
بعض الطلاب يؤكدون على ذكر الإحالات، شيخ الإسلام تحدث عن هذه المسألة الفرق بين باب الإخبار وباب الأسماء في "الدرء" الجزء الرابع صفحة مائة وأربعين، وفي "مجموع الفتاوى" السادس صفحة اثنتين وأربعين ومائة، وفي "مجموع الفتاوى" السادس في صفحة اثنتين وأربعين ومائة ذكر الشيخ -رحمه الله- الضابط في الإخبار، وقال: «أن تخبر باسم حسن أو باسم ليس بسيئ» فهذا هو باب الإخبار، فلك أن تخبر وتقول: أن الله -تعالى- موجود قديم لكن عند الدعاء وعند التعبد فإنما يكون بأسماء الله الحسنى، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
لكن يبقى معنا لفتة مهمة نشير إليها: أنه إذا كان من أسماءه -عز وجل- الأول والآخر فعندنا لفتة تربوية جميلة لابن القيم -رحمه الله- ذكرها في مطلع كتابه "طريق الهجرتين" لعلي أقرأ عليكم العبارة ثم يحصل بعض البيان، يقول ابن القيم -رحمة الله عليه- يقول: «فعبوديته -سبحانه وتعالى- باسمه الأول تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب أو الالتفات إليها» يقول الشخص إذا تعبد الله -تعالى- باسمه الأول ماذا يحصل؟ هذا الاسم الكريم من أسماء الله الحسنى "الأول" هذا يحقق عبادة، ما العبادة؟ وهو أن العبد لا يعلق قلبه بالأسباب، وإنما يستحضر ويوقن بفضل الله -سبحانه وتعالى- عليه، ثم ذكر العبودية الناشئة من اسمه الآخر فقال -رحمه الله-: «وعبوديته باسمه الآخر تقتضي عدم ركونه للأسباب» فأيضًا كذلك عندما الإنسان يستحضر أن الله -تعالى- هو الآخر الذي ليس بعده شيء فهذا يجعله أيضًا كذلك لا يعلق قلبه بالأسباب، وإنما يعلق قلبه بالله الذي لا يفنى ولا يبيد -سبحانه وتعالى-، وأؤكد في هذا المقام ما دام أننا تحدثنا عن كلام ابن القيم -رحمه الله- أؤكد على مسألة مهمة للغاية أيها المشاهدون والمشاهدات ألا وهي مسألة: التلازم بين الأسماء والصفات وبين التعطيل، وهذا وإن كان معلومًا عند البعض لكن قد يخفى البعض الآخر، هناك أيها الإخوة وأيتها الأخوات تلازم بين التعطيل وبين الشرك في العبادة، فالعبد كلما زاد إثباتًا للصفات، كلما زاد تحقيقًا لتوحيد العبادة والعكس، فالعبد إذا كان عنده تعطيل أو نفي لشيء من أسماء الله أو صفاته -عز وجل- فعنده من الشرك بقدر هذا التعطيل، وهذا ظاهر يعني أنت الآن لما تتأمل في أسماء الله تجد أن هذه الأسماء الحسنى له -عز وجل- تورث أنواعًا من العبادات.
مثلاً من أسماءه -سبحانه وتعالى- الصمد، والصمد هو الذي تصمد إليه الخلائق وتقصده، وهو -سبحانه وتعالى- هو الصمد الذي لا جوف له فإذا استصحب العبد أن الله -تعالى- هو الصمد الذي تصمد إليه الخلائق هذا يورث تعلقًا بالله ويورث سؤالاً وعبادة ودعاءً لله تعالى وحده لا شريك له.
من هذا المقام ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- أن سورة الفاتحة إذا نظرنا إلى الآيات الأولى نجد أن هذه الآيات وهي في أسماء الله وصفاته تورث جملة من العبادات، بل تورث أصول العبادات، أو ما يسميه شيخ الإسلام -رحمه الله- ابن تيمية ألا وهو: محركات القلوب، فعندما تقول: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2] هذا يحقق عبادة المحبة، الله -سبحانه وتعالى- هو الذي ربانا بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، وهذا يورد محبة الله -سبحانه وتعالى-، عندما تقول: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 3] وتستصحب أن الله -تعالى- رحمته وسعت كل شيء، هذا يورث الرجاء، فإذا الإنسان المسلم استصحب أن الله -تعالى- رحيم وأن رحمته وسعت كل شيء هذا يورث عبادة الرجاء وحسن الظن به -عز وجل-، فإذا قلت: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4] واستصحب العبد أن الله -تعالى- ملك الملوك لا مالك إلا هو -عز وجل- فهذا يورث عبادة الخوف والخشية لله -عز وجل-، هذا الأمر نؤكد عليه أيها الإخوة والأخوات ألا وهو: أن هناك تلازم بين التوحيد توحيد الأسماء والصفات وبين توحيد العبادة، وأيضًا أن على العبد المسلم أن يستصحب وأن يوقن أن لكل صفة من صفات الله -تعالى- عبودية كما بين ذلك ابن القيم -رحمه الله- في "مفتاح دار السعادة".
يقول ابن القيم -رحمه الله- يقول: "إذا علم العبد أن الله -تعالى- هو المتفرد بالنفع والضر والخلق والرزق فهذا يثمر عبادة التوكل"، إذا كان الله -تعالى- هو الذي بيده النفع والضر وحده لا بيد زيد ولا بيد عمرو فهذا يورث التوكل على الله، إذا علم العبد أن الله -تعالى- بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أمرنا فهو -سبحانه وتعالى- يعلم السر وأخفى، فإذا استصحب العبد أن الله -تعالى- بكل شيء عليم هذا يورث عبادة الحياء من الله -سبحانه وتعالى-، يورث الحياء والخشية منه -عز وجل-، هذا ما يمكن أن نقوله في هذه العبارة والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (لا يفنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد).
قوله -رحمه الله-: (لا يفنى ولا يبيد) هو تقرير للكلام السابق، فالله -سبحانه وتعالى- لا يفنى ولا يبيد، قال -عز وجل-: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88] فهو -سبحانه وتعالى- هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء.
المسألة الأخرى لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (ولا يكون إلا ما يريد) قوله -رحمه الله-: (لا يكون)أي لا يصير الشيء كائنًا متحققًا موجودًا إلا إذا أراد ذلك وشاءه، وقوله: (ولا يكون إلا ما يريد) أي: أن الشيء لا يكون موجودًا متحققًا واقعًا إلا إذا شاءه هو -عز وجل-، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
هنا أشار الشارح ابن أبي العز -رحمه الله- إلى أن قول الطحاوي: (ولا يكون إلا ما يريد) أن في ذلك رد على القدرية النفاة، فالقدرية النفاة الذين ينفون القدر يزعمون أن الله -سبحانه وتعالى- لم يرد أعمال العباد فيخرجون أعمال العباد من الطاعات ومن السيئات يخرجونها من ملكه -سبحانه وتعالى-، وهذا كلام فاسد وكلام مردود، والله -سبحانه وتعالى- لا يقع شيء في هذا الكون إلا بإرادته ومشيئته -عز وجل-، فالمقصود أن قول الطحاوي -رحمه الله-: (ولا يكون إلا ما يريد) رد على القدرية النفاة، الذين يخرجون أفعال العباد عن ملكه -سبحانه وتعالى-.
الأمر الثاني الذي نحب أن نؤكد عليه ونقرره في هذا الدرس: أن إرادة الله -عز وجل- على قسمين:
- هناك إرادة كونية قدرية.
- هناك إرادة شرعية دينية.
الإرادة الكونية القدرية: هي مشيئته -سبحانه وتعالى-، الإرادة الكونية هي ما شاءه الله وقدره، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، هذه الإرادة الكونية القدرية هي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ [البروج: 16].
والإرادة الشرعية الدينية: هي ما يحبه الله ويرضاه مثل ما جاء في مثل قوله -عز وجل-: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾ [البقرة: 185] أي: يحب ذلك، فينبغي أن نميز بين هذا وذاك، فمثلًا المعاصي والكفر الذي يقع في الأرض هذا لا يحبه الله -سبحانه وتعالى-، قال -عز وجل-: ﴿ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾ [الزمر: 7] وقال تعالى: ﴿ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205] وأي فساد أعظم من الكفر بالله -سبحانه وتعالى-؟! لكن هذا الكفر الذي لا يحبه الله ولا يرضاه هو واقع بمشيئته وتقديره -سبحانه وتعالى-، لا يخرج شيء عن تقديره -عز وجل-، فينبغي أن نميز بين الإرادة الكونية القدرية وبين الإرادة الشرعية الدينية، لعل المسألة واضحة؟
هل يمكن أن تجتمع في الأمر الإرادتان؟ نعم.
طيب إذا قلت: نعم اذكر مثالًا أو توضيحًا؟
نقول: نعم يمكن ذلك من خلال مثلاً نحن الآن صلينا العصر قبل قليل فالشخص الذي صلى العصر أدى صلاة العصر وفرغ منها نقول: إن هذا أمر شاءه الله أو لم يشاءه؟ شاءه الله، ويحبه أم لا يحبه؟ جزمًا أن الله -تعالى- يحبه، فهذا مما اجتمعت فيه الإرادتان، فما يفعله العباد من الطاعات، ما فعلوه وأدوه من الطاعات اجتمعت فيه الإرادتان: الأمر الأول: أن الله -تعالى- شاء ذلك، والأمر الثاني: أن ذلك يحبه الله ويرضاه.
يقول: مقولة الإمام الطحاوي لا شك أنها مقولة عظيمة (ولا يكون إلا ما يريد) لكن اشتهرت المقولة عن المعتزلة يا شيخ وهي: أن الله قادر على ما يريد، فلو سألنا يا شيخ ما مدى صحة هذه العبارة؟ قولهم: إن الله قادر على ما يريد؟.
يعني إذا كان المعتزلة يقولون هذه العبارة: إن الله قادر على ما يريد، فالمعتزلة لا يثبتون الإرادة الكونية القدرية، مصيبة القدرية وكذا أيضًا مصيبة الجبرية في الطرف الآخر أنهم لم يثبتوا الفرق بين الإرادة الكونية وبين الإرادة الشرعية الدينية، فالقدرية النفاة يزعمون أن كل ما يقع في الكون هذا يريده الله بمعنى يحبه، فإذا جاء الكفر والمعاصي قالوا: هذه لا يحبها الله، فقالوا: ما دام أن الله -تعالى- لا يحبها إذن لم يشأها، الجبرية قالوا في الطرف المقابل: هذه المعاصي هي بتقدير الله، وما دام أنها بتقدير الله فهي ماذا؟ إذن يحبها الله، وتعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فنحن إذا أخذنا الحق الموجود عند القدرية النفاة والحق الموجود عند الجبرية الذين غلو في إثبات القدر ظهر لنا الحق: وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فالعبارة التي ذكرتها عن المعتزلة عبارة موهمة؛ لأنهم لا يجعلون الإرادة هي ما يحبه الله ويرضاه؛ ولهذا أخرجوا أفعال العباد عن ملكه -سبحانه وتعالى-، ونحن نرد عليهم بمثل قوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16] الله -تعالى- خالق كل شيء بما في ذلك أفعال العباد والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام).
هنا لما قال -رحمه الله- في وصف الله -سبحانه وتعالى-: (لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام) هنا (لا تبلغه الأوهام) يعني المقصود من هذه العبارة أنه -عز وجل- لا يُظن أن صفاته على هيئة كذا وكذا، فكلامه -رحمه الله- لما يقول: (لا تبلغه -عز وجل- الأوهام) أي أنه -سبحانه وتعالى- لا يحاط به، أيضًا كذلك لما قال: (ولا تدركه الأفهام) قد مر بنا أن الإدراك هو الإحاطة، فمعنى العبارة، أي: لا تحيط به العقول -عز وجل- مثل ما مر بنا في قوله تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103] -سبحانه وتعالى- المقصود من هذه العبارة أو من هذا التقرير للإمام الطحاوي -رحمه الله- بيان أنه -سبحانه وتعالى- أن عظمته فوق ما يخطر في البال أو يدور في الخيال؛ ولهذا نجد أن العلماء يؤكدون على هذا المعنى، وفي هذا المقام يقول ابن قدامة -رحمه الله- في حقه -عز وجل- يقول: «لا تمثله العقول بالتفكير ولا القلوب بالتصوير ليس كمثله شيء وهو السميع البصير» فعظمة الله -تعالى- فوق ما يخطر في البال، وهنا نؤكد لمن يستمع إلينا ويشاهد هذا البرنامج أن بعض الناس أحيانًا قد ينقدح في أذهانهم أن الله -تعالى- على كيفية كذا وكذا، ألا فليوقن الجميع ولنوقن جميعًا أن الله -سبحانه وتعالى- فوق ما يخطر في البال، أو يدور في الخيال فمهما تصور العبد أن الذات الإلهية على كذا وكذا فالله -سبحانه وتعالى- فوق ذلك قال -عز وجل-: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: 76]، لعل الكلام في هذا يكون واضحًا بينًا، نقرأ العبارة التي تليها.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا يشبه الأنام).
هنا يقول الإمام الطحاوي -رحمه الله- في حق الله -سبحانه وتعالى-: (ولا يشبه الأنام)، قد مر بنا أيها الإخوة الكرام قوله: (ولا شيء مثله) فهنا لما قال -رحمه الله-: (ولا يشبه الأنام) إذا أثبتنا العبارة كما قرر ذلك الطحاوي واعتمده في شرحه، فالعبارة هنا كما سمعنا من أخينا الشيخ عبد الرحمن هنا قال الطحاوي (ولا يشبه الأنام) والمعنى: ولا يشبه الله الأنام، فهذه العبارة فيها تقرير نفي تشبيه الخالق بالمخلوق، وأما العبارة التي مرت بنا في أول درس وهي قوله: (ولا شيء مثله) ففيها تقرير نفي تشبيه المخلوق بالخالق، إذن الطحاوي -رحمه الله- نفى ابتداءً تشبيه المخلوق بالخالق؛ ولعله بدأ به لأنه أكثر وقوعًا ثم ثنى بنفي تشبيه الخالق بالمخلوق، هذا الذي يبدو من هذه العبارة.
لكن في بعض نسخ الطحاوية جاءت العبارة: (ولا يشبهه الأنام) هذه عبارة جاءت في بعض النسخ الخطية لهذه العقيدة، وإذا أثبتناها كما جاءت بهذا اللفظ (ولا يشبهه الأنام) فيكون هذا من باب نفي تشبيه المخلوق بالخالق، يعني يكون هذا تأكيد للعبارة السابقة، وعلى كلٍ الأمر محتمل، وسواءً نفينا التشبيه بنوعيه فهذا جيد وسواءً أكدنا على نفي التشبيه الأول؛ لأنه أكثر وقوعًا فهذا حسن، والأمر في هذا يسير، لكن كان الأدق أن تكون العبارة: (ولا يماثل الأنام) يعني لو أن العبارة جاءت هكذا: (ولا يماثل الأنام) لكان هذا أدق وموجب بذلك ما قد مر بنا أن التمثيل جاء القرآن بنفيه، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11] وأما التشبيه ففيه من التفصيل والإجمال ما فيه، ولا شك أن موافقة نصوص الوحيين لفظًا ومعنًى لا شك أن هذا أتم وأدق، هذا الذي يمكن أن يقال عند هذه العبارة والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (حي لا يموت، قيوم لا ينام).
لعلي أستأذنك يا شيخ عبد الرحمن وأشير قبل أن ندخل في بعض التفاصيل لهذه العبارات أن كان بودي أن أذكر بعض التقاسيم المهمة والتقاسيم هذه تضبط هذا الموضوع الجليل وهو موضوع صفات الله -سبحانه وتعالى-، قبل أن نتحدث عن هذه العبارة (حي لا يموت، قيوم لا ينام) -سبحانه وتعالى-، أحب أن أعطي بعض التقاسيم في باب صفات الله -سبحانه وتعالى- وعلى سبيل الإيجاز، فأقول مستعينًا بالله -سبحانه وتعالى-:
صفات الله -سبحانه وتعالى- تنقسم باعتبار أدلتها إلى قسمين:
القسم الأول: صفات تثبت بالنقل والعقل، يعني تثبت بالدليل النقلي والدليل العقلي.
القسم الآخر: صفات تثبت بالنقل، تثبت بالدليل السمعي، تثبت بالوحي في القرآن أو بالسنة، وبالمثال يتضح المقال.
ما الصفات؟ أو نذكر أمثلة على الصفات التي تثبت بالنقل والعقل، منها صفة العلم وهذا سيمر بنا -إن شاء الله- فالعلم نثبته بالنقل وبالعقل، قال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ [الأنعام: 59] ﴿ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنفال: 75] وأيضًا صفة العلو لله -سبحانه وتعالى- فالعلو أثبته أهل السنة بالأدلة المتواترة من الكتاب والسنة، وأيضًا أثبتوه بالعقل.
أما القسم الآخر: فهي الصفات التي تثبت بالنقل فحسب، مثل: الاستواء على العرش، فما يتعلق بالاستواء وما يتعلق بالعرش هذا من الغيب الذي لا يمكن أن نثبته إلا بالدليل السمعي.
طيب فرغنا من هذا التقسيم، ننتقل إلى تقسيم آخر، فنقول:
صفات الله -سبحانه وتعالى- تنقسم باعتبار إثباتها أو نفيها إلى قسمين:
القسم الأول: صفات ثبوتية. والصفات الثبوتية هي الصفات التي تثبت لله -سبحانه وتعالى-، وهذا واضح يعني لما نقول: العلم القدرة السمع البصر الحياة كلها صفات تثبت لله -عز وجل-.
القسم الآخر: وهي الصفات السلبية. والصفات السلبية هي الصفات التي تُنفى عن الله -سبحانه وتعالى- مثل النوم ومثل الموت والعجز والنسيان في مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾ هذا ما يتعلق بالصفات المنفية عن الله -سبحانه وتعالى-، فالصفات المنفية أو السلبية هي الصفات العيب والنقص التي يجب أن تنفى عن الله -عز وجل-.
الصفات الثبوتية التي تثبت لله تنقسم باعتبار تعلقها بالله إلى قسمين:
القسم الأول: الصفات الذاتية، وهي الصفات الملازمة لله -سبحانه وتعالى- أزلاً وأبدًا، أزلاً فيما مضى وأبدًا فيما يستقبل، هذه يسميها العلماء الصفات الذاتية، وبالمثال يتضح، مثل صفة العلو، الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالعلو أزلاً وأبدًا -عز وجل- وهو العلي العظيم، مثل صفة العلم -سبحانه وتعالى- صفة العلم له -سبحانه وتعالى- مثل صفة السمع والبصر ونحو ذلك.
القسم الآخر: صفات الأفعال، هذه الأفعال التي نحب أن نشير إليها وأن نذكر معناها هي صفات قائمة بذات الله، متعلقة بمشيئته وإرادته، انتبهوا جيدًا، فهذه الصفات تجمع بين الأمرين أنها صفات قائمة بذات الله، وفي نفس الوقت هي متعلقة بمشيئته وإرادته، هذه الصفات الفعلية يطلق عليها العلماء أو بعض المحققين يقولون عنها: أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، ما معنى قديمة النوع؟ أي: أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بها منذ الأزل، حادثة الآحاد أي: أن أفرادها متعلق بمشيئته واختياره.
ونمثل على ذلك مثلاً صفة الكلام له -عز وجل- فالله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكلام منذ الأزل بمعنى أنه موصوف بالكمال، ومن الكمال أنه -سبحانه وتعالى- يتكلم، ﴿ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164] لكن أفراد كلامه متعلق بمشيئته واختياره، هذا المقصود بهذه العبارة ولعلي أبين أن من العلماء الذين حرروا هذه المسألة -قضية الصفات الأفعال- شيخ الإسلام -رحمه الله- ابن تيمية في بداية كتابة "درء تعارض العقل والنقل" الجزء الثاني، وممن حررها من المعاصرين تحريرًا بينًا بليغًا العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمة الله عليه- في كتاب له صدر أخيرًا بعنوان "الأجوبة السعدية عن المسائل الكويتية"، وأيضًا ممن حرر هذه المسألة الشيخ العلامة عبد الرحمن البراك في شرحه على "الرسالة التدمرية".
أفعال الله -عز وجل- منها اللازم ومنها المتعدي، فإن أفعال الله منها اللازم ومنها المتعدي، اللازم يعني مثل الاستواء على العرش أو النزول، أما الأفعال المتعدية التي تتعدى إلى الغير، تتعدى إلى المخلوق، فمثل صفة الرحمة وصفة الرضا أو صفة السخط أو صفة الغضب، أنا أعلم أن التقاسيم هذه كثيرة وقد تكون متشعبة؛ ولذلك أنا أوجزها مرة أخرى فأقول:
أولاً نقول: تنقسم صفات الله في باعتبار أدلتها إلى قسمين:
أولاً: صفات تثبت بالنقل والعقل.
ثانيًا: صفات تثبت بالنقل.
ثم نقول: صفات الله تنقسم باعتبار ثبوتها أو نفيها إلى قسمين:
- صفات ثبوتية تثبت لله.
- صفات سلبية تُنفى عن الله.
ثم قلنا هذه الصفات الثبوتية تنقسم باعتبار تعلقها بالله إلى قسمين:
- الأول: صفات ذاتية.
- الثاني: صفات فعلية.
وقلنا في الصفات الفعلية: أنها قديمة النوع حادثة الآحاد أي أنها قائمة بذات الله لكن أفرادها متعلق بمشيئته واختياره.
ثم قلنا عن أفعال الله أن هذه الأفعال على نوعين:
- منها أفعال لازمة كالنزول والاستواء على العرش.
- منها ما هو متعدٍ كصفة الخلق أو صفة الغضب أو صفة السخط.
العبارة التي سمعناها من كلام الطحاوي -رحمه الله-: (حي لا يموت قيوم لا ينام) يبدو أن الكلام فيها واضح، لكن الذي يهمنا في كلمة (قيوم) قيوم معناها: أنه -سبحانه وتعالى- هو القائم بنفسه -عز وجل- وهو -سبحانه وتعالى- المقيم لغيره، فهو قائم بنفسه -سبحانه وتعالى- وأيضًا هو المقيم بخلقه بتدبيرهم ورزقهم وسائر أمورهم، كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ [الرعد: 33]، فهذا هو اسمه -سبحانه وتعالى- القيوم.
كان أيضًا أود أن نشير إلى مسألة ذكرها الشارح في هذا المقام، وهي مسألة القياس:
القياس الذي يستعمل في حق الله -سبحانه وتعالى- وهذه مسألة مهمة تفيدنا في فهم موضوع الأسماء والصفات، وإيصالها إلى الناشئة والأجيال التي تريد أن تتعلم في باب الصفات، قياس الأولى هو قياس جاء به الكتاب والسنة، واستعمله السلف، منهم الإمام أحمد -رحمه الله- الإمام أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة، ومنهم الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية.
هذا القياس خلاصته أن نقول ما يلي: كل صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجود وصف بها المخلوق فالله تعالى أحق وأولى بها، وكل صفة نقص تنزه عنها المخلوق فالله -سبحانه وتعالى- أحق وأولى بالتنزه عنها، وبالمثال يتضح المقال، فمثلاً عندك صفة العلم صفة كمال صفة القدرة، فإذا كان المخلوق يوصف بالعلم والقدرة فوصف الخالق بالعلم والقدرة من باب أولى وأحق بها -سبحانه وتعالى-، وأما صفة النقص التي تنزه عنها المخلوق صفة الجهل صفة العجز، فإذا كان المخلوق يعد ذلك عيبًا ونقصًا في حقه فذلك النقص والعيب في حق الله من باب أولى وأحرى.
ولاحظ هنا العلماء قالوا: كل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، أو أحيانًا يقولون: كل كمال مطلق، فهذا الكمال لابد ألا يكون فيه نقص أو يكون كمالًا مطلقًا، فإذا قلنا: كمال مطلق أو قلنا: لا نقص فيه بوجه من الوجوه يخرج الكمال النسبي، أي: ما يكون كمالاً في حق المخلوق، مثل الولادة، كون الشخص يولد له يعني كون الرجل يولد له أو كون الرجل يولد له أو تلك المرأة وليس عقيمًا فلا شك أن هذه الولادة تعد كمالاً لكن هذه الولادة في حق الله نقص، والله -سبحانه وتعالى- نفى ذلك عن نفسه قال -عز وجل-: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 3]، والجن قالوا: ﴿ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا ﴾ [الجن: 3] فالولادة كمال في حقك في حقنا نحن معشر البشر، لكنها في حق الله -سبحانه وتعالى- نقص وعيب، فهذا كمال نسبي، ليس كمالاً مطلقًا، الشخص يحتاج إلى الولد أما الله -سبحانه وتعالى- فهو الغني عن العالمين.
أيضًا أمر آخر هناك صفات هي كمال في حق الله، لكنها نقص في حق العبد، فلو أن العبد اتصف بالكبرياء أو بالجبروت هذا نقص، لكنها كمال في حق الله، يقول الله -تعالى- في الحديث القدسي: (العظمة إزاري، والكبرياء ردائي) ومن أسمائه -سبحانه وتعالى- "الجبار، المتكبر" -سبحانه وتعالى-.
يقول: نقول: بالنسبة لأفعال الله نسميها قديمة أم حادثة؟.
قلنا هذا وذاك، نقول: عن هذه الأفعال عن أفعاله -عز وجل- أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، ومعنى لما نقول: قديمة النوع أي: أن الله -سبحانه وتعالى- أن هذه الأفعال قائمة بذاتها، لا نقول عن هذه الأفعال مخلوقة، كما قالت المعتزلة وإنما نقول: هذه الأفعال قائمة بذاته -عز وجل-، وإذا قلنا: حادثة الآحاد: المراد من ذلك لا يفهم حادث أنها مخلوقة تعالى الله عن ذلك، وإنما المقصود بحادثة أي أن ذلك متعلق بمشيئته واختياره، مثل ما قال تعالى: ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]، مثل ما قال تعالى: ﴿ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ ﴾ [الأنبياء: 2]، والله أعلم.
يقول: ما الفرق بين الصفات والأفعال؟ يقول: هل باب الأفعال أوسع من باب الصفات؟.
والله أنا الذي أعرفه أن الأسماء أخص والصفات أعم والأفعال أعم من الصفات، والعلماء يقولون: أن الاسم يشتق منه صفة ولا عكس، فنحن إذا قلنا من أسماءه -سبحانه وتعالى- العزيز فمن صفاته العزة، وإذا قلنا: من أسماءه الرحيم فمن صفاته الرحمة، لكن لا نشتق من الصفة اسمًا، ما يأتي واحد يقول: ما دام من صفات الله -تعالى- الكلام ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ [التوبة: 6]، فلا يأتي شخص يقول: من أسماء الله -تعالى- المتكلم.
وكذا أيضًا الأفعال ما يأتي واحد يقول: ما دام أن من أفعال الله -تعالى- الاستواء ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، فيشتق من ذلك أن من أسماءه المستوي، فالمقصود أن الأسماء أخص والصفات أعم من الأسماء والأفعال أعم من الصفات والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (خالق بلا حاجة رازق بلا مئونة).
هنا في قوله: (خالق بلا حاجة رازق بلا مئونة) لا نقف عند هذا كثيرًا؛ لأن الأمر في هذا واضح، فهو -سبحانه وتعالى- (خالق بلا حاجة) قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴾ [الذاريات: 56، 57]، فالله -سبحانه وتعالى- ليس محتاجًا للخلق، فهو خالق بلا حاجة، وهو أيضًا -سبحانه وتعالى- (رازق بلا مئونة) أي: بلا تعب وبلا كلفة وبلا مشقة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله -تعالى- يقول: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً.... فلو اجتمع أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيء، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) فخزائن الله ملئا، وكما قال -عليه الصلاة والسلام-: (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار) وهو -سبحانه وتعالى- (خالق بلا حاجة ورازق بلا مئونة) أي: بلا كلفة ولا مشقة.
قال -رحمه الله تعالى-: (مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة).
يعني هنا في قوله: (مميت بلا مخافة) يعني لها صلة بما قبلها، فكما أنه -سبحانه وتعالى- هو الموجد والخالق بلا احتياج فأيضًا هو -سبحانه وتعالى- هو المميت، بلا مخافة، ولا شك أن هذا من كماله -سبحانه وتعالى-، لما يقول الطحاوي -رحمه الله-: (أنه مميت بلا مخافة) هذا دليل على تفرده -سبحانه وتعالى- بالعز والبقاء -سبحانه وتعالى-، وقوله هنا: (باعث بلا مشقة) فأيضًا هو -سبحانه وتعالى- عندما يبعث الخلائق عند القيامة الكبرى فهذا البعث بلا مشقة، قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]، وقال -عز وجل-: ﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ [لقمان: 28] قال -عز وجل-: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ق: 15] فقوله تعالى: ﴿ أَفَعَيِينَ﴾؟ هنا هذا استفهام يراد به النفي أي: أنه -سبحانه وتعالى- لا يعتريه العجز، فالآية نقت العي عنه -سبحانه وتعالى- وهو العجز، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
قال -رحمه الله تعالى-: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه، لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته، وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديً).
هنا الطحاوي -رحمه الله- يقول: (ما زال بصفاته) لاحظ هنا قال: (ما زال بصفاته) طيب لو قال: "ما زال وصفاته" المعنى واحد؟ طيب فيه إشكال في هذا؟ هنا الإمام الطحاوي قال: (ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه)؟ نعم.
الإتيان بالواو يكون المعنى التفريق بين الله -سبحانه وتعالى- وصفاته يعني يكون الصفة شيء والله -سبحانه وتعالى- شيء آخر.
يعني هذا الإشكال؟
نعم.
نعم أحسنت، مثل ما قال أخونا فعلًا يعني هنا لما قال الطحاوي لاحظ عبارات العلماء دقيقة، قال: (ما زال) أي ما زال الله -سبحانه وتعالى- (بصفاته قديمً) لاحظ هنا قال: (ما زال بصفاته) ولم يقل -رحمه الله-: "ما زال وصفاته"؛ لأنه لو قال: "ما زال وصفاته" فالعطف بالواو قد يشعر بالمغايرة بين الله وبين صفاته والأمر ليس كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- إذا قلنا الله فالمراد به هذه الذات الموصوفة بالصفات والأفعال اللائقة به -سبحانه وتعالى-، هذا المعنى الذي قرره الطحاوي أشار له من قبل الإمام المبجل أحمد بن حنبل -رحمه الله- عندما كان يقول: «كان الله بصفاته»، الإمام أحمد يقول: «كان الله بصفاته» يقول: «ولا نقل: كان الله وصفاته»؛ لأن العطف بالواو قد يشعر أو قد يوهم بالمغايرة بين الله أو بين ذات الله -سبحانه وتعالى- وبين صفاته.
هذه العبارة التي استمعنا إليها في وصف الله -سبحانه وتعالى- (ما زال الله بصفاته قديمًا قبل خلقه لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفاته، وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديً) المقصود من هذا التقرير: أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بصفات الكمال، سواء صفات الذات أو صفات الأفعال منذ الأزل، فهو موصوف بالكمال منذ الأزل، فلا يظن ظان أن الله -سبحانه وتعالى- حدث له وصف وكان من قبل معطلًا عن هذا الوصف أبدًا، فالله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكمال منذ الأزل، ومراد الطحاوي -رحمه الله- من هذا التقرير أن يبين لنا ولكم أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكمال منذ الأزل، سواءً بصفات الذات أو بصفات الأفعال، ولا يرد -انتبهوا- ولا يرد على هذا ما يتعلق بصفات الأفعال؛ لأنه سبق وأن مر بنا أن أفعال الله -سبحانه وتعالى- أنها قديمة النوع حادثة الآحاد، فهو -سبحانه وتعالى- موصوف بالكمال منذ الأزل كما بينًا ذلك مثلاً في مسألة الكلام الإلهي، هو موصوف بالكلام منذ الأزل، أما أفراد كلامه فهو متعلق بمشيئته واختياره، أي نعم.
يقول: هل يجوز أن نقول: غدًا نأتي عندكم بمشيئة الله أو بإرادة الله أو أن هذه الزيارة التي قمت بها إليك جاءت بمشيئة الله؟ هل تجوز هذه العبارة؟.
عندما نقول: إن شاء الله فيكون هذا فيما يستقبل، يعني مثلاً سأزورك غدًا إن شاء الله هذا هو المشروع أن نقول، لكن في شيء في الماضي، هذا الذي يفهم من تقريرات لابن تيمية مثلاً تقول: زرنا فلان بالأمس بمشيئة الله، لكن إذا جاء إن شاء الله فهذا فيما يستقبل، فالقصد أنه إذا كان شيء فيما يستقبل فيقال: إن شاء الله، يقول: سأزورك غدًا إن شاء الله، شيء وقع يقول: والله أنا ذهبت إلى فلان بالأمس بمشيئة الله، فهذا شيء وقع فلا إشكال تقول: بمشيئة الله، لكن ما يأتي شخص ويتحذلق ويقول: زرنا فلان بالأمس إن شاء الله، لا هذا ليس كذلك، وهذا قد يقع فيه أحيانًا بعض الناس يقول عن شيء قد وقع ومضى أو شيء متحقق ومشاهد يقول: هذا كذا إن شاء الله، مثلاً يقول: هذه طاولة إن شاء الله، هذا لغو هي طاولة أمامنا نراها بأعيننا، فإنما يقال إن شاء الله فيما يستقبل والله أعلم.
يقول: هل الجميل من أسماء الله أو صفاته؟ وهل يجوز أن يسمى أحد بعبد الجميل؟.
والله هو ورد في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله جميل يحب الجمال) هذا الذي ورد، لكن هل يتعبد به ما عندي جواب في هذا، هل يعني يتعبد ويسمي نفسه عبد الجميل؟ لا أدري!!
تقول: أحب أن أسأل عن اسم الله الأعظم؟.
يعني اسم الله الأعظم فيه كلام طويل لأهل العلم منهم من يرى أن اسم الله الأعظم كما مر بنا في هذا الكتاب أن اسم الله الأعظم هو "الحي القيوم" بناء على حديث أبي أمامة الذي ورد: أن اسم الله الأعظم هو في هذه السور الثلاث: البقرة، وآل عمران، وطه، فالعلماء قالوا: أن الاسم الذي ذُكر في هذه السور الثلاث البقرة وآل عمران وطه هو "الحي القيوم" وبعضهم يقول: أن "الحي القيوم" هو اسم الله الأعظم، ومنهم من يقول: أن كل اسم من أسماء الله هو يعد اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، والكلام في المسألة طويل، والله أعلم بالقول الراجح في هذه المسألة، لكن هذه من أشهر الأقوال التي قيلت في هذه المسألة والله أعلم.
يقول: الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الدينية إرادتان تجتمعان في حق من؟ وتتفرقان في حق من؟.
يعني نحن قلنا: أنهما تجتمع الإرادة الكونية والشرعية في حق العبادة التي نؤديها، فالعبادة التي نؤديها تجتمع فيها الإرادتان، وقد تفترقان، يعني مثلاً شخص ما صلى العصر لم يؤدي صلاة العصر فكون فلان ما صلى العصر لم يؤدي صلاة العصر فهذا بإرادة الله الكونية أليس كذلك؟ بمشيئته، لكن هل الله -سبحانه وتعالى- يحب ذلك؟ لا يريده شرعًا ولا دينًا، واضح؟ وقد تجتمع الإرادتان، أو قد يتحقق أحدهما دون الآخر.
عندي هنا في المسألة التي تحدثنا عنها قبل قليل وهي مسألة: أزلية صفات الله، قلنا: إن مقصود الطحاوي أن يقرر لنا ولكم أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بصفات الكمال منذ الأزل، وأن مراده في ذلك الرد على من زعم أن الله -تعالى- حدثت له صفات، وهذه الصفات كان معطلاً عنها قبل، فهذه ينبغي أن يكون واضحًا جليًا، أن المراد هنا أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكمال منذ الأزل، وأن صفات الأفعال لا توهم أنه كان معطل عنها كما يظن البعض أبدًا، وإنما هو موصوف بالكمال منذ الأزل، لكن أفراد أفعاله متعلق بمشيئته واختياره، ودائمًا نحن نؤكد على مسألة الكلام لله؛ لأنها فعلاً من المسائل التي وقع فيها الخوض، وكما قال العلماء: مسألة الكلام حيرت الأنام، فنحن نذكر مسألة الكلام من باب التوضيح، قلنا لكم: الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكلام منذ الأزل، هو يتكلم متى شاء -سبحانه وتعالى-، فإذا تكلم -سبحانه وتعالى- لا يعني أنه كان معطل عن الكلام ثم تكلم، ومن باب التمثيل ومن باب التقريب -ولله المثل الأعلى- مثل أنت الآن أنتم أيها الإخوة الذين تشاهدون أنت الآن تنصت إلي، أنتم أيها الطلاب، فإذا تكلمت لا يقول أحد أنك كنت أخرس ثم صرت متكلمًا، وإنما كنت متكلمًا بالقوة ثم صرت متكلمًا بالفعل الآن، فهذا المقصود من هذا الكلام والله أعلم.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: هل القديم من أسماء الله الحسنى؟ مع التعليل؟
السؤال الثاني: ما قياس الأولى في باب صفات الله -سبحانه وتعالى-؟




(http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Item&id=3377&lang=#top)

nary_jon
04-27-2008, 01:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الرابع : قوله: «ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق»

الدرس الرابع

قوله: «ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق»
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد:

كنتم قد طرحتم سؤالين في نهاية الحلقة الماضية فإن أردتم أن نستعرض بعض الأجوبة:

كان السؤال الأول يقول: هل القديم من أسماء الله الحسنى؟ مع التعليل؟

أجابت الأخت الكريمة بقولها: إن القديم ليس من أسماء الله الحسنى، بل ما ثبت في الكتاب والسنة قول الله تعالى: ﴿ هُوَ الأوَّلُ وَالآَخِرُ ﴾ [الحديد: 3] وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء) والمتكلمون أدخلوا في أسماء الله -تعالى- القديم فقد أنكر هذا كثير من السلف والخلف.

الإجابة صحيحة ووافية.

بالنسبة للسؤال الثاني: السؤال يقول: ما قياس الأولى في باب صفات الله تعالى؟

قياس الأولى هو أن كل صفة كمال للإنسان ليس فيها نقص بوجه من الوجوه فالله أولى بها، وكل صفة نقص تنزه عنها الإنسان فالله أولى بأن يتنزه عنه.

أحسنت نعم، مثل ما سمعنا إجابة الأخ: كل صفة كمال مطلق أو نقول: كل صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه وصف بها المخلوق فالله تعالى أحق وأولى بها، وكل صفة نقص تنزه عنها المخلوق فالله -سبحانه وتعالى- أحق وأولى بالتنزه عنها، أحسنت.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ليس منذ خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى بعدما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

كنا في آخر الدرس الماضي كان الحديث عن قول الإمام أبي جعفر الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (ما زال الله بصفاته قديمًا قبل خلقه) وعرفنا من خلال هذه العبارة أن الله -عز وجل- موصوف بصفات الكمال منذ الأزل، سواء كانت صفات الذات أو صفات الأفعال، هذه العبارات التي سمعناها من أخينا هي امتداد للتقرير السابق، والذي يهمنا في هذا المقام أن نؤكد على أمرين مهمين من خلال تلك العبارة:
الأمر الأول: أن الله -سبحانه وتعالى- ما زال موصوفًا بصفات الكمال، ما زال فاعلًا، ما زال خالقًا، ما زال رازقًا -سبحانه وتعالى- وعندما نقرر أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بصفات الكمال سواء كانت صفات الذات أو صفات الأفعال، فعندما نقرر ذلك ففي هذا رد على المتكلمين، ماذا قال المتكلمون؟ المتكلمون زعموا أن الله -عز وجل- كان معطلاً عن الفعل والخلق حتى خلق وفعل، فزعموا أن الله -عز وجل- كان ممتنعًا عن الفعل ثم انتقل ذلك من الامتناع إلى الإمكان، يعني كان الفعل والخلق ممتنعًا عليه ثم صار ممكنًا، فنحن أهل السنة لما نقول: إن الله -تعالى- ما زال فاعلًا، ما زال خالقًا -سبحانه وتعالى- ففي هذا رد على هؤلاء الذين زعموا أن الله -تعالى- معطل عن الفعل حتى فعله.

والدليل على أنه -سبحانه وتعالى- ما زال فاعلًا خالقًا: ما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ﴿15﴾ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ [البروج: 15، 16]، فهو -سبحانه وتعالى- ما زال خالقًا فاعلًا صانعًا رازقًا -سبحانه وتعالى-.

الأمر الآخر: أيضًا عندما نقرر هذا الأمر، نقرر في نفس الوقت أن كل مخلوق من أفراد المخلوقات له أول وآخر، وله بداية وله نهاية، فعندما نقرر أن كل ما عدا الله -سبحانه وتعالى- فهو مخلوق محدث كل ما سواه مخلوق محدث ففي هذا: رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم:
- فالفلاسفة الذين تأثروا بفلسفة "أرسطو" الفيلسوف اليوناني المعروف هؤلاء قالوا مقالة شنيعة وهي أنهم زعموا أن العالم قديم كقدم الله، تعالى الله عما يقول الكافرون والظالمون علوًا كبيرًا، قولهم: بأن العالم قديم كقدم الله، هذه فيها من الزندقة، وفيها من التنقص لله تعالى ما فيها، من ذلك أنهم إذا جعلوا العالم قديم كقدم الله عطلوا الله -سبحانه وتعالى- عن الخلق، عطلوا الله -سبحانه وتعالى- عن الفعل عندما يزعمون أن العالم ملازم لله تعالى أزلًا وأبدًا.

- أنهم قالوا مقالة شنيعة من خلال تلك المقولة وهي أنهم زعموا أن العالم تولد عن الله، تولد المعلول عن العلة، وكونهم يقولون: إن العالم تولد عن الله، هذه المقالة أشنع من مقالة المشركين الذين قالوا: إن الملائكة بنات الله، وأشنع من مقالة النصارى الذين قالوا: إن المسيح ابن الله، وأشنع مما قالت اليهود الذين قالوا: إن عزيرًا ابن الله، فالفلاسفة قالوا: ما هو أشنع جعلوا هذا العالم كله متولد عن الله -سبحانه وتعالى-، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 3]، إضافة إلى أن مقالة الفلاسفة بقدم العالم تردها العقول الصحيحة والفطر السليمة.

المقصود أننا من خلال هذا التقرير عندما يقول الطحاوي: (له معنى الربوبية ولا مربوب) فالمقصود من هذه العبارات المعنى الصحيح لها، أن نفهم جيدًا أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بصفات الكمال منذ الأزل، ومن ذلك أنه ما زال فاعلًا صانعًا يفعل الشيء بعد شيء وذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ [هود: 107] وبهذا نرد على المتكلمين الذين زعموا أن الله -تعالى- كان معطلًا عن الفعل حتى فعله، وأنه انتقل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وإذا قلنا: إن كل ما عدا الله فهو مخلوق، وأن كل مخلوق من المخلوقات -أنا وأنت وسائر المخلوقات- ما من مخلوق إلا وله بداية وله نهاية، وله أول وله آخر، بهذا نرد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم، هذا ما يمكن أن يقال في هذه العبارة والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير).

لا يزال الإمام الطحاوي -رحمه الله- يذكر شيئًا من صفات الله -سبحانه وتعالى- وشيئًا من أسمائه اللائقة به -عز وجل-، يقول -رحمه الله-: (ذلك بأنه على كل شيء قدير) وهذا أمر ظاهر فالله -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، قال -عز وجل-: ﴿ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: 27]، وهو -سبحانه وتعالى- كما مر بنا في درس سابق: لا يعجزه شيء لا في الأرض ولا في السماء -سبحانه وتعالى-.

هذا المعنى العظيم والمعنى البدهي الذي لا يخفى على كل مسلم ومسلمة أن الله -تعالى- على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى البدهي الذي يعرفه كل مسلم ومسلمة، ينبغي أن يكون ظاهرًا في حياتنا، وكما مر بنا في الأمس قضية التعبد بأسماء الله وصفاته، واستصحاب هذه الأسماء وهذه الصفات في حياتنا العملية وفي سلوكنا، هذا أمر مهم، وكان نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- يربي الصحابة على ذلك.

ومن المناسب أن نشير إلى حديث أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- إذ يقول: (كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت صوتًا يقول: اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود، فلم يتبين) يقول أبو مسعود يقول: (فلم يتبين لي الصوت من شدة الغضب، فلما دنا إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: ألقيت السوط ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) فعندما سمع أبو مسعود هذه الكلمة العظيمة عندئذ قال: (يا رسول الله والله لا أضرب غلامًا بعده) وفي رواية أيضًا عند مسلم، قال أبو مسعود -رضي الله عنه- قال: (هو حر لوجه الله) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (لو لم تفعل لمستك النار) هذا أمر أيها المشاهدون، أيتها المشاهدات، أيها الإخوة الكرام الذين معنا هذا أمر ينبغي أن يكون حاضرًا عندنا، فالإنسان لا ينفك عن الجهل والظلم، وإذا الإنسان سولت له نفسه أن يظلم الآخرين في أعراضهم أو في أموالهم أو شيء من ذلك فعليه أن يوقن ويستصحب وأن يستحضر أن الله -تعالى- فوق كل شيء، وأنه -سبحانه وتعالى- قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء -سبحانه وتعالى-.

بعدها قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (وكل شيء إليه فقير) نعم كل شيء إليه فقير، فهو -سبحانه وتعالى- من أسماءه الغني، ومن صفاته صفة الغنى، والغنى وصف ذاتي لله -سبحانه وتعالى- كما أن الفقر وصف ذاتي لنا نحن معشر البشر، فنحن لا ننفك عن الفقر والاحتياج، والله -سبحانه وتعالى- صفة الغنى صفة ذاتية ملازمة له -سبحانه وتعالى-، يقول الله -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15] الكل فقير إلى الله، المؤمن والكافر، والبر والفاجر، لكن هذا الفقر كما بين ابن القيم -

رحمه الله- في "طريق الهجرتين" في مقدمة كتابه "طريق الهجرتين" بين أن هذا الفقر على قسمين:

القسم الأول: فقر إلى ربوبيته، وهذا الفقر يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر، فالكافر وكذا المؤمن كل هؤلاء فقراء إلى الماء الذي أنزله الله، وإلى الهواء الذي خلقه الله، وإلى الرزق الذي يسره الله -سبحانه وتعالى-.

القسم الآخر: وهو الفقر إلى عبادة الله وحده لا شريك له، الفقر إلى عبادة الله فهذا يختص بالمؤمنين يختص بالمؤمنين الذين أكرمهم الله -سبحانه وتعالى- بعبادته، فالفقر إلى عبادته هذا يختص بالمؤمنين، ولا شك أن في القلب من الفقر والحاجة ما لا يسده إلا عبادة الله -سبحانه وتعالى-، وأعظم الضرورات وأعظم الحاجات ألا وهي عبادة الله -سبحانه وتعالى-، ففي القلب فقر لا يسده إلا عبادة الله، وفي القلب شعث لا يلمه إلا التعلق بالله -سبحانه وتعالى- وحده لا شريك له، هذا ما يتعلق بمسألة (وكل شيء إليه فقير).

(وكل أمر عليه يسير) المعنى ظاهر فهو -سبحانه وتعالى- كما قال عن نفسه -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82].

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11] هذه الآية التي جاء بها المؤلف -رحمه الله- في مقام التضمين هذه الآية كثيرًا ما يحتج بها أهل السنة والجماعة وهي لا شك أنها آية وجيزة قررت مذهب أهل السنة وقررت وسطية أهل السنة في باب الصفات، فأهل السنة وسط في باب الصفات بين المعطلة النفاة وبين الممثلة المشبهة، فإذا قلنا ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ في هذا رد على أهل التمثيل الذين مثلوا الله -تعالى- بخلقه، وإذا قلنا ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ في هذا رد على أهل التعطيل والنفي الذين نفوا أسماءه أو صفاته أو شيء من ذلك.

يبقى بإيجاز ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ الكلام عنها من جهة الإعراب، سبق الإشارة إلى شيء من ذلك في أول درس، والذي يهمنا الحديث عن الكاف هنا والذي يظهر على أرجح الأقوال: أن الكاف هنا صلة للتأكيد، فنحن عندما نقول صلة أو يقول البعض أنها زائدة فالمقصود إذا قلنا أنها زائدة من جهة الإعراب، وإلا ليس في القرآن زائد بمعنى أنه شيء لا معنى له، فهي صلة أو البعض يقول زائدة من جهة الإعراب، لكن هذا الحرف الذي هو الكاف يدل على التأكيد والله أعلم.
قال -رحمه الله تعالى-: (خلق الخلق بعلمه).

هنا في قول الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (خلق الخلق بعلمه) -

سبحانه وتعالى- في قوله: (خلق الخلق بعلمه) أولاً: نشير إلى معنى الخلق:

الخلق له معنيان:

الأول: الإيجاد والإبداع.

والثاني: التقدير.

والله -سبحانه وتعالى- له هذا الوصف وذاك، فهو -سبحانه وتعالى- هو الذي أوجد الخلائق من العدم، مثل ما قال تعالى في شأن زكريا: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 9] وقال -عز وجل-: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1] فالخلق هو الإيجاد هذا المعنى الأول.

والمعنى الثاني: التقدير، الله -سبحانه وتعالى- قدر الأمور وما يقدره -عز وجل- يقع وينفذ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الخلق بمعنى التقدير قد يوصف به المخلوق، فالمخلوق يقدر يعني أنت تقدر أنك مثلاً ستذهب أو ستسافر أو تفعل كذا، لكن ليس كل ما تقدره يقع، قد تقدر أنك تسافر ولا يتيسر لك الأمر، تقدر أنك تُحصل شيئًا أو تترك شيئًا ولا يتحقق ذلك، أما الله -عز وجل- فما يقدره يقع ويتحقق وفي قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14] كما بين بعض علماء أهل السنة أن قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ أي المقدرين، لكن الخلق الذي هو معنى الإيجاد هذا يختص بالله -سبحانه وتعالى-، إذن انتهينا من الكلام عن معنى الخلق.
بعدها قال -رحمه الله-: (خلق الخلق بعلمه) ففي هذا حديث عن صفة العلم له -سبحانه وتعالى-، ولا يخفى أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بصفة العلم، وهو -عز وجل- يعلم ما كان أي في الماضي، وما يكون في الحاضر، وما سيكون في المستقبل، بل إنه -عز وجل- يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 28] وهنا في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ لا شك أن عود الكفار إلى الحياة الدنيا بعد أن يبعثهم الله هذا ممتنع، لكن ممتنع لماذا؟ لأن الله -تعالى- لم يشأه، وليس لأن الله -تعالى- عاجز عن ذلك تعالى الله عن ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- اقتضت حكمته أن الخلائق إذا بعثوا أنهم لا يعودون إلى حياتهم الدنيا السابقة، المقصود أنه -سبحانه وتعالى- يعلم ما كان وما يكون وما سيكون ويعلم -عز وجل- ما لم يكن لو كان كيف يكون.

قال -عز وجل- في وصف نفسه: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ [الأنعام: 73] وقال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿26﴾ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 27]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ [الأنعام: 59].

فهذا الوصف العظيم أنه -سبحانه وتعالى- بكل شيء عليم، يعلم السر وأخفى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذه الصفة ينبغي أن يكون لها أثر في حياتنا؛ ولهذا نجد أن القرآن الكريم عندما يتحدث عن هذه الصفة يتحدث عن شيء من لوازمها، فقد تأتي هذه الصفة يأتي تقريرها في مقام التهديد والوعيد، أرأيتم إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ [فصلت: 40] هنا في قوله تعالى: ﴿ لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ فيها ماذا؟ فيها تهديد لهؤلاء الذين يلحدون في آيات الله، لما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا ﴾ [النور: 63] فهذا العلم يترتب عليه الجزاء والعقاب.

وقد يكون الأمر العكس، قد يكون في تقرير هذا العلم التسلية: مثل ما قال تعالى مسليًا نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الأنعام: 33].

المقصود أن تكون هذه الصفات أن تكون سبب في تحريك قلوبنا من جهة الخوف من الله -سبحانه وتعالى- من جهة ومن جهة الرجاء وحسن الظن به -عز وجل-.

لعلي أيضًا أشير في هذا المقام كما سبق أن مر بنا إلى الذين أنكروا صفة العلم؛ لأن تلحظون في عبارات الإمام الطحاوي هو يقرر، وهذا التقرير يجمع بين أمرين:

- أن يقرر عقيدة أهل السنة من جهة.

- ويرد على المخالفين من جهة.

سبق أن مر بنا مثلاً في الدرس الماضي لما قال الطحاوي: (ولا يكون إلا ما يريد) عرفنا مذهب أهل السنة في الإرادة الكونية والإرادة الشرعية وقلنا كما قال الشارح: في هذا رد على القدرية النفاة، أيضًا هنا لما قال: (خلق الخلق بعلمه) في هذا رد على جملة من الطوائف:
- الطائفة الأولى: الفلاسفة، الفلاسفة زعموا أن الله -تعالى- لا يعلم الجزئيات، وإنما يعلم الكليات، على حد زعم هؤلاء الفلاسفة الذين تنقصوا الله -سبحانه وتعالى- هم يزعمون مثلاً ونحن في هذا الدرس أن الله -تعالى- لا يعلم حالنا تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، هم يقولون: الله -تعالى- يعلم الكليات، لكنه لا يعلم الجزئيات، هو في الواقع والمحصلة والنتيجة أن الله لا يعلم شيئًا، لم؟ لأن الكليات تتركب من الجزئيات، فالمقصود في هذا رد على الفلاسفة الذين يقولون: إن الله -تعالى- لا يعلم الجزئيات ولا تفاصيل أحوال الخلق.
- الطائفة الثانية: القدرية الغلاة، الذين هم القدرية الأوائل هؤلاء أنكروا العلم، أنكروا علم الله، وزعموا أن الأمر أُنف، ما معنى الأمر أُنف؟ يعني أن الأمر مستأنف، وليس ثمة علم سابق، هؤلاء القدرية الغلاة الذين أنكروا علم الله -تعالى- وزعموا أن الله -تعالى- لا يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها، هؤلاء كفرهم الأئمة الكبار: كالإمام الشافعي -رحمه الله- لما قال: «ناظروا القدرية بالعلم فإن أنكروه كفروا؛ وإن أقروا به خصموا».

- الطائفة الثالثة: الروافض، الروافض عندهم عقيدة اسمها عقيدة البداء،

والبداء له معنيان:

- إما الظهور بعد الخفاء.

- وإما نشأة رأي جديد.

إذا قلنا بالمعنى الأول الذي هو البداء الظهور بعد الخفاء: فهذا جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ [البقرة: 284].

وإذا جاء بمعنى نشأة الرأي الجديد: فهذا جاء في سورة يوسف على لسان إخوة يوسف قال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُا الآَيَاتِ ﴾ [يوسف: 35].

وعلى كلٍ سواء قيل: أن البداء هو الظهور بعد الخفاء أو قيل: إن البداء هو نشأة علم جديد، لا شك أن هذا عندما يوصف الله -تعالى- بالبداء بهذا المعنى أو ذاك لا شك أن هذا تنقص لله -سبحانه وتعالى- ومعناه أنه كان مسبوقًا بالجهل وأن علمه ليس قديمًا أزليًا.

يقول: بالنسبة للقدرية الغلاة أنت قلت: كفرهم بعض أهل العلم فما أدري بعض القدرية ليسوا بغلاة هل هم حكمهم؟.

هو لعله يأتي -إن شاء الله- تفصيل في هذا -إن شاء الله- في موضوع القدر، لكن ممكن نجيب بإيجاز يعني لما نقول هناك قدرية غلاة، نعم هناك قدرية ليسوا غلاة، وهم الذين يسموهم العلماء مقتصدة القدرية، فالقدرية الغلاة هم الذين ينكرون العلم والكتابة من المعلوم وسيأتي -إن شاء الله- في وقته -إن شاء الله- أن مراتب القدر أربع مراتب أليس كذلك؟ العلم والكتابة والمشيئة والخلق، فالقدرية الغلاة من أمثال "معبد الجهني" ومن سلك سبيله، هؤلاء ينكرون العلم وينكرون سائر المراتب، فهؤلاء لا شك في كفرهم، وهذا واضح من خلال مواقف الصحابة مثل: ابن عمر -رضي الله عنهما- ابن عباس -رضي الله عنهما- جابر بن عبد الله هؤلاء الصحابة كلهم أدركوا مقالة القدرية الغلاة.

القدرية الذين ليسوا غلاةً أو يسميهم البعض: مقتصدة القدرية، فهؤلاء يثبتون العلم والكتابة وينكرون المشيئة والخلق، هؤلاء للعلماء في تكفيرهم نزاع والله أعلم بالقول الراجح في تكفيرهم، أما الغلاة فتكفيرهم ظاهر بين. اتضح لنا الآن هؤلاء الذين أنكروا صفة العلم.

يقول: ذكرتم في الدرس السابق أن هناك صفات نقص بالنسبة للمخلوق ليست بصفات نقص بالنسبة للباري -جل وعلا- على غير أنه وقع لي إشكال: هل هناك ضابط في هذه المسألة؟ فكيف نعرف أن هذه الصفة نقص بالنسبة للمخلوق وكمال بالنسبة لله -جل وعلا-؟.

يعني هو لا شك أن الأسماء والصفات توقيفية، عندما نتحدث مثلاً عن صفة الكبرياء، صفة الجبروت يعني هذه الصفات ثبت في الكتاب والسنة أن الله -تعالى- موصوف بها، ففي الكتاب كما جاء أن من أسماءه -سبحانه وتعالى-: الجبار المتكبر، فهي كمال؛ لأن الله -تعالى- سمى نفسه بذلك، ووصف نفسه بذلك، لكن الكبر في حق المخلوق

مذموم؛ لأن الحديث في هذا بيِّن في ذمه، قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) والخلاصة أن مرد ذلك إلى التوقيف، إلى ما جاء به الكتاب والسنة.

أما صفة النقص ما كان صفة نقص فيجب نفيه عن الله -سبحانه وتعالى-، سواءً جاء النص عليه باسمه كمثلاً العجز، أو لم يأتي، يعني مثلاً عندنا صفات نعلم أنها صفات نقص يجب أن تنفى عن الله، وإن لم يأتي نفيها بأسمائها الخاصة مثل صفة الحزن أو البكاء هذه يجب أن ننفيها عن الله، ولو لم يأتي نص ينفي هذا الاسم على سبيل الخصوص وموجب النفي أن الحزن والبكاء يُنفى عن الله -سبحانه وتعالى- لأنه ينافي قيوميته وينافي غناه وينافي قدرته -سبحانه وتعالى-.
قبل أن نواصل كان عندنا مسألة مهمة نحب أن نشير إليها وهي مسألة: الدليل العقلي حتى يتبين لمن يشاهد ويحضر معنا أن أهل السنة استعملوا العقل في هذا الباب، فسمعنا شيئًا من النصوص تثبت العلم لله -سبحانه وتعالى- عندنا دليل عقلي أو عندنا جملة من الأدلة العقلية، نقتصر على واحد منها:

فلما نقول: ما الدليل العقلي على صفة العلم لله -سبحانه وتعالى-؟
فنقول كما ذكر أهل العلم: الإيجاد الذي هو الخلق، الإيجاد مستلزم للإرادة، وهو -سبحانه وتعالى- لما أوجد لا شك أن هذا يستلزم أنه ماذا؟ أراد ذلك ولا ما أراده؟ أراده، الإيجاد مستلزم للإرادة، ثم نقول: والإرادة تستلزم العلم، إذن النتيجة الإيجاد يستلزم العلم.

فعندنا مقدمتان:

الإيجاد يستلزم الإرادة.

والإرادة تستلزم العلم.

إذن النتيجة:

الإيجاد يستلزم العلم، وهذا ما جاء في سورة تبارك: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].

يمكن أيضًا أن نستعمل قياس الأولى: فإذا قلنا: إن المخلوق إذا كان يتصف بصفة العلم فخالقه والذي أوجده أن يوصف بصفة العلم من باب أولى وأحق.

هذا الدليل العقلي ذكره الشارح وأيضًا شيخ الإسلام -رحمه الله- تحدث عنه- في "شرح العقيدة الأصفهانية" في أولها في صفحة أربعة وعشرين- فلو رجعنا إلى "شرح العقيدة الأصفهانية" شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- ذكر أكثر من دليل في هذه المسألة.

يقول: يا فضيلة الشيخ: أنتم حينما ذكرتم الدليل العقلي عبرتم بلفظ الإيجاد، ولم تعبروا بلفظ الخلق فهل هناك فرق بين اللفظين؟.

لا..، قلنا نحن في البداية إن الإيجاد أخص أليس كذلك؟ لأن الخلق إما الإيجاد وإما التقدير؛ وإلا قلنا: إن الشخص كل مخلوق يقدر الأمور، لكن الإيجاد هذا يختص بمن؟ يختص بالله -سبحانه وتعالى-.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وقدر لهم أقدارً).

هنا (قدر لهم أقدارً) لا تستوقفنا كثيرًا؛ لأن المسألة واضحة، والله تعالى قال: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49]، وفي حديث جبريل المشهور قال -عليه الصلاة والسلام- وجاء فيه: (أن تؤمن بالقدر خيره وشره)، وأيضًا جاء في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: (إن الله كتب المقادير قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).

قال -رحمه الله تعالى-: (وضرب لهم آجال).

هنا في قوله -رحمه الله-: (وضرب لهم آجال) يعني هذه الجملة أقرب ما تكون من باب عطف الخاص على العام، ولا من باب عطف العام على الخاص؟ قال: (وقدر لهم أقدارًا وضرب لهم آجال) ما الذي يظهر؟ أنه من باب عطف الخاص على العام، فلا شك أن الآجال من جملة المقادير التي تقدرها الله -سبحانه وتعالى-.

(وضرب لهم آجال) وهذا أمر واضح وبين ومحكم قال تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]، وذكر الشارح عندكم حديث الذي أخرجه مسلم وهو: أن أم حبيبة أم المؤمنين -رضي الله عنها- زوج النبي -عليه الصلاة والسلام- قالت: (اللهم أمتعني بزوجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية فقال -عليه الصلاة والسلام-: لقد سألت الله -تعالى-: لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة.. إلى أن قال -عليه الصلاة والسلام-: ولو سألت الله -تعالى- أن يُعيذكِ من عذاب القبر وعذاب جهنم لكان خيرًا وأفضل) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، المقصود أن هذه الآجال قد فرغ منها ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولا شك أن العبد إذا استصحب هذا المعنى عندئذ يوقن بأن الأمر لله -سبحانه وتعالى- ويقضي على ما تعاني منه البشرية الآن وما قد يقع فيه جملة من المسلمين من قضية الجزع من المصائب، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها.

إذا تقرر ذلك: ففي هذا رد على طائفة خالفت في ذلك من الطوائف من أهل الأهواء والبدع: وهم القدرية.

فالقدرية خالفوا ذلك، فالقدرية يقولون: إن المقتول -الشخص الذي مات قتلًا- هذا المقتول يقولون: إن القاتل قطع أجله، وهذا كلام فاسد، فهذا المقتول إنما مات بأجله، فسواء كان هذا الميت مات بالقتل أو بالمرض أو بغير ذلك، مثل ما يقولون: تعددت الأسباب والموت واحد، فالمقصود أن في هذا رد على طائفة القدرية الذين يزعمون أن القاتل قطع أجل المقتول، نقول: أبدًا، فلان هذا الذي مات بالقتل هذا أجله، وكونه مات بأجله لا يعني أننا لا نطالب مثلاً بالقصاص أو نطالب بالدية فالجهة منفكة، هذا أمر نثبته من جهة القدر ونطالب بالقصاص من جهة الشرع.

يقول: هل هناك فرق بين الأجل وبين العمر؟.

والله ما أعرف شيء في هذا، يعني الذي أعرفه أنه الأجل بمعنى العمر، يعني لما نأتي حديث ابن مسعود المشهور والذي جاء فيه: لما قال -عليه الصلاة والسلام-: يمر على هذه النطفة أربعة أشهر قال: فيكتب رزقه وأجله وشقي أم سعيد، فالذي يظهر أن الأجل بمعنى العمر والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (لم يخفى عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم).

يعني هذا الكلام أيضًا هو تقرير لما سبق لما قال هنا: (لم يخفى عليه شيء قبل أن يخلقهم) هذا تقرير وتأكيد لمسألة العلم الإلهي، وأن الله -تعالى- يعلم ما كان وما يكون وما سيكون وفي هذا رد على الطوائف الثلاثة التي مرت بنا الفلاسفة والقدرية الغلاة والروافض.
يقول: قلت يا شيخ: كل ما سوى الله مخلوق، وهل القرآن أيضًا مخلوق كما يزعم بعض الناس؟.

جزمًا أن القرآن كلام الله -عز وجل-، القرآن كلام الله، وإذا قلنا هو كلام الله فالكلام صفة من صفاته، والصفة تتبع الموصوف أي نعم، فإذا كان الله -سبحانه وتعالى- ليس مخلوقًا -عز وجل- فكذا صفاته، فالقرآن كلام الله، ومما يدل على أن كلام الله الذي هو القرآن وسائر الكتب المنزلة مما يدل على أن كلام الله غير مخلوق ما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾ [الكهف: 109]، فلو كان مخلوقًا فالمخلوق له نهاية، ومما يدل على أن كلام الله غير مخلوق ما جاء في حديث خولة بنت حكيم في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) واستدل الإمام أحمد بهذا الحديث على أن كلام الله غير مخلوق، وجه ذلك: أنه لا يستعاذ بمخلوق، فدل ذلك على أن كلامه غير مخلوق والله أعلم.

يقول: الآية الكريمة التي وردت في سورة إبراهيم: ﴿ يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [إبراهيم: 39] هل يعني ذلك أن الآجال تتغير من دعاء أو من كثرة صلاة أو غير ذلك؟ أم أنها ثابتة؟.

مسألة أن الآجال تتغير فهي مسألة فيها حصل فيها نزاع والذي ذكره الشارح ابن أبي العز -رحمة الله عليه- أن الدعاء ليس له تأثير في زيادة العمر أو نقصانه، مستدلًا بحديث أم حبيبة؛ لأن في حديث أم حبيبة أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (لقد سألت الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة)، فاستدل ابن أبي العز على أن الدعاء ليس له تأثير في زيادة العمر أو نقصانه.

لكن من أهل العلم من يخالف في ذلك ويقولون: أن للدعاء أثر في زيادة العمر ونقصانه، ويحتجون بجملة أدلة منها أنه -عليه الصلاة والسلام- دعا لأنس بن مالك بطول العمر وكثرة الذرية وقد تحقق ذلك، لأنس -رضي الله عنه-، وجاءت في ذلك آثار كثيرة أن بعض السلف ربما دعا على أقوام فحصل بسبب هذا الدعاء الهلاك والموت، ولعل ما ذكره ابن مفلح -رحمه الله- أن هذا هو الراجح، فابن مفلح -رحمه الله- فيما أذكر أنه يرى أن الدعاء له تأثير في زيادة العمر ونقصانه وأن حديث أم حبيبة فقال عنه ابن مفلح -رحمه الله-: أن هذا الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- لم ينه أم حبيبة أو لم يخطئ أم حبيبة في دعائها وإنما أرشدها إلى الأفضل، الأفضل أن تستعيذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

أما آية ﴿ يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ فالعلماء لهم فيها كلام طويل خلاصته:


- أن من أهل العلم من يرى أن ما في اللوح المحفوظ يعتريه المحو والإثبات.

- ومنهم من يقول: لا... اللوح المحفوظ لا يعتريه محو ولا إثبات.
وهما قولان لأهل السنة ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته).

يعني هذا التقرير نستطيع أن نقول لما يقول: (وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته) في هذا تقرير لما جاء في مثل النصوص الشرعية في مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [البينة: 5]، فهذا تأكيد على الالتزام بالشرع، فعل المأمورات وترك المنهيات، وفي هذا رد على الجبرية الذين يعطلون الشرع، وإذا كان الكلام السابق رد على القدرية النفاة ففي هذا الكلام رد على الجبرية؛ لأن الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله هؤلاء يعطلون الشرع، فأهل السنة يثبتون القدر ويثبتون الشرع، نثبت القدر ونلتزم بالشرع، قال تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ [الأعراف: 54] الخلق الذي هو متعلق بالتقدير والمقادير، والأمر الذي هو ما يتعلق بالمأمورات التي هي الشرائع سواءً كان ذلك أمرًا أو نهيًا.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن).

وهذا أمر سبق أن مر والمؤلف يؤكد عليه، أن (ما شاء الله كان ولم يشأ لم يكن) قال -عز وجل-: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 29]، قال -عز وجل-: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ [السجدة: 13]، فيجب أن تعلم أن الذي شاءه الله حتمًا سيتحقق، وإن لم يشأ ذلك الناس، وما لم يشأه -سبحانه وتعالى- ولم يقدره فهذا لا يقع ولو شاء الناس خلافه، فمشيئة الله -تعالى- تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاءه الله -سبحانه وتعالى- وقدره.

قال -رحمه الله تعالى-: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلً).

هنا لما يقول -رحمه الله-: (يهدي من يشاء) نعم هو -سبحانه وتعالى- يهدي من يشاء، فهداية التوفيق هي بيده -سبحانه وتعالى- قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ [القصص: 56]، وفي هذا التقرير رد على القدرية الذين ينفون هداية التوفيق، ونحب أن نفيد الذين يشاهدونا ويستمعون إلينا أن الهداية على أربعة أقسام كما بين ذلك ابن القيم -رحمه الله- في "شفاء العليل":

- القسم الأول: هداية عامة. وهي هداية كل مخلوق لما يصلح حاله وشأنه، هذه هداية لكل مخلوق، الإنس والجن والحيوانات وهي الهداية المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى ﴿1﴾ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿2﴾ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ [الأعلى: 1- 3]، فهذه هداية كل مخلوق لما يصلح حاله وشأنه.

- القسم الثاني: هداية الدلالة والإرشاد. وهذا مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52]، هداية الدلالة والإرشاد هذه يقوم بها الرسل عليهم السلام وأتباعهم.

- القسم الثالث: وهي التي أشار لها الطحاوي في عبارته: (يهدي من يشاء) هي هداية التوفيق والقبول فتحويل القلوب من الكفر إلى الإيمان فهذا بيد الله -سبحانه وتعالى-، قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56].

- القسم الرابع: الهداية إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار -أعاذنا الله منها- في يوم القيامة، جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري أن أهل الجنة: (أن أحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله في الدني).

نعم تذكرت الآية الكريمة الهداية طريق الجنة، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴿4﴾ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ [محمد: 4، 5]، وقالوا هذه الهداية هي الهداية التي تكون في اليوم الآخر.

وأما الهداية إلى طريق النار فهي مذكورة في قوله تعالى: ﴿ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴿22﴾ مِن دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾ [الصافات: 22، 23] أعاذنا الله من ذلك.

هذه هي أقسام الهداية، والذي يهمنا هنا هداية التوفيق والقبول التي هي من خصائص الله -سبحانه وتعالى- تختص بالله -سبحانه وتعالى- وهي التي أنكرها القدرية.

قال هنا الشارح -رحمه الله- قال: في هذا رد على المعتزلة قولهم: بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، مسألة فعل الأصلح على الله هذه مسألة نشير إلى مذهب أهل السنة فيها بإيجاز؛ لأن الشارح لم يتحدث عنها، نشير إليها كما ذكر ذلك شيخ الإسلام -رحمه الله- في "منهاج السنة النبوية" وخلاصة الكلام: أن بعثة الرسل -عليهم السلام- لا شك أن فيها مصلحة عامة، وفيها من الخير في العاجل والآجل ما لا حد له، لكن هذا الخير الذي يعم ويغلب لا يخلو أن بعض القوم يكفرون بهذا الرسول، فيدخلون جهنم بسبب هذا العصيان أو يقاتلون، فيقتلون فيكون ضررًا عليهم من هذه الجهة، لكن يبقى أن الخير عام، أيضًا كذلك لو أخذنا حتى في الأمور الكونية الآن المطر لما ينزل فيه خير ولما فيه خير؟ فيه خير كثير، ومع ذلك هذا الخير لا ينفك عن أنه قد يحصل مثلاً شيء من الأذى بالنسبة للطرق أو بالنسبة للمساكن، لكن خيره ومصالحه وثمراته لا حد لها، فهذا الذي ينبغي أن يذكر في هذا المقام.

تقول: هل عندما نصلي صلاة الاستخارة هل معناها: تستلزم العلم من عند الله بما كتب في كتابه أن يقدر لنا الخير في الشيء المراد والاستخارة فيه؟.

والله هذا الذي يظهر؛ لأن الشخص يقول في الاستخارة يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، أستخير طلب يقول: أستقدرك بقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، هذا الذي يظهر والله أعلم.

يقول: كثير من الناس يقولون عند العزاء: لفظة "البقية في حياتك" فهل فيها شيء؟.

والله ما أدري عنها العبارة "البقية في حياتك" لكن إذا كان يفهم من كلمة "البقية في حياتك" أن الآجال يعني تنقص أو يزاد منها فنحن سبق أن مر بنا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وعلى كل ينبغي الأكمل أن يلتزم بالعبارات الشرعية، كأن يقال: أحسن الله عزاءكم، إن لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده إلى أجل مسمى، هذه العبارة الشرعية التي ينبغي أن نحرص عليها في العزاء.

يقول: لقد جرت كلمة على ألسنة كثير من الناس يدعون بها عندنا في المغرب وهي: "أسأل الله أن يطيل لك في العمر" وقد سئلت عن هذه الكلمة لعدة مرات لأنني خطيب جمعة فهل هذا الدعاء يجوز؟.

يعني هو مسألة الدعاء بطول العمر فيها نزاع بين أهل العلم: وكان الإمام أحمد يكره ذلك، الإمام أحمد بن حنبل يكره ذلك، ويقول: هذا أمر قد فُرِغَ منه، لكن جاءت آثار عن السلف وبعض الأدلة التي يستأنس بها على أنه يجوز ذلك يمكن يستأنس بما سمعنا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- دعا لأنس؛ لكن على كلٍ طول العمر مطلقًا لا يترتب عليه مدح ولا ذم، وإنما لو دعا شخص لشخص وقال: "اللهم أطل عمره في طاعتك" ونحو ذلك لكان حسنًا، أما طول العمر في حد ذاته فليس في ذلك ما يوجب المدح أو أن يكون قربة، فبعض الناس ربما إذا طال عمره زاد شقاؤه بكثرة معاصيه، فلعل الأليق أن يقال عندما يدعى بطول العمر يقيد بهذه، يقال: "أطال الله عمرك في طاعته".

يقول: هل ثبت هذا الدعاء عن السلف: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا"؟.

أنا الذي أعرفه أن هذا جاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأذكر أن ابن كثير -رحمه الله- ذكر ذلك في تفسير الآية الكريمة ﴿ يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ وأن ابن عمر كان يقول: "اللهم إن كنت كتبتني شقيًا فامحني واكتبني سعيدًا" ويتأول الآية الكريمة: ﴿ يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ فهذا الدعاء جاء عن عمر -رضي الله عنه- والله أعلم.

أسئلة الحلقة القادمة.

السؤال الأول: ما معنى الخلق؟ المقصود ما معنى الخلق في قول الطحاوي: (خلق الخلق بعلمه)؟

السؤال الثاني: من أنكر صفة العلم لله -سبحانه وتعالى-

nary_jon
04-27-2008, 01:40 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الخامس : من قوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته)

الدرس الخامس

من قوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد:

فضيلة الشيخ إن أذنتم لنا في طرح إجابات أسئلة الدرس الماضي:
طرحتم في الحلقة الماضية سؤالين اثنين:

السؤال الأول: ما معنى الخلق في قول المؤلف: (خلق الخلق بعلمه)؟
يقول: معنى الخلق في قول المؤلف الإيجاد والإبداع، والمعنى الثاني: التقدير.

الإجابة صحيحة.

كما أجابت الأخت الكريمة عن السؤال الثاني والذي هو: من أنكر صفة العلم؟ فتقول: أن الذين أنكروا صفة العلم هم عدد من الطوائف، الطائفة الأولى هم الفلاسفة الذين زعموا أن الله -تعالى- لا يعلم الكيفيات وإنما يعلم الكليات.

هم زعموا أن الله -تعالى- لا يعلم الجزئيات، لعلها قصدها الجزئيات، نعم.

الطائفة الثانية تقول: غلاة القدرية وهم الذين زعموا أن الأمر أُنُف فأنكروا العلم السابق لله تعالى.
والطائفة الثالثة: هم الرافضة، وهم الذين وصفوا الله -تعالى- بالبداء، وهو بمعنى الظهور بعد الخفاء.

نعم الإجابة صحيحة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره، آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلاً من عنده).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
نبدأ في هذه العبارة التي ساقها الإمام أبو جعفر الطحاوي -رحمة الله عليه- في عقيدته المشهورة، قال -رحمه الله-: (وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله) أفعاله -عز وجل- هي عدل وفضل، وهو -سبحانه وتعالى- إذا وفق أهل الإيمان للإيمان وأدخلهم الجنة فهذا فضل محض منه -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا لما ذكر الله -تعالى- النعيم لأهل الجنة قال -عز وجل-: ﴿ جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴾[النبأ: 36]، وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)، وأما الكفار فهؤلاء الذين استحقوا الكفر في الدنيا ويستحقون نار جهنم وبئس المصير -أعاذنا الله من ذلك- هذا عدل منه -سبحانه وتعالى- ولا يظلم ربك أحدًا؛ ولهذا قال الله -سبحانه وتعالى- لما ذكر عذاب الكفار قال: ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ: 26] فهو -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، وأفعاله -عز وجل- كلها توجب الحمد، فله الحمد في الأولى والآخرة، وهو -سبحانه وتعالى- أفعاله مبنية على رحمة وإحسان ومبنية على حكمة وتعليل فله الحمد في حال عدله وفي حال فضله -عز وجل-.

ولهذا هو -عز وجل- في أفعاله وفي تقديره منزه عن الشر -سبحانه وتعالى-، وقد جاء في بعض صيغ دعاء الاستفتاح، من المعلوم أن دعاء الاستفتاح في الصلاة له عدة صيغ: منها ما جاء عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه كان يقول: (لبيك وسعديك والخير كله بيديك والشر ليس إليك) فقوله -عليه الصلاة والسلام-: (والشر ليس إليك) أي أنه -عز وجل- لا يخلق شرًا محضًا، وإنما أفعاله مبنية على الحكمة والتعليل، ومن أسمائه الحكيم، ومن صفاته الحكمة، والحكمة تقتضي أن يضع الأمور في مواضعها -سبحانه وتعالى-.

قول الطحاوي -رحمه الله-: (هو متعالٍ عن الأضداد والأنداد) نعم هو -سبحانه وتعالى- منزه عن الأضداد والأنداد فلا ند له في ربوبيته، ولا ند له -سبحانه وتعالى- في إلهيته، ولا ند له في أسمائه وصفاته، قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]، ومعنى الآية: يعني لا تجعلوا لله أندادًا في العبادة وأنتم يا معشر مشركي العرب تعلمون أن الله لا ند له في الخلق والرزق والتدبير، وأيضًا هو -سبحانه وتعالى- لا ند له في عبادته؛ كما في قوله -عز وجل-: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ ﴾ [البقرة: 165] والمقصود أنه -سبحانه وتعالى- لا ند له، لا في خلقه ولا في رزقه وتدبيره، كما لا ند له في العبادة، وهو -سبحانه وتعالى- المستحق للعبادة وحده لا شريك له، كما أنه -سبحانه وتعالى- لا ند له في أسمائه وصفاته فله الكمال المطلق -عز وجل-.

أيضًا اتخاذ الأنداد قد يكون شركًا أكبر وقد يكون شركًا أصغر، فمن جعل لله ندًا في الخلق والرزق هذا شرك أكبر، وكذا أيضًا من جعل لله ندًا في العبادة، أي أنه صرف عبادة لغير الله كأن يذبح لغير الله، كأن يذبح للجن أو نحو ذلك، أو يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذا قد جعل مع الله ندًا في العبادة، وقد أشرك شركًا أكبر يوجب

الخروج من الملة ويوجب الخلود في النار -أعاذنا الله من ذلك- وقد يكون اتخاذ الند شركًا أصغر: ومن ذلك ما جاء في الحديث: أن رجلًا قال لنبينا -صلى الله عليه وسلم-: ما شاء الله وشئت، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (أجعلتني لله ندًا؟ قل ما شاء الله وحده)، فهذه العبارة التي أطلقها هذا الرجل وقال: (ما شاء الله وشئت) وعطف بالواو التي قد توهم المساواة هذه عبارة من الألفاظ الشركية التي ينبغي تجنبها وإنما يقول العبد: ما شاء الله وحده، أو يقول: ما شاء الله ثم شاء فلان، هذا ما يتعلق بقوله -رحمه الله-: (وهو متعالٍ عن الأضداد والأنداد).

هل هناك فرق بين الضد والند؟.

يعني هو بعضهم يفرق هنا كما نلحظ من كلام الشارح، يقول: إن الضد هو المخالف، والند هو المماثل، هكذا يقول البعض في التفريق، وبعضهم يقول: حتى الند، الند لما نقول: إنه هو المثل، فيقول المثل لا يكون إلا مخالفًا، مثل أن يقول: هؤلاء أنداد أو أقران وعلى كل سواء ثبت هذا الفرق أو لم يثبت فهو -سبحانه وتعالى- لا ند له ولا ضد له ولا عدل له، وهو -سبحانه وتعالى- الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.
تبقى معنا العبارة قبل الأخيرة لما قال -رحمه الله-: (لا راد لقضائه) العبارة هذه (لا راد لقضائه، ولا غالب لأمره، ولا معقب لحكمه) هذه الجمل الثلاث كلها في تقرير أنه -سبحانه وتعالى- هو له الخلق وحده، وهو الخالق لا شريك له، لما قال هنا: (لا راد لقضائه) المراد بالقضاء هنا- أيها المشاهدون والمشاهدات - القضاء الكوني، فما قدره الله وقضاه كونًا وقدرًا فلا راد له، (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)، والمراد منه بالقضاء هنا القضاء الكوني، أما القضاء الشرعي ما شرعه الله فأكثر أو كثير من الناس قد لا يلتزمون بشرع الله -سبحانه وتعالى-، أما ما قدره الله وشاءه فهذا نافذ لا محالة.
وكذا أيضًا (لا معقب لحكمه) أي: لا مؤخر لحكمه، والمراد بذلك الحكم الكوني القدري، (ولا غالب لأمره) فالمقصود من هذه العبارة هو تقرير أنه -سبحانه وتعالى- هو الخالق، وأنه -سبحانه وتعالى- هو المقدر وحده لا شريك له.

قال بعدها -رحمه الله- ختم هذا المقطع فقال: (آمنا بذلك كله، وأيقنا أن كلًا من عنده)، (فآمنا بذلك كله) المراد بذلك كله مما سبق تقريره من صفات الله -سبحانه وتعالى- وأفعاله، ثم قال: (وأيقنا أن كلًا من عنده) كلمة اليقين أصلها في اللغة كما بين الشارح -رحمه الله- مأخوذة من يقن الماء أي استقر، فكلمة اليقين فيها معنى الثبات والاستقرار والمقصود أن قوله: (أيقنا أن كلًا من عنده) أن كل كائن وكل مخلوق هو من عنده -سبحانه وتعالى- فهو الخالق المدبر.

وهنا نؤكد -أيها المستمعون وأيها المشاهدون والمشاهدات- على مسألة مهمة للغاية ألا وهي مسألة اليقين: الإمام الطحاوي -رحمه الله- أشار إلى هذه العبارة في هذا المقام، وسيأتي إشارة إليها في موضوع الكلام الإلهي، ويتكرر ذلك في عدة مواطن من هذه العقيدة النافعة، والمقصود أن العقائد مبنية على اليقين، ونحن في زمن كثرت فيه الشبهات وكثرت فيه الشكوك، لاسيما مع هذا الانفتاح الإعلامي والعالمي الذي عم وطم، فنؤكد ونخاطب أنفسنا ونخاطب طلابنا ومن يشاهدوا هذه الحلقة، على ضرورة تحقيق اليقين.

واليقين كما قال بعض العلماء: اليقين هو واردات ترد على النفوس تعجز عن ردها، فهذا اليقين ينبغي أن نتحلى به، ولا ينفع في العقائد الصحيحة إلا اليقين؛ ولهذا نجد أن من الكفر الذي يخرج من الملة: الكفر الذي يسميه أهل العلم: كفر الشك أو الظن، فلابد للمسلم وللمسلمة أن يتلقى هذه العقائد عن يقين، وعن رسوخ؛ ولهذا نجد مثلًا النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة)، لما يقول: (غير شاك) يعني لابد من اليقين، قبل هذا في كتاب الله قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ [الحجرات: 15] فلابد من اليقين، وكان من دعاء ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يقول: (اللهم زدنا علمًا ويقينًا وفقهً).
واليقين يتحقق بعدة أمور لعلي أذكر ثلاثة منها ذكرها شيخ الإسلام في موطن:

الأول: تدبر القرآن.

والثاني: تدبر آيات الله في الآفاق وفي الأنفس. قال -عز وجل-: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت: 53].

والثالث: العمل بما نعلم. إذا عملنا بما علمنا فإن ذلك يحقق اليقين.
من أين أخذ هذا؟ أخذ من قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴿66﴾ وَإِذًا لآَتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴿67﴾ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ [النساء: 66- 68].

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وإن محمدًا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى).

الآن المؤلف -رحمه الله- ينتقل ويتحدث عن مسألة النبوات وما يتعلق بنبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، وموضوعات العقيدة كما أشرنا من قبل هي تدور على هذه الموضوعات الثلاث:

الأول: التوحيد.

والثاني: النبوات.

والثالث: ما يسمى: الغيبيات أو السمعيات. وهو ما يتعلق باليوم الآخر، وما يلحق به.

هنا في موضوع النبوة والرسالة نؤكد:

الأمر الأول: نؤكد ابتداًء أن الرسالة أنها ضرورية للبشر، وأن حاجة البشر للرسالة، أعظم من حاجتهم لكل شيء، ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لما قررا كلامًا ما معناه: أن هذه الدنيا مظلمة إلا ما أشرقت عليه شمس الرسالة، والعبد كذلك، العبد في ظلمة ما لم يشرق على قلبه شمس الرسالة ونور الوحي؛ ولهذا الذي لا يرتبط بالوحي ولا يلتزم بما جاء به نبينا -عليه الصلاة والسلام- هو في ظلمة، وحكمه حكم الميت يعيش في ظلمات، وفي موت، أما من صار على طريق الرسل عليهم السلام، فهذا هو الذي وفق للنور ووفق للحياة الحقيقية، قال سبحانه: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ [الأنعام: 122].

الأمر الثاني: أن أعظم نعمة أنعم الله بها على هذه البشرية هي بعثة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلم ينعم الله -سبحانه وتعالى- نعمة أعظم ولا أجل ولا أفضل من بعثة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام.

الأمر الثالث: الذي نريد أن نشير إليه في عبارة الإمام الطحاوي لما قال: (وأن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى) هذه العبارة يقرر فيها الإمام الطحاوي أن النبوة اصطفاء، الله -تعالى- يصطفي يعني يختار فهو -سبحانه وتعالى- يختار ويصطفي ويجتبي وهو -سبحانه وتعالى- كما قال عن نفسه: ﴿ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124] فالنبوة اصطفاء، وهذا جاء كثير في القرآن منها ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 33] وجاء ذلك في آيات كثيرة، فالمقصود أن النبوة اصطفاء و اجتباء، إذا تقرر أن النبوة اصطفاء واجتباء بهذا؛ يأتي الرد على جملة من الزنادقة وهم الفلاسفة الذين زعموا أن النبوة اكتساب، الفلاسفة زعموا أن النبوة اكتساب مثل سائر الحرف يمكن للشخص أن يكتسبها إذا اجتمعت فيه شروط زعموها وأوردوها، فالنبوة ليست اكتسابًا وليست أيضًا تأتي بالمجاهدة والترويض كما زعمه بعض أيضًا زنادقة الصوفية الذين كان بعضهم ينتظر أن يوحى إليه، وهؤلاء إن جاءهم وحي فإنما هو وحي الشياطين، مثل ما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- لما قيل له: إن المختار الثقفي يقول: إنه يوحى إليه، قال: صدق، إن الله -تعالى- يقول: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ﴾ [الأنعام: 121]، فقيل لابن عباس إن المختار -وليس مختارًا- المختار يزعم أنه يتنزل عليه، فقال: صدق، إن الله -تعالى- يقول: ﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿221﴾ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ [الشعراء: 121: 122].
الأمر الرابع: أيضًا عندنا مسألة مهمة نشير إليها وأطال فيها الشارح لكن نوجز الكلام فيها وهي: أن دلائل النبوة كثيرة جدًا، إثبات أن هذا نبي صادق، الدلائل على ذلك أكثر من أن تحصر، وهنا نحب أن ننبه على حقيقة مهمة وهو: أن الشيء كلما كان الناس أحوج إليه كلما كانت أسبابه وأدلته أكثر، سواء كان ذلك في الأمور الدينية أو حتى في الأمور الدنيوية، فلننظر إلى الأمور الدنيوية، لو جئنا إلى الأمور الدنيوية نجد أن حاجتنا إلى الهواء أعظم من حاجتنا إلى الشراب إلى الماء، وحاجتنا إلى الماء أعظم من حاجتنا إلى الطعام؛ ولهذا أيهم أكثر توفرًا الماء ولا الهواء ولا الطعام؟ جزمًا الهواء، نحن الآن في هذا المكان الهواء موجود عندنا ما يحتاج إلى أن أحد يأتي به، لكن حاجتنا إلى الماء أقل من حاجتنا إلى الهواء، وحاجتنا إلى الطعام أقل من حاجتنا إلى الماء وهكذا، المقصود أن من رحمة الله -سبحانه وتعالى- ومن حكمته أن الشيء كلما كانت الحاجة إليه أكثر كلما كانت أسبابه ووسائله أكثر في تهيئه، فكذلك النبوة تثبت بأدلة كثيرة، وليست بالمعجزات فقط كما ظنه المتكلمون، أهل الكلام زعموا أن النبوة لا تثبت إلا بالمعجزة فقط، وهذا الحصر حصر فاسد، بل النبوة تثبت بالمعجزات وبغيرها، تثبت بالمعجزات تثبت بالنظر إلى ما يدعو إليه هذا النبي بالنظر إلى شخصه وسيرته، تثبت النبوة بالنظر في الكتب المنزلة بشارات الأنبياء السابقين، تثبت النبوة بما أحدثه الله -تعالى- على أيدي هؤلاء الأنبياء وما حصل في عهدهم من أن الله -تعالى- أنجاهم وأهلك أعداءهم، يعني عندك غرق فرعون، عندك مثلًا هلاك قوم ثمود هذه كلها أحداث متواترة تعرفها يعني جميع الأمم أو جل الأمم، فالمقصود أن أدلة النبوة كثيرة، لا نحصرها في قضية المعجزات؛ ولهذا قال العلماء: النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بذاك إلا على أجهل الجاهلين، يعني النبوة إما أن يدعيها أصدق الصادقين مثل نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام- أو أكذب الكاذبين مثل مسيلمة الكذاب، ما يمكن أحد يلتبس عليه أمر هذا النبي الكريم محمد -عليه الصلاة والسلام- بمثل هذا الأفَّاك الذي هو مسيلمة الكذاب ومن شابهه في هذا الباب، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

تقول: هل يجوز أن نقول: أن الدعاء يرد القدر؟.

نعم، مر بنا هذا أنه ورد في الحديث: (لا يرد القدر إلا الدعاء) فالذي يظهر أن الدعاء يرد القدر، وجاءت آثار أن الدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض، وجاء في الحديث الآخر قوله -عليه الصلاة والسلام-: (ما من مسلم يدعو الله بغير إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث) وذكر منها -عليه الصلاة والسلام-: (وإما أن يدفع عنه بلاًء) فالمقصود أن الدعاء يرد القدر، وكونه يرد القدر لا يعني أنه ليس مكتوبًا، بل هذا وذاك مكتوب، مكتوب أن فلان يدعو الله -تعالى- وأن هذا الدعاء يكون سببًا في رد بلاء أو مصيبة قد قدرت عليه، والله أعلم.

يسأل عن الفرق بين الدليل والبرهان والمعجزة؟ هل هناك فرق بينهم؟.

الدليل والبرهان والمعجزة، والله نحن الذي نحب أن نؤكد عليه قبل سؤال أخينا: أن التسمية القرآنية للمعجزات إنما هي آيات، وبراهين وبينات، وهذا الذي حرره شيخ الإسلام -رحمه الله- ابن تيمية في الجواب الصحيح، فنحن نسميها آيات الأنبياء، أو نسميها البينات، أو البراهين قال تعالى: ﴿ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ﴾ [القمر: 2]، وقال تعالى: ﴿ فِي تِسْعِ آيَاتٍ ﴾ [النمل: 12] آيات موسى، قال تعالى: ﴿ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ ﴾ [القصص: 32]، فالمقصود أن التسمية القرآنية وهي التي ينبغي أن نلتزم بها أن تسمى آيات وبراهين وبينات، أما تسمية المعجزات فهذا عرف عند المتكلمين، وعلى كلٍ لا مشاحة في الاصطلاح، لكن الالتزام بالعبارات الشرعية الدينية أتم وأكمل.

يقول الفرق بين الدليل والبرهان والمعجزة؟

يعني هنا قلنا البرهان هو المعجزة، يعني في موضوعنا سواء قلنا براهين أو قلنا معجزات كذلك، لكن إذا كان الكلام عن دلائل النبوة، إذا كنا نتكلم عن دلائل النبوة، لا شك أن دلائل النبوة أعم من الآيات؛ لأن دلائل النبوة كثيرة: منها آيات الأنبياء أو معجزات الأنبياء، ومنها النظر إلى ما يدعو إليه هذا النبي، كون النبي -عليه الصلاة والسلام- وسائر الأنبياء يدعون إلى التوحيد، إلى صلة الأرحام وينهون عن الفواحش في الظلم، هذا كله أمور يعني تقبلها الفطر السليمة، والعقول الصحيحة، النظر إلى سيرته -عليه الصلاة والسلام- قبل نبوته تبين أنه ليس نبيًا كاذبًا -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا لما قال لخديجة أم المؤمنين: (إني خشيت على نفسي) لما عرض له جبريل في غار حراء، قالت أم المؤمنين خديجة: (كــلا والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) والمقصود أن من كانت هذه صفاته فإن حكمة الله -سبحانه وتعالى- تأبى أن يخزي من يكون موصوفًا بهذه الصفات عليه أفضل الصلاة والسلام.

يقول: بالنسبة للفرق بين النبي والرسول وهل يكون كل نبي رسول، وكل رسول نبي؟.

هذه المسائل من المسائل التي يتحدث عنها العلماء كثيرًا، ولعلنا نوجز الكلام فيها، ونقول: أن الفرق ثابت، نبدأ بالمقدمة هذه، أن الفرق ثابت بين النبي والرسول، خلافًا لمن ادعى الترادف، فنقول:

الفرق ثابت سواء لو جئت إليه من جهة اللغة، فالنبوة إما مأخوذة من الإنباء أو الإخبار أو مأخوذة من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض، والإرسال معناه في اللغة واضح، سواء قلنا هو التوجيه أو البحث، فالمقصود أن الفرق في اللغة ثابت، وأيضًا الآيات دلت على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ ﴾ [الحج: 52] والعطف يقتضي المغايرة، وأيضًا هذا جاء في حديث البراء في الدعاء الذي يُقال عند النوم، والذي جاء فيه أنه -عليه الصلاة والسلام- عَلَّمَ البراء الدعاء وجاء فيه أنه قال: (وبنبيك الذي أرسلت) فقال البراء: (فجعلت أستذكرهن وأقول: (برسولك الذي أرسلت) فقال -عليه الصلاة والسلام-: (لا..، وبنبيك الذي أرسلت) فهذا دليل آخر. الدليل الثالث: حديث أبي ذر الطويل وإن كان فيه كلام لكن من أهل العلم من يثبته حديث أبي ذر في عدد الأنبياء والرسل وأنه -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، وأن عدد الرسل من ذلك ثلاثمائة وبضعة عشر، الذي عرف في الفرق المشهور الذي ذكره ابن كثير ونقله الشارح أن النبي هو من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بالتبليغ، وأن الرسل من أوحي إليه بوحي وأمر بالتبليغ، لكن من أهل العلم من تعقب ذلك، ويفهم من كلام شيخ الإسلام أنه يرد هذا الكلام.

وخلاصة الكلام في هذه المسألة ولعله أقرب الأقوال في الفرق بين النبي والرسول: أن النبي والرسول كلاهما يبلغ، ويدل على ذلك حديث أنه -عليه الصلاة والسلام- لما رأى الأمم قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط) فكون النبي معه الرهط ومعه الرجل والرجلان معناه أنه بلغ أليس كذلك؟! فذاك استجاب له رهط وذاك استجاب له واحد أو اثنين، وهناك من لم يستجب له، فالذي يظهر -والله أعلم- أن الأنبياء يُبِلغون، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (العلماء ورثة الأنبياء) وإذا كان العلماء يبلغون فلا شك أن الأنبياء يبلغون من باب أولى.

المقصود أن الجميع يبلغ، والفرق أن الرسول يبعث إلى قومٍ مخالفين، هذا هو الفرق، فنقول مثلًا موسى -عليه السلام- رسول؛ لأنه بعث إلى قوم مخالفين، إلى قوم كفار، كذا نوح وهكذا، هذا الذي يقال في الفرق بينهما والله أعلم.

يقول: هل يحدث المعجزات على يد أولياء الله كما نسمع من بعض الناس؟.

يعني معجزة تحدث لولي؟

تخرق العادة مثلً.

يعني ما يمكن، هو لا شك أن أولًا نحن لا نريد أن نشغل أنفسنا بالفرق بين كرامات الأولياء وبين آيات الأنبياء أو معجزات الأنبياء، والسبب في هذا -أيها الإخوة-: أن كرامات الأولياء نعتبرها من معجزات الأنبياء، يعني هذا الولي هذا الرجل الصالح ما حصلت له الكرامة إلا بسبب اتباعه للرسول، أما أن يظن أن الأولياء الصالحين يحصل لهم أمر معجز أو خارق للعادة مثل ما يحصل للنبي فليس الأمر كذلك، نعم هم يحصل لهم أمر خارق للعادة، لكن خرق العادة الذي يقع لهم دون خرق العادة الذي يحصل للأنبياء، هذا الذي يمكن أن يقال في التفريق بينهما.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وأنه خاتم الأنبياء).
هنا مسألة (وأنه خاتم الأنبياء) -عليه الصلاة والسلام-، ختم النبوة جاء مقررًا بالكتاب والسنة والإجماع:

أما الكتاب: فعندنا الآية الكريمة، قال -عز وجل-: ﴿ مَا
كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب: 40] وقرأ الجمهور بكسر التاء ﴿ وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ ﴾ فهو -عليه الصلاة والسلام- هو خاتم الأنبياء أي به ختمت النبوة فلا نبي بعده -صلى الله عليه وآله وسلم-.

وأما الأحاديث: فالأحاديث في هذا متواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- منها ما جاء في الحديث: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) فهو -عليه الصلاة والسلام- هو خاتم الأنبياء ببعثته انقطعت النبوة وختم الوحي فلا نبي بعده -عليه الصلاة والسلام-، هذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا لا نزاع فيه، ومع هذا كله مع أن هذا الأمر قد فُرغ منه من خلال الأدلة الواضحة من القرآن سواءً الأدلة الصريحة بأنه -عليه الصلاة والسلام- خاتم الأنبياء أو أن هذه الرسالة ناسخة فلا حاجة إلى رسول بعده -عليه الصلاة والسلام- أو أن هذه الرسالة عامة أو أن الأحاديث المتواترة أو إجماع الأمة ومع هذا وجد في هذه البشرية من يدعي النبوة، لكن من رحمة الله بالبشر أن الذين يدعون النبوة سرعان ما يهلكهم الله -سبحانه وتعالى-، بدءًا لو جئنا مثلًا بمسيلمة الكذاب إلى رشاد خليفة -أحد المتنبئين المعاصرين- نجد أن هؤلاء لا يمكثون طويلًا، سرعان ما تحل بهم العقوبات والمثولات، لماذا؟ لأن أدعياء النبوة يحصل على أيديهم من التضليل والتلبيس وحكمة الله -تعالى- تأبى أن يمكن لهؤلاء المتنبئين الكذابين، وانظر في تاريخ أدعياء النبوة ما أكثرهم- لا كثرهم الله- لكن سرعان ما تحل بهم العقوبات والمثلات.

وفي هذا المقام أذكر قصة طريفة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شرح العقيدة الأصفهانية وهي: أن أحد ملوك النصارى كان عنده مجموعة من الرجال النصارى ومن القساوسة، فقام رجل نصراني من هؤلاء فطعن في نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، تطاول هذا النصراني الأفاك وسب النبي -عليه الصلاة والسلام- في حضرة هذا الملك النصراني، هذا الملك النصراني سأل القساوسة الآخرين، وسألهم عن المتنبئ الكذاب كم يمكث؟ فقال هؤلاء -وعندهم علم بالكتاب- فقالوا: المتنبئ الكذاب لا يمكث طويلًا، لا يعيش كثيرًا، فعندئذ هذا الملك النصراني حرك عقله وقال: هذا دين محمد -عليه الصلاة والسلام- له مئات السنين ومع ذلك حصل لهذا الدين التمكين والانتشار والقبول مما عم البشر، فعرف الملك النصراني أن هذا الرجل الذي تطاول على النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رجل كذاب، وأنه أفاك ثم أمر بضرب عنقه، فالملك النصراني أمر بضرب عنق هذا الرجل؛ لأنه عرف أن طعنه في النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كذب وإفك، فالمقصود أن رحمة وحكمته تأبى أن يمكن للمتنبئين الكذابين فلله الحمد والمنة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (قوله: وإمام الأتقياء).
نعم هو -صلى الله عليه وسلم- هو (إمام الأتقياء) يعني هو الذي يؤتم به -عليه الصلاة والسلام- ويقتدى به وهو قدوتنا جميعًا عليه أفضل الصلاة والسلام قال -عز وجل-: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] أيضًا يمكن أن نفسر هذه العبارة ونبينها كما جاء ذلك في حديث أبي بن كعب أقرأ عليكم، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم ولا فخر) أخرجه الترمذي وحسنه، وأخرجه أيضًا الإمام أحمد، هنا نص -عليه الصلاة والسلام- قال: (إمام النبيين) فهو إذا كان إمام النبيين فهو إمام سائر المتقين.

قال -رحمه الله تعالى-: (وحبيب رب العالمين).

لا هو قبلها (سيد المرسلين) أليس كذلك؟ نعم هو (سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين) -عليه الصلاة والسلام-، هنا (سيد المرسلين) نعم هو سيدنا -صلى الله عليه وسلم-، جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) فهو -عليه الصلاة والسلام- هو سيد البشر.
هنا عرض العلماء مسألة التفضيل بين الأنبياء وكونه -عليه الصلاة والسلام- في حديث آخر قال: (لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) فوقع إشكال في هذا أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (لا تفضلوني على موسى) وهنا قال -عليه الصلاة والسلام-: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) والعلماء جمعوا بينهما بعدة أجوبة من أظهرها أن يقال: إن التفضيل المنهي عنه في حديث (لا تفضلوني) التفضيل المنهي عنه إذا كان على سبيل الحمية والعصبية، فإذا كان التفضيل ليس على سبيل الحمية والعصبية وهوى النفس فلا إشكال في ذلك، أو بعبارة أخرى كما يقول بعض العلماء: إذا كان في التفضيل انتقاص للمفضول فيمنع، أما إذا كان هذا التفضيل ليس فيه انتقاص في حق المفضول فلا إشكال فيه كما دل عليه حديث (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) أو ما جاء في الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾[البقرة: 253].
العبارة التي قرأها أخونا وهي عبارة: (وحبيب رب العالمين) هنا هذه العبارة يعني نبه العلماء على جملة من الملحوظات عليها كان الأليق والأدق أن يقال في حقه -عليه الصلاة والسلام- أن يقال: هو خليل رب العالمين، وموجب ذلك ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أن هذا الذي ثبت في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه هو خليل الرحمن، وجاء ذلك في حديث أخرجه مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلً)، وفي حديث آخر أخرجه مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الرحمن) يعني نفسه -عليه الصلاة والسلام-، فالمقصود أن الذي ثبت في الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- هو خليل الرحمن -عليه الصلاة والسلام-، وأما ما جاء أنه حبيب رب العالمين، نعم هذا ورد لكن كما بين أهل العلم أن ذلك لم يثبت عنه -عليه الصلاة والسلام-، جاء في الحديث: (أن العباس يحشر بين حبيب وخليل)، أو الحديث الآخر: (ألا إن إبراهيم هو خليل الرحمن، وأنا حبيب رب العالمين) لكن هذه الأحاديث لا تثبت، وإن الذي ثبت في صحيح مسلم وغيره ما سمعناه.
الأمر الثاني: أن الخلة أخص وأعلى، فالحب مراتب وأعلاها مرتبة الخلة، فالخلة هي أعلى مراتب المحبة وفيها اختصاص، فيها تخصيص؛ ولهذا الله -سبحانه وتعالى- لم يختص بالخلة إلا إبراهيم -عليه السلام- ونبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، فلم تحصل إلا لهذين النبيين الكريمين -عليهما وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام- فالخلة أخص أما المحبة فلا، ليس فيها ذاك الاختصاص والانفراد فالله -سبحانه وتعالى- يحب المتقين، ويحب الصابرين فينبغي التعبير بالعبارة الشرعية، وهذا أبلغ في تعظيم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأدق في الالتزام بالعبارات الشرعية الدينية.

يقول: هل هناك مراتب لمحبة الله -تعالى- لعباده الصالحين؟ هل محبة الله لعباده لها مراتب معينة؟.

لا شك الله -سبحانه وتعالى- كما قال عن نفسه -سبحانه وتعالى- ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]، فالله -سبحانه وتعالى- عندما يحب أهل الإيمان فهذه المحبة متفاوتة، فمحبة الله -سبحانه وتعالى- لنبيه -عليه الصلاة والسلام- ليست لسائر الأنبياء ومحبته للأنبياء ليست للأولياء ومحبته للأولياء الصالحين المتبعين ليست كمحبته مثلًا لعصاة الموحدين، فالمقصود أنه -سبحانه وتعالى- إذا أحب المؤمنين فالمحبة هذه تتفاضل وتتفاوت على حسب حال الشخص وعلى حسب منزلته عند الله -سبحانه وتعالى-. هذا الذي يمكن أن يقال في هذه المسألة.

يقول: بالنسبة للإجابة السابقة قلت: إنه لا تلازم بين النبي والرسول، ألا يمكن نقول: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول؟
السؤال الثاني: الآن فيه فرق يعترون ما هم مسلمون قد ما أدري بهائية ما هو الرد العلمي لهم؟ يدعون أن هناك نبي؟.

المسألة واضحة وبينة، أنه لا شك أن عرفنا أن لاشك أن الرسول أخص، وبناء على هذا نقول: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، وهذا واضح لما جئنا إلى حديث أبي ذر والذي حسنه بعض أهل العلم أن عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرين ألف، وعدد الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر، فلا شك أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.
أما قضية القديانية والذين ادعوا النبوة يعني هذا لا شك أن هذه طوائف منسلخة عن الدين، هذه طوائف لا يعدوه، وإن عدوا أنفسهم مسلمين فقد أجمع علماء أهل السنة بل علماء أهل القبلة على أن هؤلاء خارجون عن الملة، يعني خاصة القديانية الذين يدعون أن هذا الأحمق السقيم غلام مرزا أحمد يدعوا أنه نبي، على كل القديانية هي من صنائع الإنجليز، والذي يقرأ سيرة غلام مرزا أحمد القدياني يعني هو يشرع أمام رجل أقرب ما يكون للجنون والبله فهو رجل من أذناب وأذيال المستعمر البريطاني الذي استعمر جملة من بلاد المسلمين في وقت من الأوقات، وهو مذهب كاسد، مذهبهم كاسد لولا أنه يدعم من تلك الدوائر الغربية والله المستعان.

يقول: بالنسبة لمن سب الله -سبحانه وتعالى- أو سب الرسول -عليه الصلاة والسلام- الحكم على هذا الساب، هل حكم واحد أم يختلف؟.

يعني هو -نسأل الله العافية- الذين سبوا الله -سبحانه وتعالى- أو سبوا النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا وذاك كلاهما ردة وخروج عن الملة، وهذه من أعظم الكفر، هذه ردة يسميها العلماء ردة مغلظة، يعني ليست ردة مجردة، يعني هذه ردة مغلظة يعني هي مع الكفر فيها محاربة لله ولرسوله -عليه الصلاة والسلام-؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ ﴾[الأحزاب: 57]، كون هؤلاء مطرودين من رحمة الله في الدنيا والآخرة دل ذلك على أنهم كفار خارجون عن الملة، لما قال تعالى: ﴿ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [الأحزاب: 57] والعلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- يقول: لم يجئ إعداد العذاب المهين إلا في حق الكفار، العذاب الذي فيه إهانة وفيه خزي وتبكيس لا يبكون إلا في حق الكفار، فهذا أمر ليس محل نزاع إلا أن الذين يسبون الله -سبحانه وتعالى- من جهة الفرق أن الذي يسب الله -تعالى- يستتاب، من سب الله -تعالى- فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قُتل، هذا الحكم الشرعي.

أما في حال سب النبي -عليه الصلاة والسلام- فإن الذي يسب النبي -صلى الله عليه وسلم- يقتل بلا استتابة، وموجب التفريق لا يتوهم متوهم أن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم من حق الله أبدًا، ولكن؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما يُساءُ إليه بسب أو شتم عليه أفضل الصلاة والسلام، أن هذا السب تلحقه المعرة ويلحقه الأذى، أما الله -سبحانه وتعالى- فلا يسبه الناس، فكما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 176]، فلهذا الذين يسبون النبي -عليه الصلاة والسلام- الحكم الشرعي لمن هو صاحب حكم وصاحب ولاية شرعية الحكم في هؤلاء الذين يسبون النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقتلوا بلا استتابة، يعني لو قال: أنا تبت فلا تقبل توبته في ظاهر الأمر، وإن كان صادقًا فهذا بينه وبين الله -سبحانه وتعالى- وإنما يقتل بلا استتابة؛ لأن أعظم مقاصد الشريعة حفظ الدين، وحفظ الدين لا يتأتى إلا بالحفاظ على عرضه -عليه الصلاة والسلام- والذب عنه، وعلى كل يجب أن يعلم الجميع أنه إذا غُيِّبَ شرع الله في كثير من الأمصار -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ألا فليعلم الجميع أن التطاول على النبي -عليه الصلاة والسلام- والإساءة إليه وانتقاصه إذا غُيِّبَ حكم الله -كما هو واقع في كثير من بلاد المسلمين- وللأسف إلا أن هؤلاء لا يسلمون من عقوبة الله، ولا يسلمون من المثلات، فتجد هؤلاء الذين ينتقصون النبي -عليه الصلاة والسلام- سرعان ما تلحقهم العقوبات، وهذا مصداق السورة التي نحفظها كلنا، يحفظها أهل الإسلام قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿1﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿2﴾ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ [الكوثر] دائمًا الذين يبغضون النبي -عليه الصلاة والسلام- ويتطاولون عليه هم يحصل لهم البتر، لا يحصل لهم قبول، ولا يحصل لهم عز في الدين، ولا ثواب في الآخرة، والتاريخ حافل، التاريخ حافل بأنواع من العقوبات ذكرها ابن كثير -رحمه الله- وغير ابن كثير وفي الوقت المعاصر عندنا نماذج كلها تبين أن الذين يتطاولون على النبي -صلى الله عليه وسلم- سرعان ما تلحقهم العقوبة العاجلة والله المستعان.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وكل دعوة نبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء).

هنا قال -رحمه الله-: (وكل دعوة نبوة بعده فغي وهوى) يعني هذه كلمة رائعة وجميلة من الإمام الطحاوي -رحمه الله- فالذين يدعون النبوة يعني هذا مجرد هوى، مجرد شهوة ليس ثمة عنده شبهة أو عنده شيء من إثارة من علم ولو قل ودق، وإنما هو مجرد شهوات وغي، والغي والهوى معناه متقارب؛ لأن الغي هو اتباع الهوى، فليس مبني على شيء من الشبهة أو شيء من ذلك.

ثم قال -رحمه الله- في وصف نبينا -عليه الصلاة والسلام-: (وهو المبعوث إلى عامة الجن، وكافة الورى) نعم هو -صلى الله عليه وآله وسلم- هو مبعوث إلى الثقلين معًا، مبعوث إلى البشر جميعًا قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158] فنبينا -عليه الصلاة والسلام- بعث إلى الناس كافة، للعرب ولليهود وللنصارى ولسائر الأمم، كل الأمم الموجودة الآن على سطح الأرض مطالبة باتباع النبي -عليه الصلاة والسلام-، قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) أخرجه مسلم، (ما من أحد من هذه الأمة) من أمة الدعوة، فكل الأمم مطالبة باتباع النبي -عليه الصلاة والسلام-، سواًء كان يهودًا أو نصارى أو كانوا وثنيين أو غيرهم، فهو -عليه الصلاة والسلام- بعث إلى الثقلين، بعث إلى الإنس وبعث أيضًا إلى الجن.

أما أنه بعث إلى الجن فهذا واضح من خلال ما جاء في سورة الجن وسورة الأحقاف قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 29]، فنبينا -عليه الصلاة والسلام- بُعِثَ إلى هؤلاء وأولئك، ومن حماقات بعض النصارى أنهم يزعمون أن محمدًا -عليه الصلاة والسلام- هو رسول إلى العرب فقط، يقولون: هذا رسول للعرب وليس لنا أو لليهود، فيرد عليهم برد واضح وبين ورد مفحم نقول: أنتم إذا أقررتم واعترفتم بأنه نبي وأنه نبي صادق فهو -عليه الصلاة والسلام- ما دام أنه نبي صادق هو قد قال وجاءت الأحاديث وجاءت الآيات وصار أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة هو -عليه الصلاة والسلام- يقول: إنه بعث إليكم بعث إلى الناس كافة، فإذا أقررتم بأنه نبي وصدقتم بأنه نبي صادق -عليه الصلاة والسلام- فأقروا واعترفوا بأنه بعث إلى الناس كافة بما فيهم أنتم، وعلى كلٍ بعثته -عليه الصلاة والسلام- للناس كافة هذا أمر معلوم، أمر ضروري، أمر لا انفكاك عنه يعد، أمر معلوم من الدين بالضرورة، وهذا يوجب علينا نحن معشر المسلمين والمسلمات أن نسعى إلى تبليغ دين الله -سبحانه وتعالى- وأن على البشرية سواءً كانوا يهودًا أو نصارى أو غيرهم عليهم أن يلتزموا وأن يتبعوا وأن يدخلوا في هذا الدين الذي هو الدين الناسخ لجميع الأديان، ولن يقبل من أحد إلا أن يتبع النبي -عليه الصلاة والسلام-.

أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: نقول هذه الجملة أولًا: "النبوة اصطفاء ودلائل النبوة كثيرة" هذه الجملة بعد ما كتبناها نقول في الجملة التالية "رد على مقالتين" اذكرهما واذكر أصحابهما؟ يعني اذكر ما يخالف ذلك. واذكر من هم أصحاب تلك المقالات المخالفة.
السؤال الثاني: أيهما أخص الخلة أم المحبة؟ مع التعليل؟
وبقيت العبارات التي معنا لعلنا سنمر بها -إن شاء الله- في الأسبوع القادم.

يقول: ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا تفضلوني على غيري من الأنبياء) ونحن نقول: "خير خلق الله وخير الأنبياء" فكيف نجمع بين ذلك؟.

يبدو أن الأخ ما انتبه إلى الكلام في المسألة، طبعًا الحديث الذي ورد سمعناه أنه قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تفضلوني على موسى) وجاءت له ألفاظ، والعلماء لهم عدة أوجه في الجمع، لكن قلنا الوجه الذي ذكره الشارح وغيره وهو أن التفضيل بين الأنبياء جائز ما لم يكن على سبيل الهوى والحمية والعصبية، فلا نقول إن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أفضل من عيسى أو نقول أفضل من الأنبياء، سائر الأنبياء، ما دام أن هذا التفضيل ليس على سبيل الهوى ولا على سبيل الحمية فهذا جائز ولا إشكال فيه.

nary_jon
04-27-2008, 02:05 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس السادس : القرآن كلام الله عز وجل


المحاضرة السادسة

القرآن كلام الله عز وجل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
الموضوع الذي سنتحدث عنه في هذا الدرس بإذن الله -سبحانه وتعالى- عن مسألة أن القرآن كلام الله، لكن بقي عندنا مسألتان في الدرس السابق:

الأولى: لما قال -رحمه الله- في شأن محمد -صلى الله عليه وسلم-: (وهو المبعوث إلى كافة الجن وعامة الورى بالهدى والحق والنور والضياء) نحب أن نشير إلى معنى الحق في هذه العبارة، فالحق -أيها المشاهدون والمشاهدات- الحق له معنيان:

الأول: الثابت الموجود.

الآخر: هو النافع المقصود.

فالحق يطلق على الثابت الموجود، كأن نقول مثلاً
: عذاب القبر حق، يعني أنه ثابت وموجود، ونقول أيضًا: الحق يطلق على النافع المقصود، كما ورد في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (الوتر حق) يعني صلاة الوتر، فلا شك أن صلاة الوتر فيها من النفع ما فيها.

وفي المقابل سيكون الباطل أيضًا له معنيان:

فقد يطلق الباطل على المعدوم.

وقد يطلق الباطل على ما لا نفع فيه.

ومن ذلك قول النبي -عليه الصلاة والسلام- قوله: (كل لهو باطل إلا ثلاثة) أي كل لهو باطل -أي لا نفع فيه- إلا ثلاثة التي جاءت في حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-.

الأخرى: هنا لما قال -رحمه الله-: (بالحق والهدى والنور والضياء) فلا شك أن بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- أن فيها النور، وفيها الإشراق وفيها الهدى؛ ولهذا سمى الله -تعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- سماه سراجًا منيرًا، وهذا الوصف كما بين بعض العلماء هذا الوصف أبلغ من ما جاء في تسمية الشمس ووصفها بأنها سراج وهاج، فالشمس يقال عنها أنها سراج وهاج -كما جاء ذلك في التنزيل- لكن لما يقال: وهاج ففيه حرارة قد يحصل فيها شيء من الأذى والألم لكنه -صلى الله عليه وسلم- هو السراج المنير الذي سيرته وبعثته ورسالته -عليه الصلاة والسلام- كلها نور وكلها خير، وفيها المصالح في العاجل والآجل.

لعلنا نقف عند هذا ونبدأ الآن في موضوع الدرس الجديد.

يقول: ما حكم من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- وضرب مثالًا بالذمي الذي يسب النبي -صلى الله عليه وسلم- هل يصبح محاربًا؟.

سبق أن تحدثنا بإيجاز وقلنا: من سب النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو كافر خارج عن الملة حلال الدم والمال، وهذه مسألة محل إجماع، سواءً استحل ذلك أو لم يستحله، إذا سب النبي -عليه الصلاة والسلام- فإنه يكفر سواءً استحل ذلك، يعني ظنه أن ذلك حلالًا أو ظن أنه حرام وفعل ذلك، فهو كافر حلال الدم والمال، وإن كان الساب ذميًا له عهد الذمة، فإن كان ذميًا ففي هذه الحالة ينتقض عهده ويُقتل، وقد بسط هذه المسألة -بسطها بشيء من البسط والإطناب- شيخ الإسلام -رحمه الله- في كتابه الحافل "الصارم المسلول في الرد على شاتم الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-".

يسأل عن: هناك كتب كثيرة في العقيدة تختلف أسماؤها، يعني مثلًا العقيدة التدمرية، العقيدة الطحاوية، والعقيدة الواسطية، هل هناك اختلاف في مضمونها؟.

لا.. هذه الكتب المذكورة في السؤال كلها من كتب عقائد أهل السنة -ولله الحمد- فعندما نقول: العقيدة الطحاوية نسبة إلى المؤلف -كما نعرف- نسبة للإمام الطحاوي الذي ألفها، وعندما مر بكم في العقيدة الواسطية فهذه ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية، وسميت بالواسطية؛ لأن السائل الذي من أجله كتبت هذه العقيدة رجل من بلدة واسط في العراق -أحد القضاة من بلدة واسط- طلب من شيخ الإسلام ابن تيمية أن يصنف رسالة في العقيدة له ولأهل بيته فكتب الشيخ هذه الرسالة؛ فسميت الواسطية نسبة إلى السائل الذي طلب تصنيف هذه العقيدة.
كذلك أيضًا لما تأتي الرسالة التدمرية فكما بين ابن عبد الهادي -رحمه الله- تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليهم جميعًا- أن هذه الرسالة سميت بالتدمرية؛ لأن هذه الرسالة كتبها شيخ الإسلام لبعض طلاب العلم من أهل تدمر في بلاد الشام، وإلا فكلها -ولله الحمد- عقائد على طريقة أهل السنة والجماعة -ولله الحمد-.

يسأل عن: انتقاد بعض الأشياء التي وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- هل تدخل في سبه أو التعدي عليه؟.

إذا كان هذا الانتقاد فيه انتقاص وتطاول، فلا شك أن هذا يعد سبًا، السب ضابطه هو العرف، فما كان شتمًا أو ما كان فيه من انتقاص فهذا يعد سبًا للنبي -عليه الصلاة والسلام-، والذي يقرأ كلام العلماء فيما يتعلق بمقام النبي -عليه الصلاة والسلام- وجنابه يجد أن العلماء حذروا وشددوا في هذا الباب، والذي يقرأ مثلًا ما قرأه القاضي عياض -رحمه الله- في كتاب "الشفاء" يجد أن العلماء من باب حماية جناب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- والذب عن عرضه الشريف -عليه أفضل الصلاة والسلام- نجد أنهم يحكمون أحكامًا صارمة في مثل أشياء أحيانًا يتساهل فيها جملة من الناس لاسيما هؤلاء الذين ابتليت بهم الأمة من هواة الأقلام، والذين يسودون الصحائف بكلام لا يخلو من سب وتطاول عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله -تعالى- بالحقيقة، ليس بمخلوق كلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر؛ حيث قال تعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ [المدثر: 26]، فلما أوعد الله بسقر لمن قال ﴿ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 25]، علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر).

المسألة الأولى: نبدأ بهذه العبارة، هذه العبارة الطويلة التي بسطها الإمام الطحاوي في مسألة الكلام الإلهي، وعلى سبيل الخصوص في مسألة القرآن، وأن القرآن كلام الله -عز وجل- نحب أن نشير إلى أمور:

الأمر الأول: أن هذه المسألة لها صلة بالمسألة التي قبلها، فالكلام السابق في تقريراته -رحمه الله- فيما يتعلق برسالة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، فلما تحدث في هذه المسألة عن حق النبي -عليه الصلاة والسلام- وشيئًا من صفاته، وشيئًا من شمائله -عليه الصلاة والسلام- ناسب أن يتحدث عن شيء من معجزاته فتحدث عن أهم المعجزات، وهي المعجزة الخالدة وهي معجزة القرآن الذي هو كلام الله -سبحانه وتعالى-، هذا أمر.

الأمر الثاني: أن ثمة صلة بين الإيمان بكلام الله والإيمان بالرسالات، الإيمان بالرسالة أو برسالات الأنبياء هو في الواقع هو إيمان بكلام الله -عز وجل-، فالذي يكذب أن الله -تعالى- يتكلم، من كذب أن الله -تعالى- متكلم بالقرآن أو بالوحي ففي الحقيقة هذا مكذب بالرسالات، فينبغي أن تكون المسألة واضحة عندنا في مسائل الاعتقاد، وسبق أن بينا في موضع سابق وأكدنا على أهمية أنه عندما نتحدث عن مسائل الاعتقاد ينبغي أن ينتبه المشاهد والمشاهدة وكذا الإخوة الحاضرين معنا الآن أن ثمة ترابط وتداخل وتلازم بين مسائل الاعتقاد، فمسألة الكلام الإلهي لا تنفك عن موضوع الرسالات.

نبدأ الآن في الحديث عن هذه المسألة، وفي البداية ينبغي أن نوطن أنفسنا أن هذه المسألة من المسائل الشائكة، وكما قال بعض أهل العلم: مسألة الكلام حيرت الأنام، ولعلنا نبدأ بعرض مذهب أهل السنة والجماعة، مذهب أهل الحق في مسألة القرآن، نعرض لهذا بإيجاز مع شيء من الأدلة، وإذا اتضح لنا مذهب أهل السنة، سيتضح لنا مذاهب المخالفين، ونورد مذاهب المخالفين بشيء من الإيجاز.

ابتداءً نقول:

الأمر الأول: صفة الكلام صفة كمال. وهذا معلوم عند العقلاء، ولا شك أن الشخص عندما يوصف بأنه أخرس أو يكون أخرسًا فلا شك أن هذا يعد نقصًا ويعد عيبًا.

وإبراهيم الخليل -عليه السلام- عاب على المشركين أنهم اتخذوا الأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم، عندما قال لهم: ﴿ فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 63]، فهذا أمر، فكونه -سبحانه وتعالى- يوصف بالكلام لا شك أن هذا أمر دل عليه الكتاب وأيضًا دلت عليه الفطرة، ودل عليه العقل الصريح، أن الذي يتكلم أكمل ممن هو أخرس لا يتكلم.
الأمر الثاني: وهو الذي يعنينا بالدرجة الأولى: أن كلام الله غير مخلوق، وهذه قضية حصل فيها من اللبس والتلبيس والتضليل في زمن الخليفة المأمون والخليفة الواثق، وقبله الخليفة المعتصم، حصلت في عهد هؤلاء الثلاثة محنة ابتليت بها الأمة، وثبت الإمام أحمد -رحمه الله- وبين أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فنحن ندين الله -تعالى- أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فالقرآن كلامه، وكلامه -سبحانه وتعالى- صفة من صفاته، وما دام أنه صفة من صفاته، فالصفة تتبع الموصوف، فإذا كان الله -عز وجل- ليس مخلوقًا فكذلك صفاته، ومنها الكلام ليست مخلوقة، قال -عز وجل-: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ [التوبة: 6].

الأمر الثالث: نورد بعض الأدلة في تقرير هذه المسألة؛ لأن عندنا جملة من الطوائف تنكر ذلك، عندنا المعتزلة تقول بخلق القرآن، الخوارج بما فيهم الإباضية يقولون بخلق القرآن، وكذا الروافض ونحوهم، فنذكر بعض الأدلة التي تكون واضحة عندنا في تقرير أن القرآن كلام الله غير مخلوق، من الأدلة على ذلك:

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]. فهنا لما قال -عز وجل-: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ نلحظ أن الله -تعالى- عطف الأمر على الخلق، والعطف يقتضي المغايرة، ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ فدلت الآية الكريمة على أن الخلق غير الأمر، أليس كذلك؟ والقرآن يفسر بعضه بعضًا، إذا نظرنا إلى هذه الآية وعرفنا أن الخلق غير الأمر، نقول: الأمر هو كلامه وقوله، كيف عرفنا أن الأمر هو كلامه وقوله؟ من آيات أخرى وهي قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82].

فالمقصود أن الخلق غير الأمر، والأمر هو كلامه وقوله، فدلت الآية الكريمة أو دلت الآيتان على أن كلام الله غير مخلوق للمغايرة بين الأمر وهو قوله وكلامه كما في الآية الأخرى والخلق.

الدليل الثاني: أيضًا ما جاء في سورة الرحمن، قال تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ ﴿1﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿2﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ ﴾ [الرحمن: 1- 3] فأيضًا كذلك لما غاير فقال: ﴿ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴾ ما قال: خلق القرآن، قال: ﴿ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿2﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ ﴾ فدل ذلك على أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن من علم الله، وعلم الله غير مخلوق، هنا لما قال: ﴿ الرَّحْمَنُ ﴿1﴾ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ﴿2﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ ﴾ فدل ذلك على أن القرآن غير مخلوق لهذه التفرقة، والقرآن من علم الله، وعلم الله غير مخلوق، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران: 61] وما العلم الذي جاء النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ هو القرآن، هو الوحي الذي أوحى الله به إلى نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

الدليل الثالث: أيضًا من الأدلة على أن كلام الله غير مخلوق: ما جاء في حديث خولة بنت حكيم: قال -عليه الصلاة والسلام-: (من نزل منزلًا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك) أخرجه مسلم.

هذا الحديث الشريف استدل به الإمام أحمد بن حنبل على أن كلام الله غير مخلوق، ما وجه الدلالة؟ وجه الدلالة أن الاستعاذة لا تكون بمخلوق، فدل هذا الحديث الشريف على أن كلام الله غير مخلوق؛ لأنه لا يستعاذ بمخلوق، إنما يستعاذ بالله أو بصفاته والصفات تابعة لذاته والله أعلم.

هذه بعض الأدلة التي ذكرناها في هذه العجالة في هذه المسألة، إذن ننتهي الآن من المسألة الأولى: أن كلام الله غير مخلوق.
المسألة الثانية: أن الله -سبحانه وتعالى- يتكلم بحرف وصوت، فنقول: هذا القرآن هو بحرف وصوت، ما الدليل على هذا؟ الدليل على أنه بحرف: ما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم: أن جبريل -عليه السلام- قال للنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته) الشاهد في الحديث بين، أنه قال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهم) فدل الحديث على أن كلام الله من حروف، وعندنا الحديث المشهور، وهو ما جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (من قرأ "الم" فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "الم" حرف، ولكن "ألف" حرف، و"لام" حرف، و"ميم" حرف...) الحديث، فدل ذلك على أن الله -تعالى- يتكلم بحرف.

أيضًا هو -سبحانه وتعالى- يتكلم بصوت، وصوته -سبحانه وتعالى- لا يماثل أصوات العباد، كما أن ذاته -سبحانه وتعالى- لا تماثل الذوات، ما الدليل على أنه -عز وجل- يتكلم بصوت؟

الدليل على هذا: الآيات التي وصف فيها الرب -سبحانه وتعالى- بالنداء، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ ﴾ [مريم: 52] هذا في شأن موسى كليم الرحمن، وفي آية أخرى، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى ﴾ [الشعراء: 10] وكما قال ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "مختصر الصواعق المرسلة" قال: «النداء في لغة العرب لا يكون إلا بصوت» والنداء ذكر في تسع آيات من كتاب الله -عز وجل- إذن نقول: النداء ذكر في كم آية إذن؟ في تسع آيات، لأن النداء في لغة العرب لا يكون إلا بصوت، وجاء إثبات الصوت صريحًا وجاء نصًا في حديث عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه-، الحديث الذي أخرجه البخاري تعليقًا، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله -تعالى- ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) فعندك هذا حديث نص صريح في إثبات الصوت لله -عز وجل-، بل هذا الحديث أيضًا يبين لنا أن صوت الله -عز وجل- لا يماثل الأصوات، لاحظ هنا في الحديث ماذا قال؟ قال: (يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) وهذا يبين أن صوته لا يماثل أصوات العباد، وهذا أمر بين؛ لأنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11] لكن أنت وأنا وكل مخلوق، يعني صوتك يسمعه القريب لكن لا يسمعك البعيد كما هو ظاهر وكما هو معلوم، إذن نخلص من هذا أن الله -تعالى- يتكلم بحرف وصوت.

المسألة الثالثة: أنتقل إلى مسألة ثالثة، ولا زلنا نقرر مذهب أهل السنة في باب الكلام الإلهي ألا وهو المسألة الثالثة نقول: إن صفة الكلام ذاتية فعلية، والقرآن من كلام الله، فالله -سبحانه وتعالى- يتكلم متى شاء إذا شاء، لاحظ نحن نقول: ذاتية ثم نقول: فعلية، لما نقول: ذاتية المقصود: أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالكلام منذ الأزل، وإذا تكلم -سبحانه وتعالى- وفق مشيئته وإرادته -عز وجل- فلا يعني أنه سبحانه كان معطلًا عن الكلام حتى تكلم -تعالى الله عن ذلك- فهو موصوف بالكلام، وموصوف بسائر صفات الكمال منذ الأزل.


لما نقول: ذاتية فعلية، يعبر العلماء أحيانًا عنها بعبارة أخرى، ويقولون: قديم النوع حادث الآحاد، ما معنى قديم النوع؟ قديم النوع يعني أن الله -تعالى- موصوف بالكلام منذ الأزل، وإذا قالوا: حادث الآحاد أي أفراد كلامه وآحاد كلامه متعلق بمشيئته واختياره، فهو يتكلم متى شاء كيف شاء، قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، وبهذا يتضح لنا أن كلامه صفة ذاتية فعلية قديم النوع حادث الآحاد، وعرفنا أن معنى كلمة حادث أي متعلق بمشيئته، مثل ما قال تعالى: ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1].

المسألة الرابعة: ننتقل إلى مسألة أخرى نختم بها مذهب أهل السنة وهي أننا نقول: (منه بدأ وإليه يعود) فهذا القرآن العظيم منه بدأ من الله تكلم به ابتداءً، وعندما نقول: منه بدأ، الدليل على ذلك: ما جاء في الآيات الكثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ﴾ [السجدة: 13]، ومنها قوله تعالى: ﴿ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [الزمر: 1]، لما نقول: ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ﴾ من هنا ابتدائية، فالقرآن تكلم الله -تعالى- به ابتداءً.

أيضًا لما نقول: (وإليه يعود) ما معنى (وإليه يعود) قرره أهل السنة بناءً على الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي أنه جاء في الحديث في آخر الزمان، قال -عليه الصلاة والسلام-: (وليسري على كتاب الله في ليلة فلا يبق في الأرض منه آية) ففي آخر الزمان، وآخر الزمان قبيل قيام الساعة، الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح، ففي ذاك الحال، عندئذ ينزع القرآن من الصدور ويرفع من السطور فلا يبقى في الأرض منه آية.

هذا خلاصة مذهب أهل السنة نقول: الكلام صفة كمال، ونقول: إن الله -سبحانه وتعالى- كلامه غير مخلوق -هذا أولًا- ثم قلنا: إنه بحرف وصوت، وإن صفاته ذاتية فعلية، وقلنا منه بدأ وإليه يعود.

يقول: ما ذكرتم من هذا الحشد العظيم من الأدلة التي تثبت أن الله -جل وعلا- متكلم بالقرآن يقودنا سؤال عن أصل الشبهة في خلق القرآن، كيف وردت هذه الشبهة لدى من قال بخلق القرآن؟.

يبدو أن شبه الذين يعطلون الصفات وينفون الصفات ومنها هذه المسألة التي تشير إليها، الشبهة هي زعمهم أنهم يظنون ويزعمون أن إثبات الكلام للرب -سبحانه وتعالى- أنه يلزم من ذلك التشبيه والتجسيم، هذه الشبهة التي يظنونها، فهم يقولون: لو أثبتنا أن الله -تعالى- يتكلم معناه أنه إذا قلنا يتكلم معناه لا نعقل من يتكلم إلا وله شفتين أو له لسان ونحو ذلك، فيقولون: إثبات الكلام يستلزم التشبيه والتجسيم، وهذه شبهة مردودة، نحن نقول للمعتزلة: أنتم يا معشر المعتزلة، تثبتون الأسماء لله، تثبتون الله -تعالى- سميع بصير عزيز حكيم ونحو ذلك، ما دام أنكم أثبتم أنه عزيز حكيم، فالمخلوق يقال عنه حكيم، وهم يقولون: لا... الحكيم الذي هو الله ليس كالحكيم الذي هو المخلوق، فنقول: أيضًا كذلك الصفات، ومنها الكلام لله، وصفات الله تليق به، كما أن صفات المخلوق تختص به، فالمقصود أن هؤلاء القوم انقدح في ذهنهم التمثيل، والتشبيه، فدفعوا هذا بالتعطيل، وزعموا أن الله -تعالى- لا يتكلم؛ ولهذا العلماء دائمًا يقررون أن كل معطل ممثل، يعني هؤلاء المعتزلة المعطلة، ولاحظ الآن مذهب المعتزلة سرى إلى الفرق الأخرى، يعني هذا المذهب المنحرف في مسألة الكلام لله قاله المعتزلة، لكن تأثر به الخوارج، ولا يزال الخوارج عندهم هذا المذهب الفاسد، وكذلك أيضًا الروافض على هذا المذهب الفاسد.

فالمقصود أن كل معطل ممثل، هذا الذي يعطل الصفات قبل أن يظهر التعطيل انقدح في ذهنه التمثيل فدفعه بالنفي والتعطيل.

يقول: هل هناك فرق بين كلام الله وبين الحديث؟ بين الكلام وبين الحديث على الإطلاق؟.

يعني لا شك أن كلام الله -سبحانه وتعالى- هو كلامه لفظًا ومعنًى، اللفظ والمعنى من عند الله، لكن الحديث لا شك أن الحديث هو وحي من الله كما قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4] لكن من الذي تكلم به؟ هو نبينا -عليه الصلاة والسلام-، فإذا قال مثلًا قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنما الأعمال بالنيات) نقول: لا شك أن هذا وحي من الله -سبحانه وتعالى- أوحاه إلى نبيه بناءً على الآية الكريمة ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، لكن من الذي تكلم بهذا من الذي قال (إنما الأعمال بالنيات)؟ الذي تكلم بهذا هو نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام-.

يبقى الإشكال في مسألة الحديث القدسي التي أحيانًا ترد أن الحديث القدسي يأتي قول: قال الله تعالى، فنحن نقول: الحديث القدسي، وإن كان هنا يقول: قال الله -تعالى-، مثلًا: قال الله -تعالى-: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) فالحديث القدسي هو كلام الله لفظًا ومعنًا، لكن الفرق أن الحديث القدسي لا يتعبد بتلاوته كما يتعبد بالقرآن، ولا يجزئ قراءته في الصلاة كما يجزئ القرآن، هو كلام الله لكن لا يتعبد بتلاوته، ويروى بالمعنى ولكن القرآن لا يروى بالمعنى، والقرآن متعبد بتلاوته والله أعلم.

يا شيخ -عفوًا- هذا يفهم من كلامك أن كلام -جل وعلا- غير مقصور على القرآن فقط، وإنما هناك كلام لله غير القرآن؟.

كلام الله -عز وجل- نستطيع أن نقول إذا نظرنا إليه هو أعم من الوحي، قد يكون أعم من الوحي، وقد يكون- كما بين أهل العلم- أخص، وبينهما عموم وخصوص من وجه، لما قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى ﴾ [القصص: 7] فما أحد يظن أن الوحي هنا كلام الله، وإنما هذا إلهام، ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا ﴾ [النحل: 68] فهذا وحي بمعنى الإلهام، ليس وحيًا بمعنى أن الله -تعالى- أوحى إليهم وحي بمعنى أنه جاءهم جبريل؟ أبدًا، فهنا إذا نظرنا إلى هذا الجانب يكون الوحي أعم، لكن قد يكون أحيانًا العكس، يكون الكلام أعم أو العكس.

الآية التي جاء في فيها ذكر أنواع الوحي: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾ [الشورى: 51]، فلاحظ هنا الآن صار أيهما أعم في هذه الآية الكريمة؟ ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ فهنا من هذه الآية الكريمة نجد أن الكلام أعم أم الوحي أعم؟ هنا في هذه الآية؟

الوحي.

الوحي هنا أعم، فهنا الوحي قد الله -تعالى- يكلم يكون الوحي إلهام، وقد يكون أن الله -تعالى- يكلمه بلا واسطة، وهذا حصل لمن؟ من الذي كلمه الله -سبحانه وتعالى- بلا واسطة؟
موسى عليه السلام.

موسى -عليه السلام- ونبينا -عليه الصلاة والسلام-، نبينا متى؟ لما عرج به، وأحيانًا ﴿ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾ كما في جبريل عندما يأتي للنبي -عليه الصلاة والسلام- في هيئة بشر، أو في هيئته التي خلقه الله، والله أعلم هذا الذي يحضرني في هذا المقام.

المسألة الخامسة: ننتقل إلى مسألة أخرى وهي أن نشير إلى مذهبين من المذاهب التي حصل عند أصحابها لبس، وأيضًا لمذاهبهم أثر وتأثير في العالم الإسلامي.

المذهب الأول: الذي هو مذهب المعتزلة القائلين بخلق القرآن، هؤلاء نرد عليهم ببعض الردود المهمة: من الردود التي نرد بها على هؤلاء:

نقول: أنتم لما تنفوا صفة الكلام عن الله، وتقولون أن الكلام مخلوق، هذا يلزم منه أن يوصف الله -سبحانه وتعالى- بالنقص والعيب، عندما تقول الله -تعالى- لا يتكلم، هذا يلزم منه أن يكون الله -تعالى- موصوفًا بصفة الخرس تعالى الله عن ذلك، هذا أمر.

الأمر الآخر: هؤلاء القوم عندهم من الشبهات ما عندهم، من شبهاتهم التي يتعللون بها: أنهم يتعللون بقوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16]، فيقولون: قوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يدل على أن القرآن مخلوق؛ لأن القرآن شيء فيدخل في عموم تلك الأشياء؟ فيرد على هذه الشبهة ويقال: إن معنى الآية الكريمة: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ معناها خالق كل شيء مخلوق، أما أن يتوهموا أن شيء مخلوق فلا، فالقرآن -وإن أطلق عليه شيء- فليس مخلوقًا؛ لأنه صفة من صفات الله والصفة تتبع الموصوف، ولو كان الأمر كما يزعمون فهو -سبحانه وتعالى- أطلق على نفسه أنه شيء، أليس كذلك؟ قال -عز وجل-: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ ﴾ [الأنعام: 19]، فما أظن المعتزلة فضلًا عن أن غيرهم سيقولون: إن الله -تعالى- مخلوق -تعالى الله عن ذلك-.

المقصود في الرد على هؤلاء أن نقول: إن معنى الآية الكريمة ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يعني كل شيء مخلوق، ثم نحن نرد عليهم أيضًا ونقول: هذه الآية هي حجة عليكم، حجة عليكم في مذهبكم الفاسد لما زعمتم أن أفعال العباد غير مخلوقة، طيب أفعال العباد كيف تكون غير مخلوقة؟ أنتم الآن تقولون: الإنسان مخلوق، ثم تقولون: أن أفعاله غير مخلوقة، هذا تفريق بين متماثلين، إذا كان الشخص مخلوقًا، فجزمًا أن أفعاله مخلوقة، فهذه يبين أن القوم هكذا، وهذا ديدن أهل البدع والأهواء أنهم يفرقون بين المتماثلات، ويسوون بين المختلفات، لاحظ التفريق بين المتماثلات لما يقول الإنسان مخلوق، وفعله غير مخلوق، هذا تفريق بين المتماثلات، ما دام الإنسان مخلوق، فكذلك فعله مخلوق، وأيضًا لما يسوون بين المتفرقات لما يقولون: الله -تعالى- غير مخلوق لكن كلامه مخلوق، نقول: لا.. كلامه صفة من صفاته، والصفة تتبع الموصوف، وما دام أنه -سبحانه وتعالى- ليس مخلوقًا -عز وجل- فكذا القرآن هو كلامه غير مخلوق. فهذا مما يذكر في هذا المقام.

قبل أن نواصل وأستطرد في النقاشات أحب أن أشير -أيها المشاهدون والمشاهدات أيها الإخوة الكرام- إلى أن المعتقد الصحيح يورث تعظيمًا لله -سبحانه وتعالى-، ونؤكد على هذه المسألة حتى لا نأخذ العقائد على أنها مجرد معلومات خبرية نظرية لا تحرك إيماننا أو لا تحرك قلوبنا، فإذا اعتقدنا أن القرآن كلام الله، وأن هذا الكلام يليق به -سبحانه وتعالى- عندئذ هذا يورث تعظيم للقرآن، الاعتقاد الصحيح يورث تعظيمًا، يورث إجلالًا، ولو نظرنا إلى علماء الطوائف، نجد أن علماء أهل السنة هم أكثر وأعظم العلماء تعظيمًا وإجلالًا وخدمة لكتاب الله -عز وجل-، وانتفاعًا بهذا القرآن، فهم اعتقدوا الاعتقاد الصحيح فأورثهم ذلك تعظيمًا وفتح الله عليهم، من أنواع الفتوح والمعاني وفهم القرآن ما لم يؤته أولئك المخالف، فهذه نتيجة طبيعية، نتيجة ظاهرة، شخص يعتقد الاعتقاد الصحيح هذا يورثه انتفاعًا بالقرآن، لكن شخص تلوث بالبدع والمحدثات لن ينتفع بالقرآن، لا ينتفع بالقرآن كما يجب؛ ولهذا الله -سبحانه وتعالى- قال عن هذا القرآن الكريم: ﴿ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 79]، وبين العلماء من باب الإشارة أن هذا القرآن لا يجد حلاوته ولا ينتفع به إلا أصحاب القلوب الحية الطاهرة، وهذا أمر مقرر في القرآن، قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ [ق: 37]، فالقلب الحي السالم من الشبهات والشهوات ينتفع بالقرآن، لكن القلب الملوث بالشبهات أو الشهوات لن ينتفع بالقرآن، وتكون هذه الشبهات وهذه الشهوات حواجز، وحجب تمنعه من الانتفاع بالقرآن بل تمنعه من تعظيم القرآن، الطوائف الأخرى لا يعظمون القرآن كما يعظمه أهل السنة، لا يعظمونه، أهل الكلام يقولون لك مثلًا عن القرآن: لا يقول أن القرآن دلالته يقينية يقول: دلالته ظنية، هذا طعن في القرآن، لما تأتيك نصوص الآيات واضحة بينة جلية ثم تقول: لا..، هذه دلالة ظنية ليست يقينية، هذا طعن في القرآن، طعن في دلالته، أو يأتي مثلًا البعض يقول لك مثلًا: القرآن ليس فيه أدلة عقلية -كما يقول أهل الكلام- فهذا أيضًا هؤلاء لم يقدروا الله حق قدره، ولم يعظموا كلام الله -تعالى- حق تعظيمه، سبحان الله، القرآن ما فيه أدلة عقلية؟! الله -سبحانه وتعالى- يقول عن هذا القرآن: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾[الفرقان: 33].
وجاءت أثار سلفنا الصالح مثل الإمام أحمد وعن مسروق وعن الشعبي -رحمة الله عليهم جميعًا- كلهم ينصون في هذه الآية الكريمة على أن القرآن فيه رد على كل مبتدع وعلى كل مخالف، لكن لا نهتدي له، نحن لا نهتدي له، لماذا؟ إما لقلة علمنا أو لكثرة ذنوبنا التي تحجبنا عن القرآن، وإلا لو جئت إلى كلام الأئمة الكبار، الإمام أحمد، الإمام عثمان بن سعيد الدارمي، الإمام البخاري، الأئمة الذين جاءوا من بعد شيخ الإسلام، ابن القيم إلى آخره، تجد أن هؤلاء لهم من الاستنباطات، ولهم من الردود التي يستنبطونها من القرآن ما تتعجب منه، وهذا فتح من الله -سبحانه وتعالى- على هؤلاء العلماء أصحاب القلوب الحية، فتجدهم يأتون للآية التي نقرأها صباحًا ومساءً، يقول لك في هذه الآية رد على الطائفة الفلانية، وتجدد أن الرد دلالته ظاهرة بينة جلية، هذا ما يتعلق بهذه المسألة وهو: أن الاعتقاد الصحيح يورث تعظيمًا ويحقق الموقف الصحيح تجاه هذا القرآن العظيم.

[يقول: إذا تقرر أن كلام الله -سبحانه وتعالى- غير مخلوق فمن قال بخلق القرآن ماذا نحكم عليه؟.

كلام العلماء في هذه المسألة إذا جئنا إليه نجد أن كلام أهل العلم كالإمام أحمد والأئمة الذين عاصروا هذه الفتنة، كلامهم بين ظاهر جلي؛ لأن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وهذا تجده ظاهر، بل من أهل العلم من حكى ذلك إجماعًا، كعبد الغني المقدسي، لكن الذي يجب أن نتنبه له -لاسيما في هذا الزمن- غلبة الجهل وقلة العلم الشرعي، نحب أن نؤكد أن هذا حكم يسميه العلماء تكفير مطلق، فنقول: من قال بخلق القرآن فهو كافر، لكن الأعيان الأشخاص زيد أو عمرو ممن قال بخلق القرآن لا يحكم عليه بعينه أنه كافر حتى تقوم عليه الحجة، فيجتمع الشروط وتنتفي الموانع؛ ولهذا نجد أن الإمام أحمد -رحمه الله- وقد كابد هذه المحنة وعاصرها وابتلي بها وأوذي وسجن وجلد كما هو مبسوط في رسالة محنة الإمام أحمد بن حنبل "لحنبل بن إسحاق" ابن عمه نجد أن الإمام أحمد لم يكفر مثلًا المعتصم لم؟ مع أن المعتصم هو الذي كان يباشر تعذيبه فالمعتصم لم يكن يقول بخلق القرآن فحسب بل كان يقول به، ويدعو الناس إليه ويلزمهم والذي لا يقول بذلك يضرب ويسجن ويجلد ويعاقب بأنواع العقوبات، بل وصلت المحنة أنه في أيام المفاداة بين الأسرى يعني أسرى المسلمين وأسرى الروم أنه يؤتى بالمسلم فيقال له: ما تقول في القرآن؟ فإن قال القرآن كلام الله غير مخلوق عندئذ لا تحصل مفاداة، ويبقى مع الروم -نسأل الله العافية- مع هذا كله الإمام أحمد لم يكفر المعتصم، لم؟ لأن المعتصم في نظر الإمام المبجل أحمد بن حنبل -رحمه الله- يرى أن عنده من العوارض ومن الموانع ما يمنع من تكفيره والحكم عليه بالكفر.
فهذا أمر ينبغي أن يتنبه له، وهو ما يسميه العلماء بعوارض الأهلية، وهذا أمر يقع فيه خلل، ويقع فيه إفراط وتفريط، المعين يحكم عليه بالكفر إذا تلبس به قولًا أو اعتقادًا أو عملًا، يعني هذا الكفر دل الدليل أنه كفر فيحكم عليه، لكن المعين لا ينزل عليه الحكم إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع.

عندنا أيضًا الرد على الأشاعرة، يعني مذهب الأشاعرة نوجز هذا المذهب؛ لأن له انتشار، الأشاعرة يقولون: القرآن هو الكلام النفساني، أو يسمونه أحيانًا يقولون: معنى قائم بالذات، وأن الله -تعالى- يقولون: لما تكلم تكلم بغير حرف ولا صوت، فكلام الأشاعرة فيه من الضلالات والانحرافات الشيء الكثير، لكن نقف عند بعضها:
أولًا: يقولون القرآن هو المعنى فقط، المعنى يسمونه أحيانًا: الكلام النفساني، فالحرف والصوت واللفظ هذا كله يعد مخلوقًا عندهم، هذا كلام لاشك أنه كلام فاسد للأمور الآتية:

الأمر الأول: الله تعالى لما يتكلم يتكلم بحرف وصوت، لاحظ هنا الآية التي سمعناها ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ يعني مثل ما قال الإمام أحمد: يسمع ماذا؟ بالله عليك أنت الآن لو كنت الآن عندك معنًى في نفسك، معنًى زورته في نفسك، معنًى أبطنته في قلبك أو في فؤادك، هل أحد يعرف هذا المعنى؟ أبدًا، ما يسمع الشيء إلا إذا كان حرفًا، لا يسمع إلا ما كان بحرف أو صوت.

الأمر الثاني: لما يقول لك: إن القرآن هو المعنى فقط، هذا لا يحصل به التحدي، أليس كذلك؟ يعني لو جئنا -ولله المثل الأعلى- جاءت شخص وقال لك يا فلان: أتحداك أنك تعرف ما في نفسي، هل هذا التحدي مقبول؟ لا.. ليس مقبولًا، فكيف يقال أن القرآن تحداهم بالمعنى القائم بنفسه، يعني الله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ ﴾ [البقرة: 23]، إذن تحداهم بماذا؟ هل تحداهم بالمعنى القائم بذات المعنى النفساني القائم بذاته؟ أو تحداهم بالقرآن الذي بين أظهرهم؟ تحداهم بهذا القرآن؛ ولهذا تجدي الإشارة بهذا، الإشارة للقرب الذي هو بين أظهرهم، هذه من الردود عليهم.
الأمر الثالث: إن الكلام في لغة العرب وأيضًا في القرآن إذا أطلق الكلام وأطلق القول يشمل اللفظ والمعنى، يعني الله -سبحانه وتعالى- لما قال عن المؤمنين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ﴾ [فصلت: 30]، لما قالوا: ربنا الله، هل قالوها لفظًا؟ ولا لفظًا ومعنًى؟ لفظًا ومعنًى، تلفظوا بذلك وهم يعتقدون ذلك في قلوبهم، فنقول: الكلام يشمل اللفظ والمعنى، وليس المعنى فقط، كما ظنه هؤلاء الأشاعرة.

ثانيًا: القوم يقولون: معنى قائم بالذات، لما يقولون: قائم بالذات ماذا يريدون بهذه العبارة؟ يريدون بكلمة "قائم بالذات" يريدون أن كلام الله ليس متعلقًا بمشيئته ولا اختياره، ولا شك أن هذا ترده الأدلة ومنه الآية الكريمة التي سمعناها مرارًا وهي قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ ﴾ إذا أراد يعني إذا شاء، ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، أو في الحديث الصحيح: قال -عليه الصلاة والسلام-: (إذا تكلم الله) لما قال: (إذا تكلم الله بالوحي ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله)، (إذا تكلم الله) إذن معناها ماذا؟ معناها أن الكلام متعلق بمشيئته أم لا؟ قال: (إذ) ظرف لما يستقبل. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

ثالثًا: الأشاعرة لماذا لا يثبتون الحرف والصوت؟ يظنون أنهم إذا أثبتوا الحرف والصوت أن هذا يلزم منه التمثيل، نحن نرد عليهم مثل ما رددنا على المعتزلة، ونقول: أنتم يا معشر الأشاعرة تثبتون الكلام، أنتم تزعمون أنكم تثبتون صفة الكلام، فإذا أثبتم صفة الكلام على الوجه اللائق بالله فأثبتوا الحرف والصوت على الوجه اللائق بالله، الباب واحد، القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، فكما أثبتم السمع والبصر والحياة والإرادة فأثبتوا الحرف والصوت لله على الوجه اللائق بالله.

المسألة السادسة: إذا تكلم العباد بكلام الله، هنا ما يقع الخلط بين ما يقوم به الله -سبحانه وتعالى- وبين ما يقوم به العبد، فابتداءً نقول: -أيها المشاهدون أيتها المشاهدات أيها الإخوة الكرام- القرآن حيث ما تصرف هو كلام الله، ما معنى هذه العبارة؟ لما نقول: القرآن حيث ما تصرف هو كلام الله، معناها: أن القرآن سواءً كان مكتوبًا فهو كلام الله، سواءً كان مسموعًا فهو كلام الله، سواءً كان مقروءً فهو كلام الله، سواءً كان محفوظًا فهو كلام الله، يعني مثلًا الآن أنا أمسكت القلم وكتبت على هذه الورقة "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ﴿1﴾ اللهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 1، 2]" إذن هذا المكتوب كلام الله، لكن الكتابة، هذا القلم، هذا المداد الذي كتبت به، هذا الفعل، هذا الأداء، مخلوق ولا غير مخلوق؟ مخلوق. فينبغي التمييز بين ما يكون وصفًا وما يكون من صفات العبد، أيضًا كذلك عندما نقول: هذا بالنسبة للمكتوب، بالنسبة للصوت، يعني الآن لو مثلًا الآن سمعنا قراءة مثلًا سورة الأعراف للشيخ "المنشاوي" -رحمه الله- أو للشيخ مثلًا "الشريم" مثلًا فنحن نقول: الكلام هذا كلام الله، لكن هذا صوت "الشريم" أو صوت "المنشاوي" فينبغي التفريق بين ما يقوم بالله، وما يقوم بالعبد؛ ولهذا سلفنا يقولون: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري، يعني الآن نحن صلينا مع الإمام أو سنصلي مع الإمام مثلًا المغرب -إن شاء الله- فقرأ نقول: هذا كلام الذي نسمعه كلام الله، لكن من الذي يؤدي هذا الكلام؟ بصوت من؟ بصوت هذا الإمام، فالمقصود ينبغي أن يفرق بين ما يقوم بالله من صفة وبين ما يقوم بالعبد من صفة.

لعلنا نمر بعد هذا التوضيح على كلام الطحاوي بإيجاز، هنا قال: (وإن القرآن كلام الله منه بد) كلمة (منه بد) يعني البعض أحيانًا يقول: "بدا" أي ظهر أو خرج، ومنهم أحيانًا يضبطها (ومنه بد) من الابتداء، والمعنى متقارب، سواءً قلنا: (بد) أي: ظهر، أو قلنا: (بد) من الابتداء فالمقصود: أن هذا الكلام من عند الله -سبحانه وتعالى-.
لما قال: (بلا كيفية) المقصود ب(لا كيفية) يعني نحن لا نعلم كيفية ذلك، الكيفية قد استأثر الله بها، ونحن وسط في باب صفات الله، بين أهل التمثيل والتكييف وبين أهل التعطيل والنفي.

هنا لما يقول: (منه بد) طبعًا هذه فيها رد على المعتزلة؛ لأن المعتزلة لا يقولون: إن القرآن من عند الله، أو من صفات الله، وإنما يجعلونه مخلوقًا، وهنا لما يقول المؤلف -رحمه الله-: (منه بد) في هذا رد على المعتزلة الذين يزعمون أن القرآن مخلوق.
لما قال: (بلا كيفية قولً) يشمل اللفظ والمعنى، وفي هذا رد على الأشاعرة.

قال: (وأنزله على رسوله وحيً) الكلام في هذا بين يعني (أنزله على رسوله وحيً) يعني أن جبريل -عليه السلام- سمع كلام الله، ثم بلغه نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، والنبي -عليه الصلاة والسلام- بلغه للناس، فالآن جبريل بلغ الكلام وسمعه، أحيانًا تجد في كتب علوم القرآن أو أحيانًا تجد حتى في بعض الإجازات، يقول: جبريل أخذه من اللوح المحفوظ، هذا كلام الأشاعرة، لا.. ليس كلام أهل السنة، إنما جبريل سمعه من الله -سبحانه وتعالى-، ثم بلغه نبينا محمد -عليه الصلاة والسلام-.

لما قال: (وأيقن أنه كلام الله بالحقيقة ليس بمخلوق) هذا واضح أنه رد على المعتزلة الذين يزعمون أن كلام الله مخلوق.

إذن المعتزلة للأسف أنهم شابهوا الوليد بن المغيرة الذي ذكر هنا في هذه الآيات الوليد ماذا قال عن هذا القرآن؟ قال: ﴿ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ فجعل القرآن مخلوقًا، وكذا المعتزلة شابهوا الوليد، الذين قالوا: إن اللفظ مخلوق، والمعنى غير مخلوق من هؤلاء؟ من الذين قالوا: المعنى غير مخلوق لكن اللفظ مخلوق؟ الأشاعرة، فنقول: هذا من أمثال ابن كلاب ومن سلك سبيله هؤلاء قالوا بقول من؟ أخذوا بنصف قول المعتزلة، ونصف قول المغيرة، فلهم نصيب من هذا الوعيد بقدر انحرافهم والله أعلم.

أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: اذكر دليلًا واحدًا في الرد على من قال بخلق القرآن؟
السؤال الثاني: ما دليلك على أن الله -تعالى- يتكلم بحرف وصوت؟
وبالله التوفيق
(http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)

nary_jon
04-27-2008, 02:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



الدرس السابع

تتمة الكلام عن مسألة الكلام الإلهي

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبدأ مستعينين بالله -سبحانه وتعالى- وسيكون موضوع هذا الدرس -إن شاء الله- بقية الكلام عن مسألة الكلام الإلهي، ثم الحديث عن ما قرره الإمام الطحاوي -رحمه الله- في مسألة رؤية الله -سبحانه وتعالى- للمؤمنين في اليوم الآخر.

أسئلة الحلقة الماضية


السؤال الأول كان يقول: اذكر دليلًا واحدًا في الرد على من قال بخلق القرآن.

وقد أجاب الأخ الكريم بقوله: الذين قالوا بخلق القرآن هم المعتزلة، وأدلة الرد عليهم كثيرة منها: إن قولكم كلام الله مخلوق، وإن صفة الكلام ليست صفة ذاتية فعلية لله -عز وجل-، وهذا يستلزم أن يكون الله أخرسًا تعالى الله، وهذه صفة ذم ونقص وعيب، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرً.

الإجابة طيبة لكن كان بودي أن يورد دليلًا على أن كلام الله غير مخلوق، دليل يكون أظهر، كالأدلة التي مرت بنا مثل ما جاء في قوله تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ [الأعراف: 54] أو حديث خولة بنت حكيم: (من نزل منزلًا وقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك).

بالنسبة للسؤال الثاني: أجابت الأخت الكريمة بقولها: وهو دليل تكلم الله -عز وجل- بالحرف والصوف؟ تقول: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قرأ "الم" له بكل حرف حسنة) دل على أن كلام الله بحرف، وأما التكلم بصوت فتقول: ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن الله ينادي بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ...) الحديث..

نعم الإجابة صحيحة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أن الله بصفاته ليس كالبشر).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

الإمام الطحاوي في هذه العبارة يقرر أن كلام الله -سبحانه وتعالى- لا يماثل كلام البشر، وقد قرر -رحمه الله- من قبل: إثبات الصفة، وأنه -سبحانه وتعالى- يتكلم حقيقة وعرفنا أنه لما قرر ذلك -أنه يتكلم حقيقة- رد على الذين قالوا بخلق القرآن، والذين نفوا أن يكون الله تعالى موصوفًا بصفة الكلام كما كان في كلامه السابق، وفي تقريره السابق رد على الذين وصفوا الله -تعالى- بالكلام لكنهم نفوا الحرف والصوت كما هو حال الأشاعرة ومن تبعهم.

لما فرغ المؤلف -رحمه الله- من تقرير هذه الصفة وإثباتها، جاء هذا التنبيه المهم منه -رحمه الله- أن إثبات هذه الصفة كونه -سبحانه وتعالى- يتكلم، وكونه -عز وجل- يتكلم بحرف وصوت أن ذلك على وفق جلاله وعظمته، وفق ما يليق به -سبحانه وتعالى-، وهذا أمر دائمًا يؤكد عليه علماء أهل السنة، أن الله -سبحانه وتعالى- لا يماثل الذوات، فهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، فالمقصود أن هذه العبارة أراد بها المؤلف -رحمه الله- أن يقرر أن الله -سبحانه وتعالى- ليس كالبشر كما جاء في قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، فإذا تقرر أن ذات الله -سبحانه وتعالى- لا تماثل الذوات فكذلك أسماءه وصفاته وأفعاله لا تماثل أسماء ولا صفات ولا أفعال المخلوق، ومن ذلك صفة الكلام، فصفة الكلام التي يوصف بها الرب -سبحانه وتعالى- لا تماثل صفة الكلام التي يوصف بها المخلوق.

تأملوا معنا في العبارة لما قال: (ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر) نعم هو كفر؛ لأنه مكذب لصريح القرآن في قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، مكذب لقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4]، هو مكذب لقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 65]، ومكذب لقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأمْثَالَ ﴾ [النحل: 74]، ولهذا قال الإمام نعيم بن حماد الخزاعي شيخ الإمام البخاري قال: «من شبه الله -تعالى- بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله -تعالى- به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله -عليه الصلاة والسلام- تشبيه».

بعدها قال في العبارة التي بعدها قال: (فمن أبصر هذا اعتبر) (أبصر هذ) يعني نظر بعين البصيرة، (اعتبر) يعني حصلت له العبرة والاعتبار، ما الاعتبار؟ أن يقاس الثاني على الأول، فالأول: هو ما مر بنا سابقًا من قول الوليد بن المغيرة المشرك الكافر الذي قال عن هذا القرآن العظيم قال: ﴿ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾ [المدثر: 25] فالاعتبار والقياس أن يقال: إن من قال بخلق القرآن فهو مشابه للوليد بن المغيرة، هذا هو وجه القياس ووجه الاعتبار.

ثم فرغ -رحمه الله- من تقرير هذا المعنى والتأكيد عليه عندما قال: (وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر) نعم هو -سبحانه وتعالى- بصفاته ليس كالبشر كما مر بنا في الآيات السابقة والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ [القيامة: 22، 23]).

هنا الإمام الطحاوي يتحدث عن مسألة جليلة ومسألة عظيمة هي من أجل مسائل أصول الدين ألا وهي مسألة النظر إلى وجه الله الكريم في يوم القيامة، رؤية المؤمنين لربهم -عز وجل- في يوم القيامة، قال ها هنا: (والرؤية حق) وقد مر في درس سابق أن كلمة (حق) لها معنيان:

المعنى الأول: الثابت الموجود.

والمعنى الآخر: النافع المقصود.

والرؤية تشمل هذا وذاك، والرؤية ثابتة وواقعة، وأيضًا هي لاشك أنها هي أعظم النفع وهي مقصودة، أعظم النعيم وأشرفه ألا وهو النظر إلى وجه الله الكريم -سبحانه وتعالى-، هذه الرؤية، كون المؤمنين يرون الله -سبحانه وتعالى- هذه المسألة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، بل إن أهل السنة أيضًا أثبتوها بالعقل.

أما الكتاب فذكر المؤلف -رحمه الله- الآية الكريمة التي سمعناها قال -عز وجل-: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ فهذه الآية صريحة وظاهرة في إثبات الرؤية.

ووجه ذلك بين، تأملوا معنا الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ النضرة من البهجة والبهاء، ثم قال تعالى: ﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ﴿ إِلَى رَبِّهَا ﴾ أي إلى رب الوجوه، فأضاف النظر إلى الوجه الذي هو محل الإبصار، وأيضًا قال: ﴿ إِلَى رَبِّهَا ﴾ ففعل نظر هنا تعدى بـ"إلى"، وفعل "نظر" إذا تعدى بـ"إلى" فهو بمعنى المشاهدة والمعاينة، فإذا نظرنا إلى الوجه الأول والوجه الثاني ظهرت أن هذه الآية صريحة في إثبات الرؤية.

أيضًا من الأدلة التي استدل بها أهل السنة والجماعة على إثبات الرؤية ما جاء في قوله -عز وجل-: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين: 15] هذه الآية الكريمة استدل بها الإمام الشافعي -رحمه الله- وغيره على إثبات الرؤية، ما وجه الدلالة؟

وجه الدلالة كما قال الإمام الشافعي -رحمه الله- عن هذه الآية الكريمة قال: «لما حجب هؤلاء -يعني الكفار- في حال السخط -يعني حجبوا عن رؤية الله -سبحانه وتعالى- دل على أن أولياءه يرونه في حال الرضا».

أيضًا من الآيات التي تقرر الرؤية ما جاء في قوله تعالى: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، وجاء تفسير الزيادة أنها النظر إلى وجه الله الكريم -سبحانه وتعالى-، وهذا جاء مفسرًا في حديث صهيب -رضي الله عنه- مرفوعًا للنبي -عليه الصلاة والسلام-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، جاء في الحديث -حديث صهيب- وفيه الشاهد قال -عليه الصلاة والسلام-: (فينظرون إليه) يعني ينظر المؤمنون إلى الله -سبحانه وتعالى- (فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة)، هكذا الحديث، إذن النبي الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم.

هذه بعض الآيات التي احتج بها أهل السنة في إثبات الرؤية.

أما عن الأحاديث، فالأحاديث متواترة رواها ما يزيد عن ثلاثين صحابيًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه الأحاديث ساق جملة منها الإمام الدارقطني في كتاب مفرد له بعنوان "كتاب الرؤية"، وأيضًا ساقها الإمام الآجري في كتاب "الشريعة"، وأيضًا ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراد".

ومن أشهر هذه الأحاديث حديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنهما- قال: (كنا جلوسًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة البدر -كان القمر في هذه الليلة ليلة الرابع عشر- فقال -عليه الصلاة والسلام- الحديث قال: إنكم سترون ربكم عيانًا لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) أو كما جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم فتأملوا في هذا الحديث العظيم، هذا الحديث الجامع، فيه مسائل مهمة:

الأولى: النبي -عليه الصلاة والسلام- أثبت الرؤية من خلال جملة مؤكدات:
أولًا: قال: (إنكم) فجاءت "إن" الدالة على التأكيد، قال: (إنكم سترون ربكم)
ثانيًا: (عيانً) أي بأعينكم، وهذا مؤكد آخر، (إنكم سترون ربكم عيانً)
.
ثالثًا: قال: (كما ترون هذ) نسينا هذه الجملة. ويعني (كما ترون هذ) إشارة إلى القمر ليلة البدر، هذا مؤكد ثالث.

رابعًا: قال: (لا تضامون في رؤية) يعني لا يحتاج أن ينضم بعضكم إلى بعض؛ لأن الأمر ظاهر بَبِّن جلي، عادة إذا كان الأمر خفيًا ليس ظاهرًا فتجد الشخص ينضم إلى صاحبه حتى يبين له هذا الشيء الخفي الذي لا يظهر ولا يكون بينًا جليًا.

المقصود أن هذه جملة من المؤكدات.

الثاني: المهم في هذا الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلو) فدل هذا الحديث على أن المحافظة على هاتين الصلاتين العظيمتين -يعني صلاة الفجر وصلاة العصر- من أسباب حصول هذا الوعد الكريم ألا وهو النظر إلى وجه الله الكريم.

قال -عليه الصلاة والسلام-: (من صلى البردين دخل الجنة) الفجر والعصر البردان.

الثالث: أيضًا مما نذكره في هذا الحديث -تأملوا معنا هنا- قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنكم سترون) جاءت السين الدالة على الاستقبال، وهذه السين الدالة على الاستقبال فيها رد على بعض الطوائف الصوفية الذين يزعمون أن رؤية الله -سبحانه وتعالى- متحققة يقظة في الدنيا، فهنا -عليه الصلاة والسلام- قال: (إنكم سترون ربكم) أي أن هذه الرؤية في يوم القيامة، هذه الرؤية البصرية إنما تكون يوم القيامة، فهذا الحديث العظيم فيه رد على من غلا وجفا في مسألة الرؤية، رد على من أنكر الرؤية، وهم المعتزلة والخوارج بما فيهم الإباضية وأيضًا الإمامية الرافضة والزيدية، هذه أشهر الطوائف التي أنكرت الرؤية، فنقول: هذا الحديث رد على هؤلاء جميعًا.

أيضًا في قول -صلى الله عليه وسلم-: (إنكم سترون) رد على بعض طوائف الصوفية الذين يزعمون أن رؤية الله -سبحانه وتعالى- متحققة وواقعة بالأبصار في الدنيا، فالحديث يردهم، ويره أيضًا الحديث الآخر في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتو) هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-.

هذه جملة من الأمور التي تتعلق بحديث جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه-.

يقول: بالنسبة إلى النظر إلى الله -تعالى- هل فيه تفاوت بين النظر للمؤمنين الذين ينظرون من أعلى الجنة يساوي الذي ينظر من أدناها؟.

الذي أعرفه -والله أعلم- أنه جاءت أحاديث وآثار تبين أنهم في هذا النعيم العظيم -الذي هو أشرف نعيم- أنهم متفاوتون في هذا؛ ولهذا بعض أهل العلم قال: إن النساء لا تحصل لهم هذه الرؤية، النساء المؤمنات باعتبار أنه ما جاءت فيه من الآثار أن نظرهم إلى الله وقربهم إلى الله على حسب بكورهم إلى صلاة الجمعة، لكن الصحيح أن رؤية الله -سبحانه وتعالى- متحققة للمؤمنين والمؤمنات جميعًا، لكن الذي أفهمه من كلام بعض أهل العلم بناء على بعض الآثار أنهم يتفاضلون في هذا النعيم كما يتفاضلون في نعيم الجنة، هذا الذي يبدو والله أعلم.
أحب أن أؤكد على مسائل قبل ما ننساها:

أولًا: في حديث جرير هنا لما قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذ) أي كما ترون القمر ليلة البدر، نبه أهل العلم أن هذا التشبيه إنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، يعني لا يظن ظان أن هذا تشبيه الرب -سبحانه وتعالى- بالقمر، لا ليس الأمر كذلك، وإنما هو تشبيه الرؤية بالرؤية، يعني كما أن رؤية القمر ليلة البدر تكون في غاية الظهور والوضوح فكذا أيضًا رؤية المؤمنين لربهم -سبحانه وتعالى- في غاية الظهور والوضوح، فهذا هو القاسم المشترك أو هو وجه الشبه.

الثاني: أيضًا مما يؤكد عليه أن هذا الحديث كما فيه إثبات الرؤية للمؤمنين في الآخرة فيه إثبات العلو والفوقية؛ وهذا بيِّن لأن الناس يرون القمر أو الشمس ليس دونها سحاب في جهة العلو والفوقية، فكذا أهل الإيمان يرون الله -سبحانه وتعالى- وهو موصوف بالعلو والفوقية أزلًا وأبدًا.

الثالث: دل عليه الحديث ألا وهو عدم الإحاطة، وكونه -سبحانه وتعالى- يراه أهل الإيمان لا يعني أنهم يحيطون به -تعالى الله عن ذلك- قال تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ﴾ [الأنعام: 103]، وها أنت ترى القمر وإنما ترى الوجه المقابل من القمر، لكن لا تحيط به، قد ترى السماء بينة ظاهرة أمامك لكن لا تحيط بها، فإذا كانت ثمة مخلوقات نراها ولا نحيط بها فالله -سبحانه وتعالى- أجل وأعظم من أن يحاط به -سبحانه وتعالى-.

يقول: هل لنا أن نسأل عن كيفية الرؤية لله -جل وعلا-؟.

هو سيأتي معنا، أن الكيف مجهول لا يسوغ لنا أن نسأل بـ"كيف"، كيفية الرؤية الكيفية مجهولة، وقد قال -عز وجل-: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ﴾ [آل عمران: 7] فحقيقة صفاته -سبحانه وتعالى- حقيقة صفاته وكيفيتها لا نعلمها، نحن نقول: أهل الإيمان يرون الله، لكن كيفية ذلك هذا مما استأثر الله به -سبحانه وتعالى-.

يقول: الخطاب في حديث جرير -رضي الله عنه-: (إنكم سترون) وهو خطاب عام هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقصد أشخاصًا بعينهم أو جماعة بعينها؟.

والله ظاهر الحديث أنه خطاب للمؤمنين، الخطاب للصحابة هو خطاب للمؤمنين، سواءً من خلال هذا الحديث أو من خلال الآيات التي مرت بأن هذا الوعد الكريم وهذا النعيم العظيم إنما هو لأهل الإيمان؛ ولهذا جاء في الحديث حديث عمار بن ياسر أنه -عليه الصلاة والسلام- قال في هذا الدعاء العظيم جاء فيه: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة) أخرجه أحمد والنسائي، فهذا من الدعاء الذي دعا به النبي -عليه الصلاة والسلام- والنبي -عليه الصلاة والسلام- قدوة لنا: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، ونحن علينا أن ندعو بهذا الدعاء العظيم، وأن نقول كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة).

يقول: القرآن كلام الله، والقرآن سيتكلم يوم القيامة كما ورد في الحديث، بعض الناس يسألون السؤال: كلام الله سيتكلم يوم القيامة؟.

كيف يتكلم يوم القيامة؟

القرآن كلام الله، والقرآن سيتكلم يوم القيامة كما ورد في الحديث: (القرآن يأتي شفيعًا لصاحبه يوم القيامة) يعني بعض الناس يسألون السؤال: كلام الله يتكلم يوم القيامة؟.

لا... هو المسألة التي أنت تشير إليها لما جاء حديث أن: (القرآن يأتي شفيعًا لصاحبه، وأن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان) الحديث... فهنا المراد بالقرآن هنا القراءة وعملك، فالقرآن يطلق على المقروء، وهذا كلام الله غير مخلوق، وقد يطلق القرآن على القراءة، والقراءة التي هي عملك وهو مخلوق، أليس كذلك؟ فلما يأتي القرآن شفيعًا لأصحابه، أو يأتي على هيئة شاب، كما جاء في بعض الآثار، المقصود أنه قد يطلق القرآن ويراد به القراءة، والذي يحدد ذلك هو السياق، يعني لما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78] واضح أن القرآن هنا ماذا؟ القرآن الذي هو المقروء ولا القراءة؟ القراءة؛ لأن القرآن واحد، فالمقصود أنه ما جاء في الآثار التي تشير إليها فالمراد بذلك قراءتك وعملك، وهذا لا شك أنه مخلوق؛ لأننا نحن مخلوقون، فكذلك أيضًا أعمالنا، أعمالنا الصالحة وغيرها كلها أيضًا مخلوقة.

يقول: قلتم إنه لا يمكن رؤية الله -سبحانه وتعالى- في الدنيا، السؤال: هل يمكن رؤية الله -سبحانه وتعالى- في الدنيا في حالة المنام؟.

هذه من المسائل التي عرض لها بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وقال: يمكن هذا، يعني يمكن للشخص أن يرى ربه في المنام، لكن جزمًا أن ما رآه ليس هو الله -سبحانه وتعالى- حقيقة؛ لأن الشخص في المنام قد يرى الممكن والمستحيل، أليس كذلك؟

فالمقصود أن يقع ذلك، أن الشخص يمكن أن يرى في المنام، نعم هذا قد يقع، قد يرى الشخص ربه في المنام، فإن كان الرائي رجلًا صالحًا فيرى الله -سبحانه وتعالى- بما يتفق مع حاله وهيأته، وإن كان كافرًا أو فاجرًا فقد يرى الله -تعالى- بحسب حاله من فجور أو كفر، فالمقصود من جهة الوقوع أن هذا يقع، أن هذا واقع لكن جزمًا أن ما رآه ليس هو الله -تعالى- حقيقة؛ لأن كيفية صفاته وحقيقة ذاته غيب، مثل ما مر في قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ﴾ فحقائق وأسمائه وصفاته استأثر الله بها -سبحانه وتعالى-.

يقول: متى تكون الرؤية؟ هل هي يوم الحشر؟ رؤية المؤمنين لله؟.

الرؤية التي نتحدث عنها ويتحدث عنها العلماء إذا دخل أهل الإيمان الجنة، إذا دخل المؤمنون الجنة حصل ذلك، وهذا واضح من خلال حديث صهيب الذي ذكرنا شيئًا منه، أنه جاء في الحديث أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة أن الله -تعالى- يقول لهم: (إن لكم موعدًا ينجز لكم) أو كما جاء في الحديث، فيقول أهل الإيمان ألم يدخلنا الجنة؟ ألم يبيض وجوهنا؟ فينظرون إليه، فلاشك أن ظاهر حديث صهيب وما جاء في معناه، أن أهل الإيمان إنما يحصل لهم الوعد الكريم في هذا النظر الذي هو غاية النعيم، إنما هو إذا دخلوا الجنة.

يبقى الكلام في مسألة الرؤية التي تقع في أرض المحشر، هذه فيها كلام لأهل العلم، منها من يثبتها للجميع للمؤمن والكافر، ومنهم من يقول: إنما يراه المؤمنون في أرض المحشر، ومنهم من يقول: يراه المؤمنون والمنافقون، لكن يبقى أن هذه الرؤية ليست من النعيم، هذه الرؤية ليست من النعيم، وإنما الرؤية التي هي النعيم حقيقة وفعلًا إذا دخل أهل الإيمان الجنة. والله أعلم
.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: ( والتفسير على ما أراده الله وعلمه، ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام).

هنا لما قال -رحمه الله- تتمة عبارة الطحاوي بعد الآية الكريمة قال: (والتفسير على ما أراده الله -تعالى- وعلمه) هذا أمر مهم يؤكد عليه الإمام الطحاوي أن تفسير الرؤية على ما أراده الله، وهذا يذكرني بمقالة جميلة للشافعي -رحمه الله- لما قال: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله -تعالى-، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-»، فعلينا أن نؤمن بالرؤية على ما أراده الله، ليس على مراد عقولنا كما نجده عند المتكلمين وليس على مراد أذواقنا ووجداننا كما هو عند المتصوفة ولا على مراد أهوائنا وآرائنا كما يقع عند بعض أرباب الآراء والكلام.

ثم قال: (وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فهو كما قال)، وهذا تأكيد على موضوع التسليم الذي سيتحدث عنه المؤلف بعد قليل -إن شاء الله-، قال: (ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائن) الآن الطحاوي -رحمه الله- يؤكد على الحذر من أمرين: في مسألة الرؤية وفي مسائل صفات الله عمومًا يقول: (لا ندخل في ذلك) أي في الرؤية، وسائر مسائل أصول الدين (متأولين بآرائن) فمقصوده -رحمه الله- أن يذم التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره، وعن المعنى المتبادر منه، هذا التأويل الذي هو في الواقع تحريف، فينبغي أن نتجنب هذا التأويل الذي هو صرف الكلام عن حقيقته وعن معناه المتبادر منه؛ لأن ذلك يعد تحريفًا ويعد صرفًا للكلام عن معناه.

ثم قال: (ولا متوهمين بأهوائن) أيضًا المؤلف يحذر من الخوض في الكيفية، وسبق أن مر بنا في بداية الدروس ما قرره -رحمه الله- من أنه -سبحانه وتعالى- لا تدركه الأفهام ولا تبلغه الأوهام، ومقصود بالوهم هنا أن يظن أن الرؤية على كيفية كذا وكذا، فهو الآن يحذر -رحمه الله- من الخوض في الكيفية، من الخوض في كيفية هذه الصفة، فينبغي تجنب التأويل المذموم الذي هو التحريف، وينبغي تجنب الوهم، وهو أن يظن أن الرؤية على كيفية كذا وكذا، ولا يجوز الدخول في الكيفية ولا الاشتغال بها؛ لأن الكيفية غيب وسمعنا الآية الكريمة: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ﴾ أي كيفية صفاته ومنها الرؤية، وأيضًا مر بنا عبارة الإمام مالك لما قال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول» وكلام الإمام مالك -وإن كان في الاستواء- لكن هذا الكلام يضطرد في كل صفة من صفات الله -سبحانه وتعالى-.

قال -رحمه الله تعالى-: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار موسوسًا تائهًا شاكًا زائغًا لا مؤمنًا مصدقًا ولا جاحدًا مكذبً).

قبل أن نعلق على هذه العبارة المهمة من كلام الإمام الطحاوي أشرنا في موضوع الرؤية إلى الذين أنكروا رؤية الله -سبحانه وتعالى-، وهم المعتزلة والخوارج والرافضة الإمامية والزيدية، هؤلاء القوم ربما احتجوا ببعض الآيات التي يحتجون بها على إنكار الرؤية، فقد يحتجون بقوله تعالى: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ [الأعراف: 143] أن الله -تعالى- قال لموسى: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾، وهنا نحب أن نؤكد على أمر مهم نحمد الله -تعالى- أن هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، يجب أن نستصحب -أيها المشاهدون والمشاهدات أيها الإخوة الكرام- أن الأدلة الشرعية لا تدل إلا على حق، والمخالف صاحب البدعة أو صاحب الضلالة إذا احتج بدليل لبدعته فيجب عليك أن توقن يقينًا تامًا أن هذا الدليل -فاعلم يقينًا- إن كان دليلًا صحيحًا فهذا الدليل إذا وضع في استدلاله الملائم إنما ينقض قول هذا المبتدع، إنما هو دليل عليه، فهذه الأدلة إن كانت أدلة صحيحة فلا شك أن الدليل الصحيح هو حق، والحق لا يدل إلا على حق، ولا يمكن أن يكون الحق يستدل به على باطل، فهنا يحتجون بقوله تعالى: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ على إنكار الرؤية.

نجد أن أهل العلم المحققين يقولون: هذه الآية هي دليل لنا، نجد أن أهل السنة ومنهم ابن القيم يقول: آية ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ هي دليل لأهل السنة في إثبات الرؤية، ويذكر عدة أوجه في الاستدلال بهذه الآية على إثبات الرؤية- فهذا الدليل صار دليلًا عليهم، أو ما يسمى "قلب الدليل" يعني إن جوزنا هذه العبارة فصار حجة عليهم، فنقول: الآية الكريمة التي احتج بها النفاة نفاة الرؤية هي دليل لأهل السنة في إثبات الرؤية، ما وجه ذلك؟
وجه ذلك:

أولًا: أن الله -تعالى- قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ ولم يقل: لست مرئيًا، أو لا أرى، وفرق بين العبارتين، فرق أن يقال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ وبين أن يقال: لا أرى، أو لست مرئيًا.

ثانيًا: أنه -سبحانه وتعالى- قال مخاطبًا موسى -عليه السلام- قال: ﴿ لَن تَرَانِي ﴾ قال بعدها: ﴿ وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ [الأعراف: 143] فهنا علقت الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل أمر جائز ممكن، وما علق على الجائز فهو جائز، علقت الرؤية على أمر جائز ممكن، وما علق على الرؤية فهو ممكن وجائز، إلى آخر هذه الأوجه.

ثالثًا: أن موسى لما قال: ﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 143]، لو كانت رؤية الله -تعالى- مستحيلة ممتنعة لما سأل موسى -عليه السلام- وهو من أعلم الناس بربه، ولو كان ذلك ممتنعًا مستحيلًا لعوتب موسى -عليه السلام- على هذا السؤال، لكن لما أن موسى سأل هذا السؤال ولم يعاتبه الله، والأوجه الأخرى فكل هذه تدل على أن رؤية الله -سبحانه وتعالى- متحققة.

فهذا يجب أن نتنبه لها، ليس في هذه المسألة فقط، يجب أن يتنبه أهل السنة والجماعة أن المخالف من أهل البدع أيًا كان إذا احتج بدليل فهذا الدليل إن كان صحيحًا كأن يكون من كتاب الله أو من السنة النبوية الصحيحة ألا فليوقن الجميع أن هذا الدليل إذا وضع في استدلاله الملائم إنما هو حجة على المخالف، وهذا يتكرر عند أهل السنة في كثير من المسائل، عندما يحتج بعض المبتدعة ببعض الأدلة ويشغبون بها على أهل السنة، ولهذا شيخ الإسلام -رحمه الله- له عبارة جميلة نقلها ابن القيم في هذه المسألة، شيخ الإسلام يقول: « أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله» يبقى هذا الدليل الذي احتج به إنما هو ينقض قوله ويبطل بدعته، هذا تنبيه أرى أنه لابد أن ننبه عليه في هذا المقام.
العبارة التي سمعناها وقرأناها، لما قال -رحمه الله- الإمام الطحاوي:

(فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله -عز وجل- ولرسوله -عليه الصلاة والسلام-...) إلى آخر كلامه -رحمه الله-، يعني هذا المعنى نحن نؤكد عليه ونذكر أنفسنا ونذكر الإخوة الأفاضل الذين معنا ونذكر جميع من يشاهدوا هذه الحلقة، نؤكد على هذه القضية التي أكد عليها هذا الإمام الجليل الإمام الطحاوي ألا وهي مسألة التسليم لنصوص الكتاب والسنة، تأملوا عبارة الطحاوي قال: (ما سلم في دينه إلا من سلم لله -سبحانه وتعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه) يعني لابد من التسليم، لابد من الانقياد، الكثير من الإشكالات والانحرافات سواءً في الشبهات أو الشهوات سببها ضعف التسليم، والله -سبحانه وتعالى- لما قال -عز وجل- على لسان إبراهيم: ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ ﴿88﴾ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89] ما المراد بالقلب السليم؟ يعني السالم من الشبهات، والسالم من الشهوات، يعني لا يعارض الأخبار الشرعية بالشبهات، ولا يعارض الأحكام الشرعية بالشهوات، هذا هو القلب السليم، فلابد من التسليم؛ ولهذا نجد الآيات كثيرًا ما تؤكد على هذا.

نحن الآن إنما سمي الواحد منا مسلمًا لم؟ لأنه الأصل فيه أن يكون مسلِمًا منقادًا خاضًا للكتاب والسنة، الله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [النساء: 125] وقال -عز وجل-: ﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [لقمان: 22]، وقال -عز وجل-: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65] فلابد من التسليم، إذا جاءنا حكم من الله -سبحانه وتعالى- نقول: سمعنا وأطعنا، إن كان خبرًا صدقناه، وإن كان أمرًا أو نهيًا التزمنا بالأمر وتركنا النهي ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وما أجمل ما قاله الإمام الجليل الإمام الزهري -رحمه الله- لما قال: «من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم» إنما علينا التسليم والانقياد، هذا دين الله، وهذه نصوص الوحي الواجب علينا أن لا نعارضها، وإنما الواجب المبادرة.

قال ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله- في وصف السلف قال: «كانوا أرباب تسليم في الاعتقاد وأرباب جد في العمل».

إن جاء الاعتقاد فهم أرباب تسليم انقياد، وإذا جاء العمل أرباب جد، خلافًا لواقع الكثير من المسلمين الآن، إن جاءت العقائد جاءت الشكوك من هنا من شياطين الإنس والجن، وإن جاءت الأعمال والتكاليف الشرعية حصل التلكؤ والتكاسل والتسويف والتفريط، إنما الواجب علينا أن نسلم للنصوص الشرعية جملة وتفصيلًا.

بعدها لما قال عندكم أيضًا: (ولا تثبت قدم إنسان) يعني لا يتحقق للعبد ثبات واستقرار إلا إذا سلم وانقاد، ثم ذكر المؤلف ما يضاد له، قال: (فمن رام علم ما حظر عنه علمه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه أي طلبه عن خالص التوحيد وصافي المعرفة وصحيح الإيمان).

مقصوده -رحمه الله-: أن هؤلاء الذين لا يسلمون للنصوص الشرعية ويخوضون فيما يجب عليهم الكف عنه هؤلاء ماذا يحصل لهم؟ يحصل لهم هذا الأمر المشين ألا وهو: أن يحرموا من التوحيد الخالص، ومن الإيمان الصحيح، ومن المعرفة الصافية، وها هم المتكلمون أنموذج في القديم وفي الحديث وما شابههم على هذا المنوال، تجد هؤلاء لا يسلمون للنص يخوضون فيما لا يجوز الخوض فيه، خاضوا في كيفية صفات الله، خاضوا في كيفية أفعال الله، خاضوا وقدَّموا عقولهم على النصوص لم يعظموا النصوص حق تعظيمها، فحصل ما حصل من هذا الضلال ومن حرمانهم من التوحيد الخالص ومن الإيمان الصحيح.

بعدها قال: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان)، وهذا نعوذ بالله من أعظم الشقاء، أعظم النكد الذي عاناه المتكلمون ويعاني منه جملة من المفكرين، أو من يسمونهم المفكرين ممن أعرضوا عن شرع الله وعارضوا النصوص الشرعية تجد هؤلاء يعيشون في حال الحيرة، في حال الشكوك، في حال الوحشة، هذا ما عبر عنه الفخر الرازي لما قال يحكي هذه المعاناة، يحكي هذا البؤس لما يقول في شعره يقول: "وأرواحنا في وحشة من جسومنا" يعني كما يقول بعض المشايخ المعاصرين الشيخ محمد بن عثميين -رحمه الله- يقول: إذا كان الإنسان يستوحش من روحه التي بين جنبيه فما بالك بغيرها، فالآن يقول: "أرواحنا في وحشة من جسومنا" هذا أنموذج لهؤلاء القوم الذين سلكوا الطرق المنحرفة فلم يجدوا منها إلا الضلال والحيرة.

وبعد هذه الأبيات يقول الفخر الرازي: "لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا، وإنما رأى اليقين في طريقة القرآن، فالحيرة والتذبذب والوسوسة هذه وقع فيها المتكلمون، وسبب هذه الحيرة، وسبب هذا الاضطراب، وسبب هذا القلق وهذه الوحشة ألا وهو سببها الإعراض عن التسليم للنصوص الشرعية ومعارضتها بعقولهم وآرائهم، هذا أمر ينبغي أن نؤكد عليه في هذا المقام.

تقول: السؤال الأول: ما حكم قول "شيخ الإسلام"؟ السؤال الثاني: إدخال العامة كلام الله وآياته ضمن كلامهم، هل هذا مشابهة لكلام الله؟ السؤال الثالث: (الدعاء هو العبادة) و(الدعاء مخ العبادة) هل هي روايتان صحيحتان؟ وكيف أجمع بين الدعاء والمشيئة؟ وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمريض: (لا بأس طهور إن شاء الله)؟.

على كل كلمة "شيخ الإسلام" ليس هناك إشكال فيها، يعني هذه معروفة عند العلماء، والشيخ بكر أبو زيد -شفاه الله- أشار إلى أن هذا مصطلح معروف عند العلماء، بل قيل إن بعض الصحابة لقب بذلك، وإن لم يكن هذا مسندًا لكن لقب بهذا أئمة كبار منهم الإمام الهروي -رحمه الله- منهم شيخ الإسلام الصابوني من أئمة الشافعية المتقدمين في القرن الخامس، ولقب به ابن تيمية، فما فيه إشكال في هذا، وابن ناصر الدين الدمشقي ذكر الأقوال في معنى كلمة "شيخ الإسلام"، وأنها على معانٍ كثيرة، والذي يهمنا عندما تطلق على ابن تيمية وعلى الهروي والإمام الصابوني الشافعي المتقدم ونحوهم، تطلق ويراد بها الإمام أو العالم الرباني فما فيه إشكال في هذا.
السؤال الثاني تقول: إدخال العامة كلام الله -عز وجل- في كلامهم؟.
أنا ما فهمت السؤال بالضبط لكن إن كان المقصود أن يضمن كلام الشخص كلام الله يعني؟
قد يكون تضمين كلام الله -جل وعلا- في كلام الإنسان، مثل بعضهم في الأشعار مثلًا أو كذ.
والله إذا كان السؤال كما نفهم بهذا المعنى أنه هل للإنسان أن يضمن كلامه كلام الله سواءً سمي تضمينًا أو اقتباسًا فالذي أعرفه من كلام أهل العلم أنه إذا استعمل القرآن فيما أنزل فيه فهذا حسن، يعني شخص الآن مثلًا رأينا شخصًا أقيم عليه حكم الله فقطعت يده هو سارق وثبتت البينة أنه سارق، فلو جاء شخص قال: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة: 38]، فهذا استعمل القرآن فيما أنزل فيه، هذا حسن، لكن إن استعمل القرآن في أموره المعاشية كما يفعل بعض الناس إن جاءه شخص مثلًا، قال: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 40] فينبغي أن لا يمتهن القرآن، وأن لا يبتذل في هذا الاستعمال، كما يقع عند بعض الناس ويتساهلون في ذلك، يستعملونه في أمورهم الكلامية وأمورهم مثلًا في قضاء حوائجهم، وأسوأ من ذلك الذي هو أن يستعمل القرآن على سبيل الهزء، هذا أمر شنيع، يعني تجده يورد الآية في مقام الاستهزاء والسخرية، وهذا ربما أخرجه من الملة، قال تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿65﴾ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65، 66].
تسأل عن عبارة (الدعاء هو العبادة)؟.
هو المشهور طبعًا الثابت هو (الدعاء هو العبادة) هذا الذي ثبت في حديث النعمان بن بشير: (الدعاء هو العبادة) والمقصود (الدعاء هو العبادة) أي أن الدعاء هو جل وآكد وأهم العبادة، أما رواية (الدعاء مخ العبادة) فالذي أعرفه من كلام بعض العلماء أن هذه الرواية ضعيفة لا تثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- والله أعلم.
يقول: ما قول الشرع فيمن ينكر رؤية الذات، ويقول: إن الرؤية للوجه؛ لأن النصوص أتت بإثبات الرؤية للوجه فقط؟.
لا ما هو صحيح؛ لأنه عندنا نصوص تدل على غير ذلك، مثلاً هنا: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ فالمقصود النظر إلى الله -سبحانه وتعالى-، هذا الذي جاءت به الأدلة، فالمقصود النظر إلى الله -سبحانه وتعالى- هذا الذي هو ظاهر النصوص وكونه مثلًا جاءت بالوجه لا ينفي النظر إليه -سبحانه وتعالى-.
يقول: ما المقصود في هذه العبارة (وتفسيره على ما أراده الله -تعالى- وعلمه) ما هو العلم الذي يقصده المؤلف؟.
هنا قال -رحمه الله-: (وتفسيره على ما أراده الله -تعالى- وعلمه) هنا جاءت الصغيرة (على ما أراده الله) يعني ذكرنا مقالة الشافعي أنه قال: «آمنت بالله وما جاء عن الله على مراد الله» هذا المقصود، إذا قلنا: تفسيره على ما أراده الله وعلمه، يعني المقصود من ذلك أن الشخص لا يفسر هذه النصوص وفق عقله أو وفق ذوقه؛ لأن بعض الناس أحيانًا يأخذ القرآن لكن يفسره تفسيرًا على وفق العقل، أو وفق ذوقه، مثل ما قال بعض العلماء: المعتزلي يجعل القرآن معتزليًا، والخارجي يجعل القرآن خارجيًا، فلابد من تفسير النصوص على وفق مسلك السلف، القرآن تفسره الآيات الأخرى، أليس كذلك؟ يفسر بالسنة والحديث أو بما جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم- أو بما جاء في لغة العرب، هذا الذي أفهمه من كلام الطحاوي -رحمه الله- والله أعلم.
يقول: تكثر هذه الأيام الدعوة إلى أن الأشاعرة والماتريدية هم أكثر أهل السنة والجماعة، وأن معظم علماء الأمة في الماضي والحاضر منهم -ولا تجتمع الأمة على ضلالة- ومما يقولون: إن ابن عباس -رضي الله عنه- قد قام بتأويل اليد إلى القدرة. نريد من فضيلتكم الرد على هذه الشبهة.
أولًا: العبرة ما هي العبرة بالكثرة ولا بالكثرة ولا الأغلبية، العبرة باتباع الدليل، والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾ [الأنعام: 116]، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [يوسف: 103]، فلا نجعل مقياس أن هؤلاء على حق أو على باطل الكثرة ولا الأغلبية.
ثانيًا: ليس هذا محل اتفاق أن يقال أن هؤلاء هم الأكثرية وهم الأغلبية، هذا أمر، ولو جئنا مثلًا للقرون الأولى الثلاثة المعتبرة قرن الصحابة وقرن التابعين وتابعي التابعين.. يكون واضح، وأهل السنة والجماعة هم امتداد لهذه القرون الثلاثة المفضلة.
ثالثًا: أما قضية أن ابن عباس تأول بالكلام الذي نقل هنا فليس الأمر كذلك، ابن عباس هو حبر هذه الأمة وترجمان القرآن وكلامه -رحمه الله- في إثبات الصفات بيِّن وكلامه في الرد على المبتدعة ومنهم القدرية ظاهر بين في هذا الأمر وعلى كل العبرة بماذا العبرة بالدليل، لكن هذا التأويل الذي حكاه السائل لا يثبت عن ابن عباس، أنه أول اليد بالقدرة.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: قال -عز وجل-: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ هذه الآيات تكتب ثم نقول يأتي السؤال: ما وجه دلالة هذه الآية على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة؟
السؤال الثاني: من أنكر رؤية الله -تعالى- في يوم القيامة؟
تقول: نرجو منكم أن توجهوا كلمة لبعض الأساتذة عندنا الذين يلقنون أطفالنا بأن القرآن مخلوق، ويختبرونهم بذلك، بم توجيهكم لهم ولمن يسمعكم؟.
نحن نخاطب هؤلاء وغيرهم نقول: نوصيهم أولًا بتقوى الله -سبحانه وتعالى- ونخوفهم من القول على الله بلا علم، ونوصيهم أن يلتزموا بما جاء به الكتاب والسنة، كيف تقولون: إن القرآن مخلوق؟ والأدلة تنقض هذا الكلام، والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ [الأعراف: 54] ومر بنا أن قوله تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ ﴾ هذا يبين أن أمره غير مخلوق؛ لأن الأمر قوله والعطف يقتضي المغايرة، فنحن نؤكد عليهم ونحذرهم من القول على الله بلا علم، الذين يقولون بخلق القرآن، هذا قول على الله بلا علم، والقول على الله بلا علم هو أشنع ذنب، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33] فالقول على الله -تعالى- هو أعظم ذنب، فهذا الذي يقال في هذا المقام عليهم أن يتقوا الله -سبحانه وتعالى- ويعلموا أن هذه الأجيال هي أمانة في أعناقهم، عليهم أن يعلموهم المعتقد الصحيح الذي جاء به الكتاب والسنة الصحيحة.
فضيلة الشيخ حتى الآن بعض الناس يقول: إن فتنة خلق القرآن أصبحت فتنة حاضرة وليست فتنة سابقة، كأنه بدأ الكلام حولها في هذا العصر؟.
هو القول بخلق القرآن نعم وجد في عصر متقدم لما ولي المأمون الخلافة، لكن هذه الفتنة اندرست -ولله الحمد- وانقمعت بفضل الله -سبحانه وتعالى- ثم بجهود الأئمة، جهود الإمام أحمد -رحمه الله-، وعلى كلٍ الانحراف والأفكار -كما يقولون- لا تموت، يعني المأمون يموت، وأحمد بن أبي دؤاد مات في تلك العصور الغابرة والسابقة لكن الأفكار لا تموت فآراء المعتزلة قد تجد من يتبناها جملة أو تفصيلًا أو من يتأثر ببعضها، وسبق أن مر بنا أن جملة من آراء المعتزلة تأثر بها من تأثر من الأشاعرة، تأثر بها من تأثر من الخوارج، والواجب علينا نحن أهل الإسلام أهل السنة، علينا أن نعض بالنواجذ على المذهب الحق وأن نعتز به وأن نتفقه في دين الله وعلينا المدافعة، أن ندافع هؤلاء بما نستطيع من علم وحجة، واعلموا ولنثق بالله -سبحانه وتعالى- أن العاقبة للمتقين وأن مذهب أهل السنة والجماعة مع كل هذه العوائق التي مرت به في القديم والحديث لكن الله -سبحانه وتعالى- ينصره أولًا؛ لأن هذا هو الدين الذي رضيه الله؛ ولأن مذهب أهل السنة هو الذي يتفق مع العقول ويوافق الفِطر أما مذاهب الآخرين ففيها من الانحراف ومخالفة العقل ومخالفة الفطر بقدر انحرافها، كلما زادت انحرافًا كلما مجها العقل، وكلما مجتها الفطر، فهذا فضل من الله -سبحانه وتعالى- فضل محض من الله، فنقول: مذهب أهل السنة مع كل العوائق ومع كل المكر الكبار والكيد من شياطين الإنس والجن في القديم والحديث لكن مذهب أهل السنة في الوقت الحاضر تجد أن له انتشار في أنحاء العالم كله، في مواطن كانت تنغمس بالبدعة، وهي تنغمر بالبدعة ومع ذلك الآن تجد أن المذهب السلفي السني يظهر، هذا فضل من الله -سبحانه وتعالى- فما علينا إلا أن نعتز بهذا المذهب، ونتمسك به وندعو الآخرين؛ لأن السنة -أيها المشاهدون والمشاهدات أيها الإخوة الأفاضل- أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، نحن نرحم أهل البدع وندعو الله -تعالى- أن يهديهم، ونسأل الله -تعالى- لهم الهداية ونعاملهم بالعدل والقسط، وإن أساءوا إلينا لكن لا نسيء إليهم؛ لأننا نرى أن العدل واجب مع كل شخص حتى مع الكافر، فما بالك بأهل البدع الذين هم جملة منهم من أهل القبلة ومن أهل الإسلام.

نعم يا فضيلة الشيخ، ولعل ما تقدمونه في هذه الحلقات المباركة جزء من الدعوة المباركة التي نسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتكم وأن يبارك فيه.

nary_jon
04-27-2008, 02:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الثامن : تابع «التسليم بما جاء عن الله وما صح عن رسوله

المحاضرة الثامنة

تابع «التسليم بما جاء عن الله وما صح عن رسوله»

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد، أحيي الجميع فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونستكمل ما وقفنا عنده بالأمس كان آخر ما توقفنا عنده ما ذكره الإمام الطحاوي من مسألة التسليم بما جاء عن الله وما صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- نستكمل هذا بمسألتين مهمتين:

المسألة الأولى: ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتاب "الدرء" إذ يقول: كل من أعرض وعارض الكتاب والسنة بمعقولاته فلابد أن يقع في أحد الأمور الأربعة التالية: إما أن يقع في تحريف أو كتمان أو كذب أو عدم فهم، فمن عارض النصوص الشرعية بالمعقولات قد يقع في أحد هذه الأمور الأربعة وهي: التحريف والكذب والكتمان والرابع عدم الفهم.

وهذه الأمور الأربعة التي ذكرها -رحمه الله- استقاها من قوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ ﴾ [البقرة: 75] فهنا ذكر التحريف عند أهل الكتاب لما لم يسلموا بما جاء عن الله وما جاء عن رسلهم عليهم السلام، هذا أولاً، ألا وهو التحريف، ثم قال تعالى في ثنايا الآيات التي بعدها: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 76] وهذا يعد كتمانًا، ثم قال تعالى بعدها في نفس الآيات التالية قال: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ أي: من أهل الكتاب، ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾ [البقرة: 78]، فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ ﴾ أي أن هؤلاء القوم يقرءون مجرد قراءة للكتاب، يعلمون الكتاب لكنه مجرد أماني، يعني مجرد تلاوة دون فهم أو عقل، والأمر الرابع جاء بعدها في قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ ﴾ [البقرة: 79] وهذا يعد تكذيبًا، فوقع القوم في هذه الأمور الأربعة، هذه الأمور: الأربعة كتمان شيء من دين الله، أو تحريف شيء من النصوص الشرعية، أو ما ذكرناه من قضية عدم الفهم، هذه الأمور الأربعة وقع فيها أهل الكلام ومن شابههم، فهذه من الآثار السيئة لعدم التسليم، فالذي يسلم للنص، لا يقع في الكتمان، والذي يسلم للنص ينتفع بعقله ويفهم النصوص الشرعية وهكذا.

المسألة الثانية الذي نحب أن نشير عليه ونؤكد عليه في هذه المقدمة: لما قال الإمام الطحاوي -رحمه الله- في حال الذين لا يسلمون ولا ينقادون قال عنهم: (فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار موسوسًا تائهًا شاكً).

هنا عندما مسألة نحب أن نقف عندها قليلًا وهي مسألة الوساوس والشكوك التي قد ترد وقد يقع فيها جملة من الرجال ومن النساء أيضًا، سبق أن قلنا: نحن في زمن الانفتاح زمن العولمة والفضائيات ونحو ذلك مما انفتح على بلاد المسلمين وعلى غيرهم، هذا الانفتاح له تبعاته السلبية ومن ذلك كثرة الشكوك، وكثرة الوساوس، فهنا نحب أن نقف قليلًا عند هذه الوساوس ونذكر جملة من الأمور التي ندفع بها تلك الوساوس، فأقول مستعينًا بالله -سبحانه وتعالى-:

الأمر الأول: الإنسان بطبيعته لابد أن يفكر، فالإنسان مفكر أيًا كان، وهذا ما أشار إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- في قوله: (أصدق الأسماء حارث وهمام) فأصدق ما يسمى به الإنسان أنه حارث، يعني أنه صاحب حرث وعمل وكسب وأنه همام يعني أنه صاحب نية وتفكير وخواطر، فالإنسان لا ينفك عن الخواطر وعن الأفكار، إذا تقرر ذلك فهنا أن يرد على الإنسان وساوس أو من هذا القبيل فهذا أمر لا انفكاك عنه، لكن الناس تجاه الوساوس التي تعرض لهم على طرفي نقيض، فمنهم من إذا جاءته الوساوس الشيطانية سواء كانت من شياطين الإنس أو من الجن نجد أن البعض يستسلم لها، ويستغرق فيها، ويشغل قلبه وفؤاده بها، ربما أدى به ذلك إلى الحيرة وربما أدى به إلى ما هو أشد من ذلك إلى الكفر والزندقة، هذا طرف، يقابل ذلك طرف آخر وهو أن بعض أهل الإيمان إذا عرض له مجرد أي خاطر أو وسواس تجد أنه يطعن في إيمانه ويشك في دينه ويتهم نفسه بالكفر والنفاق، وهو مجرد وسواس عارض ومجرد شك سرعان ما يزول، فينبغي التوسط في هذا الباب، وأن يعلم الجميع أن الوساوس لابد أن تعرض للعبد، وقد عرضت الوساوس لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبروا النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، وقال هؤلاء الصحب الكرام، قالوا: (يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا لأن يخر أحدنا من السماء أحب إليه من أن يتحدث به) يجدون في أنفسهم من تلك الخواطر ومن تلك الوساوس، فماذا قال -عليه الصلاة والسلام-: (قال: أو قد وجدتموه؟ ذاك محض الإيمان) وفي رواية قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) فقوله -عليه الصلاة والسلام-: (ذاك محض الإيمان) المقصود: أن كراهية تلك الوساوس هذا هو الإيمان المحض يعني هو الإيمان الصحيح.

فالمقصود أن هذه الوساوس إذا عرضت لك فعليك أن تكره هذه الوساوس، إن كانت وساوس شيطانية في تشكيك في صفات الله أو وجوده -سبحانه وتعالى- أو ما يعرض من الوساوس في باب القدر ونحو ذلك، هذا أمر.

الأمر الثاني: كيف ندفع هذه الوساوس؟ بإيجاز شديد: ندفعها بجملة أمور نذكر أربعة منها:

الأول: أن نحفظ خواطرنا، نحفظ أفكارنا، لا يشتغل التفكير والخواطر إلا بما ينفع من العلوم الدينية والدنيوية، فعلى الإنسان أن يضبط أفكاره إذا بدأ يفكر ويسترسل في التفكير والنظر فليكن هذا التفكير والنظر فيما ينفع من العلوم النافعة سواءً كانت دينية أو دنيوية.

الثاني: أن على العبد أن يحرص على الاستعاذة بالله -سبحانه وتعالى-، ما أكثر الوساوس التي تعرض للناس وهذه الوساوس -كما قلنا- قد تأتي من هؤلاء الشياطين ومن تلك النفس الأمارة بالسوء، فعلى العبد أن يستعيذ بالله يعني يلجأ إلى الله -سبحانه وتعالى-، وقد بين ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديث أخرجه البخاري: (أن الشياطين يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول الشيطان: من خلق الله؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته) إذا جاءت تلك الوساوس عليك أن تستعذ بالله كما جاء ذلك في الوصية النبوية وأن تنتهي، يعني لا تسترسل في تلك الوساوس، وجاءت رواية أخرى: (وليقل آمنت بالله).

فإذن إذا جاءت تلك الوساوس علينا أن نقول: (آمنا بالله) وأن نكف عنها، فالإغراق فيها لا يزيد الإنسان إلا حيرة وقلقًا وشقاءً، وأن نستعيذ بالله -سبحانه وتعالى- لاسيما وأن هذا السؤال الذي جاء في الحديث الذي يقوله الشيطان -أعاذنا الله منه-: من خلق الله؟ كما بين أهل العلم، هذا سؤال فاسد من أصله، فالله -سبحانه وتعالى- ما دام أنه هو الخالق، فلا يمكن أن يكون الخالق سبحانه لا يمكن أن يكون مخلوقًا، كما أنك أنت -أيها المخاطب أيها الإنسان- إذا كنت مخلوقًا لا يمكن أن تكون خالقًا، هذا الأمر الثاني: علينا الاستعاذة بالله.

الثالث: سؤال أهل العلم الراسخين، قد يرد على الإنسان وسواس، يرد عليه شبهة، فعليه أن يسأل عليه أن يسأل أهل العلم، "فيزيد الفقير" أحد التابعين حصل عنده لبس وكاد أن يفتتن برأي الخوارج حتى لقي جابر بن عبد الله الصحابي الجليل -رضي الله عنه- فحدثه بحديث الجهنميين يعني عصاة الموحدين الذين يخرجون من النار، وفي هذا رد بليغ على الخوارج، فترك هذا المذهب، أيضًا ابن عباس -رضي الله عنهما- ناظر الخوارج فرجع أكثرهم، ابن الديلمي أحد التابعين وقع في قلبه شيء في القدر، فذهب إلى ابن مسعود -رضي الله عنه- فحدثه بحديث القدر، فذهب ما يجد، المقصود علينا أن نسأل أهل العلم الراسخين حتى تندفع تلك الوساوس أو تلك الخواطر.

الرابع: ونختم به وهو أهمها وآكدُها: ألا وهو التسليم. كلما زاد العبد تسليمًا كما زاد يقينًا، وكلما كان أبعد عن الوساوس، ولما ضعف التسليم عند المتكلمين غلبت عليهم الشكوك والوساوس وقال سلفنا في حق هؤلاء المتكلمين: أكثر الناس شكًا عند الموت أهل الكلام.
أسئلة الدرس الماضي:

كان السؤال الأول: عن قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين: 15] ما وجه الدلالة في هذه الآية على رؤية الله يوم القيامة؟
يقول: قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- لما حجب الكفار عن رؤية الله يوم القيامة في حال السخط دل على أن أولياء الله يرونه في حال الرض.

نعم الإجابة صحيحة، وجزى الله خيرًا الأخ على هذه الإجابة.

أيضًا الأخت الكريمة أجابت عن السؤال الأول وهو عن الذين أنكروا رؤية الله -تعالى- تقول: أنهم هم المعتزلة والخوارج بما فيهم الإباضية والروافض الإمامية والزيدية.

نعم أيضًا إجابة الأخت إجابة صحيحة وموفقة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم، إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوق النفي والتشبيه ذل ولم يصب التنزيه).

هذه العبارة التي ساقها الإمام أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- في تقرير مسألة الرؤية، وامتداد للكلام السابق الذي مر بنا بالأمس إذ يقول: (ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام) يعني الجنة (لمن اعتبرها منهم بوهم) فالإمام الطحاوي يحذر من الوقوع في الوهم، بمعنى: أن يظن أن رؤية الله على كيفية كذا وكذا، فيقع في التمثيل، فربما مثل ووقف عند هذا الحد، وربما مثل ثم يدفع هذا التمثيل بالتعطيل، فالوهم كما مر بنا في الدرس السابق وفي أول الكتاب الوهم: هو خوض في كيفية صفات الله، اشتغال بالكيفية والتمثيل، لكن هذا الوهم الذي هو وهم التمثيل قد ينقل الشخص إلى وهم التعطيل؛ ولهذا نجد أن ابن القيم -رحمه الله- جعل الوهم على قسمين: وهم كيفية وتمثيل، والآخر: وهم تعطيل، وعلى كل كما سمعنا أنه إذا توهم أن رؤية الله على كيفية كذا ومثل ذلك بالمخلوقين هذا التمثيل قد يدفعه بالتعطيل، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له الجميع، أن هؤلاء المعطلة النفاة لصفات الله أو النفاة لشيء من صفات الله -سبحانه وتعالى- هؤلاء قد انقدح في أذهانهم التمثيل ثم دفعوا التمثيل بالتعطيل؛ ولهذا يقول العلماء: يقولون: كل معطل ممثل، وأيضًا كذلك كل ممثل معطل، كما جاء مبسوطًا في موضعه.

ثم قال -رحمه الله-: (أو تأولها بفهم) إلى آخر كلامه، فالإمام الطحاوي هنا يحذر أيضًا من التأويل الفاسد للرؤية، وكأنه يشير مثلًا إلى تأويل المعتزلة لما يفسرون الرؤية بالعلم، وهذا تأويل فاسد ترده النصوص كما مر بنا في حديث جرير بن عبد الله قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنكم سترون ربكم عيانً) رؤية بصرية، رؤية بالعين، فلما يقول أنها رؤية علمية هذا رد لهذه النصوص الصريحة الظاهرة، فالمقصود بقوله: (أو تأولها بفهم) المقصود بذلك التأويلات الفاسدة للرؤية سواءً كما هو عند المعتزلة أو كما وقع عند بعض المتأخرين من الأشاعرة، فالأشاعرة هم في الأصل يثبتون الرؤية، وإن كانوا لا يثبتون العلو والفوقية لله -سبحانه وتعالى-، لكن نجد أن جملة من المتأخرين منهم مثل أبي حامد الغزالي ومثل الفخر الرازي نجد أنهم يفسرون الرؤية تفسيرًا يقارب تفسير المعتزلة، يجعلون الرؤية أقرب ما تكون للانكشاف والعلم، وهذا ترده النصوص، فالرؤية واضح أنها رؤية بالأبصار، أن أهل الإيمان يرون الله -تعالى- بأبصارهم، كما هو ظاهر النصوص وصريحها.

بعدها كلام المؤلف -رحمه الله- خلاصته: أنه يرى ذم التأويل مطلقًا لما قال هذه العبارة قال: (إذ كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنًى يضاف إلى الربوبية -يعني إلى الله سبحانه وتعالى- بترك التأويل ولزوم والتنزيل) فمقصوده -رحمه الله- بترك التأويل والتأكيد عليه مقصوده: التأويل المذموم، الذي هو التحريف، الذي هو صرف الكلام عن المتبادر منه، هذا مقصوده -رحمه الله-، فهذا الذي ينبغي أن نَحْذَر منه، وأن نُحَذِرَ منه، وإلا إن أريد بالتأويل التفسير ومعرفة مراد الله ومراد الرسول -عليه الصلاة والسلام- فهذا معنى صحيح لكن مقصود الطحاوي -رحمه الله- بترك التأويل وذمه مقصوده هنا التأويل الذي هو بمعنى التحريف وصرف الكلام عن المعنى المتبادر منه.

إلى أن قال: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه ذل ولم يصب التنزيل) هذا تأكيد لما سبق، فالرؤية علينا أن نثبتها من غير تشبيه ولا تعطيل، من غير تشبيه ولا نفي، هذا هو المسلك الوسط وهذا هو مسلك العدل أن نتوسط في هذا الباب، وأهل السنة والجماعة في باب الرؤية وسائر الصفات وسط بين المعطلة النفاة وبين المشبهة الممثلة قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

يقول: هل كل من ينفي الرؤية ينفي العلو؟ أو كل من ينفي العلو ينفي الرؤية؟.

لا.. ليس لازمًا، يعني أهل السنة والجماعة اتباعًا للدليل أثبتوا الرؤية وأثبتوا العلو والفوقية، والمعتزلة نفوا الرؤية ونفوا العلو، والأشاعرة أثبتوا الرؤية لكنهم نفوا العلو، ودائمًا الذي يثبت بعض الحق وينفي بعضه يتسلط عليه المخالف، فالمعتزلة تسلطوا على الأشاعرة، قالوا: كيف تثبتون رؤية شيء ليس في جهة علو ولا في غيرها؟ يعني أنت الآن عندما ترى شيء إما أن ترى فوقك ولا تحتك ولا عن يمينك ولا عن شمالك أما أنك تقول: أنا أرى هذا الشيء لكنه ليس في علو ولا فوقية ولا غير ذلك، هذا لا شك أن هذا تناقض وتذبذب وهذا مما جعل المعتزلة يتسلطون على الأشاعرة، فهذا عرض الأقوال في هذه المسألة.

يقول: ما الفرق بين التصديق والتسليم والاتباع؟.

في العبارة الأخير هذه التي سمعناها. بين التصديق والتسليم والاتباع، والله أنا ما يحضرني شيء الآن هل فيه فروق بينها ظاهرة هي لاشك أن فيه معاني متقاربة، نعم يمكن نقول أن التصديق كما لا يخفى ضده التكذيب التسليم الذي هو الانقياد والخضوع يقابله الإباء والرد، والاتباع يقابله الابتداع، هذا من جهة التقابل، وعلى كل يمكن نقول: إذا قلنا التسليم فالمراد به التسليم لله تعالى وحده، وإذا قلنا التسليم لله تعالى وحده فيقابله الشرك ويقابله الاستكبار، فإذا قلنا التسليم يقابله الاستكبار فربما يكون التسليم من هذه الجهة ربما يكون أعم من ما سألت عنه في قضية التصديق، التصديق يقابله التكذيب، والله أعلم هذا الذي يحضرني الآن في هذه العجالة.

يقول: ورود الوساوس التي عن الذات الإلهية وغيرها هل هي دليل على ضعف الإيمان مثلًا عند الإنسان؟.

لا.. ليس الأمر بهذا الإطلاق، يعني الذي أفهمه من كلام أهل العلم: أن الشخص إذا أقبل على ربه -سبحانه وتعالى- وأقبل على الاستقامة علمًا وعملًا فالشيطان يحرص على إيقاعه في الوساوس، أما الذين انغمسوا في الملذات والشهوات واشتغلت قلوبهم بهذه الملذات أو انغمست بالشبهات، فتجد أن هؤلاء كفوا أنفسهم من الشيطان، لكن الشيطان إذا رأى العبد مقبلًا عن الاستقامة وعلى اتباع السنة فإنه يحرص على إيقاعه في الوساوس، أقول مجرد الوساوس في حد ذاتها كونها تعرض لا يعني أن العبد ضعيف الإيمان، الوساوس عرضت لخير الناس بعد الأنبياء هم الصحابة -رضي الله عنهم- لكن الواجب علينا تجاه الوساوس ما سمعناه: أن نكره هذه الوساوس فإذا كانت هذه الوساوس شيطانية أو خوض في كيفية صفات الله أو نحو ذلك ينبغي أن نكره تلك الوساوس والأمر الثاني أن ندفعها بما سمعنا من النصوص الاستعاذة بالله -سبحانه وتعالى- وإذا استقرت الوسوسة في الفؤاد فلابد من سؤال أهل العلم الراسخين حتى يدفعوا هذه الوسوسة أو تلك الشبهة، والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (فإن ربنا -جل وعلا- موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية).

يعني هذه العبارة لا نقف عندها كثيرة لأنها بينة وواضحة، ويبدو أن الإمام الطحاوي استقى هذه العبارة مستفيدًا من سورة "الإخلاص" هنا قال: (فإن ربنا -جل وعلا- موصوف بصفات الوحدانية) وهذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، ثم قال: (منعوت بنعوت الفردانية) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ اللهُ الصَّمَدُ ﴿2﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 2، 3]، قوله: (ليس في معناه أحد من البرية) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4].

قال -رحمه الله تعالى-: (وتعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات).

هنا قال العبارة التي سمعناها، قبل أن نبدأ في هذه العبارة نحب أن نؤكد على مقدمة مهمة، ألا وهي: العناية بالألفاظ الشرعية والالتزام بالألفاظ الشرعية القرآنية أو النبوية، فالألفاظ الشرعية لها من الحرمة والتعظيم ما لها، فنبدأ ونؤكد على الإخوة الكرام الذين معنا وعلى من يشاهد هذه الحلقة أن نصف الله -سبحانه وتعالى- بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-، فنقول: هو السميع البصير العزيز الحكيم والموصوف بصفات الحكمة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك من الصفات التي جاءت في الكتاب والسنة النبوية الصحيحة، فالألفاظ الشرعية التي جاء الكتاب والسنة بإثباتها لله يجب علينا أن نثبتها، وكذا أيضًا الألفاظ التي جاء بها الكتاب والسنة جاء نفيها فعلنيا أن ننفيها، فإذا نفى الله -سبحانه وتعالى- عن نفسه النوم علينا أن ننفيه، إذا نفى الله -سبحانه وتعالى- عن نفسه العور ننفي ذلك عنه كما في حديث (إن ربكم ليس بأعور) وهكذا فننفي ما نفاه الله عن نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام- ونثبت ما أثبته الله -تعالى- لنفسه في كتابه وعلى لسان نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

يبقى أنه جاءت عندنا ألفاظ، هي ألفاظ تطلق على الله إما نفيًا أو إثباتًا لكن هذه الألفاظ لم ترد لا في الكتاب ولا في السنة لا بنفي ولا بإثبات، هذه الألفاظ يسميها بعض المحققين الألفاظ المجملة، ألفاظ مجملة، يعني فيها إجمال، فيها اشتراك، تحمل حقًا وتحتمل باطلًا، هذه الألفاظ المجملة التي تشتمل وتحتمل حقًا أو باطلًا هذه الألفاظ كلام المحققين من أهل العلم أن هذه الألفاظ ينبغي أن لا نردها بإطلاق، وألا نقبلها بإطلاق، هذه الألفاظ تحتمل وتشتمل على حق وباطل، فإذا رددناها جملة وتفصيلًا فقد نرد حقًا، وإذا قبلناها جملة وتفصيلًا قبلناها بإطلاق قد نقبل باطلًا، فلابد من التفصيل، والإمام الطحاوي على جلالة قدره -رحمه الله- استعملها في هذا المقام، وقد تعقب كلامه -رحمه الله- وليته -رحمه الله- عدل عن هذه العبارات التي فيها إجمال وفيها تفصيل، هذا أمر.

الأمر الثاني: أنه -رحمه الله- في هذه العبارة كما لاحظنا تكرر نفي، يعني فصل في النفي قال: (تعالى عن الحدود والغايات والأعضاء والأركان والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) وقد مر بنا في أول المتن أول هذه العقيدة أن النفي في القرآن والسنة يكون مجملًا، وهنا في هذا النفي فصل -رحمه الله-، على كل الذي يهمنا في هذه العجالة أن نبين هذه الألفاظ وما فيها من الإجمال، لفظ الحد هذا لفظ مجمل، لم كان لفظًا مجملًا؟ لأن لفظ الحد لم يأتِ في الكتاب ولا في السنة لا بنفي ولا إثبات، ويشتمل على حق وباطل، يحتمل فلا نثبته بإطلاق ولا ننفيه بإطلاق.

هذا اللفظ لفظ الحد هل نثبته لله؟ نقول: هذا الحد له معنى صحيح، وله معنى فاسد، ما المعنى الصحيح له؟ المعنى الصحيح للحد إذا أريد بالحد أن الله -تعالى- مباين للمخلوقات وأنه منفصل عنهم، فإذا أريد بالحد المباينة والفوقية فلا شك أنه -سبحانه وتعالى- موصوف بالفوقية، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18]، إذن إذا أريد بالحد الفوقية فهذا المعنى صحيح، فالله تعالى موصوف بالفوقية أما وهذا هو المعنى الآخر المعنى الفاسد، أما إن أريد بالحد أن العباد يحدونه يعني يحيطون به فهذا المعنى فاسد يُنفى عن الله، فلا يمكن للعباد أن يحيطوا بالله -سبحانه وتعالى- قال تعالى: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ ﴾ [البقرة: 255]، ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110]، قال تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ﴾ [الأنعام: 103]، يعني لا تحيط به.

إذن اتضح لكم أن الحد لفظ مجمل لم قلنا أنه لفظ مجمل؟ لأن هذا اللفظ يشتمل على حق وباطل وقبل هذا أنه لم يرد في نصوص الكتاب أو السنة لم يرد نفيه أو إثباته، فإذا جئنا إلى كلام السلف، السلف الذين أثبتوه أرادوا معنى صحيح وهو: أن الحد بمعنى العلو والفوقية والمباينة عند الله -تعالى- ليس داخل العالم -سبحانه وتعالى-، والذين نفوه عن الله -سبحانه وتعالى- أرادوا بهذا النفي أن الله -تعالى- لا يحد يعني لا يحاط به ولا شك أن هذا النفي صحيحًا، أن الله -تعالى- لا حد له، بمعنى أنه لا يحاط به هذا المعنى صحيح.

يقول: أهل العلم الراسخين، كيف نعرف أهل العلم الراسخين؟ وإذا كان هناك عالم يعتبر راسخًا وله بعض الزلات في العقيدة فتنفى عنده صفة الرسوخ؟.

على كل يعني نقصد لما نقول: العلماء الراسخين، نقصد بهم الأئمة من أهل السنة الذين يوصفون بالرسوخ، أما من تلبس بدعة وتلبس بعلم الكلام فهو أحوج ما يكون أن يدفع الوساوس عن نفسه فضلًا أن يسعى في إنقاذ غيره، فالمقصود بالعلماء الراسخين ومثلنا لهم بالعلماء السابقين فهو يمكن أن يسأل الأحياء منهم ويستفيد مما كتبه وقرره العلماء السابقين، فالمقصود بالعلماء الراسخين العلماء الذين التزموا واتبعوا وسلموا لنصوص الوحيين أما الذي لا يسلم للنص الشرعي وإنما يستسلم لعقله أو يستسلم لذوقه فهذا ليس راسخًا في العلم، لو كان راسخًا لسلم للنص، وصار سبيله سبيل الراسخين الذين قالوا: قال تعالى: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ [آل عمران: 7] كلمة ﴿ آمَنَّا بِهِ ﴾ عند التحقيق لا يقولها إلا الراسخون، أما الذي يسلم لعقله ويعارض النص أو يسلم لذوقه ومواجيده هذا لا يعد راسخًا في العلم، لو كان راسخًا لسلم للنص وأعرض عما استحسنه بعقله أو ذوقه.

عندنا كلمة "الغايات" تحتاج أن نقف قليلًا، الغايات (تعالى عن الحدود والغايات) نحب أن ننبه عليها؛ لأن الشارح ابن أبي العز لم يذكر معنى هذه الكلمة ويمكن أن نوجز ذلك ونقول: الغاية قد يراد بها الحكمة، وقد يراد بها الغرر، فإذا أريد بالغاية الحكمة فلا يجوز أن ينفى ذلك عن الله، لاحظ العبارة قال: (تعالى عن الحدود والغايات) تعالى الله عن الغايات، فإذا أريد بالعبارة نفي الحكمة فهذا المعنى فاسدًا ولا ليس فاسدًا؟ لاشك أنه فاسد، لابد من إثبات الحكمة، فالله -سبحانه وتعالى- من أسمائه الحكيم، ومن صفاته الحكمة، أما إن أريد بكلمة (تعالى عن الحدود والغايات) أراد بنفي الغاية يعني نفي الأغراض التي فيها معنى الحاجة فالله تعالى منزه عن الحاجة، يعني أحيانًا بعض الناس يقول مثلاً: أنا فعلت هذا أو قدمت هذا الأمر لغرض في نفسي عند فلان، كلمة الغرض لا تنفك عن الحاجة، فإذا أريد بالغرض الحاجة فالله -سبحانه وتعالى- منزه عن ذلك، فنحن أهل السنة نثبت الحكمة خلافًا للجبرية والأشاعرة وفي نفس الوقت لا نسميها غرضًا كما يقوله المعتزلة الذين يشبهون أفعال الله بأفعال العباد، إذن إن أريد بالغاية الحكمة فلا يصح هذا النفي، وإن أريد بالغاية الغرض فهذا النفي يكون صحيحًا.

نأتي للعبارات الثلاثة: الأركان والأعضاء والأدوات، هذه العبارات قد يستعملها بعضهم فيقول الله -تعالى- منزه عن الأركان والأعضاء والأدوات، يستخدم هذه العبارات ويضمنها نفي صفات الله، يقول الله -سبحانه وتعالى- منزه عن الأركان والأعضاء والأدوات، فتقول له: ماذا تريد بالأعضاء؟ يقول: إن الله -تعالى- لا يوصف بالوجه، وليس له يدان، فهذا النفي فاسد، فلا يسوغ أن تنفى صفات الله -سبحانه وتعالى- التي جاءت في الكتاب والسنة بدعوى أنها أعضاء أو أركان أو أدوات، إنما الواجب علينا أن نثبت هذه الصفات أما كلمة الأركان والأعضاء والأدوات فعلينا أن نستفصل، فإذا أراد بالأركان أن ينفي الصفات الثبوتية لله -سبحانه وتعالى- فهذا النفي فاسد، أما إذا أراد بنفي الأركان والأعضاء والأدوات أن ينفي مماثلة الله -سبحانه وتعالى- لخلقه فلا شك أنه -سبحانه وتعالى- ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، ومع هذا ينبغي التنبيه إلى أن كلمة الأركان والأعضاء والأدوات وما جاء في معناها الجوارح هذه لا تخلو من جهة إثباتها لا تخلو من محذور، فالركن في اللغة هو جزء من الشيء، لما تقول: ركن هذه الغرفة أو هذا المكان فالركن هو جزء، جزء من الشيء، والله -سبحانه وتعالى- منزه عن أن يكون متجزئًا أو متبعضًا -سبحانه وتعالى- هو الصمد -سبحانه وتعالى-، وأيضًا كذلك لما يأتي كلمة الأعضاء، الأعضاء في اللغة إذا نظرت إلى أصلها كما بين أهل العلم مأخوذة من التعضية وهي التجزئة والتفرق، ومنه قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ [الحجر: 91] فالتجزئة والتفرقة الله -سبحانه وتعالى- منزه عن ذلك، كذلك أيضًا لما يقول: أدوات الأدوات فيها معنى جلب المنفعة ودفع المضرة والمعنى هذا جلب المنفعة ودفع المضرة الله -تعالى- ينزه عنه، وعلى كل الذي يهمنا في خلاصة هذه الكلمة أن نعرف أن هذه العبارات الأركان والأعضاء والأدوات، فد ينفيها البعض عن الله ويضمن النفي أن ينفي شيئًا من صفات الله، فلا يسوغ نفي شيء من صفات الله بهذا النفي المجمل العام، وأيضًا ينبغي أن نؤكد في نفس الوقت، علينا أن نلتزم بالعبارات الشرعية الدينية.

تبقى العبارة الأخيرة لما قال: (لا تحويه الجهات الست) هو -سبحانه وتعالى- لا تحويه الجهات الست، والمراد بالجهات الست: أمام، وخلف، ويمين، وشمال، وفوق وتحت، فيقول: هو -سبحانه وتعالى- لا تحويه الجهات، يعني ليس محويًا، لا يحاط به.

قال: (كسائر المبتدعات) المبتدعات التي هي المخلوقات، لو جئت إلى عموم المخلوقات تجد أنها محوية محاط بها، ونحن الآن في هذا المكان محاط بنا، يحيط بنا هذا السقف وهذه الغرفة، إذا وضعت كتابك في حقيبتك، فالكتاب أيضًا محوي، إذا ركبت السيارة فالسيارة تحيط بك وهكذا..

الغالب والأعم الأغلب في المخلوقات أنها محوية فهو -سبحانه وتعالى- ليس محويًا تعالى الله عن ذلك، ولا يمكن أن تكون شيء من مخلوقاته تحيط به-عز وجل-، فله من العظمة ما له.

أختم في هذه المسألة عندما نستغرق أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة عندما نستغرق في الحديث عن هذا النفي ينبغي أن لا يشغلها هذا التحقيق وهذا البسط عما هو آكد وأجل وأعظم ألا وهو: أن نتنبه ونحرص على أن تكون عظمة الله -سبحانه وتعالى- حاضرة في قلوبنا، لابد من هذا الأمر، ونحن ما درسنا موضوع الأسماء والصفات إلا من أجل أن نحقق ذلك، أن نحقق عظمة الله -سبحانه وتعالى- وأن يكون ذلك باعثًا لنا في القيام بعبادته -سبحانه وتعالى-، فهذا أمر نؤكد عليه، لأننا نلحظ أن بعض الذين يدخلون في موضوع الصفات ويشتغلون في تفاصيلها قد يقعون في شيء من الجفاء في حق ربهم -سبحانه وتعالى-، فأقول: هذا التفصيل ينبغي أن لا يشغلنا عن ما هو آكد، بل ينبغي أن نجعل من الاشتغال والتفقه في باب الأسماء والصفات بابًا عظيمًا لتحقيق عظمة الله -سبحانه وتعالى-، فعظمة الله -سبحانه وتعالى- فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، قال تعالى: ﴿ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ [مريم: 90]، قال الضحاك -رحمه الله- في تفسير هذه الآية قال: تكاد السماوات تتشقق من عظمة الله -سبحانه وتعالى-، وسبق أن مر بنا قول الله -تعالى-: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ [الزمر: 67]، نحن بحاجة يا إخوان إلى هذا الكلام بحاجة إلى أن نحرك قلوبنا، يعني الآن الواحد منا إذا رأى رجلًا عظيمًا بجاهه أو بماله يجد أنه يصاحبه إجلال وهيبة وهو مخلوق مسكين هذا صاحب الجاه وصاحب المال أو صاحب السلطان، فكيف بعظمة ملك الملوك -سبحانه وتعالى-؟ لابد أن نحرك قلوبنا، ما نأخذ موضوع الأسماء والصفات مجرد معلومات وقوالب معلومات لا تحرك عاطفة ولا تحرك إيمانًا ولا تبعث على خوف ولا تبعث على اقشعرار جلد، ولا تورث دمعة عين خوفًا من الله وإجلالًا له -سبحانه وتعالى-، لابد أن يكون هذا الباب باب الأسماء والصفات باعثًا لنا إلى عبادته والقيام بحقه -سبحانه وتعالى-.


حتى فضيلة الشيخ يعني مواصلة لحديثكم تنقلب باب الأسماء والصفات إلى نقاشات بين طلبة العلم وأخذ ورد، يعني تراهات قد لا تكون لها نتيجة جيدة أو مؤثرة في نفس المؤمن.

نعم.. هذا قد يقع وما قد يقع منا وما يقع من غيرها ينبغي التنبه عليه وأن نشتغل بما ينفع وأن يكون باب الأسماء والصفات طريقًا إلى القيام بعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له.

يقول: ما الفرق بين التكذيب والجحود في قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴾ [الأنعام: 33]؟.

والله أنا الذي أعرفه أن الآية الكريمة أجابت وبينت أن فيه فرق بينهما، والذي يقرره أهل العلم كما هو من خلال هذه الآية الكريمة أن المكذب يظهر ذلك، أن المكذب يظهر تكذيبه، لكن الجاحد ليس كذلك، وهذا واضح عند مشركي العرب، فهم في قرارة أنفسهم يعلمون صدق محمد -عليه الصلاة والسلام-، لكن يظهرون التكذيب أو كما تعرف ويعرف الإخوة ما عند فرعون وملئه قال تعالى: ﴿ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ [النمل: 14]، فالكذب قد يكذب الإنسان بقلبه ولسانه فيعد مكذبًا، وقد يكون مكذبًا بلسانه مصدقًا بقلبه، فقد يقال عنه أنه جاحد وليس مكذبًا، هذا الذي يبدو لي والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والمعراج حق وقد أسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء ثم إلى حيث شاء الله من العلى، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى فصلى الله عليه في الآخرة والأولى).

اللهم صلي على محمد، الآن المؤلف يتحدث عن جملة من الغيبيات، ومنها المعراج، وابتداءً نؤكد ونذكر أنفسنا ومن يشاهدوا هذه الحلقة على أمور:
الأمر الأول: ضرورة الإيمان بالغيب والتسليم بذلك والانقياد لما جاء في هذه النصوص الثابتة الصحيحة الصريحة، ومن ذلك الإيمان بالإسراء والمعراج، قال تعالى في حق المؤمنين: ﴿ الم ﴿1﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 1- 3] فالله -سبحانه وتعالى- أثنى على هؤلاء المؤمنين؛ لأنهم آمنوا بالغيب، هذا أمر.

الأمر الثاني: نسب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال في تعريف الغيب قال: الغيب كل ما أمرت بالإيمان به، فيما غاب عن بصرك يسمى غيبًا، قال: مثل الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان، هذا أثر نسب إلى ابن عباس -رضي الله عنهما-.

الأمر الثالث: وحديث الإسراء والمعراج كما ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره في تفسير قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ [الإسراء: 1]، ذكر أن حديث الإسراء أقر به المسلمون وأنكره الزنادقة والملحدون، فالزنادقة والملحدون ينكرون ذلك، ولا يزال الزنادقة والملحدون في هذا العصر ينكرون هذا الأمر الغيبي وينكرون سائر المغيبات.

الأمر الرابع: هنا لما قال -رحمه الله تعالى-: (والمعراج حق) نعم المعراج حق يعني أنه ثابت موجود، والأحاديث في هذا متواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

قال: (وقد أسري بالنبي عليه الصلاة والسلام) والإسراء كما لا يخفى هو المشي ليلًا قال: (وعرج بشخصه في اليقظة إلى السماء) فالذي عليه المحققون من أهل العلم أن الإسراء وقع بروحه وجسده -عليه الصلاة والسلام-، وكان يقظة، والأدلة على أن ذلك بروحه وجسده الأدلة في هذا كثيرة:

أولًا: ما جاء في أول سورة الإسراء، قال تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ والعبد هو مجموع الروح والبدن، فإذا قلنا: "جاء زيد" فزيد يشمل روحه وبدنه مجموعهما.

ثانيًا: مما يدل على أنه كان بروحه وجسده: أن الله -تعالى- قال: ﴿سُبْحَانَ﴾ والتسبيح إنما يكون بالأمور العظيمة.

ثالثًا: أنه كان يقظة لا منامًا: أن قريشًا أنكرته، ولم تكن قريش تنكر المنامات.

رابعًا نستفيده من سورة النجم قال تعالى: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17] ذكر ذلك الله -سبحانه وتعالى- في الكلام عن أدبه -عليه الصلاة والسلام- وعن تمام رباطة قلبه -عليه الصلاة والسلام- قال: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ ﴾ والبصر كما لا يخفى من أدوات البدن.

خامسًا: أيضًا في سورة الإسراء قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ ﴾ [الإسراء: 60] قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية قال: رؤيا عين أريها النبي -عليه الصلاة والسلام-.

إذن نخلص أن الرؤية كانت يقظة لا منامًا، وأن ذلك كان بروحه وجسده،
هذه جملة من الأمور التي تتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا مسألة أحب أن أشير إليها، وهي: ما يقع أحيانًا من إشكال كونه -عليه الصلاة والسلام- طبعًا كما لا يخفى هو أسري به إلى المسجد الأقصى على البراق في صحبة جبريل -عليه السلام-، فلما قدم المسجد الأقصى صلى بالأنبياء أمهم -عليه الصلاة والسلام- ثم عرج به إلى السماء الأولى والثانية، وفي كل سماء يلقى جملة من الأنبياء ففي الأولى لقي آدم، وفي الثانية لقي عيسى ويحيى بن زكريا ابني الخالة، ثم في السماء الثالثة لقي يوسف، وفي الرابعة لقي إدريس وفي الخامسة عيسى، وفي السادسة موسى -عليه السلام- وفي السابعة إبراهيم -عليه السلام- وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

يرد إشكال في قضية كيف رآهم النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ فالذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وذكره الحافظ ابن حجر -رحمة الله عليهم- أنه -عليه الصلاة والسلام- رأى أرواحهم مصورة في صورة أبدانهم، وإلا أجساد هؤلاء الأنبياء في الأرض إلا عيسى -عليه السلام- فقد عرج بروحه وجسده، وعلى كل إذا الواحد منا لم يستوعب ما ذكره هؤلاء العلماء أنه -عليه الصلاة والسلام- رأى أرواحهم مصورة في أبدانهم ما علينا إلا أن نسلم، هذا كلام الله -سبحانه وتعالى- ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ وهذا أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق على الهوى، فعلينا أن نسلم وأن نصدق بالنصوص سواءً عقلناها أو لم نعقلها، الواجب علينا التسليم كما مر بنا في الدرس السابق.

يسأل عن قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88]؟.
يقول المؤلف: (لا تحويه الجهات كسائر المبتدعات) يعني العلو جهة يا شيخ؟ الجهات الست؟ فالآن نعتقد أن الله يوصف بالعلو فالعلو جهة من الجهات؟.

لا... ليس الأمر كما توهمت، هنا المؤلف يقول تعالى: (ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات) يعني هنا يقول: (لا تحويه) يعني أن الله -سبحانه وتعالى- ليس محويًا ليس محاطًا، وإلا -كما لا يخفى- الله موصوف بالعلو والفوقية هذا أمر دلت عليه الأدلة الكثيرة التي قال بعض العلماء: أنها تصل إلى ألف دليل أن الله -تعالى- موصوف بالعلو والفوقية، لكن هو سبحانه جل وعلا وتقدست أسماؤه إذا قلنا موصوف بالعلو لا يعني أن شيئًا يحيط به.

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (والحوض الذي أكرمه الله -تعالى- به غياثًا لأمته حق).

نعم المراد بالحوض هنا: هو حوض نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، هذا حق أي أنه ثابت، والأحاديث فيه متواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، إذن الحوض ثابت والأحاديث فيه متواترة، من أنكر الحوض؟ نقول: أنكره الخوارج وبعض المعتزلة.

هذا الحوض جاءت الأحاديث في وصفه وأنه حوض عظيم وأن طوله وعرضه سواء، كما جاء في بعض رواية مسلم، (وأن طوله مسيرة شهر) ومن الأحاديث التي جاءت في ذلك حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إن قدر حوضي كما بين آيلة إلى صنعاء اليمن) وآيلة هي في طرف بحر القلزم الذي هو البحر الأحمر من جهة الشام، وصنعاء اليمن معروفة، فدل ذلك على أنه حوض طويل جدًا، لأن العلماء قالوا: إن ما بين آيلة التي هي في الشام في طرف البحر الأحمر بينها وبين المدينة مسيرة شهر، فما بالك -أيضًا- ما بين المدينة إلى صنعاء اليمن، فالمقصود أنه حوض عظيم، وجاءت الأحاديث أن هذا الحوض يذاد عنه أقوام يعني يمنعون، فالناس يخرجون من قبورهم عطشى فيقدمون على هذا الحوض فيذادون عنه، فيقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (أمتي) وفي رواية قال: (أصيحابي) فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) فدل الحديث على أن اتباع السنة والالتزام بالدليل والسير على وفق ما جاء به النبي -عليه الصلاة والسلام- أن ذلك من أسباب ورود الحوض، وكذا العكس، منطوق الحديث بين: أن من أحدث في دين الله سواءً ارتد عن دين الإسلام أو تلبس بالبدع والمحدثات والضلالات أن ذلك من أسباب الحرمان من ورود هذا الحوض الكريم وهذا الحوض العظيم.

هذا ما يتعلق بالحوض، إذن اتضح لنا ولكم أن هذا الحوض قد يذاد عنه أقوام ويمنعون بسبب ما أحدثوه وأن هؤلاء الذين أحدثوه قد يكونوا مرتدين، كما ذكر بعض الشراح وقد يكونون من أهل البدع والمحدثات كما اختار ذلك الإمام الشاطبي -رحمه الله- في كتابه "الاعتصام".

يقول: السؤال الأول: هل يجوز إطلاق ضابط أسماء الله وصفاته معرفة على البشر كقول: الكريم، القوي، الجبار، وغير ذلك؟

السؤال الثاني: أحد المعلمين من الدول العربية طرح سؤالًا وهو أن الأنبياء معصومين فكيف عصى آدم -عليه السلام- ربه وأكل من الشجرة؟ فكيف الرد على مثل هذا؟

السؤال الثالث: نسمع أحيانًا بعض الألفاظ من العامة ومن الخاصة كقول" "خذوه" "وحدوه" عند حمل الجنازة، تلقين الميت الشهادتين في القبر، ومثلا قول: يا حمار أو يا كلب يا عدو الله للمسلم وغير ذلك من الألفاظ فما حكم ذلك؟.
هل يجوز إطلاق صفات معرفة على العباد؟.

طيب على كل هنا الآن لما يقال فلان "الكريم" ولا يقال مثلًا: "السميع" ما دام أن "ال" هنا "ال" للعهد، فكونها تطلق على المخلوق ما فيه إشكال، لكن إذا أطلقت وأريد بـ"ال" الاستغراق فهذه تختص بالله -سبحانه وتعالى-، وعلى كل يبقى هناك أسماء تختص بالله -سبحانه وتعالى-، يعني مثلًا "الرحمن" لا يجوز أن تطلق على المخلوق، "رب العالمين" لا يجوز أن تطلق على مخلوق، لكن يقال فلان "سميع" أو "بصير" أو يقال "السميع" إذا أريد بـ"ال" هنا للعهد فلا إشكال في ذلك.

يسأل عن الأنبياء معصومين؟
.
جزمًا الأنبياء هم معصومون -عليهم السلام- معصومون، نوضح هذا بإيجاز، أولاً: هم معصومون فيما يبلغونه عن الله من الوحي، ومعصومون من الكبائر ومعصومون من أيضًا الصغائر التي فيها دناءة وخسة -عليهم السلام-، وما ذكره قضية آدم -عليه السلام- فيجب أن نتنبه إلى أنه ما قد يقع فيه الأنبياء من لمم أو شيء من ذلك لا يذكر شيء من ذل لا يذكر ذنب لنبي إلا ويذكر له توبة، فآدم -عليه السلام- أكل من الشجرة كما هو معلوم، وحال الأنبياء -عليهم السلام- بعد التوبة أكمل من حالهم قبل وقوعهم في ذلك، فينبغي أن نعظم الأنبياء، وأن نجلهم، وأن نتوسط في باب العصمة بين الذين قد يسيئون إلى الأنبياء وبين من يدعي عصمة الأنبياء عصمة مطلقة حتى يقول أنه معصوم أنه معصوم من السهو والنسيان، لا.. الأمر وسط في هذا الباب.

أسئلة الدرس.

السؤال الأول: ما الألفاظ المجملة في باب الصفات؟ وما الموقف منها؟
السؤال الثاني: هل لله حد؟ مع التعليل والتوضيح؟

nary_jon
04-27-2008, 02:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس العاشر : القدر " تعريفه - ومراتبه "

القدر: تعريفه - ومراتبه


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد: نستأذن فضيلة الشيخ في عرض الإجابات التي أجابها الإخوة الكرام:

كان السؤال الأول: ما دليلك على من أنكر الشفاعة للعصاة؟

الجواب: أولًا: حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) رواه الإمام أحمد -رحمه الله-، ثانيًا: ما روى البخاري -رحمه الله- في كتابه "التوحيد" عن أنس -رضي الله عنه- قال: حدثنا محمد -صلى الله عليه وسلم-: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض إلى أن قال: ثم أعود الرابعة)، وهذه الشفاعة تتكرر منه -صلى الله عليه وسلم- أربع مرات أي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يشفع في أهل الكبائر الذين استحقوا دخول النار، ودخولها حقيقة أربع مرات فيذهب ويأتي أربع مرات كما جاء في هذا الحديث بخلاف الشفاعة العظمى، فإنها مرة واحدة، وكذلك شفاعته عند دخول أهل الجنة الجنة مرة واحدة، فهذا الحديث بهذه الصفة من أعظم الأدلة الدالة على أن الناس متفاوتون في درجات جهنم بحسب زيادة الإيمان ونقصانه، ومعلوم أن المعاصي تزيد بنقصان الإيمان، وتنقص بزيادته، وأعظم دليل من كتاب الله -تعالى- قوله: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾[النساء: 48].

الإجابة صحيحة، وإن كان أخونا بارك الله فيه أتى بأدلة لم نوردها، لكن هذا دليل على حرصه واجتهاده، فإجابته صحيحة بناءً على الحديث الأول الذي مر بنا حديث أنس قوله -عليه الصلاة والسلام-: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي).

كان السؤال الثاني والذي يقول: ما حكم طلب الشفاعة من الأموات مع الدليل؟

الجواب: طلب الشفاعة من الأموات شرك، يقول الله -تعالى-:

﴿ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: 49]، ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: 18]، ويقول: ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴿43﴾ قُل للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [الزمر: 43، 44].

الإجابة صحيحة، ونقول: جزاكم الله خيرًا على حرصه وعلى كمال إجابته.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، الموضوع الذي سنبدأ به في هذه الحلقة -إن شاء الله- هو عن موضوع القدر، سنتحدث عن تعريف القدر، وعن مراتبه ثم يتحدث أخونا الكريم عن كلام الطحاوي -رحمه الله- ثم نبدأ التعليق على كلام الطحاوي -رحمة الله عليه-.

أقول مستعينًا بالله -سبحانه وتعالى- القدر تعريفه بإيجاز: هو علم الله -تعالى- وكتابته سبحانه ومشيئته وخلقه، هذا تعريف القدر بإيجاز: هو علم الله -تعالى- وكتابته ومشيئته وخلقه، هذا تعريف مجمل، وإذا أردنا أن نفصل وأن نبين فنقول: القدر هو تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه -سبحانه وتعالى- بأنها تقع، أو بأنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفة مخصوصة وأنه كتب تلك المقادير، وأنه -سبحانه وتعالى- شاءها على الوجه الذي أراد، وأيضًا هو -سبحانه وتعالى- خلقها.

المقصود -أيها الإخوة يا من يشاهد هذه الحلقة-: أن القدر تعريفه معلق بهذه الأمور الأربعة: علم الله هذا أولًا، وكتابته، هذا ثانيًا، وثالثًا: مشيئته، ورابعًا: خلفه، إذا تقرر ذلك سيتضح لنا أن مراتب القدر أربع مراتب:
المرتبة الأولى: هي العلم. وهو أنه -سبحانه وتعالى- بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، وهو -سبحانه وتعالى- يعلم ما كان وما يكون وما سيكون بل هو -سبحانه وتعالى- يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، هذه مرتبة العلم، والله -سبحانه وتعالى- قال عن نفسه: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾[الأنعام: 73] وقال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ ﴾ [الأنعام: 59]، وهو -سبحانه وتعالى- بكل شيء محيط لا يخفى عليه شيء لا في الأرض ولا في السماء، هذه هي المرتبة الأولى.

المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة. وهو أنه -سبحانه وتعالى- كتب المقادير، كتبها عنده في اللوح المحفوظ، ما الدليل على ذلك؟ الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾والكتاب هنا اللوح المحفوظ ﴿ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70]، وقال -سبحانه وتعالى- ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ﴾ [الحديد: 22] وقال -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله كتب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) أخرجه مسلم، هذه المرتبة الثانية.

المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، وهي أن كل ما يقع في هذا الكون من صغير أو كبير دقيق أو جليل كل ذلك تحت مشيئته -سبحانه وتعالى-، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهذه المرتبة جاءت في مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَّشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: 29].

ومن دعاء المصطفى -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في مسلم أنه كان يقول: (يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)، كان -عليه الصلاة والسلام- يقول: (إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يصرفها حيث شاء)، ثم قال -عليه الصلاة والسلام- هذا الدعاء: (اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك)، وفي لفظ: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك).

المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق، وهي: التي جاءت في قوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16]، فهو -سبحانه وتعالى- هو الخالق لكل شيء، مهما دق ومهما صَغُرَ فهو الخالق لكل شيء، لا يستثنى من ذلك شيء من تلك الأشياء المخلوقة.

هذا بإيجاز، وهو مدخل لموضوعنا، ونبدأ الآن بعبارة الإمام الطحاوي -رحمه الله-.


قال المصنف -رحمه الله تعالى- قوله: (وأصل القدر سر الله -تعالى- في خلقه، لم يطلع على ذلك ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله -تعالى- طوى علم القدر عن أنامه ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]، فمن سأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين.
فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منور قلبه من أولياء الله -تعالى- وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان: علم في الخلق موجود، وعلم في الخلق مفقود، فإنكار العلم الموجود كفر وادعاء العلم المفقود كفر، ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود، وترك طلب العلم المفقود).
)

)


نبدأ في التعليق على هذه العبارة التي سمعناها من أخينا الكريم، فأقول مستعينًا بالله -تعالى-: كلام الله الطحاوي -رحمة الله عليه- في هذه العبارات خلاصته أنه -رحمه الله- يؤكد على أمرين مهمين، وعلى قاعدتين من القواعد المهمة التي ينبغي لنا أن نستصحبها في هذا الموضوع الجليل، في هذا الموضوع الخطير، موضوع القدر الذي هو موضع زلت فيه أقلام وأقدام وأفهام.

فالأمر الأول الذي أكد عليه الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه المسألة الجليلة ألا وهو: التسليم لنصوص الوحيين في باب القدر، التسليم -أيها الإخوة الكرام- هو أمر لابد منه في جميع أمور الدين، لاسيما في مثل موضوع القدر الذي هو مذلة أقدام، ويقع فيه الاشتباه والالتباس، فأنتم تلحظون أن الإمام الطحاوي -رحمه الله- أكد على هذا الأمر، لاحظوا لما قال -رحمه الله-: (فإن الله -تعالى- طوى علم القدر عن أنامه) إلى أن قال: (فمن سأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب) فهنا السؤال بـ"لم" فيه اعتراض، وهذا الاعتراض ينافي التسليم، ينافي الانقياد لما جاء عن الله وما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، إذن نؤكد على هذا الأمر الأول ألا وهو: التسليم، التسليم في باب القدر، وكما قال ابن القيم -رحمه الله- في هذا المقام قال: " واعلم أن مبنى العبودية على التسليم"، مبنى العبودية لله -سبحانه وتعالى- على التسليم لهذه النصوص الشرعية من كتاب وسنة، هذا أمر ينبغي أن نؤكد عليه.

الأمر الثاني الذي قرره الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه العبارات المهمة: أن باب القدر وأن موضوع القدر له جانبان له شقان: شق ينبغي الكف عنه، وعدم الخوض فيه، وشق ينبغي البحث فيه وينبغي التفقه فيه، فما الشق الذي ينبغي الكف عنه؟

الشق الذي ينبغي الكف عنه: هو ما سماه -رحمه الله- بقوله: (القدر سر الله -تعالى- في خلقه) وهو الذي جاء في الآثار والأحاديث بالإمساك عنه، جاء في بعض الأحاديث التي حسنها بعض أهل العلم أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (إذا ذُكِرَ القدر فأمسكو) وجاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: «القدر سر الله فلا تكشفوا» وفي لفظ قال: «القدر سر الله فلا تتكلفه».

فإذن عندنا جانب ينبغي الإمساك عنه عدم الخوض فيه الذي عبر عنه الطحاوي بكلامه الذي سمعناه: (العلم المفقود) فهذا الجانب الأول الذي هو الذي ينبغي الكف عنه وعدم الخوض فيه هو ما يتعلق بالجانب الغيبي الجانب الخفي من هذا الموضوع ينبغي عدم الخوض فيه، فلا يأتي شخص ويقول: لماذا هدى الله فلانًا؟ وأضل فلانًا؟ لماذا فلان عاش ستين سنة؟ وفلان عاش عشرة سنوات؟ لماذا الله -تعالى- أغنى فلانًا؟ وأفقر فلانًا؟ لا يجوز السؤال بـ"لم"، ولهذا قال الطحاوي -رحمه الله- قال: (فمن قال: لم، فقد رد حكم الكتاب، من رد حكم الكتاب كان من الكافرين) هكذا قال -رحمه الله-، ومقصوده أنه رد حكم الكتاب يعني أنه رد ما جاء في قوله تعالى: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ﴾ الله -تعالى- لا يُسأل عما يفعل، قال تعالى: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ لماذا لا يُسأل عما يفعل -سبحانه وتعالى-؟ لا يُسأل كما يتوهم البعض أنها مشيئة محضة وقهر، لا.. وإنما لكمال حكمته وتمام عدله ورحمته أن أفعاله -سبحانه وتعالى- كلها عدل وكلها فضل، كما مر بنا قديمًا لما قال -رحمه الله- الطحاوي قال عن أفعال الله قال: (أفعاله بين العدل والفضل) قال: (وكلهم يتقلبون ببين عدله وفضله).

فالمقصود أن هذا الجانب ينبغي الكف عنه، الجانب الذي هو غيب واستأثر الله به ينبغي ألا نخوض فيه.

أما الشق الآخر الذي ينبغي البحث فيه والتفقه فيه وتعلمه هو ما سمعناه من قضية مراتب القدر الأربعة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، وأيضًا كذلك مما ينبغي البحث فيه والتفقه فيه: أن القدر السابق لا يمنع العمل -كما مر بنا بالأمس- لما قال سراقة بن مالك -رضي الله عنه- وبعض الصحابة: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: لا.. اعملوا فكل ميسر لما خُلِقَ له) إذن: هذا الجانب الآخر الذي ينبغي البحث فيه والتفقه فيه هو ما يتعلق بمراتب القدر الأربع وما يتعلق بأن القدر السابق لا يمنع العمل بل يوجب الجد والاجتهاد كما ذكرنا ذلك بالأمس أن بعض الصحابة لما سمعوا أحاديث القدر قال بعضهم: «ما كنت أشد اجتهادًا مني الآن».

فإذن ينبغي أن نبين الشق الذي ينبغي البحث فيه، والشق الذي ينبغي الإمساك عنه.

هذه المسألة بينها الطحاوي بهذه العبارة الموجزة، وممن بسط الكلام فيها الإمام ابن بطة -رحمه الله- في كتابه "الإبانة" فقد بين هذا، الإمام ابن بطة في "الإبانة الكبرى" الجانب الذي ينبغي الكف عنه، والجانب الذي ينبغي التفقه فيه، وبسط الحديث عنه، بين ذلك بشيء من الكلام المبسوط يمكن أن ترجعوا إليه في هذا الكتاب النفيس "الإبانة" لابن بطة.

هذا خلاصة كلام الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه المسألة.

تقول: ما الفرق بين القضاء والقدر؟.

من أهل العلم من يرى التفريق بين القضاء والقدر، ومنهم من يرى عدم التفريق، فبعضهم يقول: سواء قلنا: الإيمان بالقضاء أو قلنا: الإيمان بالقدر هما بمعنًى متقارب أو هما مترادفان، والبعض يفرق بينهما فيجعل أحدهما أخص من الآخر، والبعض يجعله العكس، فالبعض يقول: إن القضاء هو الحكم العام الكلي، الحكم العام الإجمالي، كما نقل الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، يقول: القضاء هو الحكم العام الإجمالي، وأما التقدير فهو الأمور الجزئيات، ما تتعلق بالجزئيات الأمور التفصيلية.

وبعضهم يعكس القضية فيجعل التقدير هو أمر عام، والقضاء يتعلق بالأمور التفصيلية، وعلى كل يبدو التفريق أن الأمر في ذلك يسير، سواءً أثبتنا الفرق أو لم نثبته فالمعنى متقارب، سواءً عبرنا بقولنا: الإيمان بالقدر أو الإيمان بالقضاء، فالمعنى في ذلك متقارب، والله أعلم.

هنا لما قال -رحمه الله-: (وأصل القدر سر الله -تعالى- في خلقه) عرفنا أن مراده بذلك الجانب الغيبي الذي ينبغي عدم الخوض فيه، الذي ينبغي ألا نخوض فيه، هذا شق ينبغي أن نكف عنه، فلا يجوز لإنسان أن يسأل هذا السؤال: لم أضل الله فلانًا؟ أو لم هدى فلانًا؟ هذه الأمور التي استأثر الله بها فينبغي الكف عنها؛ لأن الأمر الغيبي استأثر به -سبحانه وتعالى- فعلينا أن نمسك وأن لا نخوض في هذه المغيبات.

قال بعدها: (والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان) إلى أن قال: (وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان) الدخول في هذا الأمر الغيبي لا يزيد الإنسان إلا حسرة ولا يزيده إلا شكًا وحيرة، فالسبب في حيرة كثير من الناس في باب القدر: أنهم اشتغلوا بما لا ينفعهم، اشتغلوا بما ينبغي أن يمسكوا عنه، وتركوا الأمر الذي ينبغي أن يتفقهوا فيه ويشتغلوا به.

قال هنا: (فإن الله -تعالى- طوى علم القدر عن أنامه) أي عن خلقه: (ونهاهم عن مرامه) يعني على طلبه، فهذا الجانب الذي ينبغي الكف عنه، ثم أورد الآية الكريمة: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾.

العلماء علماء السلف يقولون: لا يُقال كيف في صفاته -سبحانه- ولا يُقال لم في أفعاله، ما الدليل على هذا أو ذاك؟

أما لا يُقال كيف في صفاته: فجاء ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ ﴾ [آل عمران: 7]، فكيفية صفاته، حقيقة صفاته، هذه غيب استأثر الله بها -سبحانه وتعالى-.

أيضًا لا يُقال: لم في أفعاله، فلا يُقال: لم هجا الله -تعالى- فلانًا؟ هذا السؤال الذي فيه اعتراض فيه رعونة فيه سوء أدب هذا لا يجوز أن يُقال في حق الله كما سمعنا الآية الكريمة: ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾.

قال بعدها: (فمن سأل لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب) يعني رد حكم القرآن (ومن رد حكم الكتاب فهو من الكافرين) لكن بين الشارح -رحمه الله-: إذا كان هذا الرد سببه التأويل، تأويل له وجه فينبغي أن يُزال هذا التأويل وتُزال الشبهة، فلا يُكفر الشخص بعينه حتى تجتمع فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع.

العبارة التي بعدها لا نقف عندها كثيرًا؛ لأنها تأكيد للكلام السابق، قال: (فهذا جملة ما يحتاج إليه من هم منور قلبه من أولياء الله، وهي درجة الراسخين في العلم).

نعم درجة الراسخين في العلم هي قائمة على البصيرة، وهذه البصيرة نور يقذفه الله -تعالى- في قلوب من يشاء من عباده عن حكمة ورحمة وفضل منه -سبحانه وتعالى-.

ثم قال: (العلم علمان) فالعلم المفقود: هو الجانب الغيبي في هذا الموضوع موضوع القدر، والعلم الموجود هو علم الشريعة، ومن ذلك الإيمان بشرع الله، الإيمان بهذه المراتب الأربعة، الإيمان بأن الله -تعالى- أمر بفعل الأسباب، يعني كون الأمور قدرت علينا لا يعني ترك الأسباب، قال -عليه الصلاة والسلام-: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله) لاحظ (احرص على ما ينفعك) هذا يتعلق بفعل الأسباب (واستعن بالله) يتعلق بالقدر، نحن في كل ركعة نقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ هذا من باب فعل الأسباب، من باب اتباع الشرع، وعندما نقول: ﴿ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ هذا من باب الإيمان بالقدر والاعتماد على الله -سبحانه وتعالى
-.

يقول: السؤال الأول: قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 15]، (.... من أمتي إلا خلا فيها نذير) هل يشمل يأجوج ومأجوج؟ السؤال الثاني: بالنسبة للإحاطة، إحاطة لله -سبحانه وتعالى- بالمخلوقات؟ منهم من يقول: إحاطة الله -سبحانه وتعالى- إحاطة تليق بجلاله، ومنهم من يفصل فيها بعلمه و قهره؟.


كيف؟

يعني منهم من يؤول الإحاطة؟ ومنهم من يجعلها لائقة بالله -سبحانه وتعالى- هذا قصدك؟.

منهم من يقول.. من غير اللوازم يعني الله محيط بخلقه بعلمه بقهره وبقدرته وغير هذ.

تقصد التأويل هذا؟.

ومنهم من يقول: أنه محيط إحاطة تليق بجلاله، هل فيها فرق بين العبارتين؟.

تقول: هل الدعاء يرد القدر؟ وهل المصائب من القدر أيضًا؟

الأصل الذي جاءت به الأدلة كما أنت ذكرت في الآيات الله تعالى قال: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [الإسراء: 15] قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر: 24]؛ فهذا الأصل أنه لا تعذب أمة إلا وقد جاءها نذير أو قد جاءها رسول كما هو في هذه الآيات المذكورة.

أما ما يأتي في قضية يأجوج ومأجوج فهذا يعني يكون ما عندي أنا جواب عنه الآن لا يعني أن يعكر على هذه القاعدة، وإلا فالأصل أن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد أن تقوم الحجة وان تبلغه الرسالة: ﴿ وَأُوحِي إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ [الأنعام: 19]. هكذا جاء في قوله تعالى على لسان النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الذي يبدو لي والله أعلم.

أما مسألة الكلام عن الإحاطة أنا أقول لا تعارض بين هذا وذاك فنحن نثبت أن الله تعالى بكل شيء عليم، وأنه أحاط بكل شيء علما، وهذه الإحاطة لها لوازم، يعني هذا العلم المحيط بكل شيء يستلزم التهديد والتخويف كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ﴾ [فصلت: 40]؛ وقد يكون هذا العلم مدعاة للمواساة والتسلية كما في قوله تعالى لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ [الأنعام: 33]؛ أو قد يكون للتهديد في مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَإذن ﴾ [النور: 63].

فهذا أمر ينبغي أن يكون في الحسبان، وانظر إلى سياق الآية ومورد النص، وما يحتف به من القرائن والله أعلم.

أما ما ذكرته السائلة من الأسئلة فنعم ورد في الأحاديث والآثار أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (لا يرد القدر إلا الدعاء)؛ وجاءت أحاديث أن الدعاء والبلاء يعتلجان بين السماء والأرض فإذا كان الدعاء غالبًا وقويًا، فإنه يرد القدر وكونه يرد القدر لا يعني أن الدعاء ليس مكتوبًا أو ليس مقدر، الكل مقدر، الله تعالى قدر هذا وهذا، المقصود أن الدعاء يرد القدر كما جاءت في ذلك الأحاديث قضية المصائب أنها بقدر الله قطعًا جزمًا سمعنا الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ [الحديد: 22].

فالمصائب التي تصيبنا والتي تصيب الناس في أموالهم وفي أولادهم وفي أجسادهم كل ذلك بقدر الله والله -سبحانه وتعالى- عندما يقدر على العبد مصيبة، هو له الحكمة في ذلك، وابن القيم -رحمه الله- لما تحدث عن المرض قال: «قد أحصيت فوائد المرض فوجدتها تزيد على مائة فائدة»؛ هذا هو المرض الذي يتوجع منه الإنسان ويتألم ويعتريه ما يعتريه من أنواع الآلام وربما لم يؤدي الصلاة كما يجب، وربما ترك طاعات يؤديها وقت صحته مع هذا كله فابن القيم يقول قد أحصيت هذا مجرد إحصاء بن القيم رحمة الله عليه وجدتها مائة فائدة ولكن كما قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [البقرة: 216].

ما مدى صحة قول الكتابة سابقة وليست سائقة؟ هل لهذا صحة يا شيخ؟

والله إذا قلت أن الكتابة سابقة وليست سائقة أما الكتابة السابقة نعم صحيحة ما كتبه الله تعالى هذا مسبوق وقديم مر بنا في حديث عبد الله بن عمرو أن الله كتب المقادير قبل أن السموات والأرض قبل خمسين ألف سنة، لكن كلمة لا سائقة إذن أريد بكلمة لا سائقة أن الكتاب لا يعني أن الإنسان مجبور ومكره تكون العبارة صحيحة، لكن أما كون يفهم من كلمة لا سائقة أنه يتوهم منها أن العبد يخلق فعل نفسه فهذا كلام فاسد، فالله تعالى خالقنا وخالق أفعالنا فنحن نحرر ماذا يريد بكلمة "لا سائقة" إن أراد بكلمة لا سائقة إن الكتابة ليست إكراهًا ولا تكون جبرًا فنعم، نقول إذن الكتابة ليست سائقة، أما يريد بكلمة ليست سائقة أراد بذلك أن ينفي أن الله تعالى يخلق أفعال العباد فلا يسلم بهذا المعنى.

يقول: بالنسبة هل يجوز بعض عوام الناس إذا أصابتهم مصيبة لشخص يقول والله ما يستاهل؟ هل يكون فيه اعترض للقدر؟

هذه العبارة نبه عليها بعض المعاصرين من العلماء أن هذه العبارة يعني لا تسوغ وهذه عبارة أن فيها سوء أدب لما يصاب الإنسان بمرض أو مصيبة يقال ما يستاهل فهذا فيها سوء أدب في حق الله، وأيضا فيها جهل بما يقدره الله، عليه أن نوقن الإخوة الكرام يا من يشاهد هذه الحلقة علينا أن نوقف أن الله -سبحانه وتعالى- بما يقدره فيه الخير فهو -سبحانه وتعالى- لا يخلق شرًا محضًا، لا يخلق شرًا محضًا، ويكون هذا الشخص الذي يصاب بمرض يقول ما يستاهل، هذا يكون فيه رعونة وسوء أدب مع حق الله، وأيضًا عدم معرفة بحكم الله وأسراره، فالله -سبحانه وتعالى- حينما يقدر على العبد مصيبة فليوقن العبد أن في ذلك خير سواء أدرك ذلك أو لم يدرك فهذه العبارة ينبغي أن نتجنبها من سوء الأدب في حق الله؛ ولأنها تعارض ما يوصف به الرب -سبحانه وتعالى- من الحكمة والرحمة والعدل والله أعلم.

يقول: بعض الناس إذا وقع في المصيبة أو في أي أمر، شاءت الأقدار أي يصيب هذا الأمر؟ فما مدى صحة هذا القول؟.

والله بعض المشايخ المعاصرين منهم الشيخ ابن باز رحمة الله عليه يمنعون هذه العبارة عبارة شاءت الأقدار باعتبار الأقدار أن هي صفة، ولا ينسب إليها الفعل، وإنما يقول العبد شاء الله قدر الله، البعض من أهل العلم يتحرجون من هذه العبارة فعلى الإنسان أن يقول شاء الله، قدر الله، وهذا جاءت به السنة، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ [السجدة: 13]؛ ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ ﴾ [الإنسان: 30].

وعلى كل الالتزام بالعبارات الشرعية الدينية هو الأتم والأكمل والله أعلم.
كنت تحدثت عن أمرين وذكرنا ما قاله الطحاوي في مسألتين مهمتين:

الأول: أن القدر مبني على التسليم.

والثاني: أن القدر له جانبان:

- جانب ينبغي الكف عنه.

- وجانب ينبغي البحث فيه والتفقه فيه.

- الجانب الثالث الذي أشار إليه ابن أبي العز رحمة الله عليه الشارح وذكره من قبل ابن القيم من في مدارج السالكين وهو مسألة مهمة جدًا، وهي مسألة: ما منشأ الضلال في باب القدر؟

بإيجاز شديد نقول: منشأ الضلال في باب القدر هو التسوية بين المشيئة وبين المحبة والرضا. أن يسوى بين محبة الله وبين محبته ورضاه، ولما يسوى بين هذا وذاك يحصل الضلال الذي وقع فيه القدرية والجبرية، أما نحن أهل السنة نفرق فنقول ما يشاؤه الله وما يقدره فالله -سبحانه وتعالى- يقدر يعني كل شيء، كل شيء يقع في هذا الكون وبتقديره الخير والشر والطاعة والمعصية والحسنة والسيئة، كل ذلك بقدره قال تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49]؛ فما يقدره ويشاؤه شيء، وما يحبه ويرضاه شيء أخر، أما ما يحبه فهو -سبحانه وتعالى- يحب المحسنين، يحب المتقين، يحب الطاعات، قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾ [الزمر: 7]؛ وقال -عز وجل- ﴿ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205]؛ إذن أيها الإخوة يا من يشاهد هذه الحلقة عليك أن تفرق حيث فرقت النصوص، فليس كل ما يشاؤه الله يحبه، فالكفر الآن الموجود في الأرض والمعاصي هذه بتقديره ومشيئته -سبحانه وتعالى- لكنه لا يحبها ولا يرضاها، كما قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ﴾.

أيضًا في الجانب الآخر هل كل ما يحبه الله ويرضاه يقع؟ ما جوابكم؟

يقع ولا ما يقع؟ نعم كل ما يحبه الله يقع في الدنيا؟!!

الله -سبحانه وتعالى- يحب أن الناس يكونوا مؤمنين كلهم آمنوا؟
الجواب؟ لا...

إذن نخلص من هذا نقول: ليس كل ما يشاؤه الله يحبه، وليس كل ما يحبه يقع؛ فإذن علينا أن نفرق بين مشيئته وبين محبته ورضاه، لاحظ الذين ضلوا في باب القدر وانحرفوا سووا بين الأمرين، وحصل الضلال المبين، حصل الضلال والانحراف ومن ذلك مثلًا القدرية.

القدرية الذين ينفون القدر لما جعلوا مشيئة الله تساوي محبته ورضاه، ماذا حصل عندهم؟

قالوا: المعاصي لا يحبها الله، إذن ما دام المعاصي لا يحبها الله، إذن المعاصي لم يشأها الله.

المقدمة الأولى صحيحة، المعاصي نعم لا يحبها الله، لكنهم ظنوا لما قالوا أن هذه المعاصي لم يشأها الله، فأخرجوا أفعال العباد عن ملك الله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 43]

عندك الجبرية العكس أن يكون الإنسان مجبور على فعله، وأنه يعني ماله اختيار، وماله مشيئة، كالريشة في مهب الريح هؤلاء الجبرية ماذا حصل؟ قالوا المعاصي بتقدير الله، المعاصي بمشيئة الله، وهذه المقدمة صحيحة ولا فاسدة؟ هذه مقدمة صحيحة، المعاصي بمشيئة الله ثم قالوا بعدها قالوا مادام المعاصي بمشيئة الله، إذن المعاصي يحبها الله، وهذا كلام في غاية البطلان؛ قال تعالى: ﴿ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205]؛ وأعظم الفساد الشرك والمعاصي.
لكن أهل السنة قالوا: لا.. المعاصي وإن قدرها الله وشاءها لحكم وأسرار نعلم شيئًا منها ويخفى علينا الكثير، هذه المعاصي التي قدرها الله هو قدرها وشاءها لكنه -سبحانه وتعالى- لا يحبها، فينبغي أن نفرق بين هذا وذاك.
هذه تقريبًا أهم القواعد والضوابط في باب القدر.

يعني: أن القدر مبني على التسليم، وأن القدر له جانبان: جانب ينبغي الكف عنه وجانب ينبغي البحث فيه، والثالث أن منشأ الظلال في باب القدر هو التسوية بين مشيئة الله وبين محبته ورضاه.

(قوله: ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم. قوله: فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه إنه كائن ليجعلوه غير كائن لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه يجعله كائنًا لم يقدر عليه، جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة).

هنا قال -رحمه الله- ونؤمن باللوح المراد باللوح هنا هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله تعالى فيه مقادير الخلائق، كتب الله تعالى فيه جميع المقادير من أفعال العباد وما يتعلق بخلقه من جميع أفعالهم، وما يحدث في هذا الكون ويقع، وقوله والقلم المراد بالقلم هو القلم الذي كتبت به تلك المقادير، وهو المذكور في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- إذ يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- (أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال وما أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)؛ أخرج أبو داود وأحمد.

هذا القلم هو الذي كتب الله أو كتبت به تلك المقادير جميعًا فبهذا نخلص إلى أن ما يقع في الكون وما يقع من العباد من أفعال وتصرفات هذا أمر قد فرغ منه، كما سمعنا في آخر العبارة، وكما جاء ذلك في حديث ابن عباس: (رفعت الأقلام وجفت الصحف).

الكلام الذي بعده الذي ذكره الإمام الطحاوي هو مستفاد من حديث ابن عباس في الوصية العظيمة لما أوصى النبي -عليه الصلاة والسلام- ابن عباس فقال له: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلى بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)؛ المقادير قد فرغ منها، وجف القلم فما يعمله العباد وما يقع وما سيقع وما وقع في الماضي، كل ذلك قد كتبه الله عنده في اللوح المحفوظ، كل ذلك مكتوب قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

طيب نواصل.

(وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدر ذلك تقديرًا محكمًا مبرمًا، ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل، ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه، في سمواته وأرضه؛ وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله تعالى وربوبيته كما قال تعالى في كتابه: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2]؛ وقال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]).

إذن العبارة التي سمعناها من كلام الإمام الطحاوي -رحمه الله- هو يقرر في هذا المقطع في هذه العبارة المحررة: أن علم الله تعالى لا يتغير، قال: ليس فيه ناقض ولا معقب، فعلم الله تعالى هذا العلم القديم الأزلي هذا لا يتغير، وهو ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]؛ فهو بكل شيء عليم، وفي هذا رد على الطائفة الثلاثة التي مرت بنا سواء الفلاسفة أو القدرية الغلاة أو الروافض الذين قالوا بعقيدة البداء.

الأمر الآخر: أنه قال بعدها: "وذلك من عقد الإيمان" ذلك: اسم إشارة ترجع إلى الإيمان بالقدر، الإيمان بالقدر لما قال من عقد الإيمان يعني: مما ينبغي اعتقاده والاعتقاد فيه، معنى الاستيثاق والتأكيد، قال: من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله وربوبيته، أيضًا أشار -رحمه الله- إلى مسألة مهمة هو أن الإيمان بالقدر هو اعتراف بتوحيد الله وربوبيته.

وجه ذلك: أن العبد إذا لم يقر بالقدر وأنكره وزعم أن الإنسان يخلق فعل نفسه أنه بذلك أشرك؛ ولهذا جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهم- وجاء عن غيرهم أن أول شرك وقع في هذه الأمة هو شرك القدرية، ماذا قالت القدرية النفاة؟ القدرية النفاة قالوا: إن الإنسان يخلق فعل نفسه، وجعلوا الإنسان خالق؛ ولهذا سموا مجوس هذه الأمة، وجاءت في ذلك أثار موقوفة ومرفوعة عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أن القدرية هم مجوس هذه الأمة؛ لأنهم أثبتوا خالقين مع الله تعالى الله عن ذلك ﴿عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 43].

فإذن أيها الإخوة الكرام: إن الذي لا يقر بالقدر هو في الواقع لم يحقق توحيد الربوبية؛ لأنه إذا أثبت أن الإنسان يخلق فعل نفسه فعندئذ نقض توحيد الربوبية، وهذا ما أشار إليه حبر هذه الأمة ابن عباس -رضي الله تعالى عنهم- «إذ يقول: القدر نظام التوحيد»؛ لماذا نظام التوحيد؟ يعني أن العبد لا ينتظم ولا يتحقق له التوحيد إلا بالقدر، قال ابن عباس: «القدر نظام التوحيد فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده»؛ هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

طيب نواصل.

يقول: ما الفرق بين مشيئة الله وإرادته؟

الفرق بين مشيئة الله وإرادته يعني الذي يعرف أن الإرادة كما صريح النصوص أن الإرادة تنقسم هناك إرادة كونية قدرية وهناك إرادة شرعية دينية الإرادة الكونية القدرية هي المشيئة، فالإرادة الكونية القدرية هي مذكورة في قوله تعالى ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ [هود: 107] أما الإرادة الشرعية الدينية فهي المذكورة في مثل قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]؛ يعني يحب، فالإرادة تنقسم، أما مشيئة لا المشيئة لا تنقسم، يعني ما نقول: إن هناك مشيئة شرعية وإنما المشيئة إذا أطلقت فهي بمعنى الإرادة الكونية القدرية، وهذا الذي نبه عليه الشيخ العلامة محمد إبراهيم -رحمه الله- أن المشيئة لا تنقسم، فإذا قلنا المشيئة فتشمل كل ما شاءه الله من الطاعات والمعاصي؛ لكن الإرادة لا تنقسم، هناك إرادة كونية فهذه بمعنى المشيئة أما الإرادة الشرعية الدينية وهي ما يحبه الله ويرضاه فهذه تختص بما يحبه الله من الطاعات والحسنات. واضح الفرق الآن.

هل من سؤال آخر يا شباب.

يقول: بعض الناس إذا فعل فعلًا مثلا يقول لو أني فعلت كذا لكان أفضل؟ فما مدى صحة هذه العبارة يا شيخ.

يعني الكلام عنه لو أني إذا كان قال على سبيل الحسرة، التحسر على شيء قضي وانتهى، هذا جاء فيه الذم في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (وإن أصابك شيء فلا تقل له أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قدر الله وما شاء فعل)؛ فالمقصود الشخص لو قال لو على سبيل الحسرة على شيء قد وقع وانتهى فهذه التي تفتح عمل الشيطان، وفيها ما فيها من التسخط على قدر الله؛ أما إذا قال الشخص لو على سبيل تمني الخير، لو أني اغتنمت هذه الأيام وذهبت إلى بيت الله الحرام نعم فإذا كان قالها على سبيل تمني الخير فلا إشكال فيه، ومن ذلك يحمل قول -عليه الصلاة والسلام- لما قال: (لو استقبلت من أمري لما سقت الهدي)؛ -عليه الصلاة والسلام- لكن إذا كان على سبيل التحسر على أمر قد قضي وقد فرغ منه فهذا الذي جاء فيه الوعيد إن لو تفتح عمل الشيطان.

(فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا، وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرًا كتيمًا وعاد بما قال أفاكًا أثيمً).

عندنا هنا في هذه العبارة الطحاوي -رحمه الله- يحذر أيما تحذير فيقول: "فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيمًا" لعله يريد بهذا الذين خاصموا القدر هم النفاة والعلماء يقولون: ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49]؛ فالذين أنكروا القدر هم يعتبروه خصماء أنهم خاصموا الله تعالى في تقديره وفي فعله، وأيضا هذا أشار إليه شيخ الإسلام -رحمه الله- في قصيدته التائية في القدر، ثم قال: "وأحضر للنظر فيه قلبًا سقيمًا" أيضًا الإمام الطحاوي يحذر من أن يكون الشخص يتلبس بقلب سقيم في القدر، والقلب السقيم هو القلب المريض والقلب المريض إما بمرض الشبهة أو الشهوة، وغالب الذين ذلوا في باب القدر إما بشهوة أو شبهة، بعض الناس أحيانًا إذا فعل المعاصي فيقول فلان اتق الله! لماذا تفعل ذلك؟ فيقول قدر الله، فتجد أحيانًا أن هذه شهوته تجعله يفعل المعاصي ويحتج بالقدر، وحينئذ قد تكون عنده شبهة عنده اشتباه عنده لبس، فعادة هذا الداء إما يكون عن شبهة أو شهوة، وكما قال أحد العلماء عبارة طريفة قالها ابن الجوزي -رحمه الله- عن بعض هؤلاء القوم يقول: " أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به" فبعض الناس حاله كذلك، فهؤلاء شر الأقسام إذا فعل طاعة أي نعم إذا فعل طاعة قال أنا فعلتها والفضل لي وينسى فضل الله -سبحانه وتعالى- والتيسير لهذه الطاعة، وإذا فعلوا معصية قال الله -تعالى- قدر عليه معصية أنا مجبور، أنا...، ونحو ذلك، وهؤلاء شر الأقسام الذين إذا فعلوا طاعة أسندوها إلى أنفسهم ونسوا فضل الله، وإذا فعلوا معصية احتجوا بالقدر، وقال الله -تعالى- هو مقدرها علينا، هؤلاء شر الأقسام، وهناك قوم إذا فعلوا طاعة أو معصية قالوا هذه نحن خلقناها وفعلناها، هؤلاء القدرية الذين يزعمون أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وبعضهم إذا وقعت طاعة أو معصية يقول أن العبد مجبور على الطاعة أو مجبور على المعصية هؤلاء هم من الجبرية.

يبقى عندنا خير الأقسام: خير الأقسام الذين إذا فعلوا طاعة قالوا: إن الله تعالى هو الذي وفقنا، وقالوا كما قال الإمام الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله؛ وإذا فعلوا معصية قالوا بسبب تقصير تفريطنا، أنظر ماذا نقول في سيد الاستغفار الذي يقال في أذكار الصباح والمساء تقول: أبوء لك بنعمتك على ثم تقول أبوء بذنبي إن كان هناك نعمة من طاعة أو حسنة فعلتها تعترف أو تسندها إلى الله وإذا جاءت ذنب تقول وأبوء بذنبي تسند الذنب إلى نفسك؛ لأن النفس هي من الجهل والظلم ما فيها فهذا أمر يجب أن نتنبه له إذا فعلنا طاعة فهذا فضل من الله وإذا فعلنا معصية فهذه بتقصير وتفريطنا والله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49].

هنا قال عندك بعدها لقد التمس أي طلب بوهمه بفحص الغيب سرا كتيمًا، هؤلاء الذين خاضوا في القدر التمسوا يعني طلبوا سرًا كتيمًا، طلبوا سرًا مكتومًا ولا يمكن أن نصل إليه، وهذا خوض بالباطل، ولن ينالوا من ذلك إلا الإفك، قالوا وعاد لما قال فيه أفاكًا أثيمًا، أفاكًا أي كذابًا أثيمًا.

أنا أختم هذا الموضوع بمسألتين مهمتين أن المسألة الأولى أؤكد عليها وهي شبهة يعني يقولها الناس بألسنتهم، وربما لو لم يقولها بألسنتهم ربما تجد أنها موجودة في بعض أفئدتهم، فهذه الشبهة التي دائمًا تتكرر وتسمع في القديم والحديث، أن بعض الناس إذا فعل معصية يعني:

كيف الله تعالى يقدر على المعصية ثم يعذبني على ذلك؟ كيف يقدر على الله -سبحانه وتعالى- أن أترك الصلاة ثم يعاقبني على هذا الترك؟ هذه شبهة كبيرة ما تسمع في أوقات مختلفة وفي أماكن متعددة؟

أجب عن هذه الشبهة بإجابة أقول: هؤلاء الذين يحتجون بالقدر عندما يفعلون السيئان أو يتركون الطاعات نقول: إذا كان قدر حجة لك هو أيضًا سيكون لغيرك؛ لأن الجميع كلهم تحت قدر الله، الجميع كلهم خاضعون لقدر الله، وإذا كان القدر حجة لك وصار حجة لغيرك فعلى هذا لو جاء شخص وضربك أو أخذ مالك أو اعتدى عليك ولا تعدى عليك، فعليك أن تستسلم وألا تلومه، وألا تطالب بحقك؛ لأنه فعل ذلك ماذا وهو مجبور على ذلك لقدر الله -سبحانه وتعالى-.

مجرد هذا الكلام يا أخوان مجرد تصور هذا الكلام يؤدي إلى فساد الحياة، كل إنسان يقتل ويعتدي وينتهك ويفسد الحرث والنسل ثم يقول والله هذا قدر الله علي هذا أمر.

الأمر الأخر: أن الاحتجاج بالقدر في فعل المعاصي وترك الواجبات هذا يؤدي إلى تعطيل الشرائع، معناه أن الذي يصلي مثل الذي لا يصلي؛ لأن الذي يصلي مجبور، وان الذي ترك الصلاة مجبور، والذي يشرب الخمر مجبور، والذي يشرب اللبن مجبور فعندئذ لا فرق بين المؤمن والكافر، ولا البر والفاجر، الكل على حد سواء، ولا فرق بين النكاح والزنا، ولا فرق بين البيع والربا؛ لأن الكل بقدر الله -سبحانه وتعالى- فهذا يفضي إلى إبطال الشرائع، فالمقصود أن هذا القول إذا نظرت إليه في غاية الفساد؛ ولهذا تجد أن هؤلاء الجبرية أن الذين يحتجون بالقدر لمذهبهم هؤلاء يحتجون مجرد هوى في أنفسهم، وانظر إلى مشركو العرب، مشركو العرب كانوا يقولوا لو شاء الله ما أشركنا، احتجاج بالقدر، يعني لكن لو جئت للعربي في الجاهلية، لو جئت أخذت ناقته لأقام الدنيا ولم يقعدها، وهي مجرد هوى تجدها في بعض النفوس في القديم والحديث.

أيضا أؤكد على مسألة مهمة لما نقول يا إخوان جبرية قالوا بأن الإنسان مجبور على فعله وقدرية يقولوا بأن الإنسان يخلق فعل نفسه أنا أعرف أن بعض الناس أنا أعرف أن بعض الذين يشاهدون هذه الحلقة يقولون هؤلاء بعض مدرسي العقيدة يتحدثون عن فرق أكل عليها الدهر وشرب وصارت في متحف التاريخ وهذه الفرق انقرضت، الكلام هذا غير صحيح الجهم بن صفوان، ولا وبعض رؤوس الفرق هؤلاء ماتوا من مئات السنين، لكن الفكر لا يزال موجودًا لا يزال القول بالجبر ونفي القدر لا يزال موجودًا إما عند بعض الفرق الإسلامية، وإما موجودة في المذاهب المعاصرة في بعض المذاهب الأدبية والفكرية وجملة من الروايات الآن التي يقرأها الأجيال نجد أن في هذه الرواية ما يقرر عقيدة الجبر، يعني أنا أذكر في بعض الروايات كما ذكر بعض الباحثين بعض روايات نجيب محفوظ التي يعني يتلقفها كثير من الناشئة، الأسف ضعف هذه الرواية تقرر عقيدة الجبر، وتقرر بطريقة في غاية الخبث يعني ليست بطريقة كلامية، وإنما بطريقة روائية جذابة ينخدع بها هؤلاء الأجيال المقصود بأن هؤلاء الأفكار لا تموت نعم يموت أصحابها، لكن لا يزال مذهب الجبر ونفي القدر لا يزال موجودًا إما في بلاد مسلمين أو حتى في بلاد أوروبية.

نفي القدر معروف عند النصارى القول بالجبر معروف النصارى الجبر ونفي القدر كان عند اليهود وعند النصارى، فهذه الأفكار لا تزال موجودة، والحمد لله الذي هدانا لهذا فسلبنا من الجبر الذي عند هؤلاء الجبرية أو هؤلاء القدرية الذين نفوا القدر وقالوا إن الإنسان يخلق فعل نفسه.

السؤال الأول: ما منشأ الضلال في باب القدر؟

السؤال الثاني: قرر الإمام الطحاوي -رحمه الله- مسألتين مهمتين، اذكرهما في أول كلامه عن القدر؟ قرر الطحاوي مسألتين مهمتين يعني قلنا عنهم نعتبرهم من القواعد في باب القدر اذكرهما؟

nary_jon
04-27-2008, 02:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس الحادي عشر

آثار الإيمان بالقدر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبدأ مستعينين بالله -سبحانه وتعالى- ونبدأ باستعراض الأجوبة فليتفضل أخونا الشيخ عبد الرحمن: تفضل.


بالنسبة للسؤالين في الحلقة الماضية:

السؤال الأول: منشأ الضلال في باب القدر؟

وكانت الإجابة: يقول أنه نشأ لدى كل من الجبرية والقدرية تسويتهم بين المشيئة والمحبة والرضا؛ أما أهل السنة والجماعة فرقوا بين ما يشاء الله بقدره وبين ما يحبه ويرضاه، ونتيجة لتسويتهم هذه قالت القدرية: إن المعاصي لا يحبها الله وأما الجبرية فقالوا: إن المعاصي بتقدير ومشيئة الله تعالى.

الإجابة صحيحة لكن كان عليه أن يكمل ما قالت الجبرية وما قالت القدرية فالقدرية قالت إن المعاصي لم يحبها الله ثم قالوا بعدها لم يشأها الله والجبرية قالوا المعاصي بقدر الله فالمعاصي يحبها الله؛ إجابة أخونا في الأول إجابة صحيحة فمنشأ الضلالة هو التسوية بين المحبة وبين المشيئة والرضا.

والسؤال الثاني: قرر الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- مسألتين مهمتين عن القدر اذكرهما؟

وكانت الإجابة: المسألة الأولى: إن القدر مبني على التسليم لنصوص الوحيين في باب القدر.

والمسألة الثانية: إن القدر له جانبين جانب ينبغي الكف عنه وعدم الخوض فيه وجانب ينبغي الخوض فيه والتفقه فيه مثل معرفة مراتب القدر

إجابة الأخت إجابة صحيحة لكن كان عليها أن تقول جانب ينبغي البحث في والتفقه فيه ما يقال الخوض فيه كلمة الخوض في الغالب تكون قول بلا علم؛ الإجابة جيدة وصحيحة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والعرش والكرسي حق)

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قبل أن نبدأ في هذه العبارة كان بقي عندنا بقية من الحلقة الماضية فيما يتعلق بموضوع الإيمان بالقدر، آخر ما تحدثنا عنه عن شبهة في باب القدر مع الجواب عنها، فبقي الحديث عن آثار الإيمان بالقدر لعلنا نوجز الكلام عنها في هذه العجالة، فأقول مستعينا بالله -سبحانه وتعالى-:

إن الإيمان بالقدر يورث جملة من الآثار الحميدة والثمرات الطيبة في سلوك العبد وفي أحواله جميعًا ومن ذلك أمور:

- الأمر الأول: أن الإيمان بالقدر يورث الإخلاص بالله -سبحانه وتعالى- فمن آمن بالقدر إيمانًا صحيحًا، إيمانًا حقيقيًا فهذا يورث الإخلاص؛ ما وجه ذلك؟ وجه ذلك -أيها الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة- أن من آمن بالقدر فإنه يوقن أن النفع والضر بيد الله وأن -سبحانه وتعالى- له الأمر كله، وأن المدح الذي يبتغيه هو مدح الله والذم الذي ينفر منه هو ذم الله -سبحانه وتعالى-له، فلا يلتفت إلى مدح الناس ولا إلى ثنائهم ولا إلى ذمهم، همه أن يرضي الله فهو يوقن أن النفع والضر بيد الله، فيجتهد فيه ما يقربه إلى الله رضي الناس أم سخطوا؛ ولهذا قال الفضيل بن عياض: من عرف الناس استراح، من علم وأيقن أن النفع والضر بيد الله -كما مر بنا- في حديث ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلى بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلى بشيء قد كتبه الله عليه رفعت الأقلام وجفت الصحف).

- الأمر الثاني: يورثه الإمام بالقدر ألا وهو: سلامة القلب وطهارته من مراض الحسد والغل والضغينة في مجتمعات المسلمين التي تظهر هذه الأمور وتزداد ويكثر الحسد والضغينة؛ فأعظم علاج لهذه الأدواء التي تعصف بمجتمع ألا وهو الإيمان بالقدر، ما وجه ذلك؟ كيف يكون الإيمان بالقدر سببًا في السلامة من تلك الأدواء؟

أقول إن الإيمان بالقدر يجعل العبد راضيًا بما قسمه الله له من مال أو صحة أو نحو ذلك، فلا يحسد الناس على ما آتاهم الله في فضله، كون فلان غني كون فلان صحيح البدن كونه كذا، الذي يؤمن بالقدر لا يحسد الناس؛ لأنه يعلم أن هذه قسمة الله -سبحانه وتعالى- وأن الله تعالى هو الحكيم لما جعل فلانًا غنيًا وجعل فلانًا فقيرًا فله الأمر في ذلك كله، وله الحكمة البالغة، أدركناها أو لم ندركها.

وأمر آخر: أن هذا الأمر يطهر القلب من هذه الأمراض الحسد؛ لأن العبد المؤمن لا يعترض على قدر الله، لا يعترض على قسمة الله؛ فإذا الله تعالى قدر لفلان الصحة والمال وغير ذلك فيسلم ويعلم أن الخير فيما يختاره الله -سبحانه وتعالى-.

- الأمر الثالث: وهو من ثمرات الإيمان بالقدر ألا وهو: أن الإيمان بالقدر يورث الشجاعة، من الأخلاق التي ضعفت عند كثير من الناس خلق الشجاعة، فاستحوذ الجبن على كثير من الناس، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتعوذ بالله من الجبن، فإذا أردنا أن نغرس في أنفسنا وفي أبنائنا وفي بناتنا هذا الخلق النبيل خلق الشجاعة، هذا لا يتأتى إلا من خلال الإيمان بالقدر، وهذا بين جلي، فمن أيقن أن النفع والضر بيد الله، وأن الأرزاق مقسومة، والآجال معدودة، ولن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها؛ فعندئذ يقدم ولا يصاب بهذا الجبن الذي نجد أنه يشل كثير من الناس عن قول الحق، ويجعل الناس يحجمون عن مجالات الخير، الإيمان بالقدر يورث شجاعة.

- الأمر الرابع: مما يورثه الإيمان بالقدر ألا وهو: أن الإيمان بالقدر يورث حسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- ومن أيقن أن الله تعالى يقدر الأمور وأن تقديره مبني على حكمة وتعليل، وأن -سبحانه وتعالى- لا يخلق شرًا محضًا خالصًا، وأنه -عز وجل- له الحكمة البالغة، فهذا يورث حسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- وحسن الظن فيه ثقة بالله، فيه رجاء، فيسلم العبد من الشؤم، يسلم العبد من التطير، يسلم العبد من هذا الإحباط الذي يوجد عند بعض نفوس الناس، فحسن الظن هو من ثمرات الإيمان بالقدر.

- الأمر الخامس: أختم به -ولا أريد أن أطيل- ألا وهو: الإيمان بالقدر يورث خُلق الصبر على المصائب، الدنيا مليئة بما يكدر، فالإنسان إذا آمن بالقدر وأيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، عندئذ يصبر على المصائب، ويرضى بذلك، ويطمئن، لكن لما ضعف الإيمان بالقدر عند كثير من الناس تجد أنهم إذا أصابتهم المصائب يصابون بجذع، يصابون بالقنوط، ربما أدى إلى ما أدى من أمراض نفسية، ربما أدى إلى ما أدى مما يسمى بالانتحار التي تزداد ظاهرته في هذه الأيام، فالصبر على أقدار الله والصبر على المصائب إلا ما هو ثمرة من ثمرات الإيمان بالقدر.

إذا أذنت لي فيه مسألة هنا طرحها الأخوة: بالنسبة يا شيخ في وقوع المصائب على الإنسان لا شك أنها تورث ضجرًا وضيقًا وكدرًا هل نقول على المؤمن والمسلم قد يأثم بوجود التضجر من أقدار الله عليه؟

المعروف أن المصائب التي تقع على العبد كونه يصاب مثلًا في بدنه أو ماله أو في ولده فهو إن كان الشخص قد تسخط فلا شك أن التسخط على أقدار الله -والمصائب- هذا يعد ذنبًا، ويعد من الأمور المحرمة، فالصبر واجب، والصبر يقابله التسخط، فإذا كان هذا التضجر ينافي الصبر فهذا ممنوع لا يجوز، فيجب على العبد أن يصبر إذا أصاب الإنسان مرضًا، أو أصابه بلاء، عليه أن يصبر؛ لأن الله تعالى أمر بالصبر قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا ﴾ [آل عمران: 200].

والأمر للوجوب -كما لا يخفى- فلابد من الصبر، فبعض الناس يقولون أنا ما أقدر أصبر، أنا طبيعتي ما أتحمل، نحن نقول كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (ومن يتصبر يصبره الله)؛ إذا كان الإنسان ليس من طبيعته عنده جلد وصبر فعليه أن يتصبر، فالصبر قد يكون أمرًا جبل عليه العبد، وقد يمكن اكتسابه، الإنسان إذا جاءته مصيبة يعود نفسه ويروض نفسه على الصبر مثل ما الإنسان يروض بدنه على أنواع من الرياضات، فكذلك يروض هذه النفس على الصبر، ولا شك أنها كما سمعنا الوعد الكريم: (ومن يتصبر يصبره الله)؛ إذا وصل إلى المقامات، مقام الرضا هذا مقام أعلى وأرفع، لكن الذي يجب علينا نحن وعلى كل مسلم ومسلمة أمام المصائب أن يصبر ليس عليه أن يتضجر، وعليه أن يقدم -كما قلنا في الحلقة الماضية- عليه أن يعلم أن الخير فيما اختاره الله، قلنا في ثنايا الكلام كيف أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أنه أحصى فوائد المرض الذي يتوجع منه الناس ويتألمون، ذكر أن فيه مائة فائدة، فالله -سبحانه وتعالى- حكيم والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19].

بارك الله فيك نشرح العبارة هذه

طيب العبارة التي سمعناها: (والعرش والكرسي حق) العرش المراد به طبعًا عرش الرحمن -سبحانه وتعالى- والعرش في لغة العرب معناها سرير الملك، وكلمة العرش فيها معنى الارتفاع، مادة العرش فيها معنى الارتفاع، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ﴾ [الأنعام: 141].

ومنه العريش، فالمقصود أن هذه مادة العين والراء والشين فيها معنى الارتفاع والعلو، هذا معنى العرش وهو سرير الملك، قال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ [النمل: 23].

أما المراد به هنا فهو عرش الرحمن -سبحانه وتعالى- طيب ما صفاته؟
صفاته نقول:

أولًا: هو سرير.

ثانيًا: ذو قوائم.

ثالثًا: تحمله الملائكة.

رابعًا: هو سقف المخلوقات.

خامسًا: وهو كالقبة على العالم.

هذه خمسة أمور نعرف بها هذا العرش، عرش الرحمن -سبحانه وتعالى-
.
الأمر الأول: هو سرير هذا أولًا: من أين أخذناه؟ أخذناه من المعنى اللغوي، والعرش في اللغة هو: السرير.

الأمر الثاني: ثم قلنا -أو قال العلماء- سرير ذو قوائم، من أين أخذنا؟ هذا الوصف أخذناه من الحديث الصحيح؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا تفضلوني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)؛ الحديث أخرجه البخاري؛ فهنا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش)؛ فدل الحديث على أن العرش له قوائم.

الأمر الثالث: أن العرش تحمله الملائكة، وهذا واضح في كلام الله قال تعالى: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 17].
وجاء ذلك في حديث الأوعال الذي أخرجه أبو داود وغيره والعرش تحمله الملائكة.
الأمر الرابع: هو سقف المخلوقات من أين أخذنا هذا؟ أخذناه من قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسطها وفوقه عرش الرحمن).

(إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن)؛ فدل الحديث هذا الذي أخرجه البخاري أن العرش هو سقف المخلوقات هو أعلى شيء أعلى المخلوقات.

الأمر الأخير: وهو أنه كالقبة على العالم، وهذا جاء في حديث للنبي -عليه الصلاة والسلام-: (أنه -عليه الصلاة والسلام- وإن عرشه على سماواته هكذا، وأشار بيده -عليه الصلاة والسلام- مثل القبة)؛ فالعرش هو مثل القبة فهو كالقبة على العالم، هذا الحديث -يعني وإن كان فيه كلام- لكن نصره جملة من العلماء وأثبت صحته منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- وغيره.
هذا ما يتعلق بمسألة العرش، طيب ننتقل إلى مسألة الكرسي.

المؤلف قال: (والعرش والكرسي حق): فالعرش حق أي أنه ثابت موجود وعرفنا شيئًا من صفاته التي دلت عليه من الأدلة، أما الكرسي هناك أقوال لعل أظهر هذه الأقوال ما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن الكرسي هو موضع قدمي الرحمن -سبحانه وتعالى- وهذا الأثر أخرجه الحاكم وقال إسناده صحيح على شرط الشيخين.

هذا ما يتعلق بمسألة الكرسي، وظاهر الأحاديث التي جاءت أن الكرسي عظيم، والعرش أعظم منه، ومن ذلك ما جاء في الحديث عنه أنه -عليه الصلاة والسلام-: (ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة).

السموات السبع كلها بالنسبة للكرسي ما هي إلا حلقة حديد ألقيت في فلاة أي صحراء مترامية الأطراف، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة).

هذا الحديث أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وصححه الألباني -رحمه الله-، المقصود أن العرش -يعني كما ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم- لا يقدر إلا الله، هذا ما يتعلق بهذه العبارة والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- (وهو مستغنٍ عن العرش وما دونه).
هنا لما قال -رحمه الله- هو مستغن عن العرش وما دونه يعني مستغن عن العرش ومستغن عما دون العرش، هذه العبارة المحررة منه -رحمه الله- مهمة؛ لأن هناك من قد يتوهم أنه -سبحانه وتعالى- إذا كان موصوفًا بالاستواء على العرش، وقد جاء ذلك في سبع آيات من كتاب الله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54]؛ جاءت في ست آيات وجاء في الآية السابعة: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5].

بعض الناس يتوهم أن الله -سبحانه وتعالى- إذا كان موصوفًا بالاستواء عرش أنه محتاج ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 43].

تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ فهو -سبحانه وتعالى- مستغن عن العرش ومستغن عن من دونه من المخلوقات فهو -سبحانه وتعالى- الغني، ومن أسمائه الحسنى الغني، ومن صفاته الغِنى، فهو -سبحانه وتعالى- موصوف بالغنى، والغنى وصف ذاتي لا ينفك عنه -سبحانه وتعالى- كما أن الفقر وصف ذاتي لنا، نحن معشر بني آدم لا ننفك عن الفقر، نحن محتاجون: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ ﴾ [فاطر: 15].

المقصود أن الطحاوية -رحمه الله- قال هذه العبارة حتى لا يتوهم متوهم أنه -سبحانه وتعالى- إن كان مستويًا على العرش أن يكون محتاجًا، فنحن نرد على هؤلاء الذين توهموا ذلك، ثمة أقوام توهموا هذا التشبيه، وأن الله تعالى محتاج إلى العرش، فدفعوا هذا التمثيل بالتعطيل فأنكروا العرش، وأنكروا الاستواء، كما هو موجود عند غالب الذين وقعوا في التعطيل من أشاعرة ومعتزلة وجهمية فنحن نرد عليهم من وجهين:

الوجه الأول: أن نقول لهؤلاء هو -سبحانه وتعالى- كما أن ذاته لا تماثل الذوات فكذلك أيضًا صفاته وهو -سبحانه وتعالى- كما قال عن نفسه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

فكما أن ذات الله لا تماثل الذوات فكذا استوائه على العرش ليس كاستواء خلقه، أنت الآن إذا كنت جالسًا على الكرسي أو استويت على الدابة أو على السيارة أو على السفينة أنت محتاج إليها، لو سقطت السفينة مثلًا في أعماق البحر لسقط من عليها -كما هو معلوم-، لكن الله -سبحانه وتعالى- هو الغني، هذا الجواب الأول، فإذا تقرر عند كل مسلم ومسلمة أن ذات الله لا تماثل الذوات، فكذا جميع صفاته، فإذا كان صفات العبد لا تنفك عن هذه الحالة فصفات الله -سبحانه وتعالى- ليست كذلك؛ لأنه -عز وجل- ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾.

الوجه الثاني: في بيان أنه -سبحانه وتعالى- مستغنٍ، وفي الرد على من يتوهم الحاجة، نقول: عندنا مخلوقات الآن بعضها فوق بعض ومع ذلك، العالي ليس محتاج إلى من دونه، أليس كذلك؟ فالآن عندك السماء فوق الأرض وليست السموات محتاجة إلى الأرض، وكذا الآن السماء الثانية فوق السماء الأولى وليست السماء الثانية محتاجة إلى السماء الأولى وهكذا.
فإذا ثبت الغنى -لاحظ- إذا ثبت الغنى لهذه المخلوقات، وهي مخلوقات فالله -سبحانه وتعالى- ماذا؟ فالله -سبحانه وتعالى- أحق وأولى، كما مر بنا في قياس؟ الأولى، كل صفة كمال وصف بها مخلوق فالله تعالى أحق وأولى بها؛ هذا ما يتعلق بهذه العبارة؟

قال -رحمه الله تعالى- (محيط بكل شيء وفوقه وقد أعجز عن الإحاطة خلقه)

هنا عندنا العبارة تتركب من مسألتين:

- أن الله تعالى محيط بكل شيء.

- وفوقه. أي أنه فوق كل شيء.

هذا معنى العبارة معنى قوله -رحمه الله- محيط بكل شيء وفوقه، أي أنه محيط بكل شيء، هذا أولًا.

وثانيا: أنه فوق كل شيء -سبحانه وتعالى- ما الدليل على أنه محيط بكل شيء؟ هذا واضح:

قال تعالى: ﴿ وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴾ [البروج: 20].
قال -عز وجل-: ﴿ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ﴾ [فصلت: 54].
قال تعالى: ﴿ لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ ﴾ [الأنعام: 103].

أي أنه يحيط بالأبصار -سبحانه وتعالى- أما أنه فوق كل شيء فهذا أمر بين ظاهر، وأدلته كثيرة جدًا أن الله -سبحانه وتعالى- موصوف بالعلو والفوقية، فالأدلة دلت على ذلك من الكتاب والسنة والعقل والفطرة.

ومن العجب أن إثبات العلو لله -سبحانه وتعالى- مع كثرة أدلته حتى قال بعض العلماء أن أدلته تصل إلى ألف دليل، ومع هذا كله للأسف أنك تجد جملة من بلاد المسلمين من ينكر أن يوصف الله -سبحانه وتعالى- بالعلو، مع هذه الأدلة كلها أدلة من الكتاب والسنة العقل والفطرة، ومع هذا كله تجد أن هؤلاء ينكرون العلو، ويقولون: إن الله تعالى في كل مكان؛ والبعض يقول: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا: ﴿ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴾.

أما الأدلة على إثبات صفة العلو لله تعالى فالأدلة كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18]، ومنها قوله تعالى: ﴿ أَأَمِنْتُم مَّن فِي السَّمَاءِ ﴾ [الملك: 16]؛ وأيضًا عندنا في حديث الجارية، حديث معاوية بن الحكم السلمي لما قال -عليه الصلاة والسلام- لجارية معاوية: (أين الله؟ في السماء فقال -عليه الصلاة والسلام- من أنا؟ أنت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال -عليه الصلاة والسلام- أعتقها فإنها مؤمنة).

ومنها أيضًا رفع الأيدي إلى السماء، أنت لما تدعو ترفع يديك إلى السماء، إلى الله -سبحانه وتعالى- وقد جاء في الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه إلى من إلى الله يديه أن يرده صفرً)، أخرجه أحمد وغيره، فهذا أمر ظاهر، أن العلو يعني هو صفة الله -سبحانه وتعالى- أيضًا عندك الآية الكريمة: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255]، قال تعالى: وهو العلي العظيم في آية الكرسي هنا هو موصوف بالعلو، العلي الآلف واللام للاستغراق، تستغرق كل أنواع العلو فهو -سبحانه وتعالى- موصوف بعلو القهر كما في الآية الأخرى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ [الأنعام: 18].

موصوف بعلو القدر والرتبة والشأن، والأمر الثالث: هو علو الذات، هذه بعض الأدلة من الكتاب والسنة في إثبات العلو.

أما الدليل العقلي: ونحن نتعمد أن نرد الدليل العقلي في هذا المقام من أجل أن نقرر ما سبق أن مر بنا أن سلفنا الصالح اعتنوا بالأدلة العقلية؛ فالدليل العقلي على إثبات العلو نورده من خلال كلام -إمام أهل السنة- الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية، يقول أحمد -رحمه الله-: في هذا الدليل العقلي إن الله -سبحانه وتعالى- حين خلق هذا الكون -هذه الخلائق- إما أن يكون خلق هذه الخلائق في نفسه وإما أن يكون خلقها في خارج نفسه، لاحظ كيف الدليل العقلي، كيف التقسيم العقلي، أن الله -سبحانه وتعالى- لما خلق الخلق إما أن يكون هذا الخلق في نفسه -يعني في ذاته- إما أن يكون خارج ذاته.

كأنه يرد على

الآن يبدأ في الرد، فلما ذكر هذا الجواب بدأ يبسط الدليل هكذا، فإذا قلنا: إن الله تعالى خلق الخلق في نفسه -في ذاته- فهذا كفر وباطل، كيف أن ذات الله تكون فيها الإنس والجن وسائر المخلوقات، وإذا قلنا: إن الله تعالى خلق الخلق خارج ذاته فنحن أيضًا بين أمرين: إما أن نقول إنه خلق الخلق خارج ذاته ثم دخل فيهم، وهذا أيضًا باطل وكفر، إذا قلنا: إن الله تعالى خلق الخلق خارج ذاته ثم دخل في مخلوقاته فهذا باطل وكفر؛ لأنه يستلزم أن يكون الله -سبحانه وتعالى- في أماكن النجاسات والقاذورات تعالى عن ذلك، وأن نقول: إن الله تعال خلق الخلق وأن ولم يدخل فيهم فأثبتنا ماذا؟ أثبتنا المباينة، والمباينة هي العلو الفوقية؛ هذا باختصار ما ذكره الإمام أحمد في الرد على الزنادقة.
الدليل الفطري: هذا يعني واضح من دون اكتساب، من دون تعلم، وهذا ما عبر عنه الهمداني -رحمه الله- أبو جعفر الهمداني -رحمه الله- سمع الجويني وهو يقرر نفي العلو، الجويني -الملقب بإمام الحرمين- كان ينكر العلو على طريقة أسلافه من الأشاعرة، فماذا قال أبو جعفر الهمداني؟ قال كلامًا جميلًا، كلامًا واضحًا يفهمه كل مسلم وكل مسلمة، فقال هذا الإمام أبو جعفر الهمداني قال حدثني يخاطب الآن الجويني: يقول حدثني عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا ما قال عارف قط يا الله إلا اتجه إلى العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة؟ يقول حدثنا عن هذه الضرورة؟ هذا أمر ضروري من دون اكتساب، من دون تعلم، يقول: كيف ندفع هذه الضرورة فعندئذ بكى الجويني وقال: حيرني الهمداني حيرني الهمداني.

هذا أمر -يا أخواني- فطري، من العجب أن بعض الناس يصادم هذه الفطرة، هذه الفطرة موجودة عند كل مسلم، وموجودة حتى عند البهائم، والذي يقرأ ما ذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الجهمية والمعطلة يجد أنه أورد أدلة كثيرة جدًا في إثبات هذه الصفة، وكذا أيضًا كما ذكره الحافظ الذهبي في كتابه العلو للعلي العظيم، وأيضًا كذلك ما ذكره ابن قدامة -رحمه الله- في كتاب إثبات العلو هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا مسألة وإن كنا أطلنا فيها ولم نستمع إلى أسئلة الأخوة، يبقى عندنا مسألة نؤكد عليها، أن إثبات العلو له صلة وثيقة بتوحيد العبادة، وهذا يعني نؤكد عليه دائمًا، أن التلازم بين موضوع الأسماء والصفات وبين توحيد العبادة؛ ولهذا نقول في هذا المقام كما يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في نقض التأسيس: أن الشخص الذي ينفي العلو -وينكر العلو- تجد أن عنده من ترك الدعاء وترك الانحلال عنه بقدر هذا النفي، والعكس: كلما كان العبد أكثر تحقيقًا وإثباتًا لصفة العلو لله تجد أن عنده من الإقبال على الدعاء والتضرع إلى الله والانكسار بين يديه ورفع يديه إلى السماء ما لا تجده عند هؤلاء النفاة المعطلة، فإثبات العلو لله -سبحانه وتعالى- يستوجب ويستلزم إقبالًا على الله في الدعاء والتضرع إليه ورفع اليدين إليه -سبحانه وتعالى-.

لعلنا نقف إذا كان فيه سؤال أو استفسار؟

لدي تساؤل: هل يجب على المسلم أن يعرف تفاصيل خلق العرش والكرسي على التفصيل أم أن نقول أن يؤمن بها على الإجمال؟.

طبعًا هذا سبق أن قلناه في أول درس أن هناك شيء اسمه المعرفة الإجمالية، وهو الإيمان المجمل بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر؛ هذا الإيمان المجمل هذه المعرفة الإجمالية أو الإقرار المجمل هذا فرض على كل مسلم ومسلمة، أما تفاصيل مثلًا الصفات الله أو تفصيل مثل هذه الموضوعات التي بين أيدينا فهذه من فروض الكفاية إذا قام به البعض سقط الحرج والإثم على الباقين.

يقول: إن الله ينزل كل آخر ليلة إلى السماء الدنيا -سبحانه وتعالى- كما ورد في الحديث، هل ينزل مع العرش؟

نحن نقول في مثل هذا نقول كما قال سلفنا "قف حيث وقف النص" فهو -سبحانه وتعالى- ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته إلى السماء الدنيا وهو الذي -سبحانه وتعالى- هو الذي ينزل نزولًا يليق بجلاله وعظمته، ولم يأت قضية أن العرش ينزل، فنقف حيث وقف النص، فهو -سبحانه وتعالى- ينزل، لكن نزوله -سبحانه وتعالى- كما قلنا نزول يليق بجلاله وعظمته، وهذا النزول لا يفارق صفة العلو؛ لأنه ليس كمثله شيء؛ ولهذا السلف هنا يقولون: إن الله -سبحانه وتعالى- قريب في علوه عال في دنوه -لا حظ عبارة الطحاوي جميلة- قال: "محيط بكل شيء وفوق كل شيء" فهو -سبحانه وتعالى- له من صفات الكمال ما تنبهر منها العقول؛ ولهذا لاحظ الآن عندك الآن لما قال محيط بكل شيء وفوق كل شيء هذا مؤكد مقرر في الأدلة لما قال تعالى في سورة قال -عز وجل-: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ [الأعراف: 54].

فهنا لما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾، بعدها قال: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ﴾ [الحديد: 4].

لاحظوا هنا أول شيء قال ثم استوي على العرش فوصف بالعلو والارتفاع -سبحانه وتعالى- ثم قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ قوله -سبحانه وتعالى- على العرش هذا لا ينفي علمه بكل شيء قال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللهُ ﴾ [الحديد: 4].

فعلمه محيط بكل شيء، وفي حديث الأوعال قال -عليه الصلاة والسلام-: (والله فوق ذلك- يعني فوق العرش- وليس يخفى عليه من أعمال بني أدم شيء) فالمقصود أننا نثبت هذا النزول، أما قضية العرش لم يرد شيء في ذلك فنقف حيث وقف الناس، إنما ينزل هو -سبحانه وتعالى- واضح الآن.

يقول: بالنسبة للإيمان بالقدر قلنا أنه يورث شجاعة، كيف نوفق بين الأخذ بالأسباب وإنسان مثلًا ذهب إلى مكان يغلب فيه الهلاك وهو يقول أنا مؤمن بالقدر وإذا قدر الله أن أهلك أو أموت أو كذا فيدخل، كيف نوفق بين الشجاعة والأخذ بالأسباب؟

ما في إشكال أولًا نحن نؤكد -يا أخوان- أن الإيمان بالقدر يورث الشجاعة، فيجب أن نستصحب أن الشجاعة هي خلق كريم بين خُلقيين مذمومين، بين خلق الجبن الذي كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يتعوذ بالله منه، وبين التهور فلا تعني الشجاعة التهور، وإنما الشجاعة بين هذا وذاك، هذا أمر.
الأمر الآخر: الشجاعة هي -أخي- سبب، هي في حد ذاتها من فعل الأسباب، أنت عندما تكون شجاع، وتواجه أعداء الله هذا سبب في السلامة منهم، عندما تواجه أعدائك بهذه الشجاعة هذا سبب في حفظك، فالشجاعة هي أعظم سبب؛ ولهذا كانت الشجاعة هي خلق الأنبياء، إبراهيم -عليه السلام- كسر الأصنام ونبينا -عليه الصلاة السلام- كما قال أنس -رضي الله عنه-: (كان عليه الصلاة السلام أشجع الناس).

فالشجاعة هي من الأسباب، لكن كونه قلنا: "من الأسباب" لا يعني أن الشجاعة هي التهور، وإنما هي خلق نبيل وخلق كريم بين الجبن وبين التهور والطيش.

يقول: ما معنى فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة؟ هل يعني الفرق في القدر أم الفرق في الحجم أم ماذا؟

نأخذ بظاهر الحديث لما قال هنا: (وفضل العرش -أو قال فضل العرش- على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) من جهة عظمته، مثل الآن لو أتينا بحلقة حديد وضعناها في صحراء يعني شاسعة مترامية الأطراف ليست شيئًا، هذه الحلقة تضيع في هذه الصحراء المترامية الأطراف، فكذا أيضًا يعني هنا الآن بالنسبة للعرش، العرش مع الكرسي، فالعرش هو كهذه الفلاة والكرسي كالحلقة فمن جهة العظمة من جهة ذات الكرسي ومن جهة ذات العرش.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا وكلم موسى تكليمًا إيمانًا وتصديقًا وتسليمً)

هذه العبارة بينة واضحة من خلال الأدلة، أما قوله إن الله اتخذ إبراهيم خليلًا هذا جاء في القرآن قال تعالى: ﴿ وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ [النساء: 125]؛ وقال -عليه الصلاة والسلام-: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليل)؛ وسبق أن مر بنا شيء من ذلك أما قوله ﴿ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164]،فأيضًا كذلك هذا من الصلاية: ﴿ وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ [الأعراف: 143]؛ الله -سبحانه وتعالى- كلم موسى؛ ولهذا العلماء يقولون عن موسى أنه كليم الرحمن، موسى بن عمران هو كليم الرحمن، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، إذا أثبتنا الخلة لمحمد -عليه الصلاة والسلام- وأثبتنا الكلام لموسى -عليه السلام- ففي هذا رد على من أنكر ذلك، وأول من أنكر ذلك الجعد بن درهم حين قال مقالته الشنيعة فأنكر هذا وذاك، فضحى به خالد بن عبد الله القسري -رحمه الله- في عيد الأضحى، وقال في خطبته: ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، فإنه يزعم أن الله تعالى لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا فقتله، بناًء على فتيا من التابعين على ذاك هذا أمر.
الأمر الثالث: أن الخلة كما مر بنا هي غاية المحبة وكمالها، فنقول: إن الخلة هي أعلى مراتب الحب ليست هي المحبة فقط بل هي أعلى مراتب الحب، وأهل السنة يثبتون ذلك يثبتون أن الله يوصف بصفة الحب، كما أيضًا يثبتون ذلك بالنسبة للعبد فالعبد يحب الله، والله تعالى يحب المؤمنين كما قال تعالى: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]؛ ومن أسمائه -سبحانه وتعالى- الودود: قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾ [البروج: 14]؛ والودود: إما أن يكون اسم فاعل أو اسم مفعول أو هما معًا فهو -سبحانه وتعالى- الودود أي أنه يود عباده ويحبهم وهو الودود، أي المودود أي أنه -سبحانه وتعالى- هو المحبوب الذي يحبه أهل الإيمان المعتزلة زعموا أن الخلة هي الفقر، فيرد عليهم نقول:

الأمر الأول: إن الخُلة هنا جاءت هكذا هي الخُلة بضم الخاء وليست الخَلة، نعم الخلة في لغة العرب هي الفقر، صاحب الخَلة هو الفقير المحتاج، فنقول هي الخُلة، وليست الخَلة، هذا الخطأ من جهة اللغة.

والأمر الثاني: نرد عليهم لو كانت الخلة هي الفقر فكل إنسان فقير محتاج إلى الله أليس كذلك؟ مرت بنا الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ ﴾ [فاطر: 15]؛ فكل شخص مسلم وكافر بر وفاجر الكل فقير إلى ربوبية الله، فلو كانت الخلة هي الفقر لما تميز مسلم عن كافر فضلًا أن يتميز إبراهيم -عليه السلام- عن غيره من الأنبياء -عليهم السلام- هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين).

هذه جملة من أركان الإيمان أشار إليها المؤلف -رحمه الله- لكنا نوجز الحديث عنها؛ لأن الحديث عنها يطول هنا قال نؤمن بالملائكة، الملائكة: جمع ملك ومادة الملك أصلها من الألوكة والألوكة هي الرسالة، فالملك هو الرسول، وهذا معناه والألوكة هي الرسالة، فالواجب عليه أن نؤمن بالملائكة، نؤمن بوجودهم، نؤمن بأنهم خلقوا من نور، نؤمن بأن لهم أجنحة، خلقوا من نور كما في الحديث الذي أخرجه مسلم: قال -عليه الصلاة والسلام-: (خلقت الملائكة من نور)؛ ونؤمن بأن لهم أجنحة كما في قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ ﴾ [فاطر: 1]، والملائكة لهم أجنحة، وجبريل -عليه السلام- له ستمائة جناح كما ثبت في الحديث، أيضًا نؤمن بصفاتهم الخلقية كما قال تعالى في صفاتهم: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾[الأنبياء : 21]. ونؤمن أيضًا بمن ذكر من أسمائهم كجبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك يعني خازن جهنم -أعاذنا الله منها- وملك الموت ومنكر ونكير ونحو ذلك، كما نؤمن بوظائفهم التي وكلت إليهم هناك ملائكة وكلوا بالرياح وملائكة وكلوا بقبض الأرواح وأخذها وهكذا، فيجب علينا أن نؤمن بهذا إيمانًا مطلقًا هذا ما يتعلق بقضية الملائكة -عليهم السلام-.

هنا قال بعدها والنبيين والكتب نبدأ بالكتب مراعاة لحديث جبريل أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه، فعلينا أن نؤمن بالكتب أن هذه الكتب المنزلة هذه كلها من عند الله، وأن الله تعالى تكلم بها، ويجب علينا أن نؤمن بها، نؤمن بالتوراة والإنجيل، لكن أيضًا علينا أن نوقن أن هذه الكتب التوراة والإنجيل والزبور كلها كتب اعتراها ما اعتراها من التحريف وأيضا هي كتب منسوخة لكن يجب علينا أن نؤمن بها، إيمانًا مجملًا أما الإيمان التفصيلي الذي يستلزم الإتباع فهذا يعني يختص بالقرآن الكريم.

يقول: متى ترك الإحاطة الذاتية أو معنوية أو ليقال ذلك مثلًا؟

نقول الإحاطة ذاتية أو معنوية نحن نقول أن نقتصر ما جاء به النص الله تعالى قال: ﴿ وَاللهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ ﴾ [البروج: 20]؛ فالإحاطة هنا إحاطة علم وهو محيط بكل شيء مثل ما نقول على المعية: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4]؛ وهو معنا بعلمه واطلاعه، فهذه الإحاطة إحاطة علم وهذا الذي أفهمه والله أعلم.

يعني أيضًا نشير إلى أن القرآن جاء ناسخًا للكتب السابقة وأيضًا من مزايا هذا القرآن أنه محفوظ قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]؛ هذه كلها أمور نتحدث عنها بإيجاز.

يبقى عندنا موضوع الأنبياء -عليهم السلام-؛ ما هو قال والنبيين علينا أيضًا أن نصدق تصديقًا جازمًا بأن الله تعالى بعث في كل أمة رسولًا: كما في قوله تعالى: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]؛ وأن الرسل عليهم السلام كلهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد تختلف بعض شرائعهم كما قال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]؛ وأن الله تعالى أيَّد الأنبياء بالآيات والبراهين الدالة على صدقهم.

يبقى معنا أن نشير إلى الإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- كما بين ذلك الشارح فيجب علينا أن نؤمن بمحمد -عليه الصلاة والسلام- وأن بعثته ناسخة ورسالته ناسخة للشرائع السابقة، ويجب على كل من في الأرض أن يتبعوا محمد -عليه الصلاة والسلام- ويؤمنوا به، والإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- يشمل تصديقه فيما أخبر، والالتزام بما أمره، واجتناب ما نهى عنه وزجره، وألا يعبد الله إلا بما شرع، كما يتضمن أيضًا الإيمان بمحمد -عليه الصلاة والسلام- محبته فيجب علينا نحن معشر المسلمين والمسلمات أن نحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- محبته هي أعظم الفرائض من أعظم الفرائض، يجب على كل مسلم ومسلمة أن يحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- ومن أبغض النبي -عليه الصلاة والسلام- فقد خرج عن الملة، فبغض النبي -عليه الصلاة والسلام- من أعظم أنواع الكفر وأنواع الردة التي تخرج من الملة، لكن هذه المحبة -أيها الأخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة- هذه المحبة توجب الإتباع، فالمحبة إذا استقرت محبة النبي -عليه الصلاة والسلام- في قلوبنا هذه المحبة تستوجب الإتباع، إتباع السنة، أما ما يقع الآن للأسف في بلاد المسلمين لاسيما في مثل هذه الأيام في يوم السبت مثلًا ما يسمى بالمولد النبوي فهذا هو عين المخالفة لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- نحن نؤكد ونحذر من الاحتفال بهذه الموالد، وقد يقول قائل أنت تحدث عنه بعد أن انتهى ومضى فنقل المولد الآن لا يتكرر كل سنة بل يتكرر أحيانًا كل أسبوع، نجد أن بعض المسلمين بل كثير من المسلمين يحتفلون بمولد النبي -عليه الصلاة والسلام- كل أسبوع، يعني لم يكفهم أن يحتفلوا به كل سنة، بل زاد الابتداع والإحداث إلى هذا الأمر، فنقول إلى هؤلاء ونخاطب هؤلاء ونخاطبكم أنتم يا معشر المتبعين من أجل أن تصل هذا الرسالة إلى أولئك من باب الرحمة بهم ومن باب الإشفاق عليهم نقول أن الاحتفال بمولد النبي -عليه الصلاة والسلام- هو أحداث وابتداع في دين الله ونبينا -عليه الصلاة والسلام- وهو الذي يجب علينا أن نحبه هو الذي قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).

فكيف نحدث هذا الأمر، النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يحتفل بمولده، والصحابة الكرام وهم أعلم وأكثر محبة للنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يحتفلوا به، يأتي بعض المبتدعة وبعض الضالين من أمثال العبيديين ويحدثون هذا البدعة ثم يأتي جهلة أهل السنة أو من جهة المنتسبين إلى السنة ويحتفلون بها، هذه مصيبة، يعني هذا ابتداع وإحداث.

والأمر الثاني هذا مشابهة لأعداء الله مشابهة للنصارى الذين يحتفلون بميلاد المسيح، وعلينا أن نحذر من هذا وذاك، نحذر من الابتداع في دين الله ونحذر من التشبه بأعداء الله، فقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (من تشبه بقوم فهو منهم)؛ وإذا كنا نريد أن نحب النبي -عليه الصلاة والسلام- محبة صادقة علينا أن نتبعه هذا هو المحك، هم حبذا أننا نحتفل بمولده ونقرأ السيرة في ليلة واحدة، أو نأكل أو نشرب ونزعم أو يزعم البعض أن روح النبي -عليه الصلاة والسلام- تحضر، هذا كله نوع من الدجل، وكل ذلك مخالف لسنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.


يقول: بعض الناس يسأل عن معنى فضل العرش، وهل معناه الحجم؟ وأيضًا بعضهم يسأل عن نزول الله تعالى وهل ينزل مع العرش؟
يقول أن هذه الأسئلة تدور كثيرا لدى كثير من الناس فهل يجب أو هل يصح السؤال عنها أما الأفضل كتمانها؟




والله على كل الأسئلة التي سأل عنها الأخ وقال إنها مرت بنا قبل قليل الواجب علينا كما قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36]؛ علينا أن نقف حيث وقف النص، يعني عندنا النص أثبت الحديث أن الله تعالى ينزل ولم يثبت أن العرش ينزل فنقف حيث وقف الناس، أما قضية الحجم والحجم فأيضًا كذلك نحن جاء الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم أن فضل العرش على الكرسي كفضل الصحراء أو الفلاة على الحلقة، أو هكذا معناه فعلينا أن نقف أما قضية البعض أنه يقول حجم وكذا ما عندي أنا جواب في هذا، لكن نحن نقف حيث وقف الناس، ما فيه جواب، جاء به الدليل، فنقف حيث وقف الناس، هذا الذي ينبغي أن نجيب عنه، ونشتغل بما ينفع، الأسئلة هذه التي ليس ورائها عمل، وليس ورائها تصديق بالنص، فعلينا أن نقف حيث وقف النص، وأن نصدق بالنص ونؤمن به كما جاء على لسان النبي -عليه الصلاة والسلام-.


يقول: يستدل بعض الصوفية بقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ ﴾ [الزخرف: 84]؛ أن الله تعالى في كل مكان؟ هذا السؤال الأول.
والسؤال الثاني: تسمية بعض الناس ملك الموت باسمه عزرائيل؟ هل ثبت ذلك في السنة؟




الذي أعرفه بالنسبة للسؤال الأول واضح الآية الكريمة كما قال أهل العلم وأيضًا كما قاله حتى بعض الصفاتية هذه الآية الكريمة مثل ما لو قلنا: إن فلان أمير في الرياض، وأمير في الخرج، وأمير في كذا، لا يعني أنه تعدد شخصه، أليس كذلك؟ أيضًا لما جاء في الآية الكريمة ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ ﴾؛ يعني أن الله تعالى هو إله الأرض وإله السماء.

أما ما جاء في قضية عزرائيل نعم هو جاء في أثار لكنها آثار إسرائيلية فالواجب علينا أن نقف كما جاء به النص الصحيح قال تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ﴾ [السجدة: 11]؛ فنحن نسميه ملك الموت كما جاء في القرآن وكما جاء في حديث البراء بن عازب والله أعلم.

يقول: إن هناك من ينفي العلو ويقول: إن السماء هي قبلة الدعاء؟

نعم هذه شبهة قديمة يقول إن السماء قبلة الدعاء غير صحيح، لا الشخص عندما يدعو هو يدعو الله تعالى، مستقبل القبلة، أليس كذلك؟ فقضية أن السماء قبلة الدعاء هذا كلام لا دليل عليه، وعلى كلٍ تجد أن هؤلاء الذين ينفون العلو وينكرونه عندما تضطرب الأمور، وعندما يأتي الكرب تجد في الحال تجدهم يرفعون أيديهم إلى السماء؛ وفي قصة طريفة أختم بها أن أحد نفاة العلو الذين ينكرون العلو كان له حاجة عند ابن تيمية -رحمه الله- فكان شيخ الإسلام يتعمد أن يؤخر قضاء حاجته أكثر من مرة فجاءه في أحد المرات وطلب حاجته، أي طلب تلك الحاجة من ابن تيمية -رحمة الله عليه- فابن تيمية أيضًا أجله فما كان من هذا الرجل الذي ينكر العلو إلا أنه رفع يديه إلى السماء قال شيخ الإسلام ها أنت الآن تنكر العلو، وتقرر ما في العلو، لما احتجت رفعت يديك إلى السماء، هذا أمر ظاهر، لكن بعض الناس يصادم هذه الضرورة التي يجدها في نفسه والله أعلم.

هلا تفضلتم بطرح أسئلة هذه المحاضرة:

السؤال الأول: ما المقصود بالعرش؟ أو ما تعريف العرش؟

والسؤال الثاني: لم قال الطحاوي -رحمه الله- "وهو مستغنٍ عن العرش وما دونه" لم قال الطحاوي هذه العبارة؟

nary_jon
04-27-2008, 02:44 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الثاني عشر

من فصل " ونسمي أهل قبلتنا مسلمين"


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد
فإنكم طرحتم سؤالين فضيلة الشيخ في الدرس الماضي:

السؤال الأول: ما المقصود بالعرش؟

وكانت الإجابة: العرش في لغة العرب هو سرير الملك، ومادة العرش فيها معنى العلو والارتفاع، والمقصود بالعرش هنا هو عرش الرحمن، وهو سرير
ذو قوائم تحمله الملائكة.

إجابة صحيحة لكنها ناقصة؛ قلنا بالأمس كما مر بنا أنه سرير ذو قوائم تحمله الملائكة لكن بقي جملتان، وهو أن يقول هو سقف المخلوقات وهو كالقبة

على العالم.

والسؤال الثاني: قول الإمام الطحاوي: وهو مستغن عن العرش وما دونه؟
وكانت الإجابة: أن الإمام الطحاوي أورد هذا الكلام لكي لا يفهم من استواء الله -سبحانه وتعالى- على عرشه أنه يحتاج إليه إذ أن المخلوق لو استوى
على شيء كالسيارة مثلًا فإنه يحتاجه أما الله -سبحانه وتعالى- فهو غني العرش وعن جميع ما دونه.

إجابة صحيحة وموفقة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لله معترفين وله بكل ما
قال وأخبر مصدقين).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد: يقرر الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه العبارة يقرر أمرًا مهما وهو ما يتعلق بأهل القبلة، فأهل القبلة هم أهل الإسلام، قد نسميهم أهل القبلة، أو أهل الإسلام، أو أحيانًا يسميهم بعض العلماء أهل الصلاة؛ ولهذا أبو الحسن الأشعري -رحمه الله- ألف كتابًا بعنوان مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، وسواء قلنا أهل الإسلام أو قلنا أهل القبلة أو أهل الصلاة المعنى واحد، والمقصود بأهل القبلة هم المذكورون في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم)؛ هؤلاء أهل الإسلام هم أهل القبلة، فأهل الإسلام يدخل فيهم أهل البدع والمحدثات ممن لم تكن بدعتهم مكفرة، كما يدخل فيهم أيضًا من تلبس بفسق أو فجور فأهل الإسلام أعم أهل السنة أخص، هذا المراد بأهل القبلة هؤلاء كما سمعنا الحديث لهم يعني ما لأهل الإسلام من الحقوق وعليهم ما عليهم، هذا ما تعلق بهذه العبارة لكن يبقى عندنا في كلام الطحاوي -رحمه الله- بعض الإشكال، والإشكال يتمثل في مسألتين:

المسألة الأولى: أن الإمام الطحاوي -رحمه الله-قال: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، وظاهر العبارة هاهنا أن الطحاوية -رحمه الله- جعل الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا أو جعله مترادفًا وليس الأمر كذلك بإطلاق، والأحاديث والنصوص الشرعية دلت على أنه يفرق بينهما، كما جاء ذلك في جملة من النصوص، من ذلك ما جاء في آية الحجرات لقوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14]؛ وأيضًا كما جاء في حديث جبريل المشهور: (أن جبريل -عليه السلام- سأل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام: فأجاب -عليه الصلاة والسلام- الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلًا؛ قال ما الإيمان: قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره).

المقصود قوله -رحمه الله- نسميه أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين وكونه جعل الإسلام والإيمان شيئًا واحدًا أو مترادفًا ليس الأمر كذلك، والذي عليه جمهور أهل العلم أن يفرق بينهما كما فرق بذلك النصوص.

المسألة الثانية: الذي يؤخذ على هذه العبارة: أنه قال -رحمه الله-: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين ما داموا بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين فنلحظ من هذه العبارة أن الطحاوية -رحمه الله- جعل الإيمان يتركب من أمرين من الاعتراف وهو إقرار اللسان ومن التصديق وهو تصديق القلب والإيمان لا يقتصر على هذا وذاك، فالإيمان نعم هو إقرار باللسان وهو أيضا تصديق بالقلب أو تصديق بالجنان، لكن لابد من العمل، لابد من عمل الجوارح، فهذا مما أخذ عليه -رحمه الله- أنه جعل الإيمان يقتصر على أمرين على إقرار اللسان وعلى تصديق الجنان، وسيأتي في كلامه ما يبين أنه يقرر هذا الأمر، وسيأتي التعقيب على كلامه بشيء من التفصيل، عندما نتحدث -إن شاء الله- على تعريف الإيمان عند أبي جعفر الطحاوي والتعقيب عليه؛ هذا ما يتعلق بهذه المسألة، وبهذا يتضح لكم -أيها الإخوة- أن عبارة الطحاوي فيها مأخذان:

الأول: ما سمعناه أنه جعل الإيمان والإسلام شيئًا واحدًا.

والثاني: أنه جعل الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان، والإيمان ليس كذلك فحسب، بل لابد من عمل الجوارح والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا نخوض في الله ولا نماري في دين الله).

هذه من المسائل المهمة التي قررها الإمام الطحاوي -رحمه الله- قال:
الأمر الأول: ولا نخوض في الله، لا نخوض في الله لا نخوض في ذات الله -سبحانه وتعالى- بمجرد الظنون والتخرصات والقول بلا علم؛ فالخوض هذا مذموم، وفي هذا رد على المتكلمين كما أشار الشارح ابن أبي العز الذين خاضوا في صفات الله -سبحانه وتعالى- بلا علم ولا دليل ولا برهان صحيح هذا أمر.

الأمر الثاني: أن الخوض لما قال ولا نخوض في الله الخوض هو: الوقوع في الشبهات، إذا ذكر الخوض فهو قول الباطل، والخوض هو الوقوع في الشبهات؛ ولذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ [التوبة: 69]؛ فالخوض هنا هو الوقوع في الشبهات والقول بالتخرص والظنون، ومنه أيضًا من هذا الخوض ما جاء في قوله تعالى على سبيل التحذير قال تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ [النجم: 28].

والظن الذي هو التخرص وقول على الله بلا حجة ولا بينة ولا برهان ينبغي علينا وينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يكف عنه، القول على الله بلا علم من أعظم المحرمات، فينبغي الكف عن ذلك، ونقف حيث وقف الدليل، في باب أسماء الله وصفاته -كما مر بنا- أن أسماء الله وصفاته توقيفية، نقف حيث ورد الدليل الصحيح.

قوله -رحمه الله- ولا نماري في دين الله، لا نماري المراء قد يكون من المرية وهي الشك، وقد يكون من المراء الذي هو الخصومة، أو كما يعبر بعض العلماء الجدال الذي يوقع في الشك، والمعنيان متقاربان أو متلازمان، فسواء قلنا: إنه من المراء هو الشك كما في قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لَّقَائِهِ ﴾ [السجدة: 23]؛ هذا صحيح، وكذا أيضًا لما نقول: إن المراء وهو الجدال أو الخصومة فالأمر كذلك؛ لأن الجدال المذموم أو الخصومة هذه توقف في الشك والريب؛ لهذا نجد أن سلفنا الصالح كان يحذرون من هذه الجدال، من ذلك ما جاء عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- الذي يقول من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل؛ فإذا جعل دينه مقصودًا بالجدل والقيل والقال والخصومات أكثر التنقل، أي أنه في كل يوم له طريقة ومذهب، والمقصود أنه يحذر من هذا المراء، وقد ورد في هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود وحسنه ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (المراء في القرآن كفر)؛ وذكر الشراح أن المراء إما أن يكون من المرية الذي هو الشك أو من الجدال الذي يورث الشك والريب وكما مر بنا أن المعنيين متقاربان والله أعلم.

نتجاوز العبارة هذه

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا نجادل في القرآن، ونشهد أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلمه سيد المرسلين محمدًا -صلى الله عليه وعلى آله أجمعين- وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين ولا نقول بخلقه ولا نخالف جماعة المسلمين)

هذه العبارة التي سمعناها لما قال -رحمه الله- ولا نجادل في القرآن ذكر الشارح -رحمه الله- أن هذه العبارة تحتمل أن مقصود الطحاوي يعني لا نجادل في القرآن أي لا نجادل في أن القرآن كلام الله، بل نقطع نجزم أن القرآن كلام الله غير مخلوق، هذا الاحتمال الأول.

الاحتمال الآخر: أن مقصود الطحاوي -رحمه الله- من هذه العبارة: أن مقصوده لا نجادل في القرآن أي لا نجادل في القراءة الثابتة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كالقراءات السبع، وعلى كل حال إن قلنا هذا أو ذاك فهذا صحيح وذاك صحيح، إلى أن قال: ونشهد أنه كلام رب العالمين، ولما قال ونشهد أنه كلام رب العالمين، هذا يؤكد المعنى الأول، وأن مقصوده -رحمه الله- التأكيد على ما سبق أن مر بنا في مسألة الكلام الإلهي، فالقرآن هو كلام الله -سبحانه وتعالى- منزل غير مخلوق -كما مر بنا بشيء من البسط والبيان في درس سابق- قال نزل به الروح الأمين، وهو جبريل -عليه السلام-: قال تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿194﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ [الشعراء:193- 195].

فالمراد بالروح الأمين -كما لا يخفى- جبريل -عليه السلام- فعلمه سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- نعم علمه، وكما مر بنا أن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- سمع القرآن من جبريل، وجبريل -عليه السلام- سمع القرآن من عند الله -سبحانه وتعالى-.

قال: وهو كلام الله نعم -مر بنا- في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ [التوبة: 6]؛ لا يساويه شيء من كلام المخلوقين في هذا رد على الممثلة أو من يتوهم التمثيل فكلام الله -سبحانه وتعالى- لا يماثل كلام الخلق؛ لأنه -سبحانه وتعالى-: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].

وإذا تقرر أن ذات الله لا تماثل الذوات فصفاته -سبحانه وتعالى- لا تماثل صفات المخلوقين، ومن ذلك الكلام الإلهي؛ ثم قال: "ولا نقول بخلقه" لما رد على الممثلة رد بعدها على المعطلة الذين قالوا بخلق القرآن كالمعتزلة والرافضة والإباضية ونحوه ولا نقول بأن القرآن مخلوق بل نقول هو كلامه-سبحانه وتعالى- ثم قال: ولا نخالف جماعة المسلمين، وفي هذا إشارة إلى أن من قال بخلق القرآن فقد خالف الإجماع، وقد مر بنا أن هذه المسألة محل إجماع عند أهل السنة فمن خالف في ذلك وقال بخلقه فقد خالف الإجماع، ومن قال بخلق القرآن فهو كافر كما مر بنا في موضوع الكلام الإلهي والله أعلم.

لدينا سؤال من أحد الإخوة وهو على عبارة قول الإمام الطحاوي: ولا نماري في دين الله؟ أنتم ذكرتم فيه تحذير من الجدل؟

إيه نعم؛ الجدل المذموم.

نريد تحليل لهذا المصطلح؟ ما المقصود به على التحديد؟

نحن قلنا قبل قليل: إن المراء يعني جاء ذمه في نصوص كثيرة وحسبنا ما جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام-: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وهو محق)؛ فترك المراء محمود ولو كان الشخص على حق، فكيف لو كان على باطل فالمراء مذموم مطلقًا كما سمعنا الحديث، وسمعنا أيضا الحديث السابق (المراء في القرآن كفر) نعم الجدال قد يكون هناك جدال مذموم وجدال سائغ محمود والله -سبحانه وتعالى-قال: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]؛ وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [العنكبوت: 46].

فالجدل ينقسم أو الجدال ينقسم إلى ما هو محمود وما هو مذموم، فالمقصود أن المراء ينبغي اجتنابه لما يوقع في نفس الشخص من التشكيك، وما يقع فيه من الريب والأمر الآخر: المراء لا ينفك عن حدود النفس وشهواتها وحب الانتصار، يغيب عن صاحبه قضية أن المقصود هو إتباع الحق فضلًا عما هو اشد من ذلك ألا وهو الشك الذي يورث الزيغ والضلال والله أعلم.

يقول: كيف نجمع بين قولنا إن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع القرآن من جبريل، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿192﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 192- 194]؟

ما في إشكال في هذا؛ لأنه كما مر بنا أن الوحي أنواع أليس كذلك؟ فهناك وحي يعني هو إلهام، كما مر بنا في حديث: (إن روح القدس نفذ في روعي، أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجله)؛ فالوحي أنواع منه ما يكون إلهامًا من الله لنبيه، ومنه ما يكون أنه يسمعه، ومر بنا أنه -عليه الصلاة والسلام- سمع كلام الله أليس كذلك؟ سمع كلام الله بلا واسطة، لما عرج به إلى السماء فحصل له التكليم بلا واسطة، كما حصل لموسى من قبل -عليه السلام- وقد يكون هذا الوحي من خلال أن جبريل يأتي في صورته البشر كما في حديث جبريل المشهور؛ وكما وقد يأتي على هيئته التي خلقه الله، المقصود أن ما في تعارض بين هذا كله فهذا كله نوع من أنواع الوحي، فمن الوحي يكون إلهاما في قلبه -عليه الصلاة والسلام- ومنه ما يكون ماذا؟ أن جبريل -عليه السلام- يسمع كلام الله ثم يبلغه محمدًا -عليه الصلاة والسلام- ومحمد -صلى الله عليه وسلم- يسمعه من من؟ من جبريل -عليه السلام- هذا الذي أفهمه والله أعلم.

تقول: ما رأيكم فيمن يقول في الأخذ بالسبب نحن سنفعل ذلك عسى الله أن يجعل لنا حظًا؟

تسأل عن العبارة؟

نعم
أعد العبارة من فضلك؟

عسى الله أن يجعل لنا حظًا.

نحن نفعل ذلك عسى الله أن يجعل لنا حظًا.

يعني قصد حظًا فيه أو شيء

ما فيه إشكال في هذا في العبارة، يعني ما في إشكال أن كل واحد يقول أن نفعل ذلك عسى الله أن يجعل فيه حظًا؛ يعني إذا كان المقصود فعل أسباب فمر بنا أن فعل أسباب لابد منه قال -عليه الصلاة والسلام-: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله)؛ قولها في تتمة العبارة عسى الله أن يجعل لنا منه حظًا؛ إذا كان هذا على سبيل أنها تتمنى ذلك، هي تتمنى أو يتمنى غيرها ذلك، لكن لما الله -سبحانه وتعالى- يقول "عسى" يمكن هذا الإشكال عند الأخت إذا قال الله تعالى عسى فكما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- عسى من الله واجبة؛ لما قال تعالى: ﴿ عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾ [الممتحنة: 7]؛ هذه متحققة وواقعة، لكن نحن إذا قلنا عسى الله تعالى أن يهيئ لنا الأمر الفلاني، هذا قد يقع وقد لا يقع، أليس كذلك؟ فإذا الله تعالى تكلم به فكما قال ابن عباس عسى من الله واجبة وهذا الذي تحقق من الآية الكريمة التي سمعناها: ﴿ عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ﴾؛ نعم أن هؤلاء الكفار أهل مكة أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي: -رحمه الله تعالى-: (ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله)

عندنا هذه المسألة فيما يتعلق بموضوع التكفير، ولا شك أن التكفير هو من الموضوعات التي لها من الشأن ولها من الخطر ما لها وهذا أمر لا يخفى عليكم -أيها الإخوة- نؤكد أيها الإخوة إلى أمور:

الأمر الأول: أن التكفير هو حق الله -سبحانه وتعالى- التكفير حق الله، التكفير حكم شرعي، متلقى عن صاحب الشرع، والتكفير ليس حق لزيد أو لعمرو، ليس حقوقًا شخص، مثلا يعني اعتدى عليك تعتدي عليه عاقبك تعاقبه، ليست المسألة مقايضة ومجازاة، التكفير حق الله -سبحانه وتعالى- أمر ينبغي أن نتنبه له.

والأمر الثاني: في هذا الذي نؤكد عليه أن باب التكفير باب خطير فينبغي عدم الخوض فيه بلا علم ولا عدل، وينبغي أن التوسط في هذا الباب؛ لأن عندنا أقوام غلو في التكفير، فسلكوا مسلك الخوارج، وهذا انحراف، وقابلهم قوم آخرون ووقعوا فيما يقابل ذلك وهو أنهم ربما أنهم أدخلوا كافرًا في دين الإسلام وهو كافر، وكما قال العلماء: "إخراج المسلم من الإيمان هذا أمر شنيع شديد" وكذا أيضًا شخص قد تلبس بالكفر واستبان ذلك وظهر إدخاله في الإسلام هذا أمر شديد لا يقل انحرافًا عن الأمر السابق، والواجب علينا أن نحذر من هذا المسلك الغالي وذاك المسلك الذي لن يميع دين الله كما هو الحال في المرجع في القديم والحديث هذا الأمر الثاني.

بعدها ننظر في عبارة الطحاوي -رحمه الله- هنا قال: "لا نكفر أحدًا من أهل القبلة" لا نكفر أي لا نصفه بالكفر، لا نحكم عليه بالكفر، لا نقول إنه كافر، لا نقول عن شخص من أهل القبلة -من أهل الإسلام- كافر بمجرد ذنب، قال لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله.

مقصود الطحاوي -رحمه الله- يعني لا نكفر بمطلق المعاصي، كما هو حال الخوارج، هذا مراده -رحمه الله- لا نكفر بمطلق المعاصي، يعني لا نكفر أن فلانًا مثلًا سرق أو شرب الخمر أو زنا أو نحو ذلك هذه كلها من كبائر الذنوب التي عظمها الشارع، لكن هذه الكبائر لا تخرج العبد من الملة إذا ارتكبها، لا تخرجه من الملة، المقصود من هذه العبارة أن الطحاوي -رحمه الله- مراده الرد على الخوارج الذين يكفرون بمطلق المعاصي، أهل السنة لا يكفرون بمطلق المعاصي.

مطلق المعاصي التي هي كبائر الذنوب، هذه لا توجب كفرًا، لا توجب الخروج من الملة كما ظنه الخوارج أو كما ظن الزيدية أو كما ظن المعتزلة والزيدية ومن تبعهم أن هذه الكبائر تخرج العبد من الإيمان بالكلية، وقلت عن مرتكب الكبيرة السارق شارب الخمر الزاني ونحو ذلك نقول هؤلاء انتفى عنهم كما الإيمان الواجب، لكن فعلهم هذا السرقة أو شرب الخمر أو نحو ذلك هذا لا يخرجهم من ملة الإسلام، كما جاءت بذلك الأدلة، وكما قرر بذلك أهل السنة في مصنفاتهم، وفي مؤلفاتهم، هذا أمر.

إذن علينا أن نفهم أن مراد الطحاوي في قوله: "لا نكفر أحد من أهل القبلة بذنب" أي لا نكفر بكل ذنب؛ ولهذا كان الأليق والأدق أن تكون العبارة هكذا لا نكفر أحد من أهل القبلة بكل ذنب؛ هذا قد تكون العبارة أدق وأسلم من الإشكال الذي يعني أورده بعض العلماء، فبعض العلماء قالوا: تعقبوا عبارة الطحاوي -رحمه الله- وقالوا: إن هناك ذنوب تخرج من الملة، الطحاوي الآن قال: لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، فقالوا ثمة ذنوب لو فعلها العبد لكفر ولو لم يستحلها، ومقصودهم بهذه الذنوب التي تخرج من الملة، مثلًا كسب الله -سبحانه وتعالى- أو سب الرسول -عليه الصلاة والسلام- وشخص سب النبي -عليه الصلاة والسلام- فإنه كافر، ولو لم يستحل هذا السب، فكان لو كانت عبارة الطحاوي ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب لو قال بكل ذنب لسلمنا من هذا الإشكال أو من هذا التعقيب الذي تعقبه بعض العلماء أو بعض المشايخ الفضلاء.

ثم قال بعدها ولا نقول:" لا يضر من الإيمان ذنب لمن عمله" لاحظ التوسط والاعتدال ومسلك الوسط في هذه العقيدة، لما رد على الخوارج رد على المرجئة الذين يؤخرون يخرجون العمل، لاحظوا ثم مرجئة لماذا؟ لأنهم أرجئوا يعني أخروا العمل عن مسمى الإيمان، أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، صار الإيمان مجرد تصديق فقط؛ فلهاذا هونوا من شأن العمل، وهونوا من فعل المعاصي، وهنا قال -رحمه الله- ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله، فهذا كلام المرجئة الذين يهونون من فعل المعاصي فالمعاصي لا شك أنها تؤثر على الإيمان وتنقص الإيمان وسلفنا الصالح حذروا من المعاصي والنصوص في هذا واضحة، وهذا أمر ينبغي أن نعتني به أيها الإخوة أن نحذر المعاصي، سلفنا كان يقول المعاصي بريد الكفر، فالاستهانة في المعاصي قد يوقع العبد شيئًا فشيئًا حتى قد ينسلخ من الملة بسبب المعاصي التي ارتكبها وأصر عليها وتهاون بها، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا مسألة نختم بها في هذه العبارة أن الشخص المعين "زيد من الناس" أو عمرو أن نحو ذلك متى يحكم على الشخص المعين بالكفر؟ فهنا نؤكد على أمرين مهمين:

لا يحكم على الشخص المعين بالكفر إلا إذا تلبس به قولًا أو عملًا قال ما هو كفر، كمثلًا سب الله أو نحو ذلك.

وأيضًا الأمر الثاني لابد منه، اجتماع الشروط وانتفاء الموانع في هذا الشخص، إذا تلبس به قولًا أو عملًا أو اعتقادًا ثم قامت عليه الحجة بمعنى والله أن هذا الرجل انتفت عنه الموانع اجتمعت فيه الشروط ليس جاهلًا جهلًا يعذر به ليس متأولًا تأويلًا يدرأ عنه التفكير، ليس مكرهًا فعندئذ يحكم على هذا الشخص بأنه كافر.

لكن هذا الحكم لا يكون إلا لمن عنده علم و أهلية وإلا ليس التكفير بكل من هب ودب، وإنما لكل من عنده علم وأهلية فعليه أن يتنبه لهذين الأمرين المذكورين والله أعلم.

يقول: بالنسبة للصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)؛ ما هو الكفر الذي في الحديث هل هو كفر يخرج من الملة؟ أم يكون كفرًا دون كفر؟

والله هو ظاهر الحديث التي ذكرت جاءت في الأحاديث في تكفير تارك الصلاة على أنها يظهر أنه الكفر الأكبر، فلما أنت تذكر أن هذا الحديث عندنا الحديث: الآخر (بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)؛ فلاحظ أن الكفر هنا جاء معرفًا فإذا جاء الكفر معرفًا فيراد به الكفر الأكبر الكفر الأكبر المخرج من الملة الذي دلت عليه الأدلة أن من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا أن هذا الترك يخرج من الملة وأن هذا الكفر هو كفر أكبر بما جاء في حديث جابر وحديث بريدة وغيرهم من الأحاديث، وهذا الذي يظهر وهذا اختيار جملة من المحققين من السابقين ومن المعاصرين، وعلى كل من أراد المزيد في المسألة فليرجع إلى ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- في كتاب الصلاة؛ وأيضًا ما ذكره الشيخ ابن عثيميين -رحمه الله- في هذه المسألة وغيرهما.

يقول: مر علينا أن القرآن كلام الله وليس مخلوقًا ولا شك في ذاك ولكن يقال أن السنة أيضًا كلام الله؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أتيت القرآن ومثله معه)؛ لأنه يطلق عليه مثلًا الوحيين الكتاب والسنة فليقال إن هذا كله كلام الله؟

قد يكون يا شيخ أيضًا الحديث القدسي يدخل في ذلك مثلًا؟

والله إننا قلنا الحديث القدسي نعم يأتي فيه قال الله تعالى لا شك أن هذا هو كلام الله فلم يأتي فيه الحديث القدسي قال الله فهو كلامه -سبحانه وتعالى- نقول قاله الله -سبحانه وتعالى- لفظا ومعنى؛ لأنه مر بنا أنه القول أو الكلام يشمل لفظ المعنى لكن يبقى بين الحديث القدسي والقرآن الكريم أن القرآن المتعبد بتلاوته ولا يجوز روايته بالمعنى أما الحديث القدسي فليس متعبدًا بتلاوته ويجوز روايته بالمعنى، أما أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- فإن الأحاديث التي يقال ليست أحاديث قدسية نعم هي وحي كما سمعنا، والله تعالى قال عن نبيه -عليه الصلاة والسلام-: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿3﴾ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3- 4].

ما نقول إن كونها وحي إن معناه أن هذا هو كلام الله -سبحانه وتعالى- يعني لما يقول -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الأعمال بالنيات)؛ يقال هذا كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- لكن لما نسمع قول الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 1]؛ يبقى هذا كلام الله -سبحانه وتعالى- يفرق بين هذا وذاك، وكونه يفرق نعم هما يجتمعان أن كلاهما وحي يوحى، سواء كلام الله أو كلام السنة والله أعلم.

يقول: ما حكم الترحم على النصارى؟ وسؤال الله يغفر لهم على ما قدموه؟

إن هذه مسألة مفروغ منها، لا يجوز الترحم لا على النصارى ولا على اليهود ولا على الكفار، فالله تعالى قال عن المنافقين: ﴿ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ﴾ [التوبة: 84]؛ فلا يجوز الصلاة عليهم، ولا يجوز الدعاء لهم بالرحمة ما إنهم ماتوا على هذا الكفر؛ هذه مسألة يعني واضحة وبينة، ولا ينبغي أن يقع فيها شيء من اللبس، إنما يترحم على أهل الإسلام، أما هؤلاء فلا يترحم عليهم ولا يقال هذا إذا ماتوا؟ هؤلاء الكفار إذا ماتوا على الكفر مآلهم إلى جهنم وبئس المصير؛ وإذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- مع أمه هذا النبي الكريم أمه -عليه السلام- استأذن ربه أن يدعو لها فلم يؤذن له، واستأذن ربه أن يزورها فأذن له في زيارة قبرها فزار قبر أمه -عليه الصلاة والسلام- فهذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا بينا عند أهل الإسلام والله المستعان.

لعل اللبس حصل فضيلة الشيخ عندما يموت بعض كبرائهم من المتدينين أو الأحبار أو الرهبان أو غيرهم قد يحدث اللبس لدى بعض المسلمين ماذا يقول إذا ذكروا أو شيء بعد موتهم؟

نقول أن هؤلاء يعني هلكوا وكون هلك واحد من أهل الكفار أراح البلاد والعباد من هؤلاء، لكن يدعا لهم!!! ينبغي الرحمة أن تكون لأهل الإسلام، ما تكون لأئمة الكفر، وهذا مقتضى الولاء والبراء أن نحب أهل الإيمان وأن بغض أهل الكفر، فإذا ماتوا على الكفر، فإن الحكم العام أن الكفار إلى نار جهنم، هذا الحكم يبقى الخلاف في قضية الحكم على المعني هذا مسألة لا تعنينا، لكن من المعلوم حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من أحد من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي أدخله الله النار)؛ فهنا أدخله الله النار نجدوا أننا نترحم عليه وندعو له بالرحمة!!! لا.. فليكن دعائنا لإخواننا المسلمين والله المستعان.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنه ويدخلهم الجنة برحمته ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم).

يعني ما ذكره الإمام الطحاوي -رحمه الله- في هذه العبارة المحررة، هذا أمر ينبغي أن نستصحبه في حق أنفسنا أو في حق غيرنا، فعلى المسلم إن كان محسنًا أن يرجو أن الله تعالى يرحمه وأن يغفر له وأن يحسن له الختام، لكن لا يأمن، فالإنسان ما دام هو حي فهو عرضة للفتنة، وإذا كان مسيئًا مقصرًا وهو حال الكثير منا فعليه أن يخاف، يخاف من عقاب الله، يخاف من العقوبات، يخاف من المثولات، يخاف من اللقاء بين يدي الجبار -سبحانه وتعالى- لكن لا يحمله هذا الخوف إلى حد اليأس والقنوط من رحمة الله؛ هذا هو المسلك الوسط والمسلك العدل، فنحن نرجو المحسنين لكن يصل حد الرجاء إلى حد الأمن من مكر الله، فلأن مكر الله من كبائر الذنوب بل ربما كان كفرًا كما سيأتي في عبارة الطحاوي -رحمه الله- قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 99].

وأيضًا كذلك هنا لما قال نستغفر لمسيئهم ونخاف عليه لكن هذا الاستغفار والخوف على المسيء لا يفضي إلى حد القنوت من رحمة الله، واليأس من روح الله، فإن الله تعالى قال: ﴿ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56]؛ وفي الآية الأخرى فوق قال: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87]؛ فينبغي الجمع بين الأمرين الخوف الرجاء الرغبة والرهبة، لا حظ هنا أن الله -سبحانه وتعالى- عن أنبياء قال: ﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ [الأنبياء: 90]؛ هذا أمر؛ أيضًا قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 57]؛ فلابد من الخوف والرجاء سواء في حقنا أو في حق غيرنا.

يبقى عندنا مسألة ينبغي أن نؤكد عليها في هذا المقام لما نقول نرجو رحمة الله أو نقول نخاف عقاب الله بالنسبة للرجاء علينا أن نتنبه أن الرجاء لابد أن يكون معه عمل، أما كون أن الواحد يقول أنا أرجو رحمة الله أرجو أن الله تعالى يدخلني الجنة ولا يعمل، هذا ليس رجاء هذا تمني، هذه أماني والأماني هي بضاعة المفرطين بضاعة الحمقى، فالرجاء لابد فيه من عمل لاحظ الآية الكريمة قال -عز وجل-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾؛ قال تعالى بعدها: ﴿ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ﴾ [البقرة: 218]؛ فالرجاء معه عمل وهذا هو الفرق بين الرجاء والتمني أن الرجاء معه عمل وأما التمني فليس معه عمل يعني كونك أنت الآن ترجو رحمة الله افعل الأسباب أعمل الصالحات وثق برحمة الله، وعليك أن ترجو هذه الرحمة بعد هذا العمل وفعل الأسباب أما أيضا الخوف: لما نقول عنه الخوف لما إنسان يعني يخاف إن كان مسيئًا من الله -سبحانه وتعالى- لكن لا يصل به حد الخوف إلى حد اليأس والقنوط الخوف الذي ينبغي أن ينضبط ونلتزم به وهو الضابط هو ما حجزك عن محارم الله، الخوف المحمود الخوف المطلوب ما حجزك عن محارم الله؛ هكذا ضبطه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، يعني أن يكون هذا الخوف زاجرًا ومانعًا من الوقوع في محارم الله، ما زاد على ذلك فلا حاجة إليه إن قد يوقع العبد في اليأس.

ابن رجب -رحمه الله- الحافظ ابن رجب في كتابه التخويف من النار بسط ضوابط الخوف أكثر وبين أن الخوف المحمود هو ماذا؟ الخوف المحمود هو أن يحمله الخوف على فعل الواجبات وترك المحرمات، وزاد إلى أن يفعل النوافل وأن يترك المكروهات فهذا حسن، فالمقصود أن الخوف ينضبط بترك ما أمر الله تعالى بتركه وبالذات المحرمات وأيضًا استطاع أن يحمله الخوف على ترك المكروهات فهذا أفضل وأتم وأكمل. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

هل يصلح أن نقول إن الخوف يدفع إلى ترك المحرمات وأن الرجاء يدفع إلى فعل الطاعات؟

يعني هو نعم يمكن أن يقال هذا ويمكن يقال الأمرين؛ لأن الرجاء يحمل على هذا وهذا؛ لأن الرجاء يحمل على فعل الطاعات، وأيضًا يحمل على ترك المحرمات وكذا الخوف، الخوف أيها الإخوة يحمل على ترك ا لمحرمات ويحمل على فعل الطاعات، وإن كان البعض أحيانًا يغلب في الخوف الترك ويغلب في الرجاء العمل لكن بالخوف والرجاء يحصل أمرين، بالخوف يحصل ترك المحرمات وفعل المأمورات، وكذا بالنسبة للرجاء يحصل بهما هذا وذاك، وأيضًا نؤكد يا إخوان هنا بمناسبة هذا السؤال أن بعض الناس يظن الإفراط في الخوف يوجب مزيدًا من العمل وترك المحرمات؛ لا.. ليس الأمر كذلك، الإفراط في الخوف مجاوزة الحد في الخوف توقع على فعل العكس؛ ولهذا مثلًا لما تعرفون حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، هذا لما جاءه سأله ذاك العابد هل له من توبة قال ليس لك توبة، يعني الآن أوقعه في اليأس، أوقعه في مزيد من الخوف بسبب ذنوبه، فهذا اليأس جعله ماذا هل جعله يكف ولا يزيد؟

يزيد

زاد وأتم به المائة، فهذا الخوف إذا تجاوز الحد يوقع الإنسان في اليأس، وبعض الناس يقول أنا ذنوبي كثيرة ومعاصي كثيرة، ييأس أن الله تعالى يتوب عليه، فينبغي الحذر من ذلك الله تعالى رحمته وسعت كل شيء، إذا أشرك العبد وكفر وتاب تاب الله عليه الإسلام يجر ما قبله قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]؛ ومن لطيف ما يذكر في هذا المقام أن الخليفة عبد الملك بن مروان خطب يومًا فاستعبر -رحمه الله- وبكى جاءت عنده شيء من المناجاة، وقال على المنبر يا رب إن ذنوبي كثيرة، وإن قليل عفوك أعظم من كثير ذنبي فامح بقليل عفوك كثير ذنبي فبلغ ذلك الحسن البصري -رحمه الله- بلغ هذا الدعاء فبكى الحسن وقال: لو كان كلام يكتب بماء الذهب لكتب، هذا فالمقصود أن رحمة الله واسعة ما على العبد أن يقبل ربه -سبحانه وتعالى- وأن يكثر من الصالحات وأن يتوب إلى الله -سبحانه وتعالى- فهو كما قال: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾؛ -سبحانه وتعالى-.


يقول: السؤال الأول: ما هي أفضل الكتب التي ترد على الملحدين والمنكرين لوجد الله؟ وأفضل الكتب على المرجئة؟
والسؤال الثاني: ما هي الفرق التي تقول بتحريف القرآن؟.




ردا على الملاحدة المنكر لوجود الله: أذكر فيه كتاب عبد الرحمن حسن حبنكة في هذا وفي أيضا بعض كتابات الشيخ عبد المجيد الزنداني يمكن الإستفادة منها في تقرير أن الله -سبحانه وتعالى- موجود والرد على منكري الصانع. وفي الشق الثاني: عندنا غالبا الذين يبحثون في هذا الموضوع هم يعولون على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية فعندنا "كتاب الإيمان الكبير" وعندنا كتاب الإيمان الأوسط، وهذه من أفضل الكتب للرد على المرجئة وشيخ الإسلام في كتاب الإيمان هو رد على المرجئة، رد على الأشاعرة ويمكن الاستفادة من الرسائل العلمية الموجودة الآن في الساحة ومنها "كتاب ظاهرة الإرجاء" للدكتور سفر الحوالي وغيرها هذه من أهم الكتب التي تحضرني في هذا المقام.

فيه سؤال يا شيخ عن الفرق التي تحرف القرآن؟

تحرف القرآن يعني إن كان مقصود الطوائف الفرق التي تقول بتحريف القرآن فلا شك أن الرافضة هم معروفون بذلك، فالرافضة يقولون بتحريف القرآن، هم يقولون: إن القرآن محرف، وهناك طوائف أيضًا كذلك لا تعترف بالقرآن أصلًا كما أن الرافضة لا يعترفون بهذا المصحف الذي بين أيدينا، وإنما يسمون أن هناك مصحف يسمى مصحف فاطمة، وهناك بعض طوائف التي هي أشد ضلالًا من الرافضة، وهم وطائفة الدروز الذين عندهم مصحف يخصهم كتبوا كتابا من عند أنفسهم ويسمونه المصحف المنفرد بذاته فهؤلاء لهم كتابهم وهو مجرد دجل وإفك فالمقصود أن هذه الطوائف لها ما لها، ويبقى القرآن يبقى كلام الله هو المحفوظ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة).

قوله -رحمه الله- هو الأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام المقصود بالأمن: الأمن من مكر الله؛ والمقصود بالإياس: الإياس من رحمة الله ومن روح الله -سبحانه وتعالى- قال هنا ينقلان عن ملة الإسلام فقرر الطحاوي -رحمه الله- أن الأمن من مكر الله واليأس من رحمته ينقلان عن ملة الإسلام، وسبق أن قلنا قبل قليل: إنه جاءت أحاديث أنه -عليه الصلاة والسلام- سئل عن الكبائر: جاء في بعض الآثار أنه سئل عن الكبائر: فقال الكبائر: (الأمن من مكر الله واليأس من روح الله)؛ هي اليأس من رحمة الله لكن هنا الطحاوي هنا يقرر أن هذا وذاك يخرجان عن الملة، وقد بين شراح هذه العقيدة أنه متى يكون اليأس من روح الله كفرًا؟ ومتى يكون الأمن من مكر الله كفرًا؟ من ذلك يعني ما قاله بعضهم إذا كان اليأس من رحمة الله كان باعثه سوء الظن بالله وإنكار أن الله تعالى يرحم ويغر ويتجاوز ويغفو ويصفح إن كان باعثه سوء الظن بالله -سبحانه وتعالى- فهذا قد يخرج العبد من الملة باعتبار أن سوء الظن هو أعظم الذنوب، ويعني نستدل بالآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرً﴾ [الفتح: 6].
فهذا الوعيد تلو الوعيد يبين لك شناعة سوء الظن بالله -سبحانه وتعالى- فإذن إذا كان اليأس من رحمة الله باعثه سوء الظن بالله -سبحانه وتعالى- أن الله تعالى لا يعفو ولا يرحم وينكر من أسماء الرحمن الرحيم البر فإذا كان الأمر كذلك فهذا سوء الظن هو من أعظم الذنوب بل إن ابن القيم لما ذكر الآية الكريمة في آية الفتح: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ ﴾ [الفتح: 6]؛ قال ابن القيم -رحمه الله- قال لم يجيء وعيد أشد من هذا الوعيد هكذا قال -رحمه الله- بمعنى أيضًا كذلك بالمقابل متى يكون الأمن من مكر الله ناقلا عن الملة يكون ناقلا إذا ظن أن الله تعالى يعجز عن أن يعاقب أو استخف بوعيد الله فإذا وصل الأمن من مكر الله إلى حد الاستهزاء أو الاستخفاف بوعيد الله فهذه ردة لأن الله تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿65﴾ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65- 66].

فإذا حمله الأمن من مكر الله على الاستهزاء والاستخفاف بوعيد الله فهذه ردة أو ظن أن الله تعالى لا يقدر على العقاب ولا على البطش بأعدائه، فهذا الظن كذلك يخرجه من الملة؛ هذا بعض كلام العلماء الذي استفدناه من كلام للحليمي في المنهاج في شعب الإيمان وأيضًا كذلك ما استفاد من كلام الحسن البسنوي وهو أحد شراح هذه العقيدة والله أعلم.

تقول: ما حكم من سب الصحابة -رضي الله عنهم-؟

مسألة الصحابة -رضي الله عنهم- سيمر بنا -إن شاء الله- ولكن بإيجاز شديد نقول من سب الصحابة إن سب الصحابة -رضي الله عنهم- سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم كأن يقول عن الصحابة أو عن جمهور الصحابة أنهم ضلال أو فساق أو كفار فإن سبهم سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم فلا شك في كفر من وقع في ذلك، لا شك فيه فكفر هؤلاء متعين بما في ذلك من التكذيب لنصوص القرآن والسنة التي تشهد بعدالتهم ونصوص القرآن والسنة تثبت عدالتهم، أما إن سب أحد الصحابة سبًا لا يقدح في دينه ولا في عدالته كأن يطعن في صفاته الخلقية ونحو ذلك فهذا يعذر صاحبه تعذيرًا بليغًا لكن لا يصل إلى حد الخروج من الملة هذا الذي حرره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما عرض على هذه المسألة، فذكر أقوال العلماء ثم وصل إلى هذا التحقيق والتحريم الذي سمعناه والله أعلم.

يقول: ولا نشهد لأحد بجنة أو بنار؟ يقول بالنسبة لمن يقتل في المعركة هل يصح أن نقول عنه شهيد أو استشهد مثلًا؟

يعني هو الذي قتل في سبيل الله قتل يجاهد في سبيل الله، قتل يجاهد في سبيل الله يقاتل أعداء الله هل يقال عنه شهيد؟ الذي أفهمه من كلام للحافظ ابن حجر -رحمه الله- إن أريد بالشهادة أنه يعامل معاملة الشهيد بمعنى أنه لا يصلي عليه ولا يغسل ولا يكفن أن تجرى عليه أحكام الشهيد الظاهرة، فنعم هو شهيد بهذا المعنى، أما إن يريد بالشهيد أنه شهيد عند الله فهذا قطع له بأنه في الجنة فلا، فالمقصود أنه ينظر من جهتين أنه من جهة الظاهر بحيث تجرى عليه أحكام الشهيد شهيد المعركة نعم هو شهيد أما أنه شهيد حتى يظن ظان يقول إن فلان شهيد أنه شهيد عند الله ويقطع له بالجنة فلا يقطع بالجنة إلا بما جاء به النص عنه -عليه الصلاة والسلام-.

تقول: هل الإفراط في الندم مطلوب أم أنه يؤدي إلى اليأس؟

الندم -والله- نقول أن الندم لا داعي ولا فائدة منه، كون الإنسان يندم إلا إذا كان الإنسان هنا الندم على ذنب نعم فالندم توبة كما ورد في بعض الآثار فنقول كون الإنسان يندم أو يندب مثلا تفريطه أو تقصيره هذا مطلوب لكن لا يصل هذا الندب أو هذا الندم إلى حد اليأس؛ ولهذا نحن أهل السنة نوقن أن الشخص إذا تاب تاب الله عليه ويعني نجزم بقبول توبته؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾ [الزمر: 53]؛ فرحمة الله واسعة، فالمقصود إذا كان يريد بالندم أو الندب أنه يعني يندب ما فعله من المعاصي ويكون هذا الندم موجبًا للعمل والإيقاع فنعم، لكن إذا كان هذا الندم أو الندب كما عبرت قد يوقع في اليأس فيتجنب هذا الندب والإفراط فيه.

هلا تفضلتم بطرح أسئلة هذه المحاضرة:

السؤال الأول: من أهل القبلة؟

والسؤال الثاني: ما ضابط الخوف المشروط؟ والله أعلم.

بنت الأثر
04-27-2008, 02:48 PM
ماشاء الله .. علم رائع ..

بارك الله فيك أختي الطيبة ..

وكتب أجرك ..


أختي بإذن الله سنقيم مسابقة بهذه الدروس المباركة ..

وهناك جائزة بإذن الله للفائز ..

نتمنى مشاركة الجميع ..

vip_sord
04-27-2008, 07:52 PM
شتان بين التوحيد والشرك

شتان شتان بين منهج المسلم السني وغيره من مذاهب الشرك والخذلان

نسال الله ان يجزك اخونا خيرا علي هذا الجهد وان يجزي كاتبها خير الجزاء ويسكنه فسيح الجنان

اللهم امين

أبو سليمان
06-03-2008, 01:47 AM
تم دمج الدروس بناء على طلب أختنا ناري جون

nary_jon
06-03-2008, 02:10 AM
جزاك الله خير أخي خالد البدر وأحسن الله اليك

nary_jon
06-04-2008, 06:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس الثالث عشر : من قول «ولا يخرج العبد من الإيمان.....»

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)


الدرس الثالث عشر

من قول «ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه »

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما بعد فأهلًا ومرحبًا بكم وبالإخوة الحضور:

ونستِأذن فضيلة الشيخ في عرض إجابات أسئلة الدرس الماضي:
وكان السؤال الأول: ما المراد بأهل القبلة؟
أجاب الأخ الكريم بقوله: إن أهل القبلة هم أهل الإسلام، أو أهل الصلاة، والمقصود منهم من ذكر في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم) ويقول: إنه يدخل فيهم أهل البدع والمحدثات ما لم تكن بدعًا مكفرة.

نعم إجابة الأخ إجابة تامة وصحيحة.

أيضًا الأخ الكريم أجاب عن السؤال الثاني وهو عن ضابط الخوف المشروع بقوله: أن ضابط الخوف المشروع هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «ما حجزك عن محارم الله» وأيضًا ما قال الحافظ ابن حجر: «أن يحمله الخوف على فعل الواجبات وترك المحرمات».

إجابة الأخ الكريم طيبة؛ ولكن كلامه الذي عزاه للحافظ ابن حجر هو للحافظ ابن رجب، فشيخ الإسلام قال: «الخوف ما حجزك عن محارم الله وما زاد على ذلك فلا حاجة إليه» والحافظ ابن رجب -رحمه الله- في كتابه "التخويف من النار" زاد ذلك تفصيلًا وقال: إن الخوف المطلوب والمشروع والمحمود هو الذي يمنع العبد من الوقوع في المحرمات، ويمنعه أيضًا من الوقوع في المكروهات، إجابة طيبة ويشكر على حرصه أثابه الله.

يقول: هل هناك فرق بين الأمن وبين الرجاء؟.

الذي يمر بنا كلام ابن القيم في الفرق بين الرجاء وبين التمني، وعرفنا أن الرجاء لابد فيه من عمل، والتمني ليس فيه عمل، أما الفرق بين الرجاء والأمن فالفرق ظاهر؛ لأن الرجاء من العبادات المطلوبة شرعًا، قال تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا ﴾[الكهف: 110]، وقال -عليه الصلاة والسلام- في الحديث القدسي قال الله -تعالى-: (أنا عند ظن عبدي بي..) الحديث، لكن الأمن هو من كبائر الذنوب، والله تعالى قال: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 99] ومر بنا في كلام الطحاوي من قبل أنه قال: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهم) فالأمن هو: الأمن من مكر الله، وهو إما أن يكون من كبائر الذنوب وقد يصل إلى حد الخروج من الملة، أما الرجاء الذي يقترن به العمل ويقترن به الخوف هذا من أجل العبادات القلبية كما مر بنا في الدرس السابق والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: في كتابه "العقيدة الطحاوية": (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه).
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه:

هذه العبارة التي سمعناها عندما قال: (ولا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه) هذه العبارة أو هذا الحصر فيه نظر، ووجه ذلك أن الإمام الطحاوي -رحمه الله- جعل الخروج من الإيمان إنما يكون بالجحود فقط، جعل الجحود هو فقط هو الذي يخرج من الملة، وليس الأمر كذلك، فالعبد قد يخرج من الإيمان بالجحود وبغير الجحود، المقصود أن عبارة الطحاوي محل نظر ومحل تعقيد فالشخص قد يخرج من الإيمان بالجحود وبغير الجحود، فالجحود نعم يخرج العبد من الإيمان إذا جحد وكذب، قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾ [يونس: 39] وقد يخرج من الملة بالإعراض وهذا الذي يسميه العلماء: كفر الإعراض، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ [الأحقاف: 3]، وقد يكفر بالإباء والاستكبار، كما وقع في كفر إبليس أعاذنا الله منه، وكفر فرعون وكثير من أمم الكفر السابقة قال تعالى عن إبليس: ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾ [البقرة: 34] وقد يكون الكفر بالنفاق وهو كفر النفاق أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، قال -عز وجل-: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8].

وأيضًا قد يقع الكفر بالشك أو الظن كما قال تعالى عن صاحب الجنتين كما في سورة الكهف قال تعالى عنه: ﴿ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ﴿35﴾ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتٌّ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ [الكهف: 35، 36].

المقصود أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة: أن الكفر ليس جحودًا فقط كما يفهم من عبارة الطحاوي بل الكفر قد يكون جحودًا هذا أولًا، وقد يكون إعراضًا هذا ثانيًا، وقد يكون إباءً واستكبارًا، وقد يكون كفر نفاق وقد يكون كفر شك أو ظن، فالكفر الذي يخرج من الملة ليس مجرد التكذيب والجحود فقط، بل هو التكذيب والجحود وغيره، وما سمعناه من الأنواع الأربعة التي ذكرها أهل العلم ومنهم ابن القيم -رحمه الله- في "مدارج السالكين".

يبقى عندنا تعليق نحب أن نشير إليه في هذه المناسبة: الجحود قد يطلقه بعض الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: قد يطلق الجحود ويراد به الإباء والامتناع، فمن الفقهاء من يطلق الجحود على التكذيب بالإيجاب، يعني كأن يكذب بوجوب الصلاة أو بوجوب الزكاة، أو وجوب صوم رمضان، هذا ظاهر، وقد يطلب بعض الفقهاء الجحود على الامتناع عن الالتزام، فنجد بعض أهل العلم يعتبرون ترك الصلاة أن الترك هذا في حد ذاته يعد جحودًا، أن من ترك الصلاة يعد جاحدًا، وقد نقل ذلك عن أصبغ -رحمه الله- من المالكية أنه قال: "إن ترك الصلاة هو جحود" والله أعلم. هذا ما يتعلق بهذه العبارة والله أعلم.

يقول: أنت ذكرت أن الكفر على أنواع عدة، هل نقول: إنها تختلف في الحكم أم أنها متحدة في الحكم؟.

من جهة الحكم أنها تخرج من الملة المقصود؟

نعم.

إذا كان أنها تخرج من الملة فهذه الأنواع التي ذكرناها كلها تُخرج من الملة، هذه الأنواع التي ذُكرت على أنها من الكفر الأكبر الذي يُخرج من الملة، فكلها يعني إجماعها أنها تخرج العبد من الملة ومن تلبس بها فقد خرج من الملة، لكن يبقى الحكم على الشخص المعين -كما مر بنا- ونؤكد أن المعين لا يُكفر بعينه حتى تجتمع فيه الشروط، وتنتفي عنه الموانع والله أعلم.

يقول: يسأل عن الفرق بين الامتناع وبين الإعراض هل هناك فرق بينهما؟ وقد يحكم عليه بالكفر؟.

يعني هو الإعراض الذي يعتبر كفرًا وخروجًا عن الملة الذي أفهمه من كلام المحققين أن يعرض إعراضًا تامًا كليًا عن الدين، فإذا أعرض إعراضًا كليًا أو تامًا فهذا الذي يخرجه من الملة، أو يعرض عما هو شرط في صحة الإيمان، فإذا وجد هذا أو ذاك فهذا الإعراض يخرجه من الملة، أن يعرض إعراضًا تامًا كليًا عن الدين أو يعرض عما هو شرط في صحة الإيمان كما لو أعرض مثلًا عن التوحيد أو أعرض عن الصلاة باعتبار أن القول الراجح في هذه المسألة كما يراه جملة من المحققين أن من ترك الصلاة تهاونًا وكسلًا فهو كافر، فسواء أعرض عن الصلاة مثلًا أو أعرض عن التوحيد فهذا يخرجه من الملة أو يعرض عن الدين كله جملةً وتفصيلًا، هذا هو الإعراض، الإعراض لا يقيم لهذا الدين وزن ولا يلتفت مُعرض، أما الإباء لا.. الإباء يعني هو يسمع كلام الله ويسمع كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- فيأبى ويمتنع استكبارًا فتجد أن المُعرض لا يرفع بذلك رأسًا، مثل ما قال أحد المشركين لنبينا -عليه الصلاة والسلام -أحد بني عبد يا ليل من أهل الطائف- لما دعاهم النبي -عليه الصلاة والسلام- للإسلام، قال: والله لا أقول لك كلمة، إن كنت صادقًا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبًا فأنت أحقر من أن أكلمك، هذا إعراض، لكن الإباء: هو يسمع كلام الله وله موقف، أو كما يعبر بلغة العصر: الرفض، فهو إباء وامتناع ينافي عمل القلب الذي يستوجب الانقياد والخضوع، هذا الذي يبدو لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، وجميع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق).

هذه مسألة الإيمان-أيها الإخوة الكرام أيها المشاهدون والمشاهدات- وهي من أجل -إن لم تكن أجل- المسائل في باب الاعتقاد فنحب أن نتحدث عنها بشيء من البسط والبيان، فنقول أولًا:
تعريف الإيمان عندنا أهل السنة والجماعة، الإيمان عند جمهور أهل السنة والجماعة هو: قول وعمل، نقول: الإيمان هو قول وعمل، هذه العبارة التي عرفت عند المتقدمين من أئمة السلف المحققين أنهم يقولون: قول وعمل، لما يقول العلماء الإيمان قول وعمل، هذا عند الإجمال.

وعند التفصيل نفصل نقول: الإيمان قول أي: قول القلب، ما قول القلب؟ قول القلب هو التصديق، أو الاعتقاد.

ثم نقول: قول اللسان هذا ثانيًا، قول اللسان وقول اللسان ظاهر وهو التلفظ والنطق بالشهادة أو بالشهادتين.

ثم نقول: وعمل. ما المراد بالعمل؟ العمل أيضًا هو عمل القلب وهو العبادات القلبية كمحبة الله، الخوف من الله، الرجاء، الخشية، التعظيم، ونحو ذلك من العبادات القلبية.

ثم نقول عمل الجوارح فالإيمان عمل الجوارح كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك من الأعمال الظاهرة.

إذن نخلص من هذا إلى أن الإيمان: قول وعمل، هذا عند الإجمال، عندما نفصل نقول: هو قول القلب وهو الاعتقاد والتصديق وقول اللسان وهو التلفظ بالنطق بشهادة أن لا إله إلا الله ثم نقول: وهو عمل القلب وهو العبادات القلبية كمحبة الله والخوف والرجاء وهو عمل الجوارح كالصلاة والحج وسائر الأعمال الظاهرة.

هذه العبارة التي عرفت عند المتقدمين، لكن الإمام الطحاوي -رحمه الله- جرى على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- على أن الإيمان هو إقرار باللسان وتصديق بالجنان، وليس الأمر كذلك، ليس الإيمان فقط هذا وذاك، بل الإيمان لابد فيه من عمل الجوارح، فمما أخذ على الطحاوي -رحمه الله- في هذه العقيدة أنه جرى على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أنهم جعلوا مسمى الإيمان يطلق على الإقرار باللسان وعلى التصديق بالجنان، وأخرجوا عمل الجوارح عن مسمى الإيمان، فعمل الجوارح هو من الإيمان، وهذا واضح بيِّن، فلما تقول: ما الدليل على أن عمل الجوارح من الإيمان؟ نقول: الأدلة على هذا كثيرة جدًا، منها قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾[البقرة: 143] والمراد بالإيمان ها هنا هو صلاتهم إلى بيت المقدس، فالصلاة -كما لا يخفى- عليكم، ولا يخفى على الجميع- أنها عمل ظاهر ركوع وسجود وقيام، فهذه الصلاة تعد عملًا من أعمال الجوارح، فسماها الشارع إيمانًا.

وهناك دليل آخر: عندنا حديث شُعَب الإيمان وكلكم يحفظ هذا الحديث، قال -عليه الصلاة والسلام-: (الإيمان بضع وستون شعبة) هكذا جاءت الرواية مجزوم بها، (بضع وستون، أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) فيلاحظ الجميع أنه جعل إماطة الأذى جعله من شُعَبِ الإيمان، ولا شك أن إماطة الأذى هو عمل من أعمال الجوارح.
أيضًا عندنا حديث أبي سعيد الخدري في إنكار المنكر قال -عليه الصلاة والسلام-: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) فلاحظوا أنه قال: (وذلك أضعف الإيمان) فجعل إنكار المنكر باليد وباللسان وبالقلب كله جعله إيمانًا، فإنكار المنكر باليد هو عمل ظاهر وهو من أعمال الجوارح.
والأحاديث في هذا كثيرة، منها أيضًا حديث وفد عبد قيس وهو من أصرح الأدلة في الرد على من أخرج عمل الجوارح من الإيمان، لما قال -عليه الصلاة والسلام- لهذا الوفد -وفد عبد قيس- قال: (أتدرون ما الإيمان؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) أخرجه البخاري ومسلم.
إذن نخلص من هذا إلى أن عمل الجوارح هو من الإيمان، أن عمل الجوارح هو من الإيمان، وأن ما قرره الطحاوي هو محل تعقيب ومحل نظر.
وحتى يتبين لكم أيها الإخوة -ومن يتابع هذه الحلقة- مفارقة أهل السنة لمن انحرف في باب الإيمان نشير إشارة عابرة إلى الذين خالفوا في هذه المسألة فنقول مثلًا: لما نقول: إن الإيمان هو قول عمل، وأنه قول اللسان لابد من قول اللسان، في هذا يتضح لكم بطلان مذهب طائفة تسمى "الماتريدية"، إذا قلنا أن الإيمان لابد فيه من قول اللسان، يظهر بطلان مذهب "الماتريدية" هؤلاء الماتريدية نسبة إلى "أبي منصور الماتريدي" وهؤلاء قالوا: إن إقرار اللسان هذا ركن زائد ليس بأصلي، فلم يلتفتوا إلى قول اللسان، وإنما جعلوه مجرد من أجل إجراء الحكم الظاهر، وهذا غير صحيح، قول اللسان له اعتبار، والشارع اعتبره؛ ولهذا نجد مثلًا ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية كلهم ينصون على أهمية ذلك، حيث يقول شيخ الإسلام: من لم يتكلم بالإيمان بلسانه مع القدرة فليس بمؤمن، يعني شخص قال: أنا أعتقد الإيمان في قلبي، أعتقد الشهادتين بقلبي، لكن أنا لن أنطق، هل هذا يعد مؤمنًا؟ الجواب: لا..، يعني شخص نصراني مثلًا دعوناه إلى الإسلام، وقال: أنا أعتقد الشهادتين بقلبي، لكن أنا لن أنطق بلساني، فهذا الشخص الذي لا ينطق بالإيمان لا ينطق بالشهادتين مع القدرة فهذا لا يُعد مؤمنًا، لا ظاهرًا ولا باطنًا، فينبغي التنبه لهذه المسألة.
إذن إذا قلنا: إن الإيمان قول باللسان بهذا يتضح لكم بطلان مذهب "الماتريدية" الذين لا يقيمون لقول اللسان اعتبارًا، وإنما يجعلونه مجرد ركن زائد وليس بأصل؛ ولهذا لاحظ النصوص تأمر بالقول: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا ﴾ [البقرة: 136] عندنا الحديث، حديث شعب الإيمان: (أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله) والشهادة لابد فيها من القلب واللسان معًا كما هو معلوم.
أيضًا حينما نقول: إن الإيمان لابد فيه من عمل الجوارح، إذا قلنا: لابد فيه من عمل الجوارح اتضح لنا مفارقة من؟ من الذي أخرج عمل الجوارح؟ الأحناف مرجئة الفقهاء، فإذا قلنا: إن الإيمان هو عمل الجوارح بهذا نكون فارقنا ما وقع فيه من الأحناف -رحمة الله عليهم- عندما أخرجوا أعمال الجوارح من تعريف الإيمان.
أيضًا لما نقول: إن الإيمان لابد فيه من عمل القلب، لابد من عمل القلب، لابد من محبة الله، لابد من الخوف، لابد من الخشية، لابد من الرجاء، إذا تقرر ذلك فنكون بذلك فارقنا أعظم الطوائف ضلالًا في الإيمان وهو طائفة "الجهمية" نسبة إلى شخص اسمه "جهم بن صفوان السمرقندي" فجهم هذا ضلاله مبين في مسائل كثيرة، والذي يعنينا ضلاله في هذه المسألة -مسألة الإيمان- إذ زعم الجهم أن الإيمان هو المعرفة فقط، فجعل الإيمان مجرد معرفة، وأخرج العبادات القلبية من تعريف الإيمان، وهذا كلام في غاية الفساد، كلام في غاية الفساد، إذا كان الإيمان مجرد المعرفة فعلى مذهب الجهم سيكون إبليس مؤمنًا؛ لأن إبليس يعرف أن الله -تعالى- ربه أليس كذلك؟ سيكون فرعون كذلك مؤمن على مذهب الجهم بن صفوان، فالإيمان لابد فيه من عمل القلب، وهذه قضية -أيها الإخوة- قضية هي محل اتفاق: أن الشخص إذا زال عنه عمل القلب زال عنه الإيمان بالكلية، يعني لاحظ الآن أهل النفاق هم يقولون: لا إله إلا الله بألسنتهم، يؤدون الأعمال الظاهرة، لكن انتفى عنهم عمل القلب، هم لا يحبون الله -سبحانه وتعالى-، يبغضون الله، يبغضون دين الله فكانوا كفارًا بل كانوا في الدرك الأسفل من النار، إذن لابد من عمل القلب وبهذا نكون فارقنا هذه الطائفة الطالة طائفة "الجهمية".
أيضًا لما نقول الإيمان لابد فيه من تصديق، ولابد فيه من عمل قلب أيضًا نكون فارقنا طائفة الكرامية الذين جعلوا الإيمان مجرد قول اللسان، الكرامية عكس الماتريدية، الماتريدية أهملوا قول اللسان وهؤلاء جعلوا الإيمان مجرد قول اللسان، فالكرامية جعلوا الإيمان هو قول اللسان نقول: لا.. هذا الكلام فاسد، إذا كان الإيمان مجرد قول اللسان فعلى هذا المنافق سيكون المنافق مؤمنًا، وهذا كلام ساقط كلام باطل، فالمنافق ليس مؤمنًا بنص الآية الكريمة التي سمعناها قبل قليل، قال -عز وجل-: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8].
إذن نخلص من هذا إلى أن الإيمان قول وعمل، فإذا قلنا: أن الإيمان هو عمل القلب بهذا نكون فارقنا الجهمية، وإذا قلنا الإيمان لابد فيه من قول لسان فارقنا من؟ من الذين أهملوا قول اللسان؟ الماتريدية، وإذا قلنا: أن الإيمان لابد فيه من قول القلب وعمل القلب فنكون فارقنا الكرامية الذين جعلوا الإيمان مجرد قول لسان، وإذا قلنا العمل لابد فيه من عمل الجوارح فيكون بهذا فارقنا مرجئة الفقهاء، طبعًا لا يظن ظان أن نجعلهم على حد سواء أليس كذلك؟ أعظم الناس ضلالًا -كما لا يخفى- هم الجهمية، أما الأحناف فهم لاشك أنهم أقرب إلى جمهور أهل السنة، وهم من أهل السنة، لكن حصل منهم هذه المخالفات؛ ولهذا نحن نقول: إن الإيمان قول وعمل عند جمهور العلماء؛ لأن الأحناف هم في الجملة من أهل السنة لكن وقع منهم هذه المخالفة التي أشرنا إلى الرد عليها في هذه العجالة.
يقول: بعض الشبه الذين يقولون بعدم زيادة الإيمان يقولون: إنه لم يرد في الكتاب ولا في السنة لفظ نقص الإيمان، ويقولون: إن الذي يزيد وينقص هو ما يترتب على التصديق، أما التصديق فهو لا يزيد ولا ينقص، فما وجه الرد عليهم؟.
طيب... يعني هو سؤالك مهم، لكن تأتينا مسالة زيادة الإيمان، ويأتينا أيضًا قول الطحاوي: (وأهله في أصله سواء) وسيأتي الجواب عن هذا السؤال إن شاء الله، فنجعله في وقته -إن شاء الله-.
يقول: ظهر من خلال شرحكم قبل قليل انتقاض للإمام الطحاوي فيما ذهب إليه من قوله: إن عمل الجوارح لا يدخل في الإيمان، فمثل هذه الانتقادات هل لها أثر أم أنها تؤثر على هذه العقيدة؟.
عندنا قاعدة ما أظن أحد يخفى عليه أنه كما قال الإمام مالك: «كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر» يعني النبي -عليه الصلاة والسلام- والعلماء كلامهم يرد عليه الخطأ، يرد عليه التعقيب، لكن تبقى هذه الرسالة على ما فيها من بعض المآخذ تبقى هي فعلًا هي رسالة تلقاها علماء أهل السنة بالقبول واعتنوا بها؛ ولهذا هي شرحت في هذا البرنامج الطيب، فنقول: هذه المآخذ التي وقع فيها الطحاوي سواءً هذه المسألة أو المسائل التي مرت بنا في بعض استخدامه للألفاظ المجملة، أو كما سيأتي فيما بعد، كلها أشياء لا تخرج هذه الرسالة، ولا تخرج المؤلف -رحمه الله- من دائرة أهل السنة والجماعة، وهذا نؤكد في هذا المقام على أمر يحضرني الآن: إنه أحيانًا بعض الناس يحصل عندهم شيء من التعجل في التبديع والتضليل والعكس أحيانًا، تجد بعض الناس أحيانًا يميع دين الله ويتساهل في اتباع السنة ويدخل في أهل السنة من هب ودب من أهل الأهواء والبدع، ينبغي التوسط في هذا، والذي ينبغي أن نذكره في هذا المقام أن الشخص أو الطائفة متى تكون مفارقة لأهل السنة؟
حرر ذلك الإمام الشاطبي في كتابه "الاعتصام" وبين أن الطائفة أو الشخص يكون مفارقًا لأهل السنة والجماعة إذا فارق أهل السنة في معنى، أو قاعدة كلية، فإذا فارقهم في معنى كلي أو في قاعدة كلية، فيكون مفارقًا لأهل السنة، كأن يفارقهم مثلًا فينكر الصفات مثلًا أو ينكر القدر أو يفارق أهل السنة في جزئيات كثيرة، هذه الجزئيات الكثيرة تتكاثر إلى أن تصل وتعادل أمرًا كليًا، أما أن الشخص أو الطائفة تفارق أهل السنة أو تخالف أهل السنة في مسألة من المسائل الجزئية أو أحد أفراد المسائل فهذا لا يخرج هؤلاء من دائرة أهل السنة والجماعة، هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة.
يقول: ما الفرق بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14]؟
السؤال الثاني: هل يجوز الدعاء قول: اللهم إني لا أسالك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه؟
السؤال الثالث: البعض يردد بيت شعر يقول: "على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب" هل هذا جائز؟.
نكمل وبعد ذلك نجيب.
عندنا هنا من الأشياء التي يحتج بها الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان من أبرز حججهم أنهم قالوا: إن الإيمان لغة هو التصديق، أن الإيمان يرادف التصديق، والتصديق لا يكون إلا بالقول والاعتقاد، لاحظ المقدمة، قال: الإيمان يرادف التصديق، والتصديق لا يكون إلا بالقول واللسان، إذن العمل خارج تعريف الإيمان، فالرد عليهم وأرد على هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: المنع يعني لا نسلم لكم أن التصديق يرادف الإيمان، فهم الآن يقولون: الإيمان يرادف التصدق فلا نسلم بهذا، ليس ثمة ترادف، وثمة فروق منها:
- من جهة اللغة: ففعل "صدق" يتعدى بنفسه يعني تقول مثلًا: صدقت فلانًا، هو الآن يتعدى بنفسه ما يحتاج إلى حرف جر، لكن "آمن" يحتاج إلى حرف جر، يتعدى بغيره، يعني تقول: مثل ما قال تعالى: ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ ﴾ إذن الآن "آمن" يتعدى بنفسه ولا بحرف الجر؟ ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ ﴾ تعدى بغيره، تعدى بحرف الجر، أو مثلًا تقول: "آمنت لفلان" فهنا فعل "آمن" يتعدى بغيره، أما فعل "صدق" فيتعدى بنفسه، إذن هذا مما يرد به عليهم من جهة دعوى الترادف.
- أيضًا من جهة أخرى: أن كل من أخبر عن أمر مشاهد أو مغيب فيقال: صدقت، شخص يقول مثلًا: "غربت الشمس" فيقال مثلًًا صدقت، أو يقول مثلًا: "الإسراء والمعراج حق" نقول: صدقت، فالتصديق يشمل التصديق بالأمور المشاهدة والمغيبة، أما الإيمان فيختص بالأمور المغيبة، فلو شخص قال: "الشمس طلعت" أو: "الشمس غربت" ما يقال له: آمنت، وإنما يقال: صدقت أو كذبت. فإذن فيه فرق بين الإيمان والتصديق وليس الإيمان يرادف التصديق.
- ومما يرد عليهم في جواب المنع: الإيمان ما الذي يقابله؟ الكفر، الإيمان يقابله الكفر. أما التصديق فيقابله التكذيب، فلما نقول: الإيمان يقابله الكفر، والتصديق يقابله التكذيب، ومر بنا قبل قليل أن الكفر هل هو التكذيب والجحود فقط؟ الجواب: لا..، فإذن مما يرد به عليهم في دعوى الترادف: أن الإيمان يقابله الكفر، وإذا قلتم: إن الإيمان هو التصديق، فالتصديق يقابله التكذيب، فيُرد عليهم في دعوى الترادف، ويقال: إن الكفر لا يختص بالتكذيب، وإذا كان الكفر لا يختص بالتكذيب، فالإيمان أيضًا لا يختص بالتصديق، لابد من التصديق، ولابد أيضًا من العمل، هذه كلها أجوبة على سبيل المنع، يعني نقول: نحن لا نسلم لكم أن الإيمان يرادف التصديق.
الوجه الثاني: وهو على سبيل التسليم، لو سلمنا على سبيل الفرض سلمنا لكم جدلًا، وصار الإيمان يرادف التصديق، فنقول: هذا تصديق لكنه تصديق مخصوص، خصه الشارع، فليس كل تصديق يُعد إيمانًا، الشارع خصَّ هذا التصديق، ومن التخصيص أن جعل العمل منه، إذن الشارع خصَّ هذا التصديق، وجعل العمل منه، من أين أخذنا هذا؟ أخذناه من الأدلة:
- فعندنا في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي جاء فيه قال -عليه الصلاة والسلام-: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، العينيان تزنيان وزناهما النظر...) إلى أن قال -عليه الصلاة والسلام-: (والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) هذا عمل ولا ليس عمل؟ هذا عمل.
- عندنا أيضًا في القرآن قبل هذا، لاحظ هنا لما ذكر الله -سبحانه وتعالى- قصة إبراهيم -عليه السلام- مع إسماعيل عليه السلام وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، لما جاء في الرؤية في قضية ذبح ابنه إسماعيل قال تعالى: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿104﴾ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ [الصافات: 104، 105] صدقها بماذا؟ بالكلام ولا بالعمل؟ بالعمل، هو أسلم وتله للجبين كما في الآيات.
- أيضًا الله -تعالى- قال: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23] فهم صدقوا بالقول والعمل.
- والعرب تقول: كتيبة صادقة، يعني صادقة في القتال وهذا كله عمل، عمل ظاهر.
إذن نحن نقول: تصديق مخصوص، وهذا التصديق المخصوص الذي خصه الشارع يدخل فيه العمل كما جاءت بذلك الأدلة.
يبقى عندنا مسألة، وهي من أهم المسائل في موضوع الإيمان، ألا وهي مسألة أصل النزاع. لماذا حصل الضلال وحصل الغلط في مسألة الإيمان؟ أصل النزاع في هذه المسألة، وعندنا طرفان، عندنا خوارج ومعتزلة يمثلون الغلو، وعندنا الطرف الآخر الذين هم المرجئة بشتى طوائفهم، ويمثلون التضييع والتفريط، هؤلاء كلهم -لاحظوا أيها الإخوة- هؤلاء وإن كانوا على طرفي نقيض إلا أن أصل نزاعهم واحد، فهذه الطوائف كلها تتفق على أصل فاسد في الإيمان، ما هذا الأصل الفاسد؟ كلهم يتفقون على أن الإيمان شيء واحد لا يتبعض، لا يتجزأ، هم يتفقون على هذا، وقالوا: الإيمان لا يتبعض، فمثلًا عند الخوارج والمعتزلة، قالوا: الإيمان لا يتبعض ولا يتجزأ، الإيمان شيء واحد، فالشخص إذا فعل كبيرة انتفى عنه الإيمان؛ لأنهم قالوا: إذا ذهب بعض الإيمان ذهب كله، فما عندهم الإيمان يتجزأ، يمكن يبقى بعضه ويذهب بعضه لا...، فهم يقولون: إن الإنسان إذا فعل معصية فإنه ينتفي عنه الإيمان؛ لأنه إذا ذهب بعض الإيمان يقولون: ذهب كله، هكذا يقول الوعيدية، والخوارج يخرجونه من الملة ويكفرونه، والمعتزلة يخرجونه من الإيمان.
المرجئة قالوا: لا..، الإيمان شيء واحد وهو التصديق، فالشخص إذا صدق فهو مؤمن، ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات أو فعل المحرمات، فهو مؤمن تام الإيمان.
الحق في ذلك، والصواب -الذي دلت عليه الأدلة أيها الإخوة أيها المشاهدون والمشاهدات-: إن الإيمان شعب متعددة، هكذا قال أعلم الناس بتعريف الإيمان -عليه الصلاة والسلام-، ماذا قال -عليه الصلاة والسلام-: قال: (الإيمان بضع وستون شعبة) يعني أنتم يا معشر المعتزلة والمرجئة أنتم أعلم أم النبي عليه الصلاة والسلام؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بضع وستون) هو ليس شعبة واحدة، وليس شيئًا واحدًا، بل هو شعب متعددة، فكيف تقولون: إن الإيمان شيء واحد؟
الإيمان شعب متعددة، كما سمعنا الحديث (أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى من الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) وهذه الشعب -كما نلحظ أيها الإخوة- إنها شعب متفاوتة متفاضلة، فلاحظ هنا قال: (أعلاه)، (أدناه).
إذن يجب أن تعلموا أن أهل السنة يدينون الله -تعالى- أن الإيمان شعب متعددة، وليس شيئًا واحدًا لا يتبعض ولا يتجزأ، لا..، ليس الأمر كذلك، بل الشخص إذا فعل معصية مثلًا، مثلًا فعل كبيرة من كبائر الذنوب أو شيئًا من صغائر الذنوب، فإنه ينقص إيمانه، ويفوته من الإيمان بقدر هذه المعصية، كما سيأتي في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، وإذا ترك واجبًا فكذلك، ينقص إيمانه، لكن ما يذهب الإيمان كله، يذهب الإيمان بالكلية، فيجب أن يتنبه إلى هذا، وهذا الذي جاء به الحديث، قال -عليه الصلاة والسلام-: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)، إذن الإيمان يتبعض، يتجزأ، ليس شيئًا واحدًا، فهذا تبعض إيمانه، ذهب كثير من إيمانه، وبقي عنده شعبة من الإيمان، كانت ذلك -أو كانت هذه المثقال ذرة من الإيمان- سببًا في خروجه من نار جهنم.
نوضح لكم هذا الكلام بشيء من البسط في مسألة شعب الإيمان، قلنا قبل قليل: إن شعب الإيمان أنها متفاضلة ليست على حد سواء، إذن فهمتم أن الإيمان ليس شيء واحد بل شعب متعددة، هذه الشعب متفاوتة متفاضلة:
النوع الأول: فمن شعب الإيمان ما هو شرط، وما هو لو تركه العبد لخرج من الملة، عندك شعبة شهادة أن لا إله إلا الله لو نقضها العبد، استهزأ بالله، استهزأ برسول الله -عليه الصلاة والسلام- مثلًا ذبح لغير الله، دعا غير الله، فهنا بهذا ترك شعبة من شعب الإيمان التي تخرجه من الملة، هذا الترك، وهذا النقض يخرجه من الملة.
إذن نخلص من هذا إلى أن من شعب الإيمان ما لو تركه العبد خرج من الإيمان وانسلخ من الإسلام، هذا نوع.
النوع الثاني: من شعب الإيمان ما لو تركه العبد فإنه ينتفي عنه كمال الإيمان الواجب، يعني شخص مثلًا لا يؤدي الأمانة، فهذا الشخص الذي لا يؤدي الأمانة والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (لا إيمان لمن لا أمانة له) وقال -عليه الصلاة والسلام-: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) فهذا الذي لا يؤدي الأمانة، فنقول: انتفى عنه كمال الإيمان الواجب، لكن لا يخرج من الملة، بل هذا من عصاة الموحدين، ومن أهل الكبائر.
النوع الثالث: من شعب الإيمان وهو المستحبات، بحيث أن العبد لو تركه فإنه يفوته كمال الإيمان المستحب، شخص ترك صلاة الضحى وهي من المستحبات، ترك إماطة الأذى عن الطريق فهذا يفوته كمال الإيمان المستحب، إذن شعب الإيمان متفاوتة منها ما لو تركه العبد خرج من الإيمان، ومنها ما لو تركه العبد فهو متعرض للوعيد وينتفي عنه كمال الإيمان الواجب، ومن شعب الإيمان ما لو تركه العبد فاته كمال الإيمان المستحب كالمستحبات المتنوعة المعروفة.
هذا ما يتعلق بهذه المسألة. اعذروني على الإطالة لكن موضوع الإيمان يحتاج إلى شيء من هذا البيان والله أعلم.
نرجع إلى سؤال الأخ الكريم: ﴿ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا ﴾ مر بنا الكلام عن آية ﴿ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا ﴾ مر بنا أنه ما جاء في آية الحجرات أن هؤلاء الأعراب انتفى عنهم الإيمان وثبت لهم الإسلام؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا ﴾ جاء الرد﴿ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14]، فالراجح أن هؤلاء القوم ليسوا بمنافقين، وإنما هم من أهل الإسلام، لكنهم لم يصلوا إلى درجة الإيمان المطلق، هذا الذي يظهر من هذه الآية والله أعلم.
يقول: ذكر أحد مشايخ الأكاديمية في هذا الأسبوع عن موضوع الحج فاستشهد -حفظه الله- بقول الله سبحانه: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ [المطففين: 15] وقال: أي أنهم محجوبون عن رحمة الله فما رأي فضيلتكم؟ السؤال الثاني: كلمة الكفر والشرك متى يشتركان ومتى يفترقان في المعنى؟.


يقول: دعاء "اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه" يسأل عن هذه المقولة أو هذا الدعاء؟.
بعض طلبة العلم يرى أن هذا الدعاء المتداول الذي يقوله بعض الناس: " اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه" فالبعض يقول: إن الدعاء يرد القدر، أليس كذلك؟ جاء في الحديث الذي مر بنا قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا يرد القدر إلا الدعاء) وجاء في الحديث الآخر: (أن الدعاء والبلاء يعتلجان) يعني يتجنب ذلك الدعاء، والحمد لله عندنا من الأدعية المشروعة ما فيه غنية، فالمقصود أنه لما يقول: لا أسألك رد القضاء، فيجب أن يعمل الإخوة أن الدعاء يرد القدر، وظاهر الدعاء هذا أنهم هم يقولون: إني لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه، فأنا أقول: نجيب بما أجاب به -عليه الصلاة والسلام-: (لا يرد القدر إلا الدعاء) و(أن الدعاء والبلاء يعتلجان) إلى آخر الحديث، فيتجنب هذا الدعاء والله أعلم.
أما العبارة التي يقولها "على كف القدر نمشي ولا نعلم عن المكتوب" يعني كوننا لا ندري عن المكتوب هذا أمر لا منازعة فيه، لكن نجري على كف القدر، يعني عبارة فيها شيء من التجوز، وإذا كان المقصود من ذلك: أن العباد تجري عليهم أحكام القدر أو كما يعبر ابن القيم: جريان أحكام القدر، فلا شك أن أحكام القدر تجري على الجميع، ونحن لا نعلم ما كتبه الله -تعالى- وقدره في اللوح المحفوظ.
يسأل عن قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ ويقولون: إن أحد المشايخ أفتى بأنه المراد الحجب عن رحمة الله؟.
والله الذي مر بنا يعني تذكره وقتها، مر بنا كلام الإمام الشافعي -رحمه الله- وأيضًا هو جاء أيضًا عن سفيان الثوري فيما أذكر من قبل أن الإمام الشافعي لما جاءته رسالته من الصعيد عن هذه الآية قال -رحمه الله- عبارة مشهورة قال: «لما حُجِبَ هؤلاء أو حُجِبَ أعداؤه عنه في حال السخط دلَّ على أن أولياءه يرونه في حال الرضا» فقوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴾ استدل بها أهل السنة على أن أهل الإيمان يرون الله -سبحانه وتعالى- هذا هو المنقول عن الإمام المطلبي الشافعي وأيضًا هو المنقول عن -فيما أذكر- عن سفيان الثوري واحتج به أهل السنة في كتب الاعتقاد في مسألة الرؤية.
أيضًا يسأل عن الكفر والشرك الفرق بينهما إذا اجتمعا وإذا تفرقا؟.
يعني الكفر والشرك إذا قلنا: الكفار بإطلاق فيدخل فيهم المشركون، وكذا إذا قلنا: المشركون يدخل فيهم الكفار، لكن إذا اقترن فبينهما فرق، فنقول: إن كلَّ مشرك كافر، وليس كل كافر مشركًا، فالذي يستهزئ بدين الله هذا كافر قال تعالى: ﴿ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴿65﴾ لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ [التوبة: 65، 66] لكن لا أعني بالضرورة أن يكون مشركًا، والعلماء كما يقول ابن حزم في "مراتب الإجماع" يقول: "أجمع العلماء على أن اليهود والنصارى كفار واختلفوا هل هم مشركون أم لا؟" فالذي يظهر أنهم عند اقترانهما يكون لكل واحد منهما معنى يخصه، ويكون الكفر أعم من الشرك، ويختص الشرك بمن صرف عبادة لغير الله أو أشرك في ربوبية الله أو إلهيته، وأما الكفر هو عدم الإيمان، سواءً كان تكذيبًا أو إباءً واستكبارًا أو إعراضًا أو شكًا أو نفاقًا كما مر بنا، هذا الذي أفهمه والله أعلم.
يقول: سئلت يا فضيلة الشيخ في الحلقة الماضية من أحد من الإخوة من يقول عن تحريف القرآن؟ فقلت: الروافض، هل كل فرق الروافض يزعمون أن القرآن محرف؟ وهل موقف علماء أهل السنة والجماعة ضد الروافض واحد؟ وما الفرق بين الروافض والشيعة؟.
نحن قلنا وقتها: إن الروافض يقولون بتحريف القرآن وهذا موجود في كتبهم، وهم ألفوا كتابًا يسمونه "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب" فهم يقولون بهذا، يمكن الدهماء والعامة أتباع كل ناعق قد لا يدركون ذلك، لكن الموجود في كتبهم والمنقول عن جملة من أئمة الضلال عندهم هم يقولون هذا، نحن لا نتقول عليهم، بل هذا موجود في كتبهم.
والأمر الآخر: قضية موقف أهل السنة من ذلك الموقف المتعين، وهذا ليس عند أهل السنة بل هو عند أهل القبلة كلهم، لما يأتي شخص ويطعن في القرآن ويقول بتحريفه، هذا من أعظم الكفر، ومن أعظم الكفر بأن يقال بتحريف القرآن، الله -تعالى- قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9] والطوائف التي ضلت قديمًا وقالوا: إن القرآن مخلوق، ما أحد تجرأ أن يقول: إن القرآن محرف، ما أحد قال هذا، حتى جاء هؤلاء الروافض، ومذهب الروافض كما ذكر المحققون من أهل السنة أن هذا المذهب أول من وضع بذرته عبد الله بن سبأ الذي أسلم نفاقًا، فالمذهب لا ينفك عن هذه الزندقة لما يأت شخص ويطعن في القرآن ويقول: القرآن محرف، ماذا بقي للأمة بعد قرآنهم، وماذا بقي للأمة بعد نبيها؛ لأن الروافض طعنوا في النبي -عليه الصلاة والسلام-، لما قالوا: إن أصحابه كلهم إلا عددًا قليلًا يعدون على أصابع اليد الواحدة أو أصابع اليدين، يقولون: جل هؤلاء الصحابة ارتدوا وكفروا، هذا طعن في النبي -عليه الصلاة والسلام- معناه: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي هو أكرم نبي أصحابه كلهم ارتدوا وكلهم كفروا، فالمقصود أن هذا أمر ظاهر في كتبهم ما نحتاج إلى أن نتردد في تقرير هذا المعنى، وهم يعترفون بهذا في كتبهم الموجودة بين أظهرهم.
يقول: ذكرتم في بداية الدرس أن هناك أنواعًا للكفر فهل نقول: إن من يترك مثلًا ترك الصلاة جحودًا وتهاونًا أليس هناك فرق بينهما يا فضيلة الشيخ؟.
لا شك أن ترك الصلاة إذا تركها جحودًا بالأمر في هذا واضح، يعني إذا تركها جحودًا فهو كافر بل من الفقهاء من قال: لو أنه جحد الصلاة وصلى فهو يُعد كافر؛ لأنه جحد وجوب الصلاة، لكن لما نقول: تركها تهاونًا وكسلًا هذا لا يتعلق بالجحود، وإنما يتعلق بعدم الإذعان عدم الانقياد، فالذي يترك الصلاة بالكلية ويقال له: صلِّ كما ذكر العلماء، يقال له صلِّ وإلا قتلناك مثلًا ويأبى، هذا لا يمكن أن يقع فيه مؤمن مُنقاد وخاضع لأمر الله -سبحانه وتعالى-، فالمقصود أن موجب تكفير تارك الصلاة تهاونًا وكسلًا الموجب لذلك ما جاء في الأدلة حديث بريدة حديث جابر -رضي الله عنهما- قال -عليه الصلاة والسلام-: (بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) وفي الحديث الآخر قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وهذا الذي يظهر والله أعلم.
يقول: توفي أحد الأشخاص من الجالية الإسلامية فلم يود البعض الصلاة عليه أو تغسيله؛ لأنه تارك للصلاة مفارق للجماعة، وهذا شيء مضر بسمعة المركز الإسلامي، فيسأل عن صحة هذا العمل؟.
كون مثلًا شخص مات وهو تارك للصلاة بالكلية، وأنت ظهر لك وتعرف أن هذا الشخص لا يصلي بالكلية، فالذي يظهر أنك تحكم عليه بما ظهر منه، فإن ظهر لك أنه لا يصلي ومات على ذلك، وأنت تدين الله -تعالى- أن تارك الصلاة هو كافر، فسيأتي معنا في كلام الطحاوي -رحمه الله- أن من أظهر الكفر فنعامله بما أظهر أو بما ظهر منه، لكن عامة أهل الإسلام الذين لا يعرفون هذا الرجل، ويرون أنهم من أهل الإسلام وأنه مستور الحال، فهم يعاملونه بما ظهر لهم، فينبغي أن نفرق بين حال شخص عرف هذا الرجل بأنه تارك للصلاة أو أنه مثلًا مستهزئ بالدين أو تلبس بشيء من أنواع المكفرات، فهذا الرجل الحكم بالنسبة له أن لا يصلي عليه، لكن بالنسبة إلى عامة المسلمين، كونه تقدم لهم هذه الجنازة باعتبارهم من أهل الإسلام فيصلى على مستور الحال، هذا الذي يمكن أن يقال، أما قضية أنه يضر بسمعة المركز، الذي يضر بسمعة المسلمين عندنا نجد أهل الإسلام لا يلتزمون بدين الله، كيف تقول: أنا مسلم ثم أنت تكون تارك للصلاة بالكلية منقطع الصلة بالله -سبحانه وتعالى-، والذي ينقطع صلته بالله -سبحانه وتعالى- من خلال الصلاة ماذا سيظن فيه من جهة التعامل مع الناس؟ من جهة الأخلاق؟ ومن جهة الابتعاد عن المحرمات؟ فالذي أضر بالمسلمين هو تهاونهم في التمسك بدين الله، وإلا الكفار لو يجدوا عندما يجدون المسلم المتمسك بدينه المعتز بدينه الكفار هم أول من سيحترمونه، والله المستعان.
يقول: هل عمل الجوارح شرط صحة أم شرط كمال في الإيمان؟.
ما يتعلق بعمل الجوارح يعني الذي يمكن أن نقوله كما حرره شيخ الإسلام -رحمه الله- ابن تيمية في كتاب "الإيمان" الكبير والأوسط، نقول: من الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا ثم يكون تاركًا للعمل بالكلية، شخص يقول: أنا مؤمن، ثم بعد هذا تجده ما من معصية إلا وقد فعلها، وما من واجب إلا وقد تركه، من الممتنع أن يكون مؤمنًا بناءً على التلازم بين الظاهر والباطن، في حديث النعمان بن بشير قال -عليه الصلاة والسلام-: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي: القلب) المقصود: أن الإيمان إذا استقر في القلب لابد أن يظهر على الجوارح، هذا هو مقتضى التلازم بين الظاهر والباطن، فعمل الجوارح هو شرط في صحة الإيمان، وليس شرط كمال وإذا كانت الصلاة وهي أحد أفراد عمل الجوارح هو شرط في صحة الإيمان كما سمعنا الحديث: (من تركها فقد كفر) فما بالك بجنس العمل، ولا نريد أن ندخل في جدال من كلمة "جنس العمل" لكن الذي يجب أن يكون واضحًا عند الجميع أن العمل هو شرط في صحة الإيمان، والمقصود به الجنس، أو كما سمعنا قضية كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- لما قرر أنه من الممتنع أن يكون الشخص مؤمنًا يقول: أنا مؤمن ثم تجده قد ترك العمل بالكلية، هذا لا يمكن، لا يمكن أن يكون الشخص مؤمنًا ويكون تاركًا للعمل بالكلية والله أعلم.
يقول: تمر بنا الأعياد أعياد النصارى منها عيد الفصح وغيره، وكثير من المسلمين يهنئون النصارى أو غيرهم؟ فهل هذا مشروع فضيلة الشيخ أو يجوز؟.
لا.. لا.. ليس مشروعًا، لا يجوز أن يُهنأ الكفار ولا أن يُشارك في أعيادهم، الله -سبحانه وتعالى- ذكر عباد الرحمن وذكر من صفاته قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ [الفرقان: 72] وذكر بعض المفسرين أن الزور هنا هو أعياد المشركين، فليس للمسلمين أن يشاركوا ولا أن يحضروا، ولا أن يحيوهم، ولا أيضًا أن يردوا التحية في تلك الأعياد، بل على المسلمين أن يمتنعوا عن حضور هذه الأعياد، فالأعياد كما يجب أن يعلم الجميع هي عبادات، والأعياد من جملة المناسك، والله -سبحانه وتعالى- جعل لهذه الأمة عيدين لا ثالث لهما: عيد الفطر وعيد الأضحى، فلا يجوز للمسلمين أن يشاركوا في تلك الأعياد، والمشاركة في هذه الأعياد تفضي إلى أنواع من الفساد العريض، وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- وقد عاش في الشام كيف أن جملة من المسلمين في القرن الثامن شاركوا في أعياد النصارى فوصل الأمر إلى أن يتلبسوا بشيء من عاداتهم الكفرية كالتعميد ونحو ذلك، وأيضًا حذر العلماء من ذلك، وأنذر الحافظ الذهبي في رسالة له، ونهى عن ذلك وزجر، فالمقصود الحذر من مشاركة الكفار في أعيادهم، سواء المشاركة أن تحضر، أو أن تهنئهم، لا تفعل ذلك كله. والله المستعان.

أسئلة الحلقة القادمة.

السؤال الأول: ما أصل النزاع في مسألة الإيمان؟

nary_jon
06-04-2008, 06:55 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس الرابع عشر : من قوله «وجميع ما صح عن رسول الله ... »

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)


الدرس الرابع عشر
من قوله «وجميع ما صح عن رسول الله ... »

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أما بعد:
نستأذن فضيلتكم بعرض إجابات أسئلة الدرس الماضي:

بالنسبة لسؤال الدرس الماضي كان عن أصل النزاع في مسألة الإيمان، أجاب الأخ الكريم بقوله: إن الإيمان لا يتبعض ولا يتجزأ عند الخوارج والمعتزلة، فإذا فعل الشخص كبيرة ارتفع عنه الإيمان؛ لأنه إذا ذهب بعض الإيمان ذهب كله، والخوارج يخرجونه من الملة ويكفرونه، والمعتزلة يخرجونه من الإيمان، والحق في ذلك أن الإيمان شعب متعددة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق... الحديث. إجابة الأخ صحيحة لكنها قاصرة من جهة أنه قال: إن هذا الأصل الفاسد "أن الإيمان لا يتبعض ولا يتجزأ" أنه عند الخوارج والمعتزلة، هو نعم عند الخوارج والمعتزلة لكنه أيضًا عند المرجئة، هذان الفريقان المتقابلان اتفقوا على هذا الأصل الفاسد وهو أن الإيمان لا يتبعض ولا يتجزأ.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وجميع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق، والإيمان واحد وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالخشية والتقى ومخالفة الهوى وملازمة الأولى).
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
نبدأ في هذه العبارة التي قالها الإمام الطحاوي -رحمه الله- لكن بقي عندنا مسألة لم نتعرض لها في الدرس الماضي، وهي مسألة: أن الإيمان يزيد وينقص، من المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهذا أمر ثابت في الكتاب والسنة، أما الزيادة: فقد قال -عز وجل- في محكم التنزيل: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ آل عمران: 173] وقال -عز وجل-: ﴿ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾ [المدثر: 31]، وقال سبحانه: ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ [الكهف: 18] هذه جملة من الأدلة القرآنية الدالة على أن الإيمان يزيد. وأيضًا من الأدلة على أنه ينقص حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- في شأن النساء إذ يقول -عليه الصلاة والسلام-: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي اللب من كن) فالإيمان يزيد وينقص والزيادة واضحة من خلال منطوق الآيات، وهو ينقص من خلال مفهوم هذه النصوص؛ لأن ما كان قابلًا للزيادة فهو قابل للنقص، وقد جاء التصريح بالنقص في حديث الذي سمعناه قبل قليل، هذا ما يتعلق بهذه الأدلة.
أيضًا عرف عن السلف هذا الأمر وأنهم حرصوا على تقريره، ومن ذلك ما جاء عن عمر الفارق -رضي الله عنه- أنه كان يقول: «هلموا نزدد إيمانًا» جاء عن معاذ بن جبل أنه كان يقول: «اجلس بنا نؤمن ساعة» وجاء عن عمار بن ياسر فيما أخرجه البخاري في صحيحه تعليقًا أن عمار -رضي الله عنه- قال: «ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان» وذكر هذه الخصال الثلاث: «بذل السلام للعالم، وإنفاق من إقتار، وإنصاف المرء نفسه».
أيضًا من الآثار التي نذكرها في هذا المقام، ما جاء عن عمير بن حبيب الأنصاري -رضي الله عنه- أنه قال: «الإيمان يزيد وينقص، فسئل عن ذلك، قال: إذا ذكرنا الله وسبحناه زادنا إيماننا، وإذا غفلنا ونسينا نقص الإيمان» أو كما جاء عنه -رضي الله عنه-.
فالمقصود أن الإيمان يزيد وينقص، وعلينا نحن معشر المسلمين والمسلمات أن نتفقد إيماننا، ورضي الله عن أبي الدرداء إذ يقول: «إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه أيزداد أم ينقص» فإذا كان الناس يتعاهدون أموالهم أو يتعاهدون أبدانهم، فلا شك أن الشخص يتعاهد إيمانه هذا آكد وأولى وأبقى، فعلى العبد أن يتفقد إيمانه ويحرص على أن يتزود من الصالحات، فالإيمان يزيد، وإذا زاد الإيمان وارتقى العبد في المقامات الرفيعة من مقامات الإيمان والإحسان فهذه الزيادة لا منتهى لها، وكذا أيضًا في المقابل أن الإيمان ينقص شيئًا فشيئًا حتى لا يبقى منه شيء؛ ولهذا كان سلفنا يقولون: المعاصي بريد الكفر، وسفيان بن عيينة كان يقول: الإيمان يزيد وينقص، فقال أخوه: ينقص؟ فقال سفيان -رحمه الله- قال: اسكت يا صبي الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء، فعلى المسلم وعلى المسلمة أن يحرص الجميع على التزود من الطاعات والإقلاع عن السيئات، فالسيئات تحبط وتنقص العمل، وعندما نقول: إنها تحبط العمل، فالمراد أنها تحبط شيئًا من الأعمال، لا.. أنها تحبط جميع الصالحات، فالذي يحبط جميع الصالحات هو الشرك بالله -سبحانه وتعالى- قال -عز وجل-: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ [المدثر: 65]، وإذا كان -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114] فكذا في المقابل السيئات قد تبطل الأعمال الصالحة، والله تعالى قال: ﴿ لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى ﴾ [البقرة: 264] وفي الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: (من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) وهذا نعم حبوط مقيد ليس حبوطًا مطلقًا، فأهل السنة يقولون كما بين ذلك الحافظ ابن رجب في فتح الباري أن الحبوط المقيد يقع من خلال جملة من السيئات إذا فعلها العبد فقد تحبط شيئًا من حسناته، خلافًا للخوارج الذين يرون أن العبد إذا فعل سيئة فإن هذا يحبط جميع حسناته.
المقصود أن على العبد أن يحذر من السيئات فهذه السيئات تنقص الإيمان وتضعف إيمانه كما سمعنا من خلال هذه الآثار السابقة.
العبارة التي سمعناها قبل قليل من كلام الإمام الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (وجميع ما صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من الشرع والبيان كله حق) في هذا رد على أهل الكلام ونحوهم ممن لا يأخذون بخبر الآحاد، والأخبار التي جاءت عنه -عليه الصلاة والسلام- إما أن تكون متواترة رواها جمع كثير تستحيل العادة تواطؤهم على الكذب وإما أن يكون خبر آحاد، وخبر الآحاد هو ما لم يكن متواترًا، فخبر الآحاد علينا أن نقبله إذا صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كما قال الطحاوي -رحمه الله-: (وجميع ما صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-) فإذا بلغنا وبلغكم الحديث علينا أن نتبع وأن نلتزم وأن نصدق فعلينا أن نعمل به، فالعمل بخبر الآحاد متعين سواءً كان ذلك في الأحكام أو كان ذلك في العقائد وأصول الدين، هذا أمر.
كون خبره آحاد يفيد العلم أم لا يفيد العلم هذه فيها كلام مبسوط في موضعه والذي نقوله في هذه العجالة أن خبر الآحاد يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول، خبر الآحاد يفيد العلم إذا تلقته الأمة بالقبول، كأن يكون الحديث مثلًا في الصحيحين أو نحو ذلك لكن سواء قلنا إنه يفيد العلم باعتبار القرائن التي احتفت به كأن تتلقاه الأمة بالقبول أو قلنا إنه يفيد الظن يبقى أن العمل متعين يجب أن نعمل به وأن نحتج به، فخبر الآحاد يُعمل به ويُحتج به ما دام أنه ثبت عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.
بعدها قال عندكم: (وجميع ما صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من الشرع والبيان كله حق) نعم، سواءً كان شرعًا أو كان بيانًا فكله حق؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لا ينطق عن الهوى، قال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7] هنا في مسألة الشرع والبيان بين الشارح ابن أبي العز -رحمة الله عليه- أن الشرع هنا الذي هو الشرع ابتداءً وأنتم تعرفون أنه -عليه الصلاة والسلام- في سننه وفي أقواله وأفعاله أحكامًا تزيد عما جاء في كتاب الله -عز وجل-، فهذا هو شرع ابتدائي، يعني يكون هذا الشرع ابتداؤه من عنده -عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق عن الهوى، والبيان وهو أنه -عليه الصلاة والسلام- يبين ما أجمل في القرآن، فالسنة تبين القرآن وتفصل مجمله وتقيد مطلقه كما هو معلوم. هذا ما يتعلق بهذه العبارة.
يبقى معنا العبارة الأخيرة التي سمعناها لما قال: (والإيمان واحد وأهله في أصله سواء)، أما قوله -رحمه الله-: (والإيمان واحد) فقد مر بنا أن الإيمان ليس شيئًا واحدًا لا يتبعض ولا يتجزأ بل الإيمان شعب متعددة وشعب كثيرة كما في حديث شعب الإيمان قال -عليه الصلاة والسلام-: (الإيمان بضع وستون شعبة) فليس الإيمان شيئًا واحدًا كما سمعنا من عبارة الطحاوي بل الإيمان شعب متعددة.
أيضًا لما قال -رحمه الله-: (وأهله في أصله سواء) مراده -رحمه الله- أن أهله أي أهل الإيمان، أن أهل الإيمان في أصله سواء، سواء في أصل الإيمان الذي هو التصديق على حد سواء، فظاهر العبارة أن الطحاوي -رحمه الله- يجعل أهل الإيمان كلهم في أصل الإيمان الذي هو التصديق على حد سواء، فيجعلهم في التصديق على حد سواء، هكذا تفهم عبارة الطحاوي (وأهله في أصله سواء)هو الآن يقول: إن أهل الإيمان في التصديق على حد سواء، هل هذا الكلام صواب؟
ليس الأمر كذلك، ليس هذا صوابًا فالناس وأهل الإيمان ليسوا في التصديق على حد سواء، فعندنا نقول مثلًا: تصديق أبي بكر -رضي الله عنه- أو تصديق عمر -رضي الله عنه- أو تصديق عثمان أو علي -رضي الله عنهم أجمعين- تصديق هؤلاء ليس كتصديق سائر الصحابة، وتصديق سائر الصحابة ليس كتصديق التابعين وهكذا، وتصديق عباد الله الصالحين ليس كتصديق المقصرين المفرطين، فالمقصود أن الناس في التصديق يتفاوتون، وليسوا على حد سواء، ما الذي جعل بعض العلماء كالطحاوي -رحمه الله- يظنون أن الناس يتساوون في التصديق؟
سبب هذا الوهم، أو هذا الظن أنهم نظروا إلى التصديق مجردًا من كل قيد، فلما تقول: التصديق، هكذا فهذا التصديق إذا جاء هكذا مطلقًا دون إضافة إلى شخص نعم يبقى التصديق واحدًا ويبقى التصديق محل تساوي لكن إذا جئنا إلى الواقع وما هو خارج الذهن هذا التصديق لابد أن يضاف إلى شخص أليس كذلك؟ لما نقول: تصديق زيد تصديق عمرو تصديق أبي بكر -رضي الله عنه-، فعندئذ هذا التصديق إذا كان خارج الذهن، فالناس فيه ليسوا على حد سواء.
فباختصار شديد أن الطحاوي -رحمه الله- ظن أن ما في الذهن من جهة تساوي الناس في التصديق ظن ذلك الذي في ذهنه ظن أنه موجود أنه خارج الذهن، فهنا قد الإنسان في ذهنه يفترض أن الناس في التصديق على حد سواء، هذا قد يظنه في ذهنه، مثل ما نقول مثلًا: الناس كلهم يشتركون في الإنسانية، واضح الآن هذا إنسان وهذا إنسان لكن هذا الاشتراك أين يكون؟ الاشتراك هذا يا إخوان في الذهن، لأننا لما نقول: إنسانية هذه في الذهن، حتى تكون موجودة في الخارج خارج الذهن موجودة في الواقع لابد أن نضيفها، فنقول: إنسانيتك أنت يا أحمد، إنسانيتك أنت يا زيد، إنسانيتك أنت يا عبد العزيز، لما نقول: إنسانية عبد العزيز أو إنسانية زيد.
فإذن كل إنسان له إنسانية تخصه ولا تساوي غيره؟ نعم كل إنسان له إنسانية تخصه وهكذا، فالمقصود أن هذا التصديق الناس فيه على حد سواء إنما هو في الذهن، لكن خارج الذهن إذا أردنا أن يكون هذا التصديق خارج الذهن لابد أن نضيفه ولابد أن نقيده، فإذا أضفنا وقيدنا وقلنا: تصديق زيد تصديق عمرو فالناس ليسوا في التصديق على حد سواء وذكرنا لكم، هل أحد يقول: إن تصديق أبي بكر مثل تصديق مسلمة الفتح؟ ولا الذين أسلموا متأخرين؟ لا..، أبدًا، أيضًا لما تأتي إلى عالم راسخ في العلم هل تصديق هذا العالم الراسخ مثل تصديق مثلًا الفجرة أو الفسقة أو المبتدعة؟ لا.. ليسوا على حد سواء، هذا الذي يمكن أن يقال في معنى هذه العبارة.
يقول: إن كثير من الفئات والفرق الضالة المبتدعة سبب وقوعها في الابتداع هي عرضها للأدلة على العقل، فإن وافق العقل أقروه وإن خالفه نفوه أو أولوه، هل نقول يا شيخ إن العقل ليس له أصل في ما يتعلق بالأمور العقدية وأن مرد الأمور العقدية إلى النص فقط؟.
يعني سبق أن مر بنا أن أهل السنة والجماعة يحتجون بالعقل لا كما يتوهمه البعض أن أهل السنة لا يحتجون بالعقل، لكن أهل السنة لا يقدمون عقولهم على النص، والأصل كما مر بنا أنه لا يمكن -أيها الإخوة الكرام- لا يمكن أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، إذا ثبت الحديث عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فلا يمكن أن يعارض ما ثبت في صريح العقل، فهذا يتفق مع هذا، هذا يوافق ذاك.
هذا على الإطلاق فضيلة الشيخ.
أي نعم، على الإطلاق أبدًا على الإطلاق، إنه حصل من يتوهم التعارض فهنا نقول فيه إشكالية أن الشخص إما يكون عنده قصور، فعندما يتوهم التعارض فعندئذ لابد أن نقدم النص؛ لأن النص الدليل الذي في الكتاب والسنة هذا محفوظ ومعصوم والعقل ليس كذلك، العقل يعتريه ما يعتريه، والنقل ثابت أليس كذلك؟ والعقل يتغير، يعني ما قد تظنه معقول اليوم، قد لا يكون كذلك، فالمقصود أن النقل يتفق مع العقل النقل الصحيح يتفق مع العقل الصريح، والأمر الآخر: أن هؤلاء الذين ذكرتهم من أهل البدع ومن أهل الكلام على سبيل الخصوص، مصيبة القوم أنهم ظنوا التعارض، أن التعارض واقع لا محالة، فعندئذ قدموا عقولهم، ولا الأصل ما فيه تعارض، وإذا توهم التعارض فيقدم النقل، فهؤلاء مصيبتهم أنهم توهموا التعارض هذا أمر، والأمر الثاني: أنهم لم يعظموا النص، والله لو كانوا يعظمون النص لقدموا كلام الله وكلام النبي -عليه الصلاة والسلام- على عقولهم، فينبغي أن يتنبه إلى موطن الزلل عند هؤلاء أنهم توهموا التعارض هذا أولًا، وثانيًا: أنهم لم يعظموا النصوص الشرعية حق تعظيمها، ولم يقدروا النصوص الشرعية حق قدرها، هم يظنون أن النصوص الشرعية أنه ليس فيها براهين، وليس فيها أدلة عقلية، ليس الأمر كذلك، الآن لو جئت لنصوص القرآن والسنة فيها أدلة عقلية، فيها أدلة برهانية، لكن أهل الكلام أعرضوا عن القرآن فظنوا أن القرآن مجرد أخبار فقط وليس فيه براهين ولا أدلة عقلية.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن).
هذه العبارة (والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن) نتحدث عن موضوع الولاية من خلال المسائل التالية:
أولًا: تعريف الولاية، ما تعريف الولاية؟ طبعًا نحن نضبطها تعريفة الوَلاية بفتح الواو؛ لأننا إذا قلنا الوِلاية بالكسر فهذه هي الإمارة، وحديثنا عن الوَلاية بفتح الواو، الوَلاية هي المحبة والنصرة والقرب، هذه من معاني الوَلاية في لغة العرب، الوَلاية: المحبة النصرة القرب، فإذا قلنا: فلان ولي الله، أي: أنه يحب الله وأن الله -تعالى- يحبه، وهو ولي الله؛ لأنه قريب من الله -سبحانه وتعالى-، هذا ما يتعلق بمعنى الوَلاية.
ثانيًا: الأمر أيضًا في هذه المسألة الله -سبحانه وتعالى- كما قال عن نفسه، قال -عز وجل-: ﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54]، فإذا قلنا: فلان هو ولي الله، فمعناه: إن الله -تعالى- يحبه، وهذا المؤمن بطبيعة الحال أيضًا هو يحب الله -عز وجل-، فالوَلاية من الجهتين: إن الله -تعالى- يحب المؤمنين ويتولاهم، والمؤمنون أيضًا هم يحبون الله -تعالى- ويتولونه، قال -عز وجل-: ﴿ اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة: 275] فأيضًا جاء في آية أخرى قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11] فالمقصود أن الوَلاية والمحبة من الطرفين من الجهتين، فالله تعالى يحب المؤمنين ويحب أولياءه المتقين، وأيضًا أهل الإيمان وأهل الوَلاية يحبون الله -عز وجل- لما لهم من الأسماء الحسنى والصفات العلا ولما أنعم عليهم من نعم لا تُعد ولا تحصى، هذا أمر.
مما يُذكر في هذا المقام في موضوع الوَلاية وهو أصح حديث في الوَلاية وهو الحديث الذي أخرجه البخاري في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (يقول الله -تعالى-: من عادا لي وليًا فقد آذنته بالحرب) أو في رواية: (فقد بارزني بالمحاربة) (من عادا لي وليًا فقد آذنته بالحرب) ثم قال تعالى: (وما تقرب عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) ثم قال تعالى: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه) أخرجه البخاري أو كما قال -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-.
إذن انتهينا من المسألة الأولى وهي معنى الوَلاية، ننتقل إلى المسألة الثانية، وهي: شرط الوَلاية، ما شرط الوَلاية؟ شرطها ذكر في قوله تعالى: ﴿ أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62، 63]، فشرط الوَلاية الإيمان والتقوى، فمن كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا.
الأمر الثالث في موضوعنا هذا: نحب أن نشير إلى أن هناك ولاية منفية عن الله وهي: ولاية الحاجة والافتقار، فالله -سبحانه وتعالى- عندما يتولى المؤمنين ويحبهم ليس عن افتقار وليس عن حاجة تعالى الله عن ذلك بل هذا تكرم وإحسان وتفضل ومنة منه -عز وجل-، فولاية الحاجة والافتقار منفية عن الله، والدليل على هذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 111]، لاحظ هنا قال: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ﴾ فإذن هناك ولاية منفية وهي ولاية الذل والافتقار، والله -سبحانه وتعالى- عندما يتولى عباده ويحبهم إنما هو تكرم وتفضل وإحسان وليس عن حاجة ولا افتقار.
المسألة الرابعة وهي من المسائل المهمة: هل يجتمع في المسلم موجب الوَلاية وموجب العداوة؟ يعني هل هذا المسلم يمكن أن الله -تعالى- يحبه من جهة ويبغضه من جهة أخرى؟ نقول: نعم، فقد تجد ذاك المسلم الذي يصلي ويفعل جملة من شعائر الإسلام وآدابه لكن عنده شيء من المعاصي والذنوب، فإن الله -عز وجل- يحب هذا المسلم؛ لأنه يصلي ولأنه يصوم ولأنه يؤدي هذه الشعائر الإسلامية الظاهرة، وأيضًا هو -عز وجل- يبغضه على ما تلبس به من معصية فيجتمع فيه موجب أو سبب الولاية وسبب العداوة، كذلك أيضًا نحن في تعاملنا مع أهل الإسلام أيضًا نحن نحبهم ونواليهم على قدر طاعتهم وعلى قدر استقامتهم وأيضًا نبغضهم على قدر معصيتهم وتقصيرهم في حق الله -سبحانه وتعالى-.
أختم أن الأولياء الصالحون هذا شرطهم والأولياء الصالحون هم طبقات أو درجات: منهم أصحاب اليمين، ومنهم السابقون، فالسابقون أعلى مقامًا من أصحاب اليمين، وإن شئت نقول: كما في الآيات الأخرى السابقون هم المقربون، وأصحاب اليمين هم الأبرار، فهم ليسوا على درجة وحدة.
وأمر أخير أن الأولياء ليسوا في طبقة معينة في صنف معين من الناس فقد يكون الأولياء من العلماء وقد يكونون من الصناع، قد يكونون من أصحاب التجارات، قد يكونون من عامة الناس، فمن كان فيه هذا الشرط شرك الإيمان والتقوى فهو من أولياء الله والله أعلم.
تقول: ذكرت في محاضرة أمس أن من ترك صلاة الضحى انتفى عنه كمال الإيمان المستحب، فما هي المميزات والصفات التي يجب توافرها في الشخص حتى نحكم عليه أنه كامل الإيمان ولا ينتفي من إيمانه شيء؟ يعني هل إنه إذا قام بالنوافل والسنن أم أن هناك مميزات أخرى يجب أن يتصف بها؟
السؤال الثاني: ما الفرق بين الرافضي والشيعي؟.
هو لا شك مثل ما سمعنا أن الذي ترك صلاة الضحى ينتفي عنه ما نقول ينتفي نقول بعبارة أدق، نقول: يفوته كمال الإيمان المستحب، لكن الشخص لا يمكن أن يقطع لا في حق نفسه ولا في حق غيره أن يقول: إن فلان هو مؤمن بمعنى أنه حقق الإيمان المطلق أو الإيمان التام؛ ولهذا سلفنا الصالح عندما يراد الإيمان المطلق أو الإيمان الكامل كانوا يستثنون في إيمانهم، يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فما أحد يجزم لا في حق نفسه ولا في حق غيره أنه مؤمن بإطلاق بمعنى الإيمان المطلق الإيمان الكامل، فنحن لو سألنا أي واحد منا الآن: هل أنت تؤمن بالله وملائكته؟ قال: نعم، لكن لو سألناه: هل أنت الآن أديت صلاة العصر على وجه التمام والكمال؟ هل أديت العمل كما يجب من إخلاص ومتابعة؟ يعني يقع التقصير، فالإنسان يقول: أرجو، فالمقصود أننا لا نجزم في حق أنفسنا ولا في حق غيرنا بالإيمان، لا نقول مثلًا فلان نقول: هذا مؤمن، إذا أريد الإيمان المطلق التام فلا نقول عن فلان هو مؤمن؛ لأن الإيمان المطلق لا يجزم الإنسان أن يصف نفسه به بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فإذا قيل له: هل أنت من المؤمنين المذكورين في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾[الأنفال: 2]، فيقول: أرجو إن شاء الله منهم، لكن يقول: أنا منهم ويقطع فهذا القطع فيه تزكيه للنفس وفيه جزم بأنه حقق الإيمان المطلق، لكن الشيء العملي الذي يهمنا أن على الإنسان أن يستكثر من العمل الصالح، وأن يشتغل بما ينفع والله -سبحانه وتعالى- إذا علم من العبد الصدق أنه لجأ إليه فالله -سبحانه وتعالى- يوفقه للصالحات، والله أعلم.
أيضًا تسأل عن الفرق بين الرافضي وبين الشيعي؟.
يعني هو على كل يبدو أن الفرق بينهما يمكن أن نقول: بينهما عموم وخصوص، فالشيعة أعم من الرافضة هذا أمر، والأمر الآخر الذين يمكن يقال: إذا أطلق الشيعة فهو ينصرف إلى الرافضة من جهة أن الرافضة هم جمهور الشيعة غالبية الشيعة الموجودين في القديم والحديث هم من الرافضة، نعم الشيعة منهم الزيدية ومنهم الكيسانية، ومنهم رافضة، لكن الأعم الأغلب وجمهور الشيعة هم من الرافضة، فيمكن نقول: بينهما عموم وخصوص من جهة، لكن إذا أطلق الشيعي عند الإطلاق ينصرف إلى الرافضة باعتبار أنهم هم الجمهور والأعم الأغلب.
يقول: كيف ينمي المسلم جانب التسليم في شخصيه؟ وجانب الإيمان بالغيب وخاصة في هذا العصر المادي؟.
الحديث عن هذا يطول، وسبق أن مر بنا إشارة لكن إذا أردنا ذلك لابد من تعظيم النصوص الشرعية، لابد من الانقياد، الثقة بهذا الدين فنقول: تعظيم النصوص الشرعية ألا نستشكل النص، نستشكل أفهامنا، نستشكل أذهاننا، فالتصديق وإثبات قدسية النص وتعظيمه وإجلاله هذا الذي يحقق هذا التسليم، أيضًا كذلك لما يستصحب العبد أن هذا النص القرآني هو من عند الله العليم الحكيم الذي له الأسماء الحسنى وصفات الكمال والجلال عندما يستصحب العبد أن هذا هو كلام الله، وأن هذا كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق عن الهوى، إذا استصحب العبد ذلك زاد ذلك تعظيمًا وتسليمًا لهذه النصوص.
الأمر الآخر أننا لما ننظر إلى الذين يعارضون النصوص الشرعية ماذا جنوا؟ لم يحصلوا لا علمًا نافعًا ولا عملًا صالحًا بل هم في حيرة وشك، ذكرنا أمثلة أهل الكلام في القديم ومن شابههم من طوائف الضلال في هذا العصر كيف أن الحيرة استحوذت عليهم؟ كيف أن الشك غلب عليهم؟ كل ذلك لأنهم عارضوا النص ولم يسلموا لهذا النص. هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة أعلم.
يقول: الوَلاية فيها عموم وخصوص، الحديث يقول: (من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) المؤمنون كلهم أولياء، فإذا آذى أحد منهم الآخر هل يدخل في الوعيد الذي في الحديث؟.
لا..، هو الكلام الذي تشير إليه فيه كلام لابن القيم في "بدائع الفوائد" أن ابن القيم يرى أن الوَلاية عندنا ولاية خاصة وعامة، الوَلاية العامة هذه يمكن أن تطلق على المؤمنين كلهم، فكل مؤمن مهما قَصَّرَ فله حق من حق الإسلام والله تعالى يحب هذا المسلم على قدر إيمانه وعلى قدر إسلامه، لكن الكلام هنا يبدو لي في المسألة التي عندنا هي فيما يتعلق بالوَلاية الخاصة، وهذا الذي يبدو من ظاهر الحديث: (من عادا لي وليً) لأن هنا لاحظ الولي الذي ذكر ذكرت صفاته في الأخير لما قال: (كنت سمعه الذي يسمع به) ما معنى سمعه؟ يعني هذا الولي، هذا العبد الصالح، التقي النقي هو إن نظر فهو لا ينظر إلا إلى ما يرضي الله، هذا معنى (كنت سمعه) وأيضًا إذا سمع لا يسمع إلا ما يحبه الله، وإن مشى فهو لا يمشي إلا في طاعة الله، وإن ضرب فهو لا يضرب إلا في سبيل الله وفي ذات الله -عز وجل- فيبدو أن الوَلاية هنا تتعلق بالوَلاية الخاصة؛ ولهذا شيخ الإسلام تكلم عن مسالة: هل يقال عن فلان أنه ولي؟ وهي واضحة أنها الكلام عن قضية الوَلاية الخاصة، فذكر أنه مثل العشرة المبشرين بالجنة يقطع لهم بذلك، أو مثلًا جاء الكلام في قضية عالم إمام مثل الإمام ابن المبارك أو سفيان الثوري أو الإمام أحمد أو الشافعي ونحوهم، هؤلاء الذين أئمة كبار وصار لهم قبول ومحل ثناء هؤلاء يشهد لهم، فشيخ الإسلام قال: فيه نزاع، قال: والأشبه يعني لا حظ الآن قال: والأشبه أن يشهد لهم، فالمقصود أن الوَلاية الخاصة لا يمكن القطع بها، لأن الولاية الخاصة فيها معنى القرب، وما أحد يقطع لشخص بعينه أو لنفسه بأنه قريب من الله -سبحانه وتعالى-، لكن لما تقول: الإيمان، يعني الإنسان يقطع بأنه مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، هذا الذي يبدو لي والله أعلم، ويمكن أن ترجعوا لها في "بدائع الفوائد" تكلم عنها الوَلاية العامة والوَلاية الخاصة.
يقول: ما الفرق بين الوَلاية عند أهل السنة وعند غيرهم من الفرق؟ لأن بعض أهل الفرق يظنوا أن من تجري على يديه خوارق العادات أو الأشياء الغريبة أنه يكون وليًا لله هل هذا صحيح؟.
لو رجعنا إلى ما ذكره بعض المحققين ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان" نجد فعلًا المفارقة بين معنى الوَلاية عند أهل السنة المحضة وبين معنى الوَلاية عند أرباب الطرق الصوفية، ويبدو أنك تشير إلى ذلك، فنحن نقول: الولي ليس معصومًا كما يقول البعض، الولي يرد عليه الخطأ يرد عليه العصيان، يرد عليه التفريط؛ ولهذا سئل بعضهم هل الولي يفعل كذا؟ الولي يقع مثلًا في الفاحشة؟ فقال بعض السلف كالجنيد لما سئل هذا السؤال أجاب هذا الجواب الحكيم: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38] فنحن لا ندعي العصمة أو أن الأولياء لهم عصمة سواء قيل بالعصمة أو قيل بأنهم محفوظين فالولي يرد عليه ما يرد من الخطأ والزلل والأمر الثاني: أن مقام الوَلاية لاشك أنه دون مقام النبوة، مصيبة بعض الغلاة أنهم غلو في الأولياء ومنهم من فَضَّلَ الأولياء على الأنبياء كحال ابن عربي الصوفي الضال، الأولياء هم متبعون الرسول -عليه الصلاة والسلام- هذا أمر، أما يدعي أن الأولياء لهم خوارق وأنهم يتصرفون في الكون، أبدًا الذي يتصرف في الكون هو الله -سبحانه وتعالى- وإن وقع على أيديهم شيء فهو شيء من كرامات الأولياء التي يجريها الله -تعالى- على أيديهم وموضوع كرامة الأولياء سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله- فيما يستقبل.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: ( والإيمان‏:‏ هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وحلوه ومره من الله تعالى، ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله ونصدقهم كلهم على ما جاءوا به).
على كلٍ الكلام على هذا ليس مشكلًا واضح، الكلام هنا إشارة وتأكيد على قضية أركان الإيمان الستة التي ذكرها -رحمه الله- وسبق أن مر بنا الكلام فيها، مر بنا الكلام في القدر وجملة من مسائله، هنا قال بعد هذا: (ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله) وهذا مر بنا أيضًا، أنه يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل كما قال تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ [البقرة: 285] فيجب علينا أن نؤمن بالرسل جميعًا، ومن آمن ببعض وكفر ببعض فهذا هو الكافر حقًا كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ [النساء: 115]. هذه المسائل سبق أن مر بها فنتجاوزها.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وأهل الكبائر من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر -عز وجل- في كتابه: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، وإن شاء عذبهم في النار بعدله ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، وذلك بأن الله -تعالى- مولى أهل معرفته ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته الذين خابوا من هدايته ولم ينالوا من وَلايته، اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسكنًا بالإسلام حتى نلقاك به).
نسأل الله -تعالى- لنا ولكم الثبات، ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: 8] هنا قال -رحمه الله-: (وأهل الكبائر من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في النار لا يخلدون) هذه العبارة لما يقول: إن أهل الكبائر لا يخلدون هي رد على الخوارج والمعتزلة والزيدية ونحوهم ممن يقطع بتخليد العصاة، ويحكمون بأن العصاة عصاة الموحدين أهل الكبائر أنهم مخلدون في نار جهنم، الطحاوي -رحمه الله- يقرر مذهب أهل السنة أن أهل لا يخلدون في جهنم ويرد على أهل الوعيد الوعيدية من خوارج ومعتزلة وزيدية ونحوهم ممن يقولون بأن العصاة أو أهل الكبائر مخلدون في نار جهنم.
يبقى الفرق بين الخوارج والمعتزلة أشرنا إليه لكن نؤكد عليه: أن الخوارج يجعلون مرتكب الكبيرة كافرًا في الدنيا وهو مخلد في نار جهنم، أما المعتزلة فهم يقولون: إن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين وفي نفس الوقت يحكمون عليه بالتخليد في نار جهنم، هذا أمر.
تبقى هنا العبارة التي سمعناها أنه قال: (وأهل الكبائر من أمة محمد -عليه الصلاة والسلام-) تعقب الشارح هذه العبارة، وقال: إن الأحاديث عامة أن أهل الكبائر سواءً كانوا من أمة -عليه الصلاة والسلام- أو من سائر الأمم؛ لأن الحديث عام، فالحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) يعني هذا نقول قوله: (وأهل الكبائر من أمة محمد) هذه الجملة (من أمة محمد) هذا قيد لا مفهوم له، يعني لا يفهم من هذا أن هذا قيد معتبر قيد حقيقي لا.. هذا لا مفهوم له، ويشهد لذلك -كما ذكر أيضًا ابن أبي العز-: أن في جملة من النسخ أو بعض نسخ الطحاوية نفسها لم تذكر هذه العبارة، يعني في بعض نسخ العقيدة الطحاوية جاءت العبارة هكذا: (وأهل الكبائر لا يخلدون).
بعدها قال: (إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين) وإلا لما قال: (بعد أن لقوا الله عارفين) فيه تعقيب لطيف من ابن أبي العز من الشارح فقال: لو قال بعد أن لقوا الله مؤمنين؛ لأن الإيمان ليس هو المعرفة والذين قالوا: الإيمان هو المعرفة هم طائفة الجهمية كما مر بنا بالأمس، الجهم بن صفوان قال: الإيمان هو المعرفة، وعرفنا أن هذا قول في غاية الفساد فالحق والأدق والأليق أن يُقال: بعد أن لقوا الله مؤمنين.
ثم كعادة العلماء المحققين قال: (لعل) لعل الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (بعد أن لقوا الله عارفين) أنه لم يرد مجرد المعرفة فقط بل المعرفة المستلزمة للاهتداء والعمل والاتباع، فإذا أراد المعرفة المستلزمة للعمل والاتباع والاهتداء نعم، يكون هذا المعنى له وجه، لكن الالتزام -أيها الإخوة- الالتزام بالعبارات الشرعية الدينية هو الأكمل والأدق والأليق، فنقول: (بعد أن لقوا الله مؤمنين) لأن الحديث هكذا: (يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) وهنا قال: (من إيمان) ولم يقل: "من معرفة" هذا أمر.
الأمر الثاني: ذكر المؤلف آية النساء: قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ [النساء: 48] هذه الآية الكريمة فيها رد على الوعيدية رد على الخوارج وعلى المعتزلة؛ لأنه هنا قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ لأنه هنا قال تعالى: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ ما دون ذلك، "ذلك" اسم إشارة يرجع إلى الشرك، ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ لما دون الشرك لمن يشاء، ففي هذا رد على هؤلاء الوعيدية؛ لأن أهل الكبائر هم تحت مشيئة الله، قد يعذبهم وقد يغفر لهم، وإذا عذبوا في النار فإنهم يخرجون منها بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين كما سمعنا في كلام الإمام الطحاوي، هذا أمر. إذن الآية فيها رد على الخوارج والمعتزلة.
أيضًا من اللطائف التي ذكرها بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية: أن هذه الآية كما فيها رد على الوعيدية فيها رد على المرجئة أو بعض طوائف المرجئة، ما وجه ذلك؟ ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أن في هذه الآية رد على المرجئة الواقفية، هذا صنف من المرجئة عندهم نوع من التوقف والتردد فهم يقولون: يجوز أن الله -سبحانه وتعالى- يعذب جميع العصاة، يقول: يجوز أن يعذب الله -تعالى- جميع العصاة، ويجوز أن يغفر لجميع العصاة، هكذا قال هؤلاء المرجئة الواقفية، قالوا: يجوز أن الله -سبحانه وتعالى- يعذب جميع العصاة ويجوز أن يغفر لجميع العصاة، نقول: هذا التجويز الذي قاله هؤلاء المرجئة الواقفية، هذا التجويز ترده الآية الكريمة، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن الله -تعالى- قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ فمفهوم الآية ماذا؟ ما مفهوم الآية؟
إذا شاء الله غفر له.
أي.. لكن هذا منطوقها ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ لكن مفهومها؟
أنه إذا شاء...
يعني مفهوم ذلك: أن ثمة أقوام لم يشأ الله أن يغفر لهم، فمفهوم الآية: أن ثمة أقوام لم يشأ الله أن يغفر لهم، إذن هؤلاء يعذبون ولا ما يعذبون؟ يعذبون، فإذن هذه الآية كما أنها ترد على الوعيدية ترد على المرجئة الواقفية؛ لأنه قال تعالى: ﴿ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ فقوله تعالى: ﴿ لِمَن يَّشَاءُ ﴾ معناه أن أقوام قد يعذبون وأقوام قد لا يعذبون، وهذا الذي دلت عليه أحاديث الشفاعة لما قال -عليه الصلاة والسلام-: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) معناها أنهم دخلوا النار ولا ما دخلوا؟ معناها أنهم دخلوا النار وخرجوا بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين -سبحانه وتعالى-. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
يبقى عندنا المسألة الأخرى وهي: تعريف الكبيرة والصغيرة، هنا قال: (وأهل الكبائر) العلماء لهم أقوال كثيرة في تعريف الكبيرة لعل الراجح في ذلك -والله أعلم- أن الكبيرة هي: ما ترتب يعني ذنب الكبيرة هو ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، الكبيرة هو الذنب الذي يترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، حد في الدنيا كالقذف، كون الشخص مثلًا يقذف فلانًا بالفاحشة هذا القذف يوجب الحد أن يُجلد ثمانين إذا قامت عليه البينة الزاني البكر يُجلد مائة فهذه من كبائر الذنوب، إذن الكبيرة هي ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ما الوعيد في الآخرة؟ الوعيد في الآخرة: كغضب من الله -سبحانه وتعالى- أو لعنة أو نار أعاذنا الله من ذلك كله، فعندما يقول الله -تعالى-: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ [النساء: 93] فهذا من كبائر الذنوب، من كبائر الذنوب قتل النفس المسلمة بل هذا من أشنع وأعظم الذنوب بعد الشرك بالله -عز وجل-، أو قلنا: اللعنة مثل ما جاء في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لعن الله الراشي) فالرِشوة هي من كبائر الذنوب، أو: نار، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ [النساء: 10]، هذا هو تعريف الكبيرة على أرجح الأقوال وهو ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة إما لعنة أو غضب أو نار.
وفي المقابل يتضح لك تعريف الصغيرة، وأن الصغيرة: هو الذنب الذي لا يترتب عليه حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة، وعلى كل نؤكد ونذكر أنفسنا ونذكركم أيها الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة أن على العبد أن يحذر من الذنوب كلها دقيقها وجليلها، وأيضًا نؤكد على ما ذكره ابن القيم -رحمه الله- ما قد يقع من الاستخفاف بصغائر الذنوب، فقد يتلبس الشخص بهذه الصغيرة ويقترن بفعل هذه الصغيرة من قلة الحياء من الله والجرأة واللامبالاة ما يجعل هذه الصغيرة كبيرة، فهذه قد الشخص يفعل كبيرة لكن يقترن بها من الإصرار واللامبالاة والاستخفاف بها ما يلحقها بالكبيرة، والعكس، فقد العبد يتلبس بكبيرة من كبائر الذنوب ويقترن بفعله لهذه الكبيرة الحياء من الله والوجل والخوف منه -سبحانه وتعالى- ما يلحق هذه الكبيرة بالصغيرة، وهذا أمر يتعلق بالقلب؛ ولهذا علينا أن نحرص على إصلاح قلوبنا، وأن نحذر من الذنوب القلبية يعني مثل الكبر مثل الغرور مثل الحسد، هذه ذنوب، هذه الذنوب القلبية في الجملة هي أشنع من الذنوب الظاهرة التي تفعل بالجوارح.
يقول: هل يشترط للوَلاية العلم بمعنى أن يكون عالمًا أم أن الأمر في الإيمان والتقى فقط؟.
يعني هو لما يقول: يشترط العلم هناك قدر من العلم لابد منه، هناك قدر من العلم هو فرض عين، فإذا أريد بالعلم الذي هو نعتبره فرض عيني مثل ما مر بنا كونه يؤمن بأركان الإيمان الستة هذا الإيمان المجمل هذا جزمًا أنه شرط في الوَلاية أما ما زاد على ذلك من العلم ما زاد على الفرض العيني فليس من شرط الوَلاية؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الفرقان" أن الوَلاية قد تكون في الصناع في الزراع أو في الفلاحين ونحو ذلك وهؤلاء ليسوا علماء أو جملة من هؤلاء ليسوا كذلك، المقصود أن هناك قدر من العلم هو فرض عين ولابد من تحقيقه وهو شرط في الوَلاية والله أعلم.
يقول: الآية ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ هل يدخل في هذه الآية الشرك الأصغر من حلف بغير الله أو غير ذلك؟.
الذي أعرفه من كلام أهل العلم أنه وقع في هذا نزاع: هل الشرك الأصغر يُغفر أو لا يُغفر؟ من أهل العلم من يقول: إن الشرك الأصغر لا يُغفر؛ لأنه يدخل في عموم الآية، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ قالوا: والتقدير؛ لأن هذا مصدر مؤول والتقدير: "إن الله لا يغفر إشراكًا" وأثر ابن مسعود يدل على ذلك، ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: «لئن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا» فالحلف بالله كاذبًا هي اليمين الغموس وهي من كبائر الذنوب، فجعل ذلك أعظم من الحلف بغير الله وإن كان صادقًا، ومن أهل العلم من يقول: إن الشرك الأصغر هو من جملة الذنوب التي تحت المشيئة، المسألة فيها خلاف ولا أذكر في ذلك ترجيحًا؛ لأن الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي ذكر القولين دون ترجيح المنقول عن بعض أئمة الدعوة السلفية في نجد يرون أن الشرك الأصغر لا يُغفر، والله أعلم بالقول الراجح.
يقول: الولي هل يُعرف أن فلانًا وليًا عند الناس أم أن أمره موكول إلى الله -عز وجل-؟.
والله إذا كنا نتكلم عن الوَلاية الخاصة التي هي فيها هذه الخصوصية فالجزم بأن فلان ولي والقطع ليس أمرًا سهلًا؛ لأنه هو أمر يتعلق بجانب قلبي وأمور القلوب هو أمر مرده إلى الله -سبحانه وتعالى-، يعني الإنسان لا يجوز هذا في نفسه فضلًا عن غيره؛ لأننا قلنا لكم: إن الوَلاية فيها معنى القرب، هل يستطيع الإنسان أنه قريب من الله وأن الله -تعالى- قريب منه؟ الجزم بهذا لا يستطيع الإنسان مهما بلغ من الصلاح والتقى فكيف يجزم بذلك في حق غيره؟ وشيخ الإسلام لما عرض الخلاف أشرنا إلى أنه قال: الذين تلقتهم الأمة بالقبول كذا كذا فيه نزاع يشهد ولا ما يشهد، ومع ذلك قال: الأشبه ما قال.. فعبارته ليست فيها جزم، وعلى كلٍ الشيء العملي أن يُشتغل بالإيمان والتقوى الذي هو شرط الوَلاية، والله المستعان.
يقول: بالنسبة لطلب الدعاء من الأولياء هل له أصل؟ رجاء مثل قبول إجابة دعوتهم هل لهذا أصل؟.
يعني هو طلب الدعاء من الصالحين هذا يذكره بعض أهل العلم فيما يتعلق بالتوسل إلى الله بدعاء الصالحين، لكن الذي ينبغي أن نؤكد عليه ما نبه عليه بعض المحققين أنك إذا طلبت الدعاء من رجل تظن فيه الصلاح والتقى عليك أن تلحظ أنك تريد بذلك الطلب الإحسان إليه، ليس الإحسان إلى نفسك فقط بل أيضًا أن تحسن إليه من جهة أنه إذا دعا لك مثلًا بالتوفيق والتسديد أن يحصل له الوعد الكريم في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (ما من مسلم يدعو لأخيه المسلم بظهر الغير إلا وَكَلَّ الله له ملكًا وقال: ولك بمثله) فهذا الذي يمكن أن يقال وبعض أهل العلم يقول: إن أكابر الصحابة -رضي الله عنهم- أكابر الصحابة ما كانوا يسألون النبي -عليه الصلاة والسلام- الدعاء، وعلى كلٍ الذين ينبغي أن نؤكد عليه في هذا المقام ما سمعناه قبل قليل: إن الشخص إذا طلب الدعاء من الغير عليه أن يستصحب أنه يحسن إلى أخيه في الحديث الذي ذكرناه: (من دعا لأخيه بظهر الغيب) وأيضًا جانب حظ نفسه، لا ينظر فقط إلى حظ نفسه فقط؛ فإذا نظر إلى حظ نفسه فكونه هو يسأل الله ويرغب إليه أليق من أن يطلبه من الآخرين الدعاء؛ لأن الدعاء نوع من الجزاء والمكافئة والله أعلم.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: ما جوابك عن من قال: إن الناس في أصل الإيمان على حد سواء؟
السؤال الثاني: ما معنى الوَلاية وما شرطها؟ والله أعلم.

nary_jon
06-04-2008, 07:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الخامس عشر : من قوله: «ونرى الصلاة خلف...»

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)




الدرس الخامس عشر
من قوله: «ونرى الصلاة خلف...»

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والحمد لله والصلاة والسلام على أسرف المرسلين سيدنا محمد وعلى إله وأصحابه أجمعين أما بعد:

أسئلة الحلقة الماضية: كان السؤال الأول: الجواب عن من قال: إن الناس في أصل الإيمان على حد سواء.

أجاب الأخ الكريم بقوله: إن من قال إن الناس في الإيمان على حد سواء هذا القول فيه نظر بل هو باطل كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-، فليس أهل الإيمان فيه سواء بل هم متفاوتون تفاوتًا عظيمًا، فليس إيمان الرسل كإيمان غيرهم، وكما أنه ليس إيمان الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- كإيمان الفاسقين وإيمان غيرهم، وهذا قول أهل السنة وهو مخالف للمرجئة ومن قال بقولهم.

إجابة الأخ إجابة صحيحة، لكن ذكرنا في وقتها من باب زيادة البيان أن منشأ الالتباس بهذه العبارة لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (وأهله فيه سواء) أنهم ظنوا أن التصديق الناس فيه على حد سواء، وهذا التصديق الذي ظنوا أن أهله فيه على حد سواء هذا التصديق إنما هو في الذهن، أما إذا كان خارج الذهن فهذا التصديق -كما قلنا- لابد أن يكون مضافًا مقيدًا، فعندنا نقول: تصديق أبي بكر وتصديق عمر، وتصديق كذا من الصحابة الأجلاء -رضي الله عنهم- فجزمًا أن تصديق أبي بكر ليس كتصديق سائر الناس، على كلٍ الإجابة صحيحة لكن ينبغي أن يُتنبه إلى هذا التنبيه الذي نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- وهو أن منشأ الشبهة هنا لما قال الطحاوي: (وأهله في أصله سواء) أنهم وقعوا في لبس وخلط بين ما في الأذهان وما في العيان، فظنوا أن هذا التصديق الذي في الذهن أنه يكون موجودًا خارج الذهن، لا يكون موجودًا خارج الذهن إلا إذا قيدنا وأضفنا، فإذا قلنا: تصديق أبي بكر، هل تصديق أبي بكر مثل تصديق مثلاً التابعين؟ الجواب: لا، على كلٍ نشكر لأخينا الإجابة وحرصه واهتمامه.

يقول: هل التصديق يؤثر في العمل؟ أو أن العمل هو الذي يؤثر في التصديق؟.

هو لا شك أن التأثير من الطرفين لكن الأصل أن ما في القلب هو الذي يؤثر على الجوارح، كما مر معنا في حديث النعمان بن بشير، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إلا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فالتصديق الذي في القلب لا شك أنه يؤثر على الجوارح، وكذا أيضًا الجوارح حينما الإنسان يعمل عملًا فهذه الأعمال تؤثر على التصديق سلبًا أو إيجابًا؛ ولهذا كما ذكر أهل العلم في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فالزنا من أعمال الجوارح -كما لا يخفى-، فهذا الزنا له تأثير من جهة تصديق العبد ومن جهة عمل القلب، فلو كان تصديقه راسخًا يقينيًا لما قارف هذه القاذورات ولو كان عمل القلب في قلبه تامًا صحيحًا فعمل القلب يوجب أن يحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، فلما قارف الزنا أو السرقة دل ذلك على أن محبته لله فيها نقص وفيها تقصير، والله أعلم.

السؤال الثاني: عن معنى الوَلاية وما شرطها؟

أجابت الأخت الكريمة بقولها: إن الوَلاية هي المحبة والنصرة والقرب وهي من جهتين الله -تعالى- يحب عباده المؤمنين وهم يحبونهم ويرضى عنهم ويرضون عنه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من عادا لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة)، وتقول عن شروط الوَلاية:

أولها: التقوى لقوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177] وثانيها: الإيمان لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 63].
نعم إجابة الأخت الكريمة إجابة صحيحة وتامة، وجزاها الله خيرًا على حرصها وعلى مشاركتها الدائمة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم، ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله).

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، هذه العبارة التي ساقها الإمام الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم) هذه المسألة -أيها الإخوة ومن يشاهدوا هذه الحلقة- هذه المسألة -كما لا يخفى- هي من مسائل الفقه والفروع، ونجد أن الذين يصنفون في كتب الاعتقاد وفي متون الاعتقاد قد يضمنون متون الاعتقاد جملة من مسائل الفروع، ومنها هذه المسألة، ومنها مسألة ستمر بنا وهي مسألة المسح على الخفين، ومنها مسألة أيضًا لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) المقصود أننا نجد في متون الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة جملة من مسائل الفروع التي تكون ضمن هذا المتن، ووجه ذلك، وجه إيراد هذه المسائل التي هي أحق بكتب الفقه -كما لا يخفى- وجه إيرادها ضمن مصنفات الاعتقاد ومتون العقيدة لما في تقرير هذه المسائل من مخالفة أهل البدع والأهواء، فمثلًا نجد بعض الذين صنفوا في كتب الاعتقاد يقول مثلًا: (والرجم حق) يعني رجم الزاني المحصن، وهذه مسألة مبسوطة في كتب الفقه لكنهم يذكرونها في كتب الاعتقاد أو في متون الاعتقاد؛ لأن أهل الأهواء خالفوا في ذلك ومن هؤلاء الخوارج الذين أنكروا رجم الزاني المحصن مع أنه ثابت في القرآن الذي نسخ لفظه وبقي حكمه، وثابت في السنة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قولًا وعملًا.
هذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا عند الجميع أن متون الاعتقاد قد تحوي جملة من مسائل الفروع، وجه إيرادها -كما قلنا لكم- من باب إظهار هذه السنة ومن باب أيضًا إظهار مخالفة أهل البدع والأهواء، هذا أمر.

الأمر الثاني: هنا لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر) هذه مسألة نجد أنها قررها جملة من الأئمة ومنهم ابن بطة -رحمه الله- من أئمة أهل السنة ومنهم البربهاري ومنهم قوام السنة الأصفهاني، نجد أن جملة من أئمة أهل السنة كلهم يقولون هذه العبارة، (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة) فهنا علماء أهل السنة يقررون جواز الصلاة خلف الإمام ولو كان فاجرًا، ولو كان مبتدعًا وهذا الذي عليه كان الصحابة -رضي الله عنهم- فابن عمر الصحابي الجليل -رضي الله عنهما- صلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان ظالمًا مستبدًا -كما لا يخفى- وأيضًا أنس بن مالك -رضي الله عنه- صلى خلف الحجاج أيضًا، وكذا أيضًا عبد الله بن مسعود الصحابي الجليل -رضي الله عنه- صلى خلف الوليد بن عقبة وعليه ما عليه من التقصير والتفريط، فالمقصود أن هذا ما عليه سلف الأمة من الصحابة الأجلاء كما ذكرنا شيئًا من هذه الأمثلة.

وموجب الصلاة خلف هؤلاء الفجار أو خلف أهل البدع الذين ليست بدعتهم مكفرة، الموجب لذلك هو أننا بين أمرين: بين ترك الجمعة والجماعة وبين الصلاة خلف هذا الفاجر أو ذاك المبتدع، ومفسدة ترك الجمعة والجماعة أعظم وأشنع من مفسدة الصلاة خلف الفاجر أو المبتدع.

إذن أهل السنة والجماعة لما جوزوا الصلاة خلف الفاجر أو خلف الفاسد موجب ذلك هو ما سمعناه من جهة قاعدة المصالح والمفاسد، فإن الصلاة خلف هؤلاء الفسقة فيها مفسدة لكن هذه المفسدة هي أقل من مفسدة ترك الجمعة والجماعة. هذا أمر.

الأمر الآخر: العلماء لما يقررون هذه المسألة هو باعتبار أن الأمراء والأئمة أقصد أصحاب الولايات كانوا هم الذين يصلون بالناس، فلما نذكر مثلًا الحجاج أو الوليد بن عقبة ونحوهم هؤلاء كانت لهم ولاية، ولهم إمارة، فالشخص بين أمرين: إما أن يصلي خلفهم وإما أن يترك الجمعة والجماعة، فمفسدة ترك الجمعة والجماعة تربوا عن مفسدة الصلاة خلفهم، لكن -كما بين أهل العلم- لو صلى الإنسان الآن خلف فاسق من أئمة المساجد مثلًَا، لو صلى خلف فاسق مثلًا وأمكنه أن يصلي خلف عدل، فالعلماء هم متفقون على كراهة الصلاة خلف الفاسق، ولو صلى خلف فاسق مع أنه يمكنه أن يصلي خلف عدل فالعلماء متنازعون: هل يعيد الصلاة أم لا؟ فينبغي مراعاة هذه المسألة وأن كلام العلماء الذي يقرره الطحاوي -رحمه الله- من هذه الجهة، من جهة أن العبد بين أمرين: إما أن يترك الجمعة والجماعة، وإما أن يصلي خلفهم، لكن عندما تتعدد المساجد وتكثر فيمكن للإنسان أن يتحرى ويصلي خلف الإمام العدل، ولا يصل خلف إمام فاسق أو متلبس ببدعة، هذا هو خلاصة الكلام في هذه المسألة.

يبقى معنا لما قال: (وعلى من مات منهم) أيضًا نصلي على من مات منهم، كل من مات من أهل القبلة سواءً كان فاسقًا فاجرًا أو كان مبتدعًا وليست بدعته مكفرة فيصلى عليه، ويصلى على مستور الحال إذا قدمت لنا جنازة في جوامع أهل الإسلام فيصلى عليه، هذا هو الأصل بالنسبة لهذه المسألة، لكن قد يمتنع ذوي الهيئات كالقاضي مثلًا أو عالم من العلماء قد يمتنع عن الصلاة على مبتدع أو يمتنع من الصلاة على فاسق من باب التنكيل والعقوبة، فهذا أمر سائغ شرعًا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يصلي على الغال من الغنيمة أو الذي قتل نفسه أو الذي ترك دينًا كما جاء ذلك في الأحاديث، فهذا له وجه لما فيه من مصلحة الزجر لمن تلبس بمثل هذه الذنوب، وبعض المحققين من أهل العلم قال: لو امتنع هذا العالم أو هذا الإمام الذي هو محل قدوة أو هذا القدوة لو امتنع عن الصلاة عليه من باب الزجر للآخرين ممن قد تلبسوا بهذه المعصية ودعا له سرًا فيجمع بين المصلحتين، مصلحة الدعاء له من جهة ومصلحة تحقيق التعزير لمن قد يتلبس بهذا الذنب الذي مات عليه ذاك الرجل، هذا هو الخلاصة في هذه المسألة والله أعلم.

نكمل المسال التي بعدها لما قال: (ولا ننزل أحدًا منهم جنة ولا نارً) يعني لا نقطع لأحد منهم أي: من أهل القبلة، فلا نقطع لأحد من أهل القبلة بجنة أو بنار، يعني شخص مات من أهل الإسلام من عباد الله الصالحين الأتقياء أو ممن غلب عليه الفجور والفسق والانحراف فلا يقطع لهذا الرجل الصالح بالجنة كما لا يقطع لهذا الفاسق بالنار؛ وجه ذلك بيِّن؛ لأن حقائق الأمور وما في القلوب لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى- فلا نقطع لأحد بجنة أو بنار.

يبقى خلاف في هذه المسألة بين أهل السنة فمن أهل السنة من يقول: لا نشهد بالجنة إلا للأنبياء -عليهم السلام- والقول الثاني وهو الذي عليه أكثر أهل السنة وأكثر أهل الحديث: أنه يشهد بالجنة لمن شهد له الرسول -عليه الصلاة والسلام-، كالعشرة المبشرين بالجنة، وكالحسن والحسين -رضي الله عنهما- وثابت بن قيس ونحوهم ممن جاءت النصوص الثابتة عنه -عليه الصلاة والسلام- بالشهادة لهم بالجنة، هذا الذي هو أظهر الأقوال.

هناك قول ثالث يتوسع في ذلك: وهو أن يُشهد بالجنة لمن صار له الثناء والقبول الحسن، وكذا العكس، يُشهد بالنار لمن أثنى عليه الناس ثناءً سيئًا وذكروه بشرط؛ واحتجوا بحديث -عليه الصلاة والسلام- أنه لما مرت جنازة فأثنوا عليها خيرًا فقال -عليه الصلاة والسلام-: (وجبت ثلاثً) ثم جاءت جنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا فقال: (وجبت) فسئل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك عن قوله (وجبت)؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: (أثنيتم على الأولى خيرًا فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الأخرى شرًا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه) وفي الحديث الآخر: قال -عليه الصلاة والسلام-: (توشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بالثناء الحسن وبالثناء السيئ) والله أعلم.

لكن الذي اختاره بعض أهل العلم هو القول الثاني: وهو أن لا يُشهد بالجنة إلا لمن جاء به النص والله تعالى أعلم.

بعدها قال: (ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق) يعني هو لما فرغ -رحمه الله- عن الكلام عن الحكم الُأخروي وهو الشهادة بالجنة والنار بعدها تكلم عن الحكم الدنيوي، يقول: لا نشهد عليهم، يعني لا نشهد على أحد من أهل القبلة لا بكفر ولا بشرك ولا بنفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، يعني إذا أظهر الشرك أو أظهر النفاق أو أظهر الكفر فما لنا إلا الظاهر، والله -سبحانه وتعالى- يتولى السرائر.

هنا لما قال: (الشرك) فالشرك هو الشرك في ربوبية الله وإلهيته، والشرك في الربوبية أن يجعل لهذا المخلوق شيئًا من خصائص الله -سبحانه وتعالى- كالخلق والرزق والتدبير والإحياء والإماتة، هذا هو الشرك في الربوبية، والشرك في الإلهية أن يصرف نوعًا أو فردًا من العبادة لغير الله، فإذا صرف نوعًا كالذبح صرفه لغير الله فهذا مشرك، أو صرف فردًا ما معنى صرف فردًا؟ كأن يذبح لله -تعالى- دائمًا، لكنه في أحد المرات ذبح للجن متقربًا إليهم فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله -سبحانه وتعالى-، هذا هو شرك العبادة أن يصرف نوعًا أو فردًا للعبادة لغير الله.

أما الكفر فقد مر بنا: أن الكفر هو عدم الإيمان، سواءً كان تكذيبًا أو جحودًا هذا أولًا، أو إعراضًا هذا ثانيًا، أو شكًا وظنًا هذا ثالثًا، أو نفاقًا هذا رابعًا، وخامسًا أو إباءً واستكبارًا فالكفر عدم الإيمان، ولما نقول: عدم الإيمان قد يكون هذا الكفر كفر تكذيب وجحود، قد يكون كفر شك وظن، قد يكون كفر إعراض، قد يكون كفر نفاق، قد يكون كفر إباء واستكبار، والنفاق لما ذكره -رحمه الله- فالنفاق أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، يظهر الإيمان بالله واليوم الآخر، ويبطن الكفر بذلك، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يقول: بالنسبة للقضية التي طرحتموها قبل قليل: وهي الإمامة والصلاة خلف البر والفاجر هل يجوز ابتداًء في الأحوال العامة أن نختبر الإنسان في فسقه وعدالته أو بره؟ أم أن الأصل في عامة الناس البراءة والسلامة؟.

الأصل الناس يؤاخذون بظواهرهم، والأصل عدم الامتحان، أن لا يمتحن الناس هذا الأصل، وقد عرف الامتحان عند الخوارج، الامتحان والاستعراض، فنحن أهل السنة ما لنا إلا الظاهر، هذا هو الحكم العام، الحكم العام أننا ما لنا إلا الظاهر، فعندما ندخل مساجد أهل الإسلام فنصلي خلف هذا الإمام باعتبار ما ظهر لنا منه، لكن إذا ظهر خلاف ذلك، ظهر أنه مثلًا متلبس ببدعة مكفرة فلا يُصلى خلفه كما قرر ذلك أهل العلم، والله أعلم.

يقول: بالنسبة لصاحب الكبيرة المجاهر، هل يُصلى عليه في حال وفاته؟.

سبق أن أشرنا إلى هذا أن العلماء ذكروا مثلًا أنه قد يكون صاحب فسق ولا صاحب فجور مجاهر ومات على ذلك فكون يمتنع ذوي الهيئات من عالمٍ أو قاضٍ يمتنع من الصلاة عليه هذا أمر دلت عليه السنة، وذكرنا أنه لو جمع بين الأمرين أنه لو امتنع من الصلاة عليه أمام الناس حتى يكون بذلك تأديبًا وردعًا لمن هو متلبس بذلك، يعني شخص مثلًا هو من كبار المرابين وهلك على ذلك فكون الإمام مثلًا يمتنع، يمتنع العالم أو القاضي أو نحوهم من الصلاة عليه حتى ينزجر الذين تلبسوا بهذا الجرم العظيم هذا فيه مصلحة شرعية، وإن دعا له سرًا فكما قال بعض المحققين يحصل من ذلك المصلحتين: مصلحة الزجر من جهة، ومصلحة الدعاء له؛ لأنه يبقى من أهل الإسلام له حق الدعاء والترحم عليه والله أعلم.

يقول: هل هناك علامات واضحة للفاجر؟ وما الفرق بين فاجر وفاسق؟.

أنا ما أعرف الفرق بين الفاجر والفاسق، العلماء أحدهم يقول لك: الفاسق الفاجر وعلى كلٍ الذي ينضبط هو مصطلح الفسق، والفسق كما بين أهل العلم، الفاسق: هو من تلبس بكبيرة أو أصر على صغيرة كما مر بنا في قضية أهل الكبائر، فالفسق يكون بهذا أو ذاك، أن يتلبس بكبيرة، يعني تلبس بهذه الكبيرة تكون ظاهرة عليه أو يكون مصرًا على هذه الصغيرة، فإذا ظهر منه ذلك فيستحق هذا الوصف. والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا من وجب عليه السيف، ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم ولا ننزع يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله -عز وجل- فريضة، ما لم يأمروا بمعصية وندعو لهم بالصلاح والمعافاة).

عندنا المسألة الأولى لما قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا من وجب عليه السيف) هذا التقرير هو مما ندين الله -تعالى- به أن الأصل في دماء المسلمين العصمة، كما قال عندك هنا: (ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا من وجب عليه السيف) وهذا الأمر جاء مقررًا في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) فالأصل في دماء المسلمين العصمة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) فهذا أمر يقرره أهل السنة خلافًا للخوارج الذين يكفرون عصاة المسلمين ويستحلون دماءهم، هذا المقصود من هذه العبارة.

العبارة التي قرأها أخونا: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورن) هذه المسألة جاءت متقررة عند أهل السنة والجماعة وهي عدم الخروج على أئمة الجور مهما بلغ بهم الجور والظلم ما بلغ، ما لم يصلوا إلى الكفر البواح، هذا أمر مقرر في عقائد أهل السنة، وهذا هو الذي استقر عليه مذهب أهل السنة، الذي استقر عليه مذهب أهل السنة عدم الخروج أئمة الجور، والأدلة على هذا بينة منها ما جاء في قوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث عوف بن مالك، قال -عليه الصلاة والسلام-: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون لهم ويصلون لكم) يعني تدعون لهم (وشرار أئمتكم الذين تلعنونهم ويلعنونكم وتبغضونهم ويبغضونكم) فقال الصحابة وقال بعضهم: (قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: لا... ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فلا ينزعن يدًا من طاعة) أخرجه مسلم، وجاء في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أنه قال: (بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وفي يسرنا وعسرنا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن نرى كفرًا بواحًا عندنا فيه من الله برهان) أخرجه البخاري ومسلم فمن خلال هذين الحديثين وغيرهما يتضح لنا أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر صحابته بالصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم بالسيف، هذا أمر.

والأمر الثاني مما يؤكد هذا الأمر: قاعدة المصالح والمفاسد كما بسط ذلك جملة من المحققين ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "المنهاج" "منهاج السنة النبوية" في الثالث والرابع وخلاصة كلامه -رحمه الله- أنه قرر وقال: «وقل من خرج على إمام ذي سلطان إلا تولد على خروجه من المفاسد ما يربوا على مصلحة هذا الخروج» فهذا الإمام الجائر، هذا الإمام الفاجر، الحاكم الفاجر ما دام أنه مسلم يعني إذا كان عنده ظلم وفجور وفسق وتعدي فهذه لا شك أنها مفاسد، لكن مفسدة الخروج من جهة ما يقع في ذلك من الفتنة والقتل والقتال هذه المفسدة أشد وأشنع كما جاء ذلك من خلال تجارب مرت بها الأمة، من ذلك مثلًا حركة ابن الأشعث لما خرج على عبد الملك، أو صاحب النفس الذكية لما خرج على أبي جعفر، فإذا نظرنا إلى الأحاديث ونظرنا إلى قواعد المصالح والمفاسد ومن خلال التجارب التي حصلت هذا مما يؤكد ويقرر وجوب الصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

فأما إذا تلبس الحاكم بالكفر البواح، يعني الكفر الصريح الظاهر البين الذي عندنا فيه من الله برهان فيسوغ الخروج عليه إذا كان ثمة قدرة واستطاعة على إزالته وتعيين من هو أحق بذلك.

لكن يبقى عندنا جملة من الأمور التي نحب أن ننبه عليها ونؤكد عليها في مثل هذا الموضوع الذي يقع فيه لبس ويقع فيه إفراط وتفريط:

الأمر الأول: يجب أن يتنبه -الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة- إلى أن مقصود الولايات: إقامة دين الله -سبحانه وتعالى-، المقصود منها تحقيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالإمام الأعظم ومن دونه من أصحاب الولايات إنما نصبوا من أجل أن يقيموا دين الله، من أجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أمر متقرر وواضح وبين في كتب السياسة الشرعية وهذا مما قرره الماواردي -رحمه الله- في "الأحكام السلطانية" وقرره القرطبي في تفسيره، وقرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية" وأيضًا ابن القيم في كتابه "الطرق الحكمية"، فيجب أن يعلم الجميع أن أصحاب الولايات هم إنما نُصبوا من أجل أن يقيموا دين الله، فهم وسائل لتحقيق هذه الأمور الشرعية، وليس تعيين الحاكم هو مقصود لذاته، كما يقوله الرافضة، الرافضة يقولون: الإمامة هي أهم المقاصد، لا.. الحاكم إنما نُصِّبَّ من أجل أن يقوم بالمصالح الدينية والدنيوية، مصالح العباد في المعاش والمعاد، هذا أمر.

الأمر الثاني: أن العلماء هنا لما قال: (ولا نرى الخروج على أئمتن) المقصود من ذلك: الأئمة أصحاب الولايات الشرعية، وهذا واضح من خلال الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [النساء: 59] فهنا قال تعالى: ﴿ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ ولهذا قال العلامة محمد بن علي الشوكاني -رحمه الله- في "فتح القدير" قال هذه العبارة قال: أولي الأمر هنا: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من له ولاية شرعية، لا.. ولاية طاغوتية.

فالمقصود أن الذين يتعين علينا طاعتهم، ويكون هذا من باب الديانة هم أصحاب الولايات الشرعية، لا من كان صاحب ولاية طاغوتية، وقد أشار بعض المعاصرين، ومنهم الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- وقال: إن الله -تعالى- قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال: ﴿ مِنْكُمْ ﴾ يعني منكم يا أهل الإسلام، ولم يقل تعالى: "وأولي الأمر فيكم" كما حرف ذلك الطائفة القديانية الخارجة عن الإسلام، وجعلوا هذا التحريف مسوغًا ومبررًا لحكم المستعمر الإنجليزي أيام الاستعمار الإنجليز للقارة الهندية، فهذا أمر ينبغي أن يكون في الحسبان.

الأمر الآخر: الذي ذكره -رحمه الله- لما قال: (ولا ننزعن يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله، ما لم يأمروا بمعصية) أيضًا نؤكد على جانب مهم: أن الطاعة المطلقة إنما هي للرسل -عليهم السلام- وهذا واضح من خلال الآية الكريمة، تأملوا في الآية قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ لكن لما جاء إلى أولي الأمر قال: ﴿ وَأُولِي الأمْرِ ﴾ ما قال: وأطيعوا أولي الأمر؛ لأن طاعتهم ليست طاعة مستقلة، وأما طاعة النبي -عليه الصلاة والسلام- فنعم، وهو -عليه الصلاة والسلام- طاعته من طاعة الله كما قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ﴾ [النساء: 80] لكن أصحاب الولايات قد يأمرون بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله فلا يطاعون في معصية الله -سبحانه وتعالى-.

يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- في هذا المقام يقول: (من نَصَّبَّ إمامًا فأوجب طاعته مطلقًا اعتقادًا أو حالً) اعتقادًا: يعني يعتقد ذلك، حالاً: من خلال الممارسة والواقع، قال: (من نَصَّبَّ إمامًا فأوجب طاعته مطلقًا اعتقادًا أو حالًا فقد ضل في ذلك قال: كأئمة الضلال الرافضة الإمامية حيث جعلوا في كل وقت إمامًا معصومًا تجب طاعته، فإنه لا معصوم بعد الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولا تجب طاعة أحد بعده في كل شيء) انتهى كلامه -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" التاسع عشر صفحة تسعة وستين.

إذا تقرر أنه لا طاعة مطلقة إلا للرسل -عليهم السلام- عندئذ يتضح لكم -أيها الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة- إلى أن أهل السنة وسط في هذا الباب بين الإفراط والتفريط، فهم وسط في باب الطاعة بين الخوارج والمعتزلة الوعيدية هؤلاء الذين يسوغون الخروج على أئمة الجور بالسيف باسم الأمر والنهي عن المنكر، فهذا لا شك أنه إفراط، يقابل ذلك التفريط الذي وقع فيه طوائف من المرجئة والذين أوجبوا الطاعة المطلقة للأئمة بل أفضى الأمر ببعضهم إلى أن أسقطوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما نقل عن أبي منصور الماتريدي وهو ممن تلبس بالإرجاء، فهذه طاعة عمياء، وطاعة مطلقة يقابلها ذاك الإفراط والغلو الذي وقع فيه الوعيدية، فنحن وسط بين هؤلاء وأولئك، نعم أصحاب الولايات الشرعية يطاعون، لكن هذه الطاعة لا تكون طاعة عمياء، ولا طاعة مطلقة وإنما الطاعة في المعروف، هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة).

يبقى عندنا مسألة هنا لما قال: (وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)، نعم يُدعى لأئمة المسلمين كما كان يدعو الفضيل -رحمه الله- وكان يقول: اللهم أصلح الراعي والراعية، وأيضًا يراعى في هذا الجانب أن بيوت الله -سبحانه وتعالى- والمساجد ينبغي أن تُصان عن المديح والتملق، وإنما يدعى بالصلاح أو كما سمعنا دعوة الفضيل -رحمه الله- لما كان يقول: اللهم أصلح الراعي والرعية.

هنا لما قال -رحمه الله-: (ونتبع السنة والجماعة) السنة هي طريقة النبي -عليه الصلاة والسلام- وهي أقواله وأفعاله وتقريراته، فالمتعين علينا أن نتبع السنة ونلتزم بها، قال -عليه الصلاة والسلام-: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
ثم قال: (والجماعة) ما المراد بالجماعة؟ الجماعة المراد بها كما فسرها ابن مسعود -رضي الله عنه-: الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك، فهذه هي الجماعة، فهي موافقة الحق، وأيضًا من إطلاقات الجماعة كما بين ذلك الشاطبي -رحمه الله- في الاعتصام أن الجماعة المراد بهم هم الذين اجتمعوا على أمير على مقتضى الشرع، فأهل السنة هم أهل السنة والجماعة فهم جماعة ينتصرون الحق ويتبعون ولو كان صاحب الحق واحدًا وهم الجماعة الذين يلتزمون بطاعة الأمير الذي ثبتت بيعته على وفق مقتضى الشرع، فليسوا أصحاب بدع ومحدثات وليسوا ممن يخالفون ويشقون عصا الطاعة كما هو حال الخوارج ونحوهم.

هنا قال: (ونجتنب الشذوذ) الشذوذ أيها الإخوة هو يقابل الجماعة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما يقول: (عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار) فالشذوذ يقابل الجماعة، فإذا كانت الجماعة هي اتباع الحق، فالشذوذ هو خلاف الحق، الشذوذ هو مجانبة الحق، مجانبة الدليل، ولو كان هؤلاء كثرة أو دهماء فالعبرة باتباع الدليل واتباع السنة التي جاءت عنه -عليه الصلاة والسلام-.
ثم قال: (والخلاف) أيضًا أهل السنة يتجنبون الخلاف، والمقصود بالخلاف هنا الخلاف المذموم، وهو أن يخالف في أمر معلوم من الدين بالضرورة، فالأمور المعلومة من الدين بالضرورة لا يسوغ الخلاف فيها، بل يجب أن يتلقاها بالقبول والتسليم، سواءً كانت أخبارًا أو أحكامًا، الأخبار بالتصديق والأحكام بالامتثال والالتزام، فالخلاف المراد به هنا هو الخلاف المذموم وهو أن يخالف في أمر معلوم من الدين بالضرورة.

ثم قال: (والفرقة) أيضًا علينا أن نتجنب الفرقة، فالفرقة هي من صفة أهل الأهواء، من صفة المشركين، وإذا أردنا أن نتجنب الفرقة أيها الإخوة فعلينا أن نأخذ الدين كله، أيها الإخوة الكرام، يا من يشاهدوا هذه الحلقة كثيرًا ما نسمع من يدعو إلى اجتماع المسلمين، لكن يريدون اجتماع المسلمين على ما هم عليه من انحرافات وخلل عقدي ومنهجي، إذا أردنا أن يجتمع الإسلام فعلينا أن نأخذ الدين كله، أما إذا أخذ بعض الدين وترك بعضه، فالفرقة موجودة والخلاف متحقق، والله تعالى قرر هذا الأمر قال تعالى عن النصارى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ نسوا حظًا مما "من" تبعيضية، ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ ما النتيجة؟ قال تعالى: ﴿ َأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ [المائدة: 14] فالخلاف الذي وقع عند النصارى، وقع عند أهل الإسلام وقع عند أهل السنة أحيانًا هو سببه أنهم أخذوا بعض الدين وتركوا بعضه، فإذا أردنا أن نجتمع ويحصل الاجتماع ونجانب الفرقة علينا أن نأخذ الدين كله، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208].

وهنا ذكر الشارح -رحمه الله- لما جاء الكلام عن الفرقة ذكر حديث الافتراق وهو قوله -عليه الصلاة والسلام-: (افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هي يا رسول الله؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: ما أنا عليه وأصحابي) وفي رواية قال: (الجماعة) هذا الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن والمسانيد، هذا الحديث من الأهمية بمكان، وهذا الحديث يقع فيه إفراط وتفريط، فبعض الذين يريدون أن يميعوا دين الله وأن يضيعوا الثوابت الشرعية تجدهم لا يلتفون إلى هذا الحديث ويطعنون في هذا الحديث ويقابلهم طرف آخر يحملون هذا الحديث ما لا يحتمل من جهة الإفراط والغلو، فنحب أن ننبه أيها الإخوة الكرام على مسائل مهمة في هذا الحديث حتى نتجنب هذا الإفراط أو ذاك التفريط.

أيها الإخوة الكرام هنا قال -عليه الصلاة والسلام- عن هذه الأمة: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) هنا ننبه إلى مسألة مهمة وهي: متى تكون هذه الطائفة أو الفرقة فعلًا فارقت وجانبت أهل السنة والجماعة؟ الذي يحصل في هذا الوقت أن بعض الناس مجرد أن شخصًا يخالف في جزئية أو في مسألة من المسائل الفروع في الحال يخرجونه من أهل السنة، لا..، ليس الأمر كذلك، وقد حرر هذه المسألة الإمام الشاطبي -رحمه الله- في كتابه "الاعتصام" وخلاصة كلامه -رحمه الله- أنه بيَّن وقرر أن هذه الفرق تصير مجانبة لأهل السنة متى؟ إذا فارقت أهل السنة في أمر أو قاعدة أو معنى كلي، إذا فارقت أهل السنة في معنى أو قاعدة كلية نعم نقول: هؤلاء ليسوا من أهل السنة، فإذا كان هذا أمر كلي قاعدة كلية كأن يعني هذه الطائفة تنكر الصفات أو تنكر القدر أو نحو ذلك من القواعد الكية نعم، نقول: هؤلاء فارقوا أهل السنة وجانبوا أهل السنة والجماعة، أو -والكلام لا يزال للشاطبي معناه- أو: أن مفارقتهم في جزئيات لكن هذه الجزئيات تكاثرت بما يعادل أمرًا كليًا، أما كون الشخص مثلًا قد يتلبس بأي بدعة من البدع ويكون ذلك مسوغًا لخروجه لا.. وقد نبه شيخ الإسلام -رحمه الله- ابن تيمية أنه قد تجد جملة من علماء السلف من يتلبس ببدعة لكن عن اجتهاد وتأول وهذا لا يخرجه عن دائرة أهل السنة بل هو مغفور له من جهة اجتهاده ومن جهة أنه معذور بتلك العوارض التي ترد عليه، هذه مسألة.

المسألة الثانية أيها الإخوة الكرام في هذا الحديث وهي: مسألة هذه الفِرَق كم عددها؟ كثير ما يقع الخلط في هذه المسألة وبعضهم يعدد لك هذه الفرقة فرقة فرقة، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) هو -عليه الصلاة والسلام- لم يحددها لم يذكر هذه الفرق ولم يعددها فرقة فرقة، فلا يمكن أن نجزم ونقطع بهذا التعداد الذي نجده في كتب الفِرق والمقالات، هو -عليه الصلاة والسلام- ذكر هذا العدد لكنه لم يحدد هذه الفرق ولم يعددها فرقة فرقة، وهذا كما يقول الشاطبي أيضًا هو مقتضى الستر على هذه الأمة المرحومة.

أمر ثالث نشير إليه في هذا الحديث حديث الافتراق وهو أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: (كلها في النار) لا يعني -كما يتوهم البعض- أن هذه محكوم عليها بالتخليد في نار جهنم -أعاذنا الله من ذلك- بل هذا وعيد مجمل، وكما قال بعض المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- قال: إن هذا الوعيد في هذا الحديث ليس بأشد من الوعيد في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ [النساء: 10]، ومن المعلوم أن آكل مال اليتيم هل هو مخلد في نار جهنم؟ الجواب: لا..، فالمقصود أن هذا وعيد مجمل وهم يستحقون هذا الوعيد؛ لأنهم جانبوا السنة وتلبسوا ببدعة، لكن هذا لا يوجب تخليدًا إلا من وصلت البدعة به إلى الخروج من الملة والانسلاخ من دين الإسلام، فهذا إذا مات على هذه البدعة المكفرة فمآله إلى جهنم ومآله إلى الخلود -أعاذنا الله من ذلك المآل-. هذه جملة من المسائل المتعلقة بهذا الحديث.

يقول: لدي تساؤل الحقيقة أرى أنه مهم في هذه المسألة وهو ما يتعلق بعبارة الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونتبع أهل السنة والجماعة) لا شك أنها عبارة عظيمة، ولها دلائل كثيرة، نجد كثيرًا من الناس في هذا العصر وفي عصور سابقة يعني من باب إظهار البدع على الناس يجتهد في تبديع الناس وتفسيقهم والبحث عن أخطائهم وتقصيرهم دون أن يتبع المنهج النبوي السليم، وهو الدعوة إلى الله -جل وعلا-، أنا أسأل يا شيخ ما رأيكم فيمن يتبع تلك الطرق التي تعتمد اعتمادًا كليًا على تفسيق الناس وتبديعهم ومحاولة إظهار مثالبهم ومعايبهم والتقصير تقصيرًا واضحًا وكبيرًا في قضية الدعوة إلى الله -جل وعلا-؟.

على كلٍ الحكم على الأشخاص بتبديع أو تفسيق هذا الحكم ينبغي أن يكون عن علم وبينة وعدل فهذا أمر ينبغي أن يكون واضحًا في الحسبان، لا يحكم الإنسان إلا بعلم وعدل، فلما نقول بعلم لا يكون مجرد تخرس وظن؛ فالله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ﴾ [الحجرات: 12] وقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36] فلابد من مراعاة هذا الجانب ألا يحكم إلا بعلم وعدل.
الأمر الثاني: ألا يكون هذا الاشتغال بهذه المسألة على حسب ما هو أنفع وأحوج ألا وهو نشر السنة، يعني تبليغ دين الله ونشر السنة هو أعظم وسيلة في مواجهة هذه البدع ومحاربتها، فلنحرص على أن ندعو إلى دين الله وندعو إلى الإسلام والسنة حسب الوسع والاستطاعة فنقول: يراعى هذا الجانب أنه لا يحكم على الشخص إلا بعلم وعدل، والأمر الثاني ألا وهو كما أشرنا، وينبغي أن نؤكد عليه ألا وهو أن نحرص على نشر السنة، نشر السنة هو الأجدى وهو الأنفع وهو أعظم وسيلة في محاربة البدع والقضاء عليها.

يقول: بالنسبة لتسمية الإنسان نفسه أنه سلفي هل يصح ذلك مع أن بعض الناس يقول: إذا قلت مسلم يدخل معك الرافضة ويدخل معك كذا وكذا، وإذا قلت مسلم سني قد يدخل معك الصوفية فلابد أن تقيد مسلم سني سلفي هذه التسمية صحيحة؟ وهل يصح سند الحديث الذي ذكر الآن (ستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين...) ما صحة السند هذا؟.

المسألة الأولى: أنا أؤكد وأذكر نفسي وأذكر الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة أن نُعنى أيها الأحبة بالحقائق، يعني لا تُشغلنا الألقاب والشعارات عن الحقائق، فالعبرة أيها الإخوة بالحقائق، فالشخص إذا التزم بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- والتزم بدين الله وحرص على ذلك فهذا هو النجاة، سمي مسلمًا سنيًا سلفيًا لا تشغلنا هذه عن ما هو أنفع وأفقه، هذا أمر.

الأمر الآخر: أنه أحيانًا هذه المصطلحات يُساء فهمها من جهة التعصب أحيانًا، التعصب، يعني إذا استخدمت على التعصيب هذا مذموم، حتى لو كان هذا الاسم شرعيًا، وإذا كان في غزوة المريسيع لما حصل النزاع فقال أحدهم: يا للأنصار، والآخر قال: يا للمهاجرين، وأنت تعرف والجميع يعرف أن اسم المهاجرين والأنصار اسم شرعي أليس كذلك؟ لكن لما جاء على سبيل الحمية قال -عليه الصلاة والسلام-: (أبدعوة الجاهلية؟) فجعله -صلى الله عليه وسلم- من باب دعوة الجاهلية مع أنه اسم شرعي؛ لأنه استخدم في غير موضعه، فلا يكون أحيانًا مجرد أننا نشغل أنفسنا كما لو كانت شعارات وكما لو كانت شارات يضيفها الإنسان إلى نفسه نعم نحن نقول كما قال سلفنا الأوائل: نحرص على الإسلام والسنة، وكثيرًا ما كان السلف يؤكدون على هذا المعنى: الإسلام والسنة، الإسلام كما مر بنا الذين هم أهل القبلة، والسنة الذين هم أصحاب الإتباع، قيل عنهم السلف الصالح، قيل أهل الأثر الأحاديث، كلها أسماء ومعانيها متقاربة، فالقصد أنه لا تشغلنا المصطلحات لو جاءك مبتدع، وقال لك: أنا سلفي ماذا تفعل؟ تحتاج أنك تحضر لك مصطلح جديد، ونشغل أنفسنا بالمصطلحات، فالعبرة بالحقائق، وسلفنا الصالح اتهموا بأنواع من التهم، يعني الإمام أحمد وهو في حياته قيل عنه: خارجي، وهل صار خارجيًا؟ طبعًا لا..، القدرية يتهمون أهل السنة بأنهم جبرية، والروافض يتهمون أهل السنة أنهم عامة، وأنهم نواصب، فالعبرة بالحقائق، العبرة يا إخوان بالحقائق، لا تشغلنا المصطلحات عن الحقائق، هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة.

أما الحديث فالحديث ثابت حديث الافتراق حديث ثابت عنه -عليه الصلاة والسلام- وصححه جمع من أهل العلم، ولو رجعتم إلى كلام الشاطبي -رحمه الله- في هذا الباب، والذين اعتنوا به كالصنعاني الذي له رسالة في حديث الافتراق أو من جمعهم من المعاصرين كالشيخ سلمان العودة في كتابه "صفة الغرباء والعزلة والخلطة" هؤلاء جمعوا طرق هذه الأحاديث، وهي طرق تثبت أن هذا الحديث ثابت عنه -عليه الصلاة والسلام-، فلا مجال للطعن في هذا الحديث أو التشكيك فيه -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: هل يكون واليًا شرعيًا من استطاع تحكيم الشرع ورفضه. يعني رفض الشرع من نفسه، ما هو مجبور أو مكره على الأمر هذا هل يعتبر والي شرعي؟.

المتعين على من كان ولاية شرعية المتعين عليه: أن يحكم بشرع الله، وإلا أنه سبق أن قلنا: أصحاب الولايات سواءً كان الإمام الأعظم أو من دونه إنما نُصِّبَ من أجل أن يقيم دين الله من أجل أن يحكم بشرع الله -سبحانه وتعالى-، فكون الشخص يعرض عن شرع الله ولا يحكم شرع الله فهذا الإعراض واضح، قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ المائدة: 44].

أما الأعيان والأشخاص بأعيانهم فكما مر بنا في موضوع التكفير أن الشخص المعين لا يحكم عليه إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، يعني الشخص إذا تلبس بالكفر ونوع من أنواع الكفر المخرج من الملة فالمعين لا يُكَفَّر إلا بهذا القيد إلا باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وهو ما يسميه أهل العلم قيام الحجة والله أعلم.

يقول: العقيدة غالية على المسلم وقد ذكر الإمام محمد عبد الوهاب -رحمه الله- نواقض الإسلام العشرة، يا شيخ الآن انتشر وعم وطم والقنوات الفضائية هذه -الله يهديهم- يعني الآن يبثون السموم، وكثير من الناس تعرف الآن هذا الزمان قليل العلم يا شيخ، فبعض الناس عنده هذه القنوات الفضائية السحرية، وإذا قلنا له: لا يجوز، قال: أنا فقط أنظر فضولية، فهل يجوز النظر بشكل عام ويعتبر داخل في الإثم، وأنه كمن سأل أو كمن صدق؟ وهكذا من أراد أن ينظر طالب العلم ليوصل الحقيقة لولي الأمر أو للعلماء فما حكم هاتين المسألتين؟.

نحن كنا نؤكد على الإخوة بودنا أن تكون الأسئلة دائمًا في موضوع الدرس لكن على كلٍ ما دام أن الأخ الكريم يرى أن هذه قضية ملحة فالذي يمكن أن يقال في هذه العجالة: ما ذكره الأخ نعم هو واقع مؤلم وموجع من جهة انتشار السحرة وزاد الأمر سوءًا لما ظهرت هذه الفضائيات والقنوات التي تختص بالسحر والشعوذة والدجل، والذي يمكن أن يقال في هذا المقام أن السحر من نواقض الإسلام والسحر يجمع جملة من الأمور التي تخرج العبد من دين الله وتجعله منسلخًا من دين الإسلام نحن نذكر هذه الأمور حتى يأخذ الإخوة الذين يشاهدون هذه الحلقة يأخذون هذه الأمور بجد وحزم وأن يسعوا إلى استصلاح أحوال مجتمعاتهم وبيوتهم، فالسحر لا ينفك عن اعتقاد النفع والضر في غير الله، هذا أولًا.

ثانيًا: السحر لا يخلو من شرك في توحيد العبادة من جهة الاستغاثة بغير الله، ومن جهة الذبح لغير الله.

الأمر الثالث: السحر لا يخلو من دعوة علم الغيب. فهم يدعون علم الأمور الغيبية، الساحر يدعي ذلك أو الكاهن أو العراف ونحوهم من هؤلاء الدجالين الأفاكين.
والأمر الرابع الذي نختم به: وهو أن السحر لا ينفك في بعض الأحوال من ارتكاب أعمال كفرية في غاية الكفر والانسلاخ من إهانة المصحف والسجود لغير الله، فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة فالأمر أشد، فهذا أمر.

فهنا نحذر كل مسلم ومسلمة من مشاهدة هذه الفضائيات التي تعرض للسحر وهذه الكهانة، ولو كان على سبيل الفرجة كما يقول البعض: من باب الفرجة فهذا محرم، وقد أفتى جملة من العلماء في هذا البلد بتحريم ذلك، ولو كان لمجرد النظر والفرجة، بعض الناس من باب حب الفضول ومن باب كذا فيمنع ذلك، والنظر إلى هؤلاء قد يكون ذريعة إلى تصديقهم، قد يكون ذلك ذريعة إلى تصديقهم، وإذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومً) أخرجه مسلم، فهذه مدعاة إلى أنه يصدقهم وينسلخ من الإسلام فيؤخذ الأمر بعين الحزم والجد فلا ينظر إلى هذه القنوات ويحذر منها ويبين أن هؤلاء هم في غاية الإفك وأنهم كذابون أفاكون، لو وجدوا عند الناس دينًا أو وجدوا عند الناس عقلًا لما انتشر دجلهم، لكن للأسف أن كثير أو أن عددًا غير قليل من المسلمين قل دينهم، ورق إيمانهم للأسف وأيضًا البعض أحيانًا حتى جانب العقل، كيف تصدق هذا الأفاك الدجال الذي مجرد أنه يكذب كما أخبر -عليه الصلاة والسلام-: يكذبون مائة كذبة ويصدون مرة واحدة، تنخدعون بهذه المرة الواحدة ولا ترتدعون ولا تنزجرون بهذه الكذبات المائة؟!!

وأمر أخير: ما ذكره السائل في قضية أنه لو نظر إلى ذلك طالب العلم فإن كان هذا طالب العلم صاحب علم ورسوخ في العلم ويريد من ذلك أن يقيم الحجة عليهم أو ينقل ذلك إلى من هو أعلم منه وعنده رسوخ في العلم فله ذلك والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما لقي ابن صياد وهو أحد الكهان قال له -عليه الصلاة والسلام-: (اخسأ فلن تعدو قدرك) والله أعلم.
أسئلة الحلقة.

السؤال الأول : لم جَوَّزَ أهل السنة الصلاة خلف كل بر وفاجر؟

السؤال الثاني : لم لا نشهد على معين من أهل القبلة بجنة أو نار؟

nary_jon
06-04-2008, 07:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس السادس عشر : من قوله «ونحب أهل العدل...»

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)


الدرس السادس عشر
من قوله : «ونحب أهل العدل...»
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أما بعد:
أسئلة الحلقة الماضية.

كان السؤال الأول: لم جوز أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر؟
وكانت الإجابة: جوز أهل السنة والجماعة الصلاة خلف كل بر وفاجر؛ لأن المسلم بني أمرين إما أن يترك الجمعة والجماعة؛ لأجل عدم الصلاة وراء هذا الفاجر، وإما أن يصلي وراء كل بر وفاجر، ولاشك أن ترك الجماعة والجمعة أكثر وأعظم خطرًا من الصلاة وراء الفاجر والفاسق.
نعم.. إجابة الأخ صحيحة وإجابة موفقة.

السؤال الثاني: لم لا نشهد على معين من أهل القبلة بجنة أو نار؟

وكانت الإجابة: لأن حقائق الأمور وما في قلوب العباد لا يعلمه إلا الله -جل وعلا- قال تعالى: ﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا اللهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [هود: 31]، ومن أهل السنة من قال: لا نشهد إلا للأنبياء، ومنهم من قال: نشهد لمن شهد له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كالصحابة العشرة -رضي الله عنهم- ومنهم من قال أيضًا: نشهد لمن شهد له الناس بالثناء الحسن أو بالثناء السيئ.

إجابة الأخ الكريم إجابة صحيحة ونشكره على حرصه.
يقول: من يشهد له الناس بالخير أو بفعل الخير والطاعة والتقرب إلى الله -جل وعلا- ألا يتعارض مع وجوب أن تكون الأعمال خالصة لوجه الله -تعالى- والبعد عن الرياء في التقرب إلى الله جل وعلا؟.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يبدو لي والله أعلم ما فيه تعارض، فالعبد إذا عمل العمل يبتغي بذلك وجه الله ويبتغي بذلك ما عند الله، فمن آثاره الحسنة ومن آثار العمل الصالح أن الله -تعالى- يجعل له القبول، ويجعل له الثناء الحسن ونحن أهل السنة والجماعة في هذا الباب -باب الإخلاص- وسط بين المرائين الذين يعملون العمل من أجل الناس ومن أجل مدح الناس وثنائهم، وبين من يقابل ذلك وهم طائفة يقال لها طائفة الملامية الذين يبحثون عن لوم الناس، فالمرائي يبحث عن مدح الناس، والملامية وهم طائفة من الصوفية كانوا يبحثون عن لوم الناس وذمهم، فالمسلك العدل في هذا أن العبد يعمل صالحًا يبتغي بذلك وجه الله، لا يبتغي بذلك مدح الناس، وأيضًا لا يقصد ذم الناس ولومهم، فالعبد المسلم يصلي الصلوات الخمس فيشهد له بالخير والصلاح، وإبراهيم -عليه السلام- كان من دعائه أنه كان يقول: ﴿ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآَخِرِينَ ﴾ [الشعراء: 84] فالمقصود أن العبد إذا فعل الحسنة فإن الله -تعالى- يجعل له القبول والثناء الحسن ولا يضره ذلك ما دام أن هذا العمل أداه ابتغاء وجه الله -سبحانه وتعالى- وقد سئل النبي -عليه الصلاة والسلام- فقيل له: الرجل يعمل الخير ويحمده الناس؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: (تلك عاجل بشرى المؤمن) والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة).
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، هذه العبارة التي حررها الإمام الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة) هذه مسألة تتعلق بالحب في الله والبغض في الله، وما يتفرع عنهما من الولاء والبراء، وهذا الموضوع من الأهمية بمكان، ونوجز الكلام عنه على النحو التالي:

فنقول مستعينين بالله -سبحانه وتعالى- وحده: أولًا -أيها الإخوة ومن يشاهدوا هذه الحلقة-:
المسألة الأولى: إن الله -سبحانه وتعالى- هو المعبود، وهو -سبحانه وتعالى- هو المعبود وحده لا شريك له، وحقيقة التوحيد تقتضي إخلاص جميع العبادات لله -سبحانه وتعالى- وحده، وكل عبادة يجب أن تُصرف لله -تعالى- وحده لا شريك له، وأجَّل العبادات القلبية، وآكدها وأعظمها عبادة الحب، والله -سبحانه وتعالى- هو المألوه أي: المعبود المحبوب -سبحانه وتعالى-، فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون قلبه عامرًا بمحبة الله -سبحانه وتعالى- هذه المحبة التي يقترن بها الإجلال والخشية والتعظيم لله -سبحانه وتعالى- إذا تقرر أن الله -تعالى- هو المعبود وحده لا شريك له، فهذا يوجب أن نحب ما يحبه الله، فحب الله -تعالى- هو الأصل، هو رأس الأمر؛ ولهذا العبادات القلبية تدور على ثلاث عبادات: الحب والخوف والرجاء، وآكد هذه الأمور الثلاثة: الحب الذي هو من منزلة الرأس من الجسد، فهذا الحب إذا أحببنا الله -سبحانه وتعالى- فإن هذا يوجب أن نحب ما يحبه الله -سبحانه وتعالى- من الأعمال والأشخاص، فنحب الصلاة ونحب الطاعة ونحب الخير ونحب العفاف، وفي نفس الوقت أيضًا نبغض الكفر والفسق والفجور والعصيان والظلم والطغيان والاستبداد، وأيضًا نحب ما يحبه الله من الأشخاص فنحب المتقين ونحب المحسنين والصالحين والشهداء ونبغض الكفار والمشركين والفجار ونحو ذلك.
فإذن ينبغي أن تكون المسألة واضحة، ويتضح لكم أن ثمة صلة واضحة وبينة جلية بين توحيد العبادة وبين مسألة الحب في الله والبغض في الله، فالحب في الله والبغض في الله متفرع عن حب الله -سبحانه وتعالى- وللأسف أن البعض أحيانًا عندما يتحدث عن موضوع الحب في الله والبغض في الله يتحدث عنه دون أن يربطه أو أن يجعله وثيق الصلة بأصل هذا الدين وهو عبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له، ومحبته -عز وجل-.

المقصود: أن الحب في الله والبغض في الله الذي يشير إليه الإمام الطحاوي -رحمه الله- هو متفرع عن حب الله -سبحانه وتعالى-، إذا تقرر ذلك فاعلم أن الشخص كلما زاد عبادة لله وزاد حبًا لله كلما زاد تحقيقًا لهذا الأصل الذي هو الحب في الله والبغض في الله، وانظروا إلى أعظم الناس عبادة هم الخليلان: إبراهيم -عليه السلام- ونبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، فهذان الخليلان وأكرمهما -كما لا يخفى- محمد -صلى الله عليه وسلم- هما أكمل الناس عبادة، وأتم الناس تعلقًا بالله -سبحانه وتعالى- ولهذا حققا هذا الأصل على أكمل وجه وأتم حال، فقال الله -سبحانه وتعالى- في حق إبراهيم الخليل -عليه السلام- قال -عز وجل-: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: 4]، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- جاء وصفه في قوله تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: 29] فينبغي التنبه لهذا الأمر.

الأمر الثاني في هذا الموضوع: إذن تقرر عندنا أن حب الله -تعالى- هو الأصل ويتفرع عنه الحب في الله والبغض في الله، هذه المسألة الأولى.

المسألة الثانية أيها الإخوة الكرام: أن الحب في الله والبغض في الله هذا الحب والبغض هما عملان قلبيان، هما أمور باطنة، أمور وجدانية، أمور قلبية، لكن هذا الحب لابد أن يظهر على الجوارح، وهذا البغض لابد أن يظهر أيضًا على الجوارح، والحب هنا لازمه الولاء، والبغض لازمه البراء، فإذا العبد حب أهل الإيمان، هذا الحب القلبي الوجداني لابد أن يظهر على الجوارح، فإذا قلت لي: أنا أحب المؤمنين، هذه المحبة القلبية لابد أن تظهر على الجوارح، هذا الحب يتعلق بالباطن بالقلب، لابد أن يظهر على الجوارح، لابد أن يكون بينًا على الظاهر، فيظهر من خلال الأمور التي أمر بها الشارع من جهة مثلًا إفشاء السلام، من جهة عيادة المريض، من جهة نصرة المسلمين، سواءً كانوا مظلومين أو ظالمين، ظالمين بمعنى أن يردوا عن ظلمهم كما بين ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- من جهة الدعاء لهم من جهة الذب عنهم، ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية وحقوق الإخوة الإسلامية.
أيضًا كذلك لما نأتي موضوع الكفار نحن نقول: نبغضهم؛ لأن الله -تعالى- أمرنا ببغضهم هذا البغض ينبغي أن يكون ظاهرًا على الجوارح من جهة ألا نتشبه بهم، من جهة أن نفارق ديارهم، من جهة جهادهم في سبيل الله إذا تيسر ذلك، هذه كلها أمور عملية هي نعتبرها من لوازم هذا البغض الذي محله القلب، وهذا الكلام -أيها الإخوة الكرام ومن يشاهدوا هذه الحلقة- هذا الكلام يتسق مع قواعد أهل السنة وعقائدهم، فكما مر بنا في موضوع الإيمان أن الإيمان له باطن وله ظاهر أليس كذلك؟ فهذا الباطن الذي هو الحب والبغض لابد أن يكون ظاهرًا على الجوارح، هذا أمر ينبغي أن نؤكد عليه.

المسألة الثالثة: كما قلنا أيها الإخوة في الإيمان أنه يتبعض، ويمكن أن يجتمع في الشخص إيمان ومعصية، أو إيمان وكفر، بمعنى أنه عنده شيء من المعاصي التي هي من شعب الكفر الذي لا يخرج من الملة، فكما يجتمع في الشخص طاعة ومعصية وإيمان وكفر فكذا أيضًا يجتمع في الشخص الواحد موجب الحب وموجب البغض، بمعنى أن هذا الشخص يكون فيه السبب لمحبته أو فيه أسباب توجب محبته دينًا، وأيضًا توجد فيه أسباب أو سبب يوجب بغضه دينًا، ومن ذلك مثلًا كما هو حال الكثير منا والكثير من المسلمين ممن خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا فهؤلاء نحبهم ونواليهم على قدر طاعتهم، وعلى قدر استقامتهم، وفي نفس الوقت أيضًا نبغضهم ونعاديهم على قدر معصيتهم وعلى قدر فجورهم، وهذا أمر لا إشكال فيه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أعطى لنا الأسوة في ذلك والقدوة -عليه الصلاة والسلام- فعبد الله الذي كان يشرب الخمر في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يُجلد في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- فلما قال بعضهم: (لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: لا تلعنه، أما علمت أنه يحب الله ورسوله) فهذا الرجل اجتمع فيه موجب الولاية وموجب العداوة، موجب الحب وموجب البغض، موجب الحب أنه مسلم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ذب عنه، وفي بعض الأحاديث قال لما قال بعضهم: (أخذاه الله) قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تعينوا الشيطان على أخيكم) هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-، هذا مقتضى الحب، ومقتضى البغض أنه -عليه الصلاة والسلام- أقام عليه حد الجلد؛ لأنه شرب الخمر، فهذه قضية ينبغي أن تكون واضحة عندنا وبينة أنه يجتمع في الشخص موجب الحب وموجب البغض.

يقول: الكثير من المسلمين ابتلي بالمعاصي والذنوب الظاهرة والباطنة، لكن البغض هل هو بغض لذات الشخص أم لما التبس به من معاصي؟.

لا.. هو الكلام عن البغض والحب -أيها الإخوة- نحن نبغض هذا الشخص ونعاديه؛ لأنه تلبس بهذه المعصية، البعض يقول لك: نحن نبغض المعصية فقط، هذه المعصية سواءً كانت معصية من كبائر الذنوب أو كانت أشد من ذلك كالشرك بالله -سبحانه وتعالى- كما هو عند الكفار والمرتدين هذه المعصية قامت بهذا الشخص، فنحن نبغض هذا الشخص؛ لأنه تلبس بالمعصية، وإذا أخذنا مثلًا: عندنا أعظم المعاصي -كما لا يخفى عليكم- الشرك بالله -سبحانه وتعالى-، فنحن مثلًا لما نبغض النصارى ونبغض اليهود يجب أن تكون المسألة واضحة عندنا أن هذا البغض هو دين، دين وقربة، وليس مزاجًا ولا هوًى ولا مسألة يعني نوع من الهوى لا.. هذا دين، نحن نبغض النصارى؛ لأن الله أمرنا بذلك.
نتعبد به.
أي نعم، الله -تعالى- قال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: 51] فالنصارى مثلًا سبوا الله -سبحانه وتعالى- ولهذا جاء عن عمر -رضي الله عنه- وجاء أيضًا عن معاذ بن جبل أنه قال: (أهينوهم ولا تظلموهم، فإنهم سبوا الله -تعالى- أعظم سبة، وأي مسبة أعظم أنهم زعموا أن لله ولدً)، هذا السب الشنيع والطعن في ربنا -سبحانه وتعالى- يوجب أن نبغضهم، ونحن عندما نبغضهم؛ لأن الله أمرنا بذلك، كما سمعنا الآية الكريمة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ فالمقصود أنه يتنبه لهذه المسألة، وسؤالك ذكرني بأمر مهم ينبغي أن نشير إليه: أن الحب والبغض -أيها الإخوة الكرام- أنه أمر فطري، كل إنسان تجد عنده مشاعر الحب والبغض، لا تكاد تجد شخص إلا وعنده حب وبغض، أو بعبارة أخرى: لا تكاد تجد شخص إلا عنده ولاء وبراء، لكن الله -سبحانه وتعالى- أكرمنا بهذا الدين الذي ضبط مشاعر الحب وضبط هذا الولاء فنحن في باب الحب نحب الله -سبحانه وتعالى- ونحب الرسول -عليه الصلاة والسلام- ونحب المؤمنين، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ ﴾ [المائدة: 55]. القصد: أن هذا أمر فطري، فالحب ينبغي أن يضبط هذا الضابط الشرعي الذي سمعناه.
إذن نخلص من هذا أننا عندما نبغض أهل المعاصي أو أهل الكفر نبغضهم لأشخاصهم؛ لأنهم تلبسوا بهذه المعصية، لا نريد أن نفعل كما البعض يورد هذه المجرات، يقول: لا نحن نبغض المعصية، لكن لا نبغض صاحبها، لا.. هذا ليس الأمر كذلك، نحن نبغض هذا الشخص؛ لأنه تلبس بمعصية، نبغض هذا الشخص؛ لأنه تلبس ببدعة، نبغضه؛ لأنه تلبس بالكفر، وهذا البغض على حسب هذا الذنب، إن كان شركًا فذنبه أعظم من البدعة التي ليست مكفرة وصاحب البدعة ذنبه أعظم من مطلق المعاصي والله أعلم.
يقول: بالنسبة للحب، هذا للمؤمنين الذين يعملون عملًا صالحًا وآخر سيئًا تحبهم على حسب عملهم، أما إذا كان هناك كافر يعمل دائم عمل ترضاه أنت يعني عمل جيد فهل تظهر له محبة ما؟ وهل إذا أظهرت له يعتبر ذلك نفاقًا؟.
الذي نفهمه من كلام أهل العلم: أننا نحب أهل الإسلام وإن أساؤوا إلينا، نحن نحب المسلمين لماذا؟ نحب أهل السلف لماذا؟ لأنهم من أهل الإسلام، فأهل الإسلام نحبهم وإن أساؤوا والكفار نبغضهم وإن أحسنوا إلينا، لماذا نبغض الكفار؟ نبغضهم لأنهم تلبسوا بالكفر الذي هو أعظم ذنب، لكن هذا البغض لا يعني عدم العدل معهم، لا يعني عدم الإنصاف، فالعدل لابد منه، العدل واجب من كل أحد لكل أحد في كل حال، فهذا الكافر يجب أن نعدل معه، والله تعالى قال: ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾ [المائدة: 8]، والقضية -يا إخوان- ما هي كما يقول البعض: أن هذه معادلة صعبة، لا.. أبدًا؛ ولهذا نحن لو جئنا مثلًا في المدينة في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كان فيها يهود كما لا يخفى، ومع ذلك نجد أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحبه الكرام قد حققوا هذا الأصل على أكمل وجه الذي هو البغض والبراءة للمشركين، ومع ذلك هناك معاملات، هناك بيع وشراء، هناك تعامل بالقسط والبر، وهذا واضح، لما يأتي عبد الله بن رواحة الذي كان يتعامل مع بعض اليهود في المدينة ويقول لهم بكل وضوح يقول لليهود يقول: والله إني لأبغضكم؛ ولكن لا يجملني هذا البغض على أن لا أعدل معكم، فهو يبغضهم ومع ذلك هذا البغض لا يحمله على أن يظلمهم، فاليهود لما سمعوا هذه المقالة، قالوا: بالعدل قامت السماوات والأرض، ومقالة عمر مرت بنا لما قال: «أهينوهم ولا تظلموهم» فينبغي أن نحرر هذه الأمور، وممن حرر هذه المسألة وبين الفرق بين البغض والبر والمعاملة بالعدل والقسط القرافي -رحمه الله- في كتاب "الفروق" فبغض الكفار شيء، والتعامل معهم بالعدل شيء آخر، وهذا واضح أنت الآن حتى الآن تجد بين بعض المسلمين أحيانًا خلافات وعداوات لكن هذه العداوات لا تجعل الإنسان يظلمهم، فالقصد أن العدل يجب أن يكون متحققًا مع الجميع، والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه).
هنا في قوله -رحمه الله-: (ونقول: الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه) نعم ما يجهله العبد عليه أن يكف عنه، وأن لا يقول على الله بلا علم، وقال -عز وجل- في هذا المقام: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 33]، وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36] فالواجب علينا -أيها الإخوة الكرام- أن نروض أنفسنا، الشيء الذي لا نعلمه نقول: ما ندري، يقول الواحد: الله أعلم، لا أعرف، فهذا لا شك أن هذا هو مسلك الراسخين في العلم، وقد مر بنا من قبل عبارة الإمام الطحاوي لما قال: (فإنه ما سَلِمَ في دينه إلا من سَلَّمَ لله -تعالى- وسلم لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه) فما قد يشتبه نرده إلى عالمه والصحابة -رضي الله عنهم- كان هذا حالهم كما ذكر ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، فابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: «من كان مستنًا فليستن بمن مات» يعني من كان مقتديًا ثم قال -رضي الله عنه- قال: «أولئك أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبر هذه الأمة قلوبًا وأعمقها علمًا وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم قدرهم فإنهم على الصراط المستقيم».
تأملوا أيها الإخوة الكرام هؤلاء الصحب الكرام -رضي الله عنهم- وصفوا بهذه الصفات: أنهم أبر هذه الأمة قلوبًا، إشارة إلى ما قام في قلوبهم من الإخلاص لله -سبحانه وتعالى- وسلامة القصد ثم قال: «أعمقها علمًا» إشارة إلى ما عندهم من اليقين والرسوخ، ثم مع هذا العلم والرسوخ هم أقل الناس تكلفًا، لا يتكلفون الشيء الذي لا يعرفونه، لا يتكلفون؛ ولهذا الشارح ذكر مثلًا مقالة الصديق -رضي الله عنه- وغيره من الصحابة الأجلاء الذين كانوا إذا مرت بهم مسألة لا يعرفونها توقفوا، مثل ما جاء عن الصديق -رضي الله عنه- لما قال: «أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم» فهذا أمر ينبغي أن نتنبه له ونوطن أنفسنا على أن الإنسان إذا ما عرف شيء يقول لا أدري، ولا يتردد في ذلك، والله المستعان.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر).
هذه المسألة لما يقول -رحمه الله-: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر) قد مر بنا بالأمس -أيها الإخوة- أنا نجد في متون الاعتقاد جملة من مسائل الفروع، ومنها هذه المسألة، مر بنا بالأمس مسألة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وهذه هي المسألة الثانية من مسائل الفقه أو من مسائل الفروع التي نجدها موجودة في متون الاعتقاد، وهي مسألة المسح على الخفين، وموجب إيراد هذه المسألة الفقهية الفرعية في كتب الاعتقاد أو في متون الاعتقاد ما سمعناه بالأمس وهو أن هذه المسألة التي بين أيدينا مسألة المسح على الخفين هو أن الرافضة نجد أنهم تركوا المسح على الخفين، وصار شعارًا لهم، صار شعارًا للرافضة، وهو ترك المسح على الخفين، فأهل السنة جانبوا ذلك؛ ولهذا نجد أن الأئمة الكبار كسفيان الثوري يقررون هذه المسألة، سفيان الثوري له عقيدة نقلها اللالكائي في كتابه "أصول أهل السنة" فمما قرره الإمام سفيان الثوري في عقيدته هذه المسألة، مسألة المسح على الخفين وعلى كلٍ نجد أن جملة من متون الاعتقاد تُضَّمن فيها تلك المسألة، مسألة المسح على الخفين وأحاديث المسح على الخفين هي أحاديث متواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يجب علينا أن نأخذ بها ولا يُعتد بالرافضة ولا بخلافهم.
المقصود: أن هذه المسألة خالف فيها الروافض، وأيضًا قال الإمام أحمد خالف فيها أيضًا الإباضية من الخوارج، فالذين خالفوا في هذه المسألة الروافض والإباضية من الخوارج، والأحاديث في هذا متواترة عنه -عليه الصلاة والسلام-.
أشار الشارح بعدها إلى مسألة أخرى -الشارخ ابن أبي العز- حتى لا يقع خلط وهي مسألة المسح على الرجلين، الرافضة تركوا المسح على الخفين مع أن الأحاديث متواترة، فيشرع المسح على الخفين، وكما لا يخفى: وما يلحق بذلك من الجوارب.
عندنا مسألة أخرى أشار لها الشارح، فقد يحصل أحيانًا الخلط بين المسألتين، وهي مسألة المسح على الرجلين، فبين -رحمه الله- كما بين ذلك العلماء: أنه يتعين غسل الرجلين، هذه مسألة غير مسألة المسح على الخفين، فأنت الآن عندما تتوضأ الآن فيتعين عليك أن تغسل رجلين هذا واضح المسألة واضحة في هذا، الروافض هنا أيضًا حصل عندهم الزيغ والانحراف فهم لا يرون غسل الرجلين، وإنما يرون أن تمسح رجليك فقط، فخالفوا هنا وهناك، والمتعين هو أن تغسل الرجلين كما جاءت بذلك السنة عنه -عليه الصلاة والسلام- والسنة أيضًا في هذا متواترة، فالمقصود أن الرافضة خالفوا في هاتين المسألتين: مسألة المسح على الخفين فلم يلتفتوا إلى الأحاديث التي تقرر ذلك، ثم لما يأتي مثلًا قضية كيفية أو صفة الوضوء نجد أنهم يمسحون على الرجلين ولا يغسلون الرجلين، وهذا خلاف سنة النبي -عليه الصلاة والسلام-.
يقول: لما ذكرت يا شيخ عمل الرافضة بأنهم يمسحون الرجلين عندما يتوضئون، ما هو حكم وضوءهم؟.
الوضوء هذا باطل، يعني الرافضة هي مشكلتهم الآن غسل الرجلين؟!! هم دينهم منتقض من أصله أليس كذلك؟ الروافض عندهم من نواقض الإسلام ما لا يحصى في الواقع، فالمسألة ما هي غسل الرجلين عند القوم، وكما يمكن أشرنا أو نشير الآن أن كثير من مسائل الفروع التي تذكر في كتب الاعتقاد نجد أن الروافض هم الذين يخالفون فيها، يبدو أن فيه تلازم أن الشخص كلما زاد ضلالًا في الأصول والاعتقاد كلما زاد انحرافًا في مسائل الفروع؛ ولهذا مثلًا لاحظ هذه المسألة خالفوا فيها مسألة الجهاد مع كل إمام بر أو فاجر مسألة صلاة التراويح، فنجد بعض متون الاعتقاد يقول لك: وصلاة التراويح سنة؛ لأن الروافض يرون أنها بدعة، باعتبار أنهم يقولون أن صلاة التراويح أحدثها عمر -رضي الله عن عمر- مع أن صلاة التراويح أداها النبي -عليه الصلاة والسلام- كما لا يخفى، فالمقصود أن ضلالهم لا حد له، فالمسألة ما هي واقفة على غسل الرجلين والله المستعان، وإلا لا شك أن أقول أن هذا وضوء باطل؛ ولهذا العلماء لما يقولون: ومن يرى مسح الرجلين فهو مبتدع، وعندما يذكرون الرافضة يقولون: هذا خلافهم لا يُعتد به، والله المستعان.
يقول: الآن إذا قلنا ببطلان وضوء الرافضة هل نحكم بكفرهم؟.
لا.. هي ما مسألة نحن مترددين في المسألة هذه في قضية الوضوء، يعني أنا قلت قبل قليل: أن القوم عندهم من نواقض الإسلام ما هو أعظم وما هو أشد وأشنع، القوم يضللون جمهور الصحابة، الصحابة الأجلاء الذين هم خير القرون بعد الأنبياء نجد أن الرافضة يكفرونهم، هذه المسألة تكفي في إخراجهم عن الملة، فكيف إذا انضم إلى ذلك الأمر الثاني هو القول بتحريف القرآن؟!! فيكف إذا انضم إلى ذلك الأمر الثالث وهو: أنهم غلوا في أئمتهم فاستغاثوا بهم وذبحوا لهم وحجوا إلى قبورهم بل فضلوا الحج إلى قبور الأئمة على الحج إلى بيت الله الحرام وطافوا حول قبور أئمتهم واستلموها كما يستلم الركن اليماني أو الحجر الأسود، إضافة إلى العقائد الأخرى التي لا حد لها في ضلالهم كعقيدة الرجعة، عقيدة البداء، عقيدة الطينة، هذه العقائد نجد أنها عندهم جملة هذه العقائد فيها من الانسلاخ عن الملة والخروج عنه ما لا يحصى؛ ولهذا نجد أن جملة من العلماء المحققين في القديم والحديث لا يترددون في بيان كفر هذا المذهب، كفر مذهب الرافضة، وهذا أمر واضح يعني لو جئت كلام العلماء السابقين واللاحقين يقررون هذا الأمر، كلام الأئمة الكبار مثل البخاري، البخاري يقول: «ما أبالي صليت خلف يهودي أو نصراني أو خلف جهمي أو رافضي» هكذا يقول الإمام البخاري، وفي ذلك الوقت يبدو أن كثير من ضلال الرافضة لم يخرج بعد، وإذا جئت مثلًا للعلماء الذين عاشروا الروافض مثل محمد بن علي الشوكاني يعني الشوكاني يتعجب من الذين لا يكفرون الرافضة، يقول: هؤلاء عاندوا الله -سبحانه وتعالى-، وعاندوا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعاندوا شرائع الإسلام، وطعنوا في الصحابة، فالمقصود الكلام في هذا يطول، وأنا أنصح دائمًا الإخوة والباحثين بأن يستفيدوا بما كتبه الدكتور ناصر الجفاري في رسالته القيمة "أصول الشيعة الاثني عشر" فقد عقد فصلًا مستقلًا في الحكم على الرافضة وتتبع أقوال العلماء الذين حكموا على الرافضة من خلال الكتب المطبوعة والمخطوطة.
تقول: بالنسبة لحديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (أنتم شهداء الله في أرضه) إذا كان الشخص هذا له أعمال مخلصة لله في الخفاء، يعني هو يحب أن تكون في الخفاء ليعظم أجره، لا يظهر منها شيئًا إلا مصادفة، يعني سبحان الله يوجد ناس حاقدين على هذا الشخص لكرهه لهم، يعني هم يكرهوه، فإذا توفي هذا الشخص بدءوا بالكلام عليه لبث حقدهم وحسدهم وكرههم له، فكيف يكون مصير هذا الشخص؟.
يقول: سؤال حول المحبة: يعني إذا كان للشخص مثلًا هناك شخص كافر وكان له يد على مسلم فلا شعوري تجد أن قلب هذا المسلم يميل لهذا الكافر بسبب ما أسدى إليه من نعمة أو معروف، ونريد إجابة عن قول الله -تعالى-: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]؟.
يعني سؤال الأخت الكريمة: ما أظن فيه إشكال يعني على العبد المسلم أن ينظر فيما بينه وبين الله -سبحانه وتعالى- كون الناس تكلموا فيه أو لم يتكلموا سواءً كان حيًا أو ميتًا، هذا لا يلتفت إليه، ويجب أن يعلم العبد أنه إذا أصلح ما بينه وبين الله أصلح ما بينه وبين الناس، فعلى الإنسان دائمًا وأبدًا أن يلتفت إلى حق الله عليه، وكما مر بنا من قبل ومن بعد كلام السلف في هذا لما قال الفضيل -رحمه الله-: «من عرف الناس استراح» فالنفع والضر بيد الله، والمدح والذم المعتبر هو الذي يأتي من عند الله، لما قال الأعرابي للنبي -عليه الصلاة والسلام-: (إن مدحي زين وذمي شين، قال -عليه الصلاة والسلام-: ذاك الله) فلا نلتفت إلى مدح الناس وثنائهم، وإنما علينا أن نصلح ما بيننا وبين الله -سبحانه وتعالى-، والذي له عمل صالح يبتغي به وجه الله ويخفيه عن الناس، فهذا من دواعي القبول، لكن ليكن دائمًا وأبدًا هم المسلم في عمله الصالح أن يرضي الله، ليس من أجل أن يكون يلتفت لمدح الناس وثنائهم بل يبتغي بذلك ما عند الله، وكما مر بنا أن من عمل صالحًا وابتغى بذلك وجه الله فإن الله -تعالى- يجعل له القبول والثناء الحسن.
ما ذكره الأخ الكريم من جهة الكافر إذا أسدى إليك معروفًا فنحن نقول كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه) فالواجب على العبد أن يرد المعروف يرد الجميل حتى لا يأسره حتى لو كان عن مسلم يعني المعروف يأسر الإنسان، فعلى المسلم أن يعود نفسه أن يحرر نفسه من أسر المخلوقين، فالمعروف يأسر، فإذا الإنسان أسدى إليك معروفًا عليك أن تكافئه، كما سمعنا هذا الحديث، فيتنبه إلى هذا الأمر سواء كان مسلمًا أو كافرًا.
أما كون هناك محبة جبلية لمن أحسن فهذه المحبة الجبلية الفطرية لا محظور فيها، المحبة الفطرية فكون الإنسان يحب مثلًا والده لو كان مشركًا أو يحب ولده لو كان كافرًا هذه المحبة الجبلية الفطرية لا محظور فيها، لكن كما يجب أن نتنبه إلى قضية أنه قد يجتمع الحب والبغض، كذلك أيضًا قد يكون ابنه مثلًا كافرًا فهذا الأب يحب هذا الابن محبة جبلية؛ لأن النفوس جبلت على حب البنين، وهذا الابن ما هو إلا بضعة منه، فيحبه لكن هذا الحب الجبلي لا يتعارض ولا يتناقض مع بغضه، فهذا الأب يحب هذا الابن محبة جبلية لكن في نفس الوقت يبغضه؛ لأنه متلبس بالكفر، يبغضه ويعاديه، فيجتمع هذا وذاك.
كذلك أيضًا لما يأتي الكلام عن قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ فسواء قلنا هنا ﴿ أَحْبَبْتَ ﴾ يعني أحببته محبة جبلية فلا إشكال، فأبو طالب عم النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحوطه ويرعاه -كما هو معلوم- أو نقول كما قال بعض العلماء: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ أي من أحببت هدايته، وعلى كلٍ سواءً قيل هذا أو ذاك فلا محظور فالنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يحب هداية عمه أبي طالب، لكن مات أبو طالب على الكفر كما جاء في ذلك الحديث الصحيح.
تقول: هل من رأى شخصًا على منكر وخشي منه أن يأمره بالمعروف أو يخبر من يأمره، هل يعتبر هذا الخوف شرك؟.
يقول: الكلمات الطيبة قوية لها أثر في نفوس الناس -إن شاء الله عز وجل-، بالنسبة لما يخص الرافضة لما تكلم أهل العلم عن الرافضة لا إشكال أن أهل العلم كفروا الرافضة بإطلاق، لكن هل هذا الإطلاق منه يلزم أن ننفي الكفر إلى كل عين من أعيانهم؟ هذه مسألة، الثانية: إذا قلنا أننا لا نكفر أعيان الرافضة إلا بعد إقامة الحجة، هل بالفعل الحجة قامت عليهم؟ ولا إشكال أننا نعرف أنهم قد ناظروا أهل السنة وأهل السنة ناظروهم وبينهم كتب مشتركة، وليس أدل على ذلك من المناظرة التي عُقدت بين شيخ الإسلام والحلي في الكتاب المعروف "المنهاج"؟.
تقول: من رأى شخص على منكر ولم ينكر عليه هل يعتبر هذا خوف شرك؟.
يعني هو الأصل أيها الإخوة الكرام أن الأصل في هذا عندنا حديث أبي سعيد الخدري قال -عليه الصلاة والسلام-: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) فعلى المسلم إذا رأى المنكر أن يغيره حسب الاستطاعة وحسب القدرة وأيضًا حسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية، فإذا غلب على الظن أنه يزول هذا المنكر أو يقل فهذا مشروع متعين، أما إذا كان يغلب على الظن أنه يخلفه مثله فهذا محل اجتهاد، أما إذا غلب على الظن أن هذا المنكر إذا سعى إلى إنكاره أنه يترتب عليه ما هو أعظم وأشد فلا.
بالنسبة لما ذكرته الأخت نقول: على الإنسان أن يقدم على التغيير حسب استطاعته ولا يحمله خوف المخلوقين على أن يسكت، فكون الإنسان يحمله خوف المخلوق على أنه لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فهذا ينافي كمال التوحيد، وعلى الإنسان أن يقدم خوف الله -سبحانه وتعالى- على خوف المخلوقين، هذا هو الواجب علينا، الواجب علينا أن نقدم خوف الله -سبحانه وتعالى-، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]، فعلينا أن نخشى الله ونخافه ولا نقدم خوف المخلوق الضعيف المسكين على الخوف من الله -سبحانه وتعالى- الخالق القدير -عز وجل-.
أخونا الكريم لما قال على قضية الحكم على الرافضة بأعيانهم نحن نتكلم نعطي حكمًا عامًا في هذه المسألة، ونعطي الحكم بناء على الظاهر، وقد مر بنا في كلام الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (ولا نحكم عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيء من ذلك) فالقوم أظهروا ذلك، وهذا موجود في كتبهم المعتبرة والمعتمدة عندهم، ونحن نحب أن يهتدي هؤلاء القوم وأن يلتزموا صراط الله المستقيم، فهؤلاء مالنا إلا الظاهر، نحكم عليهم بما ظهر منهم فإن ماتوا فهم على هذا الحكم، كون هؤلاء منهم من هو جاهل من هو ملبس عليه هذا يرد على جملة منهم، فجملة منهم هم تبع لمشائخهم وأئمتهم وآياتهم -كما يقال عنهم- فهؤلاء إن كانوا معذورين بجهل هم عاجزون عن دفعه أو بشبهة أو نحو ذلك، فالله -سبحانه وتعالى- حكم عدل وأمرهم إلى الله -سبحانه وتعالى- بالنسبة إلى الآخرة، لكن كما يجب أن نهتم في هذا الباب أن ندعو هؤلاء القوم، ينبغي لنا أن ندعو هؤلاء القوم، نحن أهل السنة والجماعة المتعين علنيا أن ننشر هذا الخير وأن ننشر هذا الدين الذي أكرمنا الله به، وهؤلاء الذين هم في ضلال وفي انحراف نسعى إلى اجتثاثهم وإنقاذهم من عذاب الله ومن ناره، هذا هو المتعين، فلا يشغلنا الكلام عن الحكم عليهم عما هو آكد وأهم، ألا وهو دعوة القوم، فينبغي أن يحصل توازن، لا يعني أننا باسم الدعوة دعوة القوم، أن نهون قضية الرافضة ونميع المسألة ونقول هؤلاء دينهم صحيح، أو نقول المذهب الجعفري مذهب معتبر كالمذاهب الأربعة هذا تمييع وتضييع دين الله، وما يسمى بالتقريب مع الرافضة هذه من عقود من السنين، فُعلت وما جنت منه الأمة إلا الفشل والبوار، والأمر الآخر لا يحملنا الكلام عن الروافض بأنهم كفار ضلال إلى آخره أن نقصي القوم ولا ندعهم، بل نحن نقول هذا حكم الله فيهم بناء على أدلة وبناء على كلام المحققين من أهل السنة، وبناء على معرفة بواقع هؤلاء القوم في القديم والحديث، لكن هذا الحكم عليهم لا يتنافى مع دعوتهم ومناصحتهم لعل الله -تعالى- أن يهديهم، والحمد لله ثبت في القديم والحديث والواقع المعاصر ولله الحمد أن الكثير من هؤلاء اهتدوا والتزموا بالسنة وهذا من فضل، هذا فضل محض من الله، فكيف لو التفت أهل السنة واجتهدوا في دعوة القوم، أنا أتصور لو بُذِلَ شيء من الجهد عن طريق المؤسسات الدعوية، وعن طريق الدعاة لو قُدِّمَ شيء من ذ لك أكثر مما هو عليه لحصل من ذلك الخير الكثير، فعلينا أن نتحرك وأن ندعو إلى الله -سبحانه وتعالى- والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم) والله المستعان.
يقول: سؤالي في اجتماع الحب والبغض في الله من المسلم للمسلم الذي يعصي الله، لي جار لا يحرص على صلاة الجماعة وأشعر بمشقة في نفسي؛ لكوني أبغضه في هذا العمل وأحبه كونه مسلم، ولا أعرف كيف أغلب الحب والبغض والتعامل أشعر في نفسي بمشقة في كيفية التعامل مع هذا الأمر، أرجو أن توضحوا لي الطريق العملي في كيفية التمييز داخل النفس والتعامل مع المسلم الذي يعصي الله أو يترك حقه؟.
على كل ما ذكره الأخ الكريم الواحد منا فعلًا يشعر بشيء من المعاناة والإشكال إن كان جانبًا نفسيًا فهذا الجانب النفسي نقدره ونشعر به، لكن المهم هو المواقف العملية، ما دام أن هذا الجار المقصر في الصلاة، فنحن نبغضه على قدر هذا التقصير، لكن ما دام أنه من أهل الإسلام وله أعمال تدل على شيء من الخير والالتزام بشيء من شعائر الدين، فنحن نحبه، الذي يضبط هذه الأمور أن نسعى جادين وصادقين أن نضبط مشاعر الحب والبغض وفق الشرع، يعني كون هذا مسلم فله حق الإسلام، له حق النصرة، له حق أن نذب عنه، أيضًا له حق الجوار كما ذكر الأخ أنه جار له، يعني كونه يقصر في الصلاة أو عنده تفريط في الصلاة نبغضه على قدر معصيته، فهنا ينبغي التوسط، لا يحملنا البغض على الإفراط والبغي والعدوان، وأيضًا العكس، لا يحملها الحب إلى درجة أن يقع شيء من المداهنة في دين الله، نحاول أن نضبط هذا الأمر من خلال المواقف العملية، ما دام أن هذا الحب ضبط من خلال أنك تسلم عليه من خلال أنك تنصح له، من خلال أنك تجيب دعوته، وتحقق الأخوة الإيمانية فهذا مشروع، وكونك أيضًا هذا البغض في قلبك له يوجب أن تنصحه فنرجو أن الله -تعالى- يكون قد وفقك إلى هذا وذاك، هذا الذي يمكن أن يقال في هذه العجالة، ودائمًا نحن نذكر مثال في قضية اجتماع الأمرين مثل الأب مع ابنه، فقد الأب يحتاج أنه أحيانًا أن الابن مثلًا يسيء ولا يستصلح إلا بشيء من العقوبة كضرب ونحو فما أظن الأب أو المربي أو المعلم لما يضرب هذا الابن يكون من باب التشفي والانتقام والاستعداء، هو يبغضه وهو في نفس الوقت يحبه، والطبيب يعالج المريض ويسعى إلى حصول الشفاء، فربما اقتضى المقام أن هذا الطبيب يرى أن يقطع هذا العضو من هذا المريض، وعندما يعمل الطبيب إلى قطع هذا العضو المتآكل أو ما يرى أن الأصلح له في بقاء جسده هذا القطع العضو لا يتنافى مع أن هذا الطبيب يرحم هذا المريض أو يوده، والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين، برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهم).
هذه المسألة: (والحج والجهاد ماضيان) هذا يقرره أهل السنة والجماعة من خلال عقائدهم ومن خلال أيضًا مواقفهم العملية، وسبق أن مر بنا بالأمس في موضوع الصلاة، الصلاة خلف كل بر وفاجر، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- والخلفاء الراشدين وكذا ما كان في عهد بني أمية وبني العباس أن الإمام كان يؤم الناس في هذا ويقود الناس في ذاك، فهو الذي يؤم الناس في الصلاة ويقود الناس في الغزو والجهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى- فالعلماء لما يقررون هذا الأمر بناءً على الأدلة على أن الحج والجهاد ماضيان مع كل إمام بر أو فاجر، فهنا لما يأتي قضية الجهاد في سبيل الله مع الأئمة ولو كانوا فجارًا هذا أمر ثبتت به الأدلة، ومما يستأنس به في هذا المقام الحديث الذي أخرجه البخاري قال -عليه الصلاة والسلام-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة المغنم والأجر) أخرجه البخاري، فهنا لما يقول -عليه الصلاة والسلام-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) معناه أن الجهاد مستمر إلى قيام الساعة؛ لأنه قال: (المغنم) والمغنم والغنيمة لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله -كما هو معلوم- فالجهاد قائم لا يبطله جور جائر إلى أن تقوم الساعة، هذا أمر.
وسلفنا الصالح كانوا يجاهدون في سبيل الله، ويقاتلون أعداء الله، وينشرون دين الله مع الأئمة، ولو كان عندهم شيء من الفجور كما نجده عن بني أمية أو بني العباس.
هذا التقرير هو رد على الرافضة الذين يرون أنه لا جهاد حتى يخرج إمام الزمان، حتى يخرج الإمام المهدي عندهم، فالرافضة في عقائدهم يرون أنه لا جهاد إلا مع الإمام الذي هو الإمام الغائب الآن، الذي هو الإمام الثاني عشر، هذا هو المتقرر عندهم في كتبهم، وقد جاء ذلك في "الكافي" في كتاب "الكافي" للكليني وهو بمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة أنهم قرروا هذا الأمر الفاسد وقالوا: إن الجهاد مع غير الإمام المفترض طاعته الذين هم الأئمة الإثنى عشر وآخرهم الإمام الثاني عشر عندهم المهدي محمد بن حسن العسكري يقولون: إن الجهاد مع غير هؤلاء الأئمة هو محرم مثل الميتة والدم ولحم الخنزير، هكذا قالوا: لكن يبدو أن هذا المذهب كما هي عادة هذا المذهب يحصل لهم من التبديل والتغيير ما حصل له فلما جاء الخميني أحدث من التبديل في هذا الدين المبدل أصلًا فجاء في كتابه "ولاية الفقيه" وغيره للخميني أن نواب الإمام الغائب أن لهم من الصلاحيات والأعمال ما يقومون مقام الإمام فكان يقول: إن نواب الإمام لهم أن يقوموا بكل ما يراه الإمام إلا الجهاد، ثم بعدها استثنى الجهاد، قال: أيضًا حتى النواب أيضًا لهم أن يقوموا بالجهاد ثم نجد أن من الرافضة في ذاك الوقت من يخالفه في ذلك.
تقول: ما حكم التودد للعمالة الغير مسلمين من باب ترغيبهم في الإسلام؟ وبعضهم يسأل أيضًا عن الجار الكافر أو المشرك كيف يتعامل معه؟ هل من المصلحة أن يحسن إليه حتى يدعوه إلى الإسلام؟.
الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، فما دام أن هذا الكافر هو جارك أو عمالة ليست مسلمة، فنتعامل معهم بالعدل والبر والإقساط، نتعامل معهم بالرحمة، فالرحمة خلق محمود، وخلق مطلوب شرعًا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (الراحمون يرحمهم الرحمن) والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: (في كل ذات كبدة رطبة أجر) فالرحمة وكون مثلًا هذا الكافر مثلًا من العمالة أو من هؤلاء المغلوب على أمرهم يعني يُقدم له شيء من البر والإحسان هذا أمر لا إشكال فيه، لكن ينبغي ألا يكون هناك تلك المحبة، فبعض الناس يقول لك: كيف تريدني أن أحسن إليه ولا أحبه؟!! نقول: ما فيه إشكال يعني مثل ما أنت الآن ترحم البهائم، وتحسن إليها من جهة الإطعام ومن جهة المال وما أحد يقول والله أنت الآن بينك وبين تلك المخلوقات مودة ومحبة، فالقصد أن الإحسان من جهة البر، من جهة الإطعام، من جهة كذا ما فيه إشكال، لكن هذا لا يتنافى مع قضية أن نبغضهم وأن نعاديهم، وكما قلت ونؤكد: البغض هنا دينك وما هو مزاج وهوى؛ لأنهم تلبسوا بالكفر، وهذا يوجب علينا أن نسعى إلى هدايتهم نسعى إلى دعوتهم وترغيبهم في الإسلام، والله المستعان.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: هل يجتمع في الشخص موجب الحب وموجب البغض؟ طبعًا موجب يعني سبب، هل يجتمع في الشخص موجب الحب وموجب البغض؟ مع التعليل؟
السؤال الثاني: ما وجه إيراد مسألة المسح على الخفين في متون الاعتقاد؟

nary_jon
06-04-2008, 07:19 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس السابع عشر : من قوله: «ونؤمن بالكرام الكاتبين»

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)


الدرس السابع عشر

من قوله: «ونؤمن بالكرام الكاتبين»

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بالكرام الكاتبين فإن الله قد جعلهم علينا حافظين).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

نبدأ حيث وقفنا كان بقي عندنا مسألة يسيرة تتعلق بالمسألة السابقة، وهي مسألة الحج والجهاد مع أولي الأمر سواءً كانوا أبرارًا أم فجارًا، نحب أن نشير إلى أن ما قرره علماء أهل السنة من الجهاد مع الأئمة وإن كانوا فجارًا من جهة قاعدة المصالح والمفاسد مثل ما مر بنا في مسألة الصلاة خلف كل بر وفاجر، وأن الشخص بين مفسدتين: بين مفسدة الصلاة خلف الفاسد، وبين مفسدة ترك الجمعة والجماعة، واتضح لنا ولكم -أيها الإخوة أيها المشاهدون والمشاهدات- أن مفسدة ترك الجمعة والجماعة تربوا وأشد من مفسدة الصلاة خلف الفاسق، كذلك أيضًا في هذه المسألة عندنا، مسألة الجهاد مع الإمام أو الإمام الفاسق فهما أمران، أن يجاهد مع هذا الفاسق، وهذا لا يخلو من مفسدة، لكن مفسدة ترك الجهاد في سبيل الله ومفسدة استيلاء العدو لاشك أنها تربو وتعظم على مفسدة الجهاد مع الإمام الفاجر؛ ولهذا عقد الإمام البخاري بابًا بهذا العنوان "باب الجهاد مع كل إمام سواءً كان برًا أو فاجرًا" وذكر الحديث الذي أورده في صحيحه قوله -عليه الصلاة والسلام-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم).

المسألة التي سمعناها من أخينا الشيخ هذه العبارة لما قال -رحمه الله-: (ونؤمن بالكرام الكاتبين) المراد بالكرام الكاتبين هم الحفظة الذين يكتبون عمل العبد، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿10﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10- 12].

فهؤلاء الملائكة الكرام الكتبة الحفظة يكتبون أعمال العبد سواءً كانت حسنة أو سيئة، وهذا أيضًا جاء في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿17﴾ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 17، 18] رقيب: يرقب العبد، وعتيد: أي حاضر مُعِد، فهما ملكان كريمان -عليهما السلام- قد وكلا بكتابة أعمال العباد، وهذا أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة، هذا الإيمان بهؤلاء الكرام الكاتبين يوجب علينا أن نخشى الله -سبحانه وتعالى-، وأن نستحيي منه -سبحانه وتعالى- فإذا كان هؤلاء الكرام لا يفارقوننا، وكما ورد في بعض الآثار: «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع فأكرموهم واستحيوهم» أو كما ورد في الأثر، فالمقصود أن الإيمان بالكرام الكاتبين هذا يوجب الحياء من الله -سبحانه وتعالى- والانزجار عن المعاصي والحرص على الطاعات، هؤلاء هم الحفظة.

يبقى عندنا مسألتان تتعلق بالحفظة وهو: هل هؤلاء الكرام يكتبون كل شيء حتى المباح؟ هذه مسألة فيها خلاف، وظاهر الآية الكريمة التي سمعناها في قوله تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿17﴾ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ظاهر الآية ماذا؟ أنهما يكتبان الحسنات والسيئات أو يكتبان كل شيء حتى المباح؟ ظاهر الآية نعم؛ لأن هنا في قوله تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ "قول" كما تلحظون نكرة جاءت في سياق النفي فهي تفيد العموم، هذه مسألة.

المسألة الأخرى: وهي مسألة هل الكرام الكاتبون يكتبون النوايا وما في القلوب من أعمال؟ فأيضًا ظاهر الآية الكريمة التي سمعناها لما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿10﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ والنية هي فعل القلب فالله -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، أقدر هؤلاء الكرام أقدرهم على الاطلاع على ما في قلب الشخص من نوايا حسنة ومن نوايا سيئة، فالمقصود أنهما يكتبان ما يعزم عليه العبد من الهم بحسنة أو الهم بسيئة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا حديث أورده الشارح لكن ننبه عليه بإيجاز، الحديث الذي أخرجه مسلم أنه -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّلَ به قرينه من الجن وقرينه من الإنس) فقال الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا: (وإياك يا رسول الله؟) قال -عليه الصلاة والسلام-: (وإياي) قوله -صلى الله عليه وسلم- (وإياي) يعني أنا لي قرين من الجن، (وإياي) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ولكن أعانني الله عليه فأسلم).

هنا وقع خلاف بين شراح الحديث من جهة ضبط الحديث، والذي يظهر -والله أعلم- أنه يضبط هكذا (فأسلم) الذين هما من الفاعل؟ (ولكن أعانني الله عليه فأسلم) الذي هو القرين، إذن الذي أسلم هو القرين.

أسلم يعني دخل في الإسلام؟.

قال بعضهم هذا، والبعض يرى خلاف ذلك ومنهم الشارح تبعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهم يرون أن معنى (أسلم) يعني خضع وانقاد، وإن لم يكون مؤمنًا، فإذن الذي يظهر والله أعلم من جهة الضبط أنه فأسلم والفاعل هو القرين، وأيضًا ما المعنى؟ هل معنى أنه صار مؤمنًا الذي رجحه شيخ الإسلام وكذا الشارح وجملة من الشراح أن المراد أنه استسلم وخضع، كما إذا استسلم الأسير وصار في قبضتك؛ ولهذا قال شارح الطحاوية -رحمه الله- قال: «من قال أسلم يعني سلم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد حرف لفظه، ومن قال: استسلم الشيطان وصار مؤمنًا فقد حرف معناه».

نخلص من هذا أن المسألة فيها كلام طويل لشراح الحديث، والذي رجحه الشارح وأيضًا من قبله شيخ الإسلام ابن تيمية وجملة من علماء الحديث أن الحديث يضبط هكذا (فأسلم) الذي هو القرين، طيب ما معنى أسلم؟ معناه أنه استسلم وخضع، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
يبقى مسألة ذكرها أيضًا الشارح وهي: الحفظة الذين يحفظون العبد من الآفات وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ [الرعد: 11]، فالله -سبحانه وتعالى- بمنه وكرمه ورحمته جعل ثمة معقبات يحفظون العبد من الآفات، يحفظونه -كما سمعنا- من أمر الله، ما معنى ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾؟ يعني يحفظونه بأمر الله، والمعنى أيضًا ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ أن هذا الحفظ صادر عن أمره -سبحانه وتعالى-، والله أعلم. هذا ما يتعلق بهذه المسألة والله أعلم.

يقول: ما الفائدة من كتابة الملكين للأمور المباحة؟ لا شك أن الأمور المستحبة يؤجر عليها المرء، وكذلك يعاقب على الأمور المعاقبة؟ لكن الأمور المباحة ما الفائدة من كتابتها؟.

على كلٍ أنا ذكرت أن في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، منهم من قال إنهم يكتبون كل شيء حتى المباح، ومنهم من قال: لا..، يكتبان ما للعبد وما عليه ما له من الحسنات، وما عليه من السيئات، أما الحكمة في ذلك فنحن ما علينا إلا أن نسلم للنص، وكما قلنا لكم ظاهر الآية الكريمة أن الآية تدل على العموم أليس كذلك؟ لأن هنا نكرة في سياق النفي تفيد العموم ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ ﴾ فهذا الذي جعل البعض يرجح هذا القول؛ ولعل من الحكم أن في ذلك دلالة على ما هو -سبحانه وتعالى- موصوف من سعة علم -سبحانه وتعالى- وأن عمل العبد كله سواءً دق أو خفي سواءً كان محبوبًا أو مسخوطًا أو مباحًا كل ذلك مكتوب عنده، هذا لا شك أنه يستوجب على العبد أن يضبط أموره حتى المباح، أن المباح أيضًا يضبطه؛ لأن التوسع في المباحات قد يؤول به إلى ما لا يُحمد من المحرم والمكروه، وإذا علم العبد أنه مكتوب عليه حتى المباح لاشك أن هذا يستوجب مزيدًا من الخشية والحياء منه -سبحانه وتعالى- والله أعلم.

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين).

هنا قال -رحمه الله-: (ونؤمن بملك الموت) المقصود بملك الموت هو كما قال: (الموكل بقبض أرواح العباد) أرواح الناس، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ [السجدة: 11]، أما تسميته عزرائيل فقد سبق أن مر بنا في درس قديم أن هذا لا يثبت وإنما جاء ذلك في بعض الإسرائيليات، فنحن نلتزم بما جاء به القرآن في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ﴾ فنسميه ملك الموت ولا نسميه عزرائيل، هذا أمر.

هنا في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ ﴾ وجاء في آية أخرى قال تعالى: ﴿ اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ [الزمر: 42] وفي آية ثالثة قال: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا ﴾ [الأنعام: 61] فهنا أضاف الموت إلى ملك الموت، ومرة أضافه إلى الرسل من الملائكة -عليهم السلام- ومرة أضافه إليه سبحانه قال: ﴿ اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ ﴾ فهنا نقول: لا إشكال ولا تعارض، فالذي يتولى قبض الأرواح هو ملك الموت كما جاء ذلك في حديث البراء بن عازب أن ملك الموت هو الذي يتولى قبضها، فملك الموت هو الذي يتولى قبض الأرواح، فإذا قبضها كما جاء في حديث البراء في رواياته يعني لم يدعوها -أي الرسل- وهم ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لم يدعوها معه طرفة عين، أليس كذلك؟ فمنذ يقبض ملك الموت الروح في الحال، يقبضها يعني تنتقل من ملك الموت إلى الرسل الذين هم ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب على حسب حال الشخص، إن كان مؤمنًا أخذها ملائكة الرحمة، وإن كان كافرًا أو منافقًا أخذها ملائكة العذاب، وكل ذلك قبض الأرواح وانتقالها إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب كل هذا بأمره -سبحانه وتعالى- وتقديره، فصحت الإضافة إلى كلٍ من هذه الأمور الثلاثة المذكورة في الآيات الكريمات، هذه مسألة.

المسألة الثانية: جاء الكلام عن مسألة الروح، من المسائل التي نؤكد عليها في هذا المقام أن الروح لاشك أنها مخلوقة من جملة المخلوقات التي خلقها الله -سبحانه وتعالى- قال -عز وجل-: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16] فقوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ و"كل" من أبلغ صيغ العموم، فيدخل في ذلك الروح وسائر المخلوقات، فالروح مخلوقة، خلافًا لزنادقة الفلاسفة والصوفية الذين زعموا أن الروح قديمة، ومقصودهم لما يقولوا: الروح قديمة، أي أنها قديمة كقِدم الله -سبحانه وتعالى- تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

إذن نخلص من هذا أن الروح مخلوقة من جملة المخلوقات التي خلقها الله -سبحانه وتعالى-.

طبعًا بعض أصحاب الشبهات والذين في قلوبهم مرض يقولون: إن الروح ليست مخلوقة، وربما يتعللون ببعض الآيات القرآنية فيقولون أن الله -تعالى- قال: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ [الحجر: 29] فأضاف الروح إلى نفسه -سبحانه وتعالى-، فيحتجون بهذا فيقولون: الروح مضافة إلى الله كإضافة الصفات، واضح الشبهة عند القوم، فيقولون: كما يضاف مثلًا الكلام والسمع والبصر إلى الله فأيضًا إضافة الروح مثل إضافة السمع والبصر والكلام، وأنتم تعرفون أن السمع والبصر إذا أضيف إلى الله مثل ما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ [التوبة: 6] هذه إضافة صفة إلى الموصوف ولا إضافة مخلوق إلى الخالق؟ جزمًا إضافة صفة إلى الموصوف، فهؤلاء زعموا أن إضافة الروح إلى الله في قوله: ﴿ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ﴾ من جنس إضافة الصفة إلى الموصوف، فنقول لهؤلاء: كلامكم هذا تلبيس، وكلام باطل بل إضافة الروح هنا هي من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، وهي إضافة تقتضي التشريق والتكريم.

قد يقول قائل: ما الضابط؟ كيف نعرف أن هذه الإضافة من باب إضافة المخلوق إلى الخالق؟ أو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف؟

عندنا الآن -أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة- عندنا إفراط وتفريط، هناك من إذا رأى شيئًا أضيف إلى الله يحكم مطلقًا أنه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وهناك العكس، يرى أن كل ما يضاف إلى الله هو من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، أهل السنة والجماعة يفرقون، ويقولون:

هناك أشياء تضاف إلى الله هي من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
وهناك أشياء تضاف إلى الله هي من باب إضافة المخلوق إلى الخالق.

فما الذي يضبط المسألة؟ كيف نعرف أن هذا إضافة صفة للموصوف أو أن هذا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق؟

الجواب بإيجاز وينبغي أن تنتبهوا وأيضًا كذلك من يشاهد هذه الحلقة: أن المضاف إلى الله إن كان من الأعيان، أو بعبارة أخرى: إن كان قائمًا بذاته فهو من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، لما تقول مثلًا عن الكعبة بيت الله، الكعبة الآن تراها قائمة بذاتها أليس كذلك؟ فلما نقول: الكعبة هي بيت الله فهذا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، لما نقول عن ناقة صالح -عليه السلام-: إنها ناقة الله، فهذه أيضًا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، الناقة قائمة بذاتها ويراها الناس آنذاك، كذلك أيضًا لما نقول مثلًا: إن عيسى -عليه السلام- قال: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ﴾ [مريم: 30] فعيسى الآن شخص قائم بذاته ولا لا؟ كذلك، وهكذا، لكن لما نأتي للكلام كما سمعنا الآية الكريمة، ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ﴾ الكلام هل هو قائم بذاته ولا قائم بالموصوف؟ هل الكلام قائم بذاته؟ هل أحد منكم رأى الكلام قائم بذاته مثل هذه الطاولة أو مثل هذا الآدمي الذي أمامكم؟ لا، الكلام هو من المعاني التي تقوم بالموصوف، فخذوها قاعدة: إن ما كان قائمًا بذاته فإنه إذا ضيف إلى الله يكون من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، أما إذا كان معنى لا يقوم بذاته فإضافته إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.

نرجع إلى مسألة الروح التي وقع فيها الاشتباه، الروح الآن هي في الحقيقة والواقع هي قائمة بذاتها، الروح الآن تذهب وتصعد وتجيء ولا لا؟ لاحظوا الآية التي سمعناها: ﴿ اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ﴾ [الزمر: 42] إذن الروح تذهب، الروح تفارق البدن أليس كذلك؟ تفارقه عند الموت، وتفارقه أيضًا عند النوم أي نعم، وأيضًا هو -عليه الصلاة والسلام- قال: (إن الروح إذا قُبِضَ تبعه البصر) فالروح قائم بذاته وإن كنا لا نشاهده بأعيننا، إذن نقول: الروح إضافتها إلى الله هي من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، وهكذا، إذا قلنا: إن عيسى روح الله حتى ما يقع لبس في مسألة عيسى -عليه السلام- فهذا أيضًا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق باعتبار أن عيسى قائم بذاته وأيضًا اعتبار أن الروح قائمة تذهب وتصعد وتجيء. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

ننتقل إلى مسألة أخرى: الروح كما لا يخفى عليكم حصل فيها خوض وحصل فيها قيل وقال: والله تعالى قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85] والله -سبحانه وتعالى- في كتابه والنبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في السنة الصحيحة ذكر شيئًا من صفات الروح وأنها تذهب وتصعد وتجيء وأنها تُقبض وأنها كما في حديث البراء بن عازب الطويل وأنها تُنزع، روح الكافر تُنزع كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، وروح المؤمن أنها تخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء فهذه كلها صفات جاءت بها نصوص الوحيين الواجب علينا أن نصدق بها وأن نؤمن.

المقصود أن علينا أن نؤمن بهذه الصفات التي جاءت في نصوص الوحيين، كما هي العادة في جملة من المسائل يقع الإفراط والتفريط، هنا في مسألة الروح وقع إفراط وتفريط، وقع إفراط وتفريط عند الفلاسفة وعند المتكلمين، فالفلاسفة جعلوا الروح كالعدم، قالوا: الروح لا داخل العالم ولا خارجه، لا داخل البدن ولا خارجه طيب إذا كانت الروح لا داخل البدن ولا خارجه أو لا داخل العالم ولا خارجه أين ستكون؟!! هل ستكون موجودة؟!! إذن ستكون معدومة، ما فيه شيء إلا أن يكون إما داخل العالم الذي نراه وإما خارج العالم، لكنك تقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا داخل البدن ولا خارجه صارت عدمًا، فالفلاسفة غلب عليهم تجريد الروح، أنهم جردوا الروح عن صفاتها، يعني جردوا أنهم نفوا الصفات عن هذه الروح فوقعوا في هذا التعطيل المحض فجعلوها عدمًا، قابلهم المتكلمون، المتكلمون العكس تمامًا، فالمتكلمون جعلوا الروح كالبدن، فبعضهم يقول لك مثلًا: الروح هي الحرارة الغريزية، يقول لك الآن الشخص إذا مات يكون بدنه باردًا أم حارًا؟ باردًا فيقول لك: الروح هي الحرارة الغريزية، وبعض يقول لك: الروح هي الدم الصافي، الشخص الآن إذا مثلًا ضربت عنقه وخرج هذا الدم فيقول لك: هذه هي الروح، القصد أننا نجد أن أهل الكلام لهم أقوال متعددة يجمعها أنهم جعلوا الروح كالبدن، نحن لسنا مع هؤلاء ولا مع أولئك، نحن نقول: الروح وصفت بصفات يجب أن نثبتها خلافًا لمن؟ للمتكلمين ولا الفلاسفة؟ خلافًا للفلاسفة، لكن هل نقول: إن الروح مثل البدن؟ أبدًا، الروح ليست مثل البدن، الروح لها شأن عجيب، أنت الآن نائم والروح أيضًا تفارق بدنك ولا ما تفارقه؟ تفارقه، لكن بإطلاق ولا تفارقه بوجه؟ بوجه، فشأن الروح كونها تذهب تصعد تجيء، النبي -عليه الصلاة والسلام- رأى موسى في حديث الإسراء والمعراج أين؟ في أي سماء؟ السماء السادسة، وفي حديث مسلم أنه -عليه الصلاة والسلام- رآه يصلي في قبره، طبعًا رأى من؟ رأى هذه الروح، فلما رآه في السماء قلنا: هذه الروح، هذه أرواح الأنبياء شكلت بأبدانهم فهذا شأن الأرواح تصعد تذهب وتجيء على وفق تقدي الله -سبحانه وتعالى- ومشيئته.
إذن نخلص من هذا أن نشير إلى هذا المسلك الضال والمنحرف عند الفلاسفة وعند المتكلمين.

تبقى عندنا مسألة وهي مسألة: هل تموت الروح؟

هذه وقع فيها نزاع وابن القيم حكى الخلاف، وبين تحرير المسألة، والجواب في هذا بإيجاز شديد: أن نقول: ماذا يراد بالموت؟ إن أردت بالموت مفارقة الروح للبدن أن هذه الروح تفارق البدن فإذا أريد بالموت مفارقة الروح البدن، فهل الروح تموت بهذا المعنى ولا لا؟
تموت.

نعم تموت إذا أريد ذلك، أما إن أريد بالموت العدم، أنها تُعدم، فليس الأمر كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- خلق هذه الروح وكتب لها الخلود، واضح الكلام في المسألة هذه؟ نقول: مسألة هل تموت الروح؟ إن أريد بالموت مفارقة الروح للبدن فنعم، فهي تموت بهذا المعنى، أما إن أريد بالموت العدم أن الروح تُعدم كما البدن يُعدم، ما هو الآن الشخص إذا مات هذا البدن يبلى ولا ما يبلى؟ فإن أريد بالموت العدم والبلاء فالروح كتب الله لها الخلود والله أعلم.

يقول: إذا قلنا بأن الروح تعدم، عندما يموت الإنسان يكون عذاب وأيضًا يكون نعيم في القبر هذا العذاب وهذا النعيم يكون على البدن والروح؟ وإذا قلنا بأن الروح تعدم فمعناه أن العذاب أيضًا ينعدم بانعدام الروح؟.

لا.. بس إحنا يا أخي الكريم هل قلنا أن الروح تعدم؟ ما قلنا هذا، الروح تفارق الجسد، لكن إذا وضع إنسان في قبره كما سيأتي بعد قليل -إن شاء الله- الروح تتصل بالبدن في القبر، لكن الروح ليس لا يقال إنها معدومة، لا تعدم، نحن الآن نريد أن نفصل في المسألة فنقول: إذا أريد بالموت مفارقة روح البدن نعم، لكن إذا أريد بالموت العدم فالروح تموت ولا ما تموت بهذا المعنى؟ هل تموت الروح بمعنى أنها تُعدم؟

لا أبدً.

لا، إجماعًا إذا أريد بالموت العدم أنها تعدم فلان، وإن أريد به مفارقة البدن فنعم، يعني هذا هو الخلاصة في هذا الكلام في هذه المسألة.

يقول: أنتم ذكرتم أقوال الفلاسفة والمتكلمين في تفسيرهم لمعنى الروح، لكن ما أدري هل أشرتم إلى قول أهل السنة والجماعة؟.

نحن قلنا أهل السنة والجماعة وسط بين الفلاسفة وبين المتكلمين فنحن لا نقول إن الروح كالبدن، بل نقول: أن الروح لها من الصفات والأحوال ما لا يماثل البدن، لكن أيضًا لما نقول إنها لها من الصفات والأحوال ما يخالف البدن لا يعني أننا ننفي جميع الصفات، البدن الآن الشخص مثلًا أنت الآن مثلًا في الدور الأرضي تصعد أحيانًا للدور الثاني، والروح تصعد ولا ما تصعد؟ تصعد وتذهب وتجيء، لكن هل يلزم من ذلك المماثلة؟ هل صعود الروح يماثل تمامًا صعود البدن؟ الجواب، لا. فالمقصود أن أهل السنة وسط بين الفريقين، وأهل السنة يثبتون الصفات التي جاءت في نصوص الوحيين، هذا هو المسلك الوسط أننا نثبت الصفات ونقتصر على ما جاء به الدليل، والله أعلم.

تقول: ما الفرق بين الروح والنفس؟.

هذا ذكرها الشارح عرض لها والشارح من باب الفائدة كلام الشارح -رحمة الله عليه- هنا في كلام ابن أبي العز هو ملخص من كتاب "الروح" لابن القيم، وابن القيم عرض لهذه المسألة، فمنهم من قال: إن الروح شيء والنفس شيء، والذي عليه الجمهور أن الروح هي النفس، هذا الذي عليه الجمهور، وإن كان ابن القيم فصل وقال: إن الروح لها إطلاقات تختص بها والنفس لها إطلاقات تختص بها هذا بسطه ابن القيم، لكن الذي عليه جمهور أهل السنة أنها قد تسمى النفس وقد تسمى الروح.

يقول: الروح هل هي منتشرة في الجسم؟ أم الروح هي شيء معنوي في مكان ما؟ قال الله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ﴾ [الواقعة: 83] معنى ذلك أنها تتجمع حتى تبلغ في مكان ما، والإنسان إذا قطع عضو منه هل قطعت شيء من الروح؟.

على كلٍ نحن كما قلنا لكم في البداية: إن الروح أيها الإخوة الكرام هي من الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به سواءً عقلناه أو لم نعقله، أما القضية التي ذكرتها أن الروح هل هي تكون في موطن أم أنها منتشرة؟ يعني ابن القيم -رحمه الله- كلامه في تعريف الروح يدل على أنه ربما يميل إلى أنها في البدن كله فهو قال: إن الروح هي جسم لطيف نوراني علوي يسري في البدن سريان الماء في الورد، فلما تأتي مثل الورد ونحوه الماء يسري في بعضه أو في جميعه؟ في جميعه، هذا يمكن أن يقال.

البعض يقول لك مثلًا: كون شخص قطع منه عضو هذا العضو تعطلت منافعه فالروح التي تسري فيه ذهبت، يعني مثلًا شخص عنده شلل في يده وعلى كلٍ نحن لا نريد أن نخوض في أمر هو مُغيب، أين موطن الروح؟ أنا ما عندي جواب في هذا، ويكفينا ما جاء في الآية الكريمة التي سمعناها ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ لكن أيضًا لما نقول: إن الروح هي من أمر ربي كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [الإسراء: 85] لا يفهم من هذا ما يقع فيه البعض أحيانًا أن البعض لا يريد أنك تذكر من صفات الروح بحجة أنها من أمر ربي، لا. هي لاشك أنها من مأمورات الله ومخلوقاته، لكن الله -سبحانه وتعالى- ذكر في كتابه وعلى لسانه نبيه -عليه الصلاة والسلام- جملة من هذه الصفات التي يجب علينا أن نؤمن بها وأن نصدق والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة -رضوان الله عليهم- والقبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران).

هنا قال -رحمه الله-: (وبعذاب القبر) يعني نؤمن بعذاب القبر (لمن كان له أهلً) عذاب القبر -أعاذنا الله منه- عذاب القبر ونعيمه مما يقرره أهل السنة في عقائدهم كما جاءت بذلك الأدلة، والأحاديث المتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- بل جاء ذكر عذاب القبر في كتاب الله -عز وجل-، هذا أمر قرره أهل السنة وأثبتوه في عقائدهم إتباعًا لنصوص الوحيين، أما الفلاسفة والزنادقة فقد أنكروا ذلك، فأنكر الزنادقة والفلاسفة عذاب القبر كما أنكره أيضًا الخوارج وبعض المعتزلة، فعندنا الزنادقة، وإذا قلنا: الزنادقة ينصرف للمنافقين ونحوهم، وعندنا الفلاسفة أنكروا عذاب القبر، وعندنا الخوارج وبعض المعتزلة، فالمعتزلة منهم ومنهم، منهم من يقر بعذاب القبر ومنهم من ينكر عذاب القبر، هؤلاء هم الذين أنكروا عذاب القبر.

أشرنا إلى أن عذاب القبر جاء ذكره في كتاب الله -عز وجل- ومنه ما جاء في قوله تعالى عن آل فرعون قال -عز وجل-: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 45، 46]، فهنا في قوله تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ المراد بالنار كما قال جملة من المفسرين المراد بالنار هنا -أعاذنا الله منها- عذاب القبر، قال: ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ إذن الأولى هي القيامة الصغرى، ﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ ثم قال: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ﴾ التي هي القيامة الكبرى التي هي ما بعد البعث والنشور كما سيأتي -إن شاء الله-.

أيضًا جاء في سورة الطور إشارة إلى ذلك كما يقول بعض المفسرين قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الطور: 47] فهنا أشار بعض المفسرين إلى أن المراد بذلك عذاب القبر.

أما الأحاديث: فالأحاديث في هذا متواترة -كما ذكرنا- منها حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- مرفوعًا قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيجلسانه فيقولانه له: ما تقول في هذا الرجل -يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم-؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام- فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة) قال -عليه الصلاة والسلام-: (فينظر إليهما جميعً) ينظر إلى ماذا؟ إلى مقعد النار ومقعد الجنة، ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (وأما الكافر المنافق فيقول: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيقال له: لا دريت ولا تليت ثم يضرب بمطرقة من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين) أخرجه البخاري ومسلم، هكذا جاء الحديث، وجاء حديث البراء بن عازب الطويل فيما هو أكثر بسطًا من ذلك.

أيضًا من الأحاديث التي ينبغي أن نذكرها في هذا المقام ونذكر أنفسنا ونذكر الإخوة ومن يشاهد هذه الحلقة أن نذكر بحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، لما مر النبي -عليه الصلاة والسلام- بقبرين فقال -عليه الصلاة والسلام-: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما الأول فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ثم أخذ -عليه الصلاة والسلام- جريدة رطبة فشقها نصفين وجعل على كل واحدة منهما شقًا؛ وقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبس) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وحديث أنس السابق أيضًا أخرجه البخاري ومسلم.
المقصود أيها الإخوة أن أحاديث عذاب القبر ونعيمه أحاديث متواترة يجب علينا أن نؤمن بها وأن نصدق وأن نستعد لهذا المآل، وهذا المصير، غلب على الناس -ونحن منهم- الغفلة والانهماك في الحياة الدنيا.

الله -تعالى- يقول عن حال كثير من الناس قال-عز وجل-: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، هذا غالب حال الناس، غالب حال المسلمين، الدنيا والملذات والقيل والقال، لكن تذكر الدار الآخرة، تذكر الموت وما بعده وهو حق اليقين وعين اليقين هناك غفلة، فيجب علينا نحن معشر المسلمين أن نتذكر الموت، وأن نستعد للقاء الله -سبحانه وتعالى-، فهذا الموت حتم لازم، وما من أحد منا إلا وله قريب أو صديق أو ابن أو كذا إلا وقد قربت منه المنية فهذه كلها نذر، كلها عبر لمن كان له قلب.

قال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88] الرسول -عليه الصلاة والسلام- في حديث ابن عمر أخذ بمنكبي ابن عمر أو بمنكبه، وقال -عليه الصلاة والسلام- لابن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ثم كان ابن عمر يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وخذ من صحتك لمرضك ومن فراغك لشغلك» أو كما قال -رضي الله عنه-، فلابد من الاعتناء بهذا الأمر والاستعداد له.

كان أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إذا وقف عند القبر يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع، فسئل عن ذلك فقال -رضي الله عنه- قال: إني سمعت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يقول: (القبر أول منازل الآخرة، من نجا منه فما بعده أيسر منه، ومن لم ينجو منه فما بعده أشد منه) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما رأيت منظرًا قط أفظع من القبر) أو كما قال -عليه الصلاة والسلام-.

فيا أيها الإخوة ينبغي أن نتنبه لهذا الأمر، وأن نلتفت إلى هذا الموضوع، ما يتعلق بالموت وما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه، هناك غفلة وهناك ركون للدنيا، وركون للملذات، والشهوات فينبغي للإنسان أن يحرك قلبه، وأن يتذكر هذا المصير الذي لا انفكاك عنه، وأن يتذكر أصحابه وأقرانه وآباءه وأجداده ممن اخترمتهم المنية، وصاروا الآن بين أطباق الثرى نسأل الله -تعالى- لنا ولكم العبرة ونسأله -سبحانه وتعالى- لنا ولكم حسن الختام.

تقول: بالنسبة لعلمكم بالكتاب والسنة هل ورد في الكتاب والسنة شيء بخصوص أيام القبر ولياليه هل هي كأيام الدنيا في طولها ولياليها؟ أم هي تعد من أيام الآخرة كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47]؟

الشق الثاني من السؤال: ورد حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في سورة "الملك" بأنها منجية من عذاب القبر إذا قرأت في كل ليلة، ما مدى صحة هذا الحديث؟ وهل يوجد شيء معروف في الكتاب والسنة إذا تمسك به المؤمن كان له منجيًا من عذاب القبر سواءً إذا تمسك مثلًا بصيام أو بصلاة أو بشيء من العبادات أكد عليه النبي أنه إذا تمسك به يكون منجيًا من عذاب القبر أو أنه لا يوجد؟.
أنا ما أدري عن السؤال الأول، ما أدري عن قضية هل أيامه كأيام الدنيا أو أيام الآخرة القيامة الكبرى ما أدري.

أما قضية ما الذي ينجي من عذاب القبر؟ نعم ما جاء في "تبارك" هذا ثابت، ويبقى هذا من نصوص الوعد، ونصوص الوعد يجب أن نثبتها كما نثبت نصوص الوعيد، لكن هذا الوعد أيضًا متحقق باجتماع الشروط وانتفاء الموانع، فلا يعني كون الشخص يحافظ عليها ويقصر فيما عداها، لا يعني أن يكون هذا منجيًا له، فالوعد والوعيد هو متحقق لكن باجتماع الشروط وانتفاء الموانع.

أما الذي ينجي من عذاب القبر فالعلماء تحدثوا منهم السفاريني -رحمه الله- أن الذي يمكن أن يقال على سبيل الإجمال والإطلاق أن فعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه هو الذي ينجي العبد من عذاب القبر هذا على سبيل الإجمال، فالعبد المؤمن الذي يفعل ما أمر الله به من الواجبات، وينتهي عما حرم الله لاشك أن هذا هو الذي ستتحقق له النجاة من عذاب القبر، فهذا هو الجواب الذي يمكن أن يقال على سبيل الإجمال.

يقول: عذاب القبر يكون للروح أو للجسم أو كلاهما؟ وبعض الناس يسألون عن نوعية العذاب في القبر؟ يعني يختلف عذاب القبر للمنافق للكافر أو هما سواء في العذاب؟.

يعني هو العذاب عذاب القبر -أعاذنا الله منه- على الروح والبدن معًا، هذا الذي يظهر وهذا الذي أشار له ابن القيم -رحمه الله- في كتاب "الروح" أيضًا ما دام أنك ذكرت المسألة هذه نحن نؤكد أيها الإخوة أن ما يتعلق بالحياة البرزخية أو ما يتعلق بعذاب القبر ونعيمه أيها الإخوة هذا من الغيب الذي استأثر الله به فيجب علينا أن نؤمن بذلك وأن نوقن بما جاء في النصوص الشرعية وإن كنا لا نعقل كيفية هذا العذاب أو ذاك النعيم، الواجب علينا نؤمن بذلك وأن نصدق؛ لأن هذا كلام الله -سبحانه وتعالى- وكلام النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي لا ينطق عن الهوى، أما العذاب فيقع عليهما.

يبقى أيضًا في مسائل يمكن نذكرها بمناسبة هذا السؤال أيضًا حتى السؤال. العبد يسأل عن من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ فأيضًا الذي يظهر أن هذا السؤال عام، يعني سؤال عام للمؤمن والكافر والمنافق، وحديث البراء يدل على ذلك، أنه قال في رواية قال: (أما الكافر) وفي رواية قال: (أما المنافق) وفي رواية قال: (أما المرتاب) فالذي يظهر أنه يسأل جميع هؤلاء سواء كانوا مؤمنين أو كفار أو منافقين.

أيضًا هناك مسألة: هل عذاب القبر أو السؤال وما يتبعه من العذاب هل السؤال من ربك؟ ومن نبيك؟ يختص بأمة محمد -عليه الصلاة والسلام- وما معها من منافقين وكافرين؟ أم يشمل الأمم كلها؟ فالذي استظهره ابن القيم ورجحه ابن القيم -رحمه الله- أن السؤال عام، يعني لهذه الأمة ولغيرها، وقال إنهم إذا كانوا يُسألون يوم القيامة ماذا كنتم تعبدون؟ ماذا أجبتم المرسلين؟ فأيضًا هم يسألون أيضًا في قبورهم، ومن أهل العلم من يرى أن هذا السؤال يختص بهذه الأمة بناءً على الأحاديث: (إن هذه الأمة تبتلى في قبوره) لكن الذي رجحه ابن القيم هو ما سمعناه من جهة أن السؤال لجميع الأمم ليس خاصًا بأمة محمد -عليه الصلاة والسلام-، والله أعلم.

الكلام الذي أنت أشرت إليه في قضية العذاب -أعاذنا الله من عذاب القبر- نعم هو العذاب يتفاوت فليس الناس في عذاب القبر على حد سواء ومر بنا ما ذكر عن آل فرعون، لما قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ فالذين في القبر يتفاوت عذابهم ليسوا على حد سواء، وهذا مقتضى حكمة الله -سبحانه وتعالى- وعدله، أنهم ليسوا على حد سواء.

انتهينا من مسألة أن العذاب للروح والبدن، وأيضًا كذلك السؤال للروح والبدن، طبعًا لا ننسى أنه جاء في حديث البراء بن عازب الطويل أنه جاء فيه أنه: (فترد روحه إلى بدنه) الميت فبعض الناس يفهم أنه ترد كما هو في الحياة الدنيا، لا ليس الأمر كذلك، هذا كما قال العلماء: هذا رد عارض ليس أمرًا مستقرًا ولا مضطردًا ترد له من أجل هذا السؤال، ومن أجل الامتحان.

أيضًا نحب أن نشير كما ذكر العلماء: أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ سواءً الشخص دُفَنِ أو لم يُدْفَن، يعني هذا الشخص مات غريقًا أو أكلته السباع أو إلى آخره كل من مات فله نصيب من هذا العذاب وذاك النعيم؛ لذلك قد تجد هذا الرجل مصلوب أمامك أو قد تجده مثلاً قد أكلته السباع هذا الشخص ندين الله -تعالى- أنه يعذب أو ينعم على حسب حاله، لكن هذا من الغيب الذي لا نطلع عليه ولا نعلم حقيقته ولا كيفيته، هذا ما يتعلق بأهم المسائل.

يبقى عذاب القبر هل يدوم؟ يعني أن الشخص يعذب في قبره حتى تقوم الساعة الكبرى حتى يأتي البعث والنشور حتى ينفخ إسرافيل -عليه السلام- نفخة البعث؟ أم أن العذاب أوقات وينقطع؟

الذي حرره أيضًا ابن القيم وبناءً على أدلة أن عذاب القبر على قسمين: منه ما هو دائم لا ينقطع كما هو في حال الكفار، ومنه ما هو ينقطع كما هو حال بعض عصاة الموحدين، فالعذاب الدائم كما هو حال الكفار كما سمعنا الآية الكريمة قال تعالى: ﴿ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿45﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ فهذا العذاب مستمر -أعاذنا الله من ذلك- وهناك عذاب في القبر لكنه ينقطع يكون في حق بعض عصاة المسلمين، وعلى كلٍ لعل مما ينج من هذا العذاب أن المسلم يحافظ على هذا الدعاء الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمه الصحابة كما يعلمهم سورة من القرآن، أن يقول الشخص في دبر كل صلاة قبل أن ينصرف وقبل أن يسلم من صلاته أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيى والممات، ومن فتنة المسيح الدجال).

أختم بمسألة فيما يتعلق بمسألة الأرواح وهي مستقر الأرواح، أين تكون الأرواح في البرزخ؟ في هذه الفترة التي هي بين الحياة الدنيا والقيامة الكبرى؟ الناس لهم في هذا أقوال متعددة، والذي حرره ابن القيم ولخصه ابن القيم أن هذه الأرواح متفاوتة ليس مستقرها واحد، فمن الأرواح ما هو في أعلى عليين، كأرواح الأنبياء -عليهم السلام- ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت كما جاءت في ذلك الأحاديث، وهي أرواح الشهداء الذين ماتوا في سبيل الله قتلوا في سبيل الله ومنها أرواح محبوسة على باب الجنة ومنها أرواح محبوسة عند القبر ومنها أرواح في تنور من نار، وهي أرواح الزناة أعاذنا الله من هذا الحال ومن هذا المآل، فالمقصود أن هذه أرواح متفاوتة بحسب أحوال هؤلاء الأشخاص من العمل والسعي والله أعلم. هذا تقريبًا أهم المسائل الواردة في هذا الموضوع.

تقول: هل صحيح أن أجساد الصالحين لا تبلى؟ وهل هذا خاص بالصالحين دون غيرهم؟.

والله ما أدري عن هذا، هو الأصل الحديث الذي يجب أن نستصحبه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كل شيء في ابن آدم يبلى إلا عجو الذنب) هذا الأصل في بني آدم أن هذا الجسم يبلى، لكن جاء من الوقائع والأحداث أن جملة من عباد الله الصالحين أو الشهداء أو قبل هذا كله الصحابة -رضي الله عنهم- أن بعض قبورهم حصل لها أنها انكشفت فكما لو كانوا قد ماتوا في هذا الوقت، نعم جاء الحديث ورد: (أن الله حرم الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) فالمقصود أن هذا وارد، وارد أن يحصل هذا الأمر لكن ليس هذا أمرًا مقطوعًا به، نعم عندنا نصوص عندنا وقائع تدل على هذا، لكن هل هو أمر مضطرد؟ أنا ما أستطيع أن أجزم بشيء من هذا.

تقول: هل ورد أن أرواح المؤمنين تتزاور في القبور؟ وهل ورد أن العبد يخبر بما يفعل أهله من بعده؟.

والله ما ذكرته الأخت يعني ابن القيم أورده، قضية أن الأرواح تتزاور، وقضية أنهم يسألون عن أحوال من هم في الدنيا أو يعرفون شيئًا من ذلك، ذكر ذلك ابن القيم، وذكر جملة من الآثار لكن هذا أيضًا موقوف على ثبوت هذه الأشياء، فلا نستطيع أن نجزم بهذا إلا إذا ثبتت هذه بالآثار، ابن القيم أورد جملة من ذلك وعقد لها فصلًا مستقلًا أن الأرواح تتزاور لكن هذا مداره على الثبوت، هل ثبتت هذه الآثار صحت؟ إن صحت فما لنا إلا أن نسلم، إذا ما صحت فلا نستطيع أن نجزم بأنها تتزاور أو أنها مثلًا يعرفون ما يقع من أحوال الناس، والأصل في الميت أنه قد انقطع عمله وأنه لا يدري ما يحصل، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما يذاد من يذاد عن الحوض فيقول: (أصيحابي) فيقال: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) -عليه الصلاة والسلام-، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم فغيره من باب أولى، والله أعلم.
يقول: إن كثير من الناس يخافون من الموت ومن الدخول في القبر؟ فيسأل أولًا: هل هذا الخوف مشروع؟ وأيضًا كيف يمكن التخلص من هذا الخوف؟.
يعني كون الواحد يخاف الموت هذا أمر جبلت النفوس عليه أنت رأيت أحدنا الآن يحب الموت، إلا من بلغ به الإيمان ما بلغ وأحب لقاء الله، وإلا النفوس كلها تكره الموت النفوس جبلت على حب الدنيا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما يعني الحديث قالت عائشة: (كلنا يكره الموت) فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)، فأقصد كون الإنسان يكره الموت حتى المؤمن يكره؛ لأن هذا الموت يجعله مفارقًا لأهله وولده وأصحابه وهذا الموت يقطعه عن العمل الصالح فكون الإنسان يخاف الموت لا إشكال فيه، لكن هذا الخوف ينبغي أن يستثمر، لا يكون هذا الخوف يؤدي بالإنسان إلى الهلع، وأن تتفرق مشاعره ويستحوذ عليه هذا الخوف الذي يفرق عليه جهده فلا ينام ولا ينتفع بوقت ولا بحياة، لا..، هذا ليس محمودًا، وإنما الخوف هو الذي يحملك على طاعة الله، هذا الخوف من الموت هو الذي يحمل على طاعة الله على ترك المحرمات مثل ما مر بنا فقي الخوف، الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله، فإذا خفت الموت أو خفت من عقاب الله، أو خفت من الله -سبحانه وتعالى- إن حملك الخوف على فعل المأمور وترك المحذور هذا هو المحمود والله أعلم.
أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: هل الكرام الحافظون يكتبون نوايا العبد أو نوايا القلب؟ مع الدليل؟

السؤال الثاني: هل تموت الروح؟ مع التعليل؟

nary_jon
06-04-2008, 07:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الثامن عشر : البعث والنشور ومنازل الآخرة

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)


الدرس الثامن عشر

البعث والنشور ومنازل الآخرة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فضيلة الشيخ طرحتم سؤالين في الحلقة الماضية، وقد كان السؤال الأول عن الكرام الكاتبين، هل يكتبون نيات القلوب مع الدليل؟

وكانت الإجابة: نعم الحفظة تكتب نيات القلوب، وأن الله -تعالى- أطلعهم على قلوب العباد، ويستدل بقوله تعالى: ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 11] وهذا هو ظاهر مفهوم الآية.

نعم إجابة الأخ إجابة صحيحة، والآية الكريمة هي ما ذكره، لكن وجه الاستدلال -كما مر بنا- أن الله -تعالى- قال: ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿11﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ وقلنا "ما" اسم موصول يفيد العموم، والنية هي فعل القلب.

السؤال الثاني: هل تموت الروح؟ مع التعليل؟

وكانت الإجابة: حكت عن ابن القيم أنه حكى الخلاف في هذه المسألة وقالت: أن الموت إذا أراد مفارقة الروح للبدن فهي بمعنى أنها تموت، أما إذا أريد بالمعنى العدم أي أنها تعدم كما يعدم البدن فليس الأمر كذلك، والله تعالى كتب الخلود للروح.
إجابة الأخت إجابة صحيحة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في عقيدته: (والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان).

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قوله -رحمه الله-: (القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) قد مر بنا في الدرس الماضي الحديث عن عذاب القبر ونعيمه، وهذه العبارة التي قالها الإمام الطحاوي -رحمه الله- جاء منصوصًا عليها في حديث أخرجه الترمذي وغيره، لكن ذكر الشيخ الألباني -رحمه الله- وأيضًا ذكر غيره أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، وعلى كلٍ المعنى صحيح، فلا شك أن القبر إما نعيم وإما عذاب -كما مر بنا- وكما جاء في حديث البراء بن عازب وحديث ابن عباس وغيرهما، فالمقصود أن القبر إما أن يكون نعيمًا وإما أن يكون عذابًا كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

لما انتهى الإمام الطحاوي -رحمه الله- من الحديث عن القيامة الصغرى وعن حياة البرزخ انتقل إلى الحديث عن القيامة الكبرى، والتي تبدأ بالبعث وتنتهي بدخول الجنة أو دخول النار أعاذنا الله من النار وأهلها.

هنا قبل أن نبدأ في الحديث عن شيء من أحوال اليوم الآخر التي ذكرها الطحاوي -رحمه الله- نحب أن نذكر أنفسنا وأن نذكر الإخوة ومن يشاهدوا هذه الحلقة على ضرورة العناية وتحقيق الإيمان باليوم الآخر، فلا يخفى عليكم أن الإيمان باليوم الآخر هو ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن بهذا الركن العظيم، وكثيرًا ما يقترن هذا الركن بالإيمان بالله -سبحانه وتعالى- في آيات كثيرة مثل ما قال تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ﴾ [البقرة: 177].

وأمر آخر: أن الإيمان باليوم الآخر له من الآثار وله من الثمرات الشيء الكثير في سلوك العبد وفي استقامته وصلاحه.

إن من أعظم آثار الإيمان بالقدر ألا وهو ما ذكره العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمة الله عليه-: أن الإيمان باليوم الآخر يفتح للعبد باب الرجاء وباب الخوف، وإذا خرب القلب وخلا من الخوف والرجاء حصل له من الخراب والفساد ما لا يوصف.

ما وجه ذلك؟ وجه ذلك أن العبد إذا استصحب ما في اليوم الآخر من العذاب والنكال وما فيه من الخزي في حق من عصى وكفر عندئذ هذا يوجب الخوف والخشية، وهذا الخوف يزجره عن الوقوع في المحرمات والمنهيات، وكذا العكس إذا تذكر العبد ما في الجنة من النعيم المقيم وتذكر ما جاء في قوله -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه -تبارك وتعالى-: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) عندما يستصحب نعيم الجنة، هذا النعيم المقيم، هذا النعيم الدائم الذي لا ينقطع، هذا يبعثه على العمل، يبعثه على الرجاء وحسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- وهذا الرجاء يسهل له الطاعة، وييسر له فعل المأمورات.

أيضًا من ثمرات الإيمان باليوم الآخر -أيها الإخوة-: ألا وهو أن الإيمان باليوم الآخر يحقق جملة من الأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة، ومن ذلك مثلًا خلق البذل والإنفاق في سبيل الله، فالذي يوقن في هذا اليوم، وأن الله -سبحانه وتعالى- سيخلف له ما أنفقه في سبيل الله، ويعوضه ما هو خير وأنفع وأبقى وأدوم، عندئذ هذا يبعثه على الإنفاق في سبيل الله، ولا يبخل كما يقع عند أصحاب الإيمان الضعيف، أو من عدم الإيمان باليوم الآخر.

أيضًا الإيمان باليوم الآخر يبعث على خلق التواضع ولين الجانب؛ لأن المؤمن إذا استصحب حال المتكبرين يوم القيامة هذا يزجره عن الكبر، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة على هيئة الذر -نسأل الله العافية- ويطأهم الناس، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وقال الله في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما عذبته) أو كما جاء في الحديث، المقصود أن الإيمان باليوم الآخر يبعث على هذه الأخلاق الطيبة سواءً من جهة البذل أو من جهة التواضع ونحوها.

أيضًا كذلك من آثار الإيمان باليوم الآخر: عدم الركون للدنيا، لا نركن إلى الدنيا، فهذه الدنيا زائلة.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل** وكل نعيم لا محالة زائل
فكل نعيم زائل إلا نعيم الجنة الذي لا يفنى ولا يبيد، فعندما يستصحب العبد اليوم الآخر يعلم أن هذه الدنيا متاع، وأنها ما هي إلا أيام معدودة وتنقضي، فالقصد أن اليوم الآخر يورث تعلقًا بالدار الآخرة، فلا يتعلق العبد بهذه الدنيا ولا بحطامها الزائل.

هذه جملة من الآثار، والآثار في هذا كثيرة، والحديث عن اليوم الآخر مبسوط في موضعه عن أحواله، وقد أفرد له العلماء بكتب مستقلة، كما فعل عبد الحق الإشبيلي في كتاب "العاقبة" أو القرطبي في كتابه "التذكرة" أو ابن كثير -رحمه الله- في "النهاية" أو السفاريني في "البحور الزاخرة" وغيرها من الكتب والمصنفات.

نبدأ بالحديث عن الموضوع الأول: وهو البعث. البعث -أيها الإخوة- المراد به هنا: البعث طبعًا في اللغة: هو الإثارة والتحريك، والمراد به هنا: هو إخراج الموتى من قبورهم وإعادة أرواحهم إلى أجسادهم من أجل الحساب والجزاء. هذا ما يتعلق بتعريف البعث.
وعلى كلٍ تقرير البعث جاءت له أدلة كثيرة يمكن أن نقف عندها فنقول:

أولًا: البعث إنما يكون بعد أن ينفخ إسرافيل -عليه السلام- في الصور النفخة الثانية، أو النفخة الثالثة على قول وهي نفخة البعث، قال -عز وجل-: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ [الزمر: 68] فإذا نفخ إسرافيل -عليه السلام- هذه النفخة نفخة البعث عندئذ يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين.

هذا البعث أثبته أهل الإسلام بعث الأجساد وعود الأرواح إلى أبدانها أثبته أهل الإسلام، وأنكره مشركو العرب -كما لا يخفى عليكم- وأيضًا ممن أنكره الفلاسفة فالفلاسفة أنكروا معاد الأجساد، لما نأت إلى الفلاسفة الذين يسمون بفلاسفة الإسلام كابن سينا والفارابي ونحوهم، نجد أن هؤلاء ينكرون بعث الأجساد، يقولون: بمعاد الأرواح، لكنهم ينكرون بعث الأجساد، ولا شك أن هذا يعد كفرًا وإنكارًا لليوم الآخر، وإنكارًا للبعث والنشور.
أيضًا من صور الإنكار: إنكار المعاد والبعث، ما يقوله بعضهم من عقيدة التناسخ، كما هو موجود عند الهندوس، ومن تأثر بهم، فهؤلاء الذين يقولون بتناسخ الأرواح، وأن الشخص إذا مات انتقلت روحه إلى كائن آخر، وليست ثم قيامة كبرى ولا بعث ولا نشور، فالقول بالتناسخ يعد إنكارًا للبعث والنشور.

المقصود -أيها الإخوة-: أن إنكار المعاد له صور متعددة، ذكرنا أهمها وهي: إنكار بعث الأجساد والأرواح كما هو عند مشركي العرب، أو إنكار معاد الأجساد وإثبات معاد الأرواح كما هو عند الفلاسفة، طبعًا لاحظ هذا عند الفلاسفة أو ملاحدة الفلاسفة سواء الذين ينتسبون إلى الإسلام أو حتى بعض الملاحدة الذين هم عند اليهود والنصارى، فذكر عند اليهود شخص اسمه موسى بن ميمون كان ممن على هذا المذهب الفاسد، وأيضًا أحد النصارى اسمه متى ويوحنا ممكن كانوا في العصور الأولى من الإسلام هؤلاء النصارى، وكانوا على هذا المذهب الفاسد من إنكار معاد الأجساد، والصنف الثالث: الذين قالوا بعقيدة التناسخ، هذه تقريبًا أهم صور إنكار المعاد.

نقف عند الحديث عن الأدلة على المعاد، نؤكد أيها الإخوة الكرام ومن يشاهد هذه الحلقة أن القرآن حافل بالأدلة العقلية السمعية على إثبات البعث والنشور، وسبق أن مر بنا مرارًا التأكيد على هذه المسألة، أن القرآن حافل بالأدلة العقلية لا كما يقوله المتكلمون ومن شابههم: إن القرآن مجرد أدلة خبرية، لا ليس الأمر كذلك، فالقرآن فيه من الأدلة العقلية والبراهين ما هو أبلغ وأكمل تقريرًا وأبلغ حجة.

من هذه الأدلة العقلية السمعية في تقرير المعاد ما يلي:

الدليل الأول: أن من قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر، جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ [يس: 78] جاء الرد: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ ﴾ [يس: 79] فالذي قدر على الابتداء فهو على الإعادة أقدر والله على كل شيء قدير، فإذن هذا الدليل العقلي وهو دليل عقلي سمعي.

الدليل الثاني من الأدلة العقلية السمعية: وهو من قدر على خلق العظيم فهو على ما دونه أقدر، وهذا جاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 57] فلاحظ هنا الذي يقدر على خلق السماوات والأرض على عظمها وعلى سعتها وعلى بديع صنعها على ما دونه أقدر من البعث والنشور.

الدليل الثالث: أيضًا من الأدلة العقلية السمعية: ألا وهو إحياء الأرض بعد موتها، فأنت تأتي إلى المكان تجد هذا المكان عبارة عن صحراء قاحلة ذات جدب لا ترى فيها لا خضرة ولا نباتًا فإذا نزل عليها المطر اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فهذا لا شك أنه دليل من الأدلة على البعث والنشور، وهذا جاء في آيات كثيرة منها في قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ [فصلت: 39].

هذه ثلاثة أدلة يمكن أن نضيف دليلًا رابعًا وهو دليل عقلي وهو أن وقوع الشيء يدل على وقوع نظيره، طيب: وقع بعث في الدنيا ولا ما وقع؟ وقع. مثل ماذا؟ مثل طيور إبراهيم -عليه السلام- أليس كذلك، أو كما جاء في قصة عزير أليس كذلك؟ أو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ [البقرة: 243] فالمقصود لما تأتي إلى قضية طيور إبراهيم -عليه السلام- وقضية عزير أو قضية مثلًا هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله ثم بعثهم، هذا وقع في هذه الدنيا، فوقوعه في الدنيا يدل على وقوع نظيره. هذه بعض الأدلة العقلية السمعية الدالة على البعث والنشور.

يبقى أن نضيف أمرًا مهمًا وهو أمر ينبغي أن نهتم به وسبق الإشارة إليه: ألا وهو الاستدلال بصفات الله على إثبات المعاد، سبق أن مر بنا في موضوع النبوات أنه يمكن إثبات النبوة من خلال الاستدلال بصفات الله، فمثلًا من صفات الله -تعالى- الحكمة -كما لا يخفى عليكم- ولهذا استدلت خديجة أم المؤمنين بهذه الصفة من صفات الله على أن الله -تعالى- لا يخزي نبيه أليس كذلك؟ لما قالت -رضي الله عنها-: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا...) الحديث.

كذلك أيضًا قرر العلماء المحققون أنه يمكن والقرآن أيضًا حافل بالاستدلال بصفات الله على البعث والنشور، من هذه الأدلة مثلًا:

الدليل الأول: الاستدلال بصفة العلم على البعث، هذا جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [ق: 4].

الدليل الثاني من الاستدلال بصفات الله على المعاد: الاستدلال بصفة القدرة، قال تعالى: ﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: 4].

الدليل الثالث: الاستدلال بصفة الحكمة، قال تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115].

فلاحظ كيف العلماء كابن القيم وغيره كيف استدل بهذه الصفات من صفات الله -سبحانه وتعالى- على وقوع البعث والنشور؛ ولهذا قال العلماء: إن إثبات المعاد هو مقتضى الحكمة، وهذا دليل عقلي أيضًا؛ لأننا نلحظ الآن في الدنيا كثير من الناس ظُلموا أليس كذلك؟ وكثير من الناس ظَلموا أليس كذلك؟

نجد أن هؤلاء الذين ظُلموا قد فارقوا الدنيا ولم ترد لهم مظالمهم، ونجد أن هؤلاء الظلمة أو هؤلاء المستبدون ظَلموا وطغوا ولم ينالوا عقاب ظلمهم وطغيانهم، فالحكمة الإلهية ومقتضى العقل والقياس يقتضي أن يكون ثمة يوم يجازى فيه المظلوم وترد للمظلوم مظلمته، ويعاقب الظالم والمسيء على ظلمه وإساءته.

هذه جملة -أيها الإخوة- من الأدلة التي جاء بها القرآن في تقرير البعث والنشور، وأيضًا نجد أن الله -سبحانه وتعالى- أمر نبيه الكريم -عليه الصلاة والسلام- بالإقسام على وقوع المعاد في ثلاث آيات:

قال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ [التغابن: 7].
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي ﴾ [يونس: 53].
بقي الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ ﴾ جاء الرد ماذا؟ ﴿ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ﴾ [سبأ: 3].

فهذه ثلاث آيات كما قال الحافظ ابن كثير: «ثلاث آيات لا رابع لها في أن الله -تعالى- أمر نبيه الكريم -عليه الصلاة والسلام- أمره بالإقسام على وقوع المعاد وتحققه ووقوعه».

يقول: سبب الضلال في إنكار البعث، لا شك أن بعض المسائل العقدية تحتاج إلى نقاش وحوار مع من ينكر بعض المسائل، هل هناك مجال للحوار مع تلك الفرق؟ ثم أيضًا ما سبب ضلالهم؟ مثل هذه المسألة الظاهرة عند أهل السنة وغيرهم من يؤمن بهذا الشيء؟ هل هناك سبب مقنع أو حجة أو شبهة تحتاج إلى المناقشة؟.

يعني هو لاحظ الذين أنكروا البعث والنشور كمشركي العرب أو حتى الذين يسمون بالفلاسفة أو فلاسفة الإسلام هم مثلما قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ [يونس: 39] فهم بعقولهم القاصرة قاسوا قدرة الله بقدرة المخلوق، فقالوا: كيف هذا الشخص إذا مات وصار رميمًا واستحال جسمه وقد بلى هذا الجسم فكيف يبعث؟!! لكن الذي يوقن بأن الله -تعالى- على كل شيء قدير، وينظر كما سمعنا في هذه الأمور المذكورة يعني كيف أن الأرض الآن تأتي إليها وهي في غاية الجدب والقحط، ثم تصبح هذه الأرض في غاية الخضرة ﴿ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾، قضية الخلق الابتداء الاستدلال بالابتداء على الإعادة، الآن لو جئت إلى أي شخص مثلًا -ولله المثل الأعلى- لما مثلًا يصنع هذا الجهاز الذي بين يديك هذا الجهاز جهاز الحاسب الآلي لا شك أن ابتداءه وصنعه يدل على أن صاحبه عنده علم وعنده قدرة، لكن أيهما أسهل بالنسبة للذي صنعه؟ أن يبتدئه أم أن يعيده؟ الأسهل هو الإعادة ولا الابتداء؟ أيهما أسهل؟ الإعادة أسهل، فنقول: مشكلة هؤلاء القوم أنهم -كما سمعنا-: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ هذه مشكلة القوم، أنهم قاسوا قدرة الله -سبحانه وتعالى- بقدرة المخلوق مع أن الله على كل شيء قدير، وعندهم هذه الأدلة.

وهذا الكلام الذي عند مشركي العرب هو نفس كلام الفلاسفة، يقولون: كيف الشخص مثلًا الآن هذا الشخص الذي مات أو شخص ابتلعه الحوت، وهذا الشخص الذي التقمه الحوت جسده يتحلل في بطن هذا الحوت، ثم نحن إذا أخذنا هذا الحوت وأكلناه وتحلل في أبداننا ما الذي يعود؟ يعود الحوت ولا يعود الشخص الذي ابتلع من قبل؟ نحن نقول: إن الله على كل شيء قدير، والبعث وقع في الدنيا، له نظائر -كما ذكرنا لكم- طيور إبراهيم -عليه السلام- كذا وكذا، فالخلاصة الذي حمل هؤلاء ما سمعناه، قال تعالى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾ ولم يلتفتوا إلى هذه الأدلة العقلية نسأل الله العافية، هذا الذي يمكن أن يقال، ولا شك أن هؤلاء لو نوقشوا بالعقل من خلال الأدلة، وكانوا منصفين لآمنوا كما آمن غيرهم من المشركين في القديم والحديث.

يقول: السؤال الأول: هل الموتى يسمعون بعدما يتوفاهم الله -سبحانه وتعالى-؟
السؤال الثاني: ما صحة عقيدة من يقول: "إن عذاب البرزخ يكون على الروح والروح إما تكون في أعلى عليين أو تكون أسفل سافلين أما هذا الجسم فهو دفنه في القبر مجرد حفظًا لهذا الجسم" فما صحة هذا الاعتقاد؟.

هو الذي أعرف في مسألة أن الأموات يسمعون أم لا، ظاهر النصوص أن الأموات لا يسمعون، قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ﴾ [النمل: 80]، وقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ ﴾ [فاطر: 22]، فالأصل أن الأموات لا يسمعون، أم أما جاء مثلًا في حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه- وما جاء في معناه أنه يسمع قرع نعالهم، فهذا سماع مخصوص، الأصل أن الميت لا يسمع وما جاء في مثل هذا الحديث ونظائره هذا يكون سماع مخصوص، وإلا فالأصل أن الميت لا يسمع كما هو ظاهر الآيات.

أما الكلام عن مسألة عذاب القبر ونعيمه وأن العذاب والنعيم على الأرواح دون الأجساد لا.. ليس الأمر كذلك، فقد مر بنا بالأمس أن ظاهر النصوص أنه يقع على هذا وذاك، مر مثلًا يمكن نسينا إلى أن نشير إلى هذا أنه جاء مثلًا في حديث البراء بن عازب في بعض رواياته أن الكافر والمنافق من العذاب الذي يصيبه أنه يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فإذن الأضلاع تتعلق بالروح ولا بالبدن؟ بالبدن، نعم، فهذا العذاب يقع على البدن ويقع على الروح، لكن الحقيقة والكيفية لا نعلمها، لا يأت شخص ويقول: الآن القبور لو نبشناها لا نرى شيئًا بأعيننا، قلنا هذا من الغيب الذي استأثر الله به، لكن نحن نؤمن بما جاءت به النصوص والأحاديث المتواترة والتي ظاهرها أن العذاب يقع على هذا وذاك، يقع على الروح وعلى البدن والله أعلم.

لعلنا ننتقل إلى الموضوع الثاني أو نأخذ شيئًا مما يتعلق بمسائل اليوم الآخر وهو مسألة الحساب.

المراد بالحساب هو إطلاع الله -تعالى- عباده على أعمالهم، إطلاع الله -تعالى-، أن الله -تعالى- يطلع عباده على أعمالهم من خير وشر، هذا الحساب قد يكون حسابًا يسيرًا أو قد يكون حسابًا يسيرًا كما جاءت في ذلك الأدلة، قال -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- أم المؤمنين، قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: أليس الله -تعالى- يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿7﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7، 8] فقال -عليه الصلاة والسلام-: إنما ذلك العرض) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس أحد يناقش الحساب إلا هلك) لاحظ هنا مرة قال: (هلك) ومرة قال: (إلا عُذِّبَ) وكما قال العلماء: المعنى متقارب سواءً قلنا: (ليس أحد يناقش الحساب إلا هلك) أو قلنا: (ليس أحد يناقش الحساب إلا عُذِّبَ) فالمعنى متقارب، فالهلاك والعذاب معناهم متقارب.

الأمر الآخر: دل هذا الحديث على أن الحساب حساب يسير وحساب عسير، فإذا قلنا: ما الحساب اليسير؟ فالحساب اليسير هو العرض، وهو أن الله -تعالى- يدني عبده المؤمن ويقرره بذنوبه والمؤمن يقر بهذه الذنوب ثم يقول الله -سبحانه وتعالى- وهو أرحم الراحمين يقول: (فإني قد سترتها عنك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) هذا هو الحساب اليسير، العرض، أما الحساب العسير -نسأل الله السلامة والعافية- ألا وهو: المناقشة، (من نوقش الحساب هلك) فالحساب العسير هو المناقشة، أو كما عرفها بعض العلماء: هو الاستقصاء في المحاسبة، والمطالبة بالجليل والحقير، وترك المسامحة، هذا هو الحساب العسير، إذن اتضح لنا ولكم أن الحساب على قسمين.

يبقى مسألة ذكرها أهل العلم وهي: هل الكافر يحاسب؟ فحرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسألة في العقيدة الواسطية وغيرها وقال: إن كان المراد بالحساب وزن الحسنات والسيئات فالكافر ليس له ماذا؟ هل له حسنات يوم القيامة؟ لا...، ليس له حسنات، قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴾ [الفرقان: 23]، فإن أريد بالحساب الذي هو أن توزن حسناته وسيئاته فلا، أما إن أريد بالحساب أن الله -تعالى- يقرره بذنوبه ويوقفه عليها ثم يعاقبه، فالحساب يقع عليه ولا ما يقع؟ يقع عليه، فإذا أريد بالحساب وزن الحسنات والسيئات فالكافر ليس له حسنات فلا يحاسب بهذا المعنى، أما إن أريد بالحساب أن الله -تعالى- يوقفه على أعماله ويقرره بها ويحصيها عليه ثم يجازيه ويعاقبه على ذلك فنعم، هذا ما يتعلق بمسألة الحساب.

يقول: بالنسبة لعذاب أهل القبر، هل الأحياء يسمعون عذاب أهل القبر؟
.
نحن سبق أن قلنا بالأمس، ونؤكد ونذكر أنفسنا ونذكركم أيضًا ومن يشاهد هذه الحلقة، أيها الإخوة الكرام علينا أن نؤمن بالغيب ونوقن بذلك، والله -سبحانه وتعالى- أثنى على عباده المؤمنين بأنهم يؤمنون بالغيب، قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 1، 2] فالواجب علينا أن نؤمن بالغيب عقلناه أو لم نعقله، وعذاب القبر ونعيمه كذلك هو من الغيب، لكن هل يشاهد هذا أو يسمع هذا العذاب أو ذاك النعيم؟ نعم ذكر جملة من العلماء منهم شيخ الإسلام، ومنهم ابن القيم في كتاب "الروح" وذكروا آثار حسنها بعض أهل العلم أن هذا العذاب قد يظهر وقد يراه الناس بأعينهم -نسأل الله العافية- فهذا العذاب قد يظهر ويشاهد كما وقع ذلك في عدة وقائع فقد يظهر هذا العذاب أو ذاك النعيم، لكن يبقى الأصل أنه غيب.

يقول: فضيلة الشيخ مثل هذه القصص التي ترد وتنتشر بين الناس هل من المشروع سردها وطرحها على الناس بشكل موسع أم أنه يقتصر على الموعظة بالموت دون الدخول في بعض التفصيلات؛ لأنه انتشر بعض الكتب للمشايخ وكذلك وبعض الصور؟.

هو نعم انتشر هذا والشريط الذي خرج قبل مدة ظهر وتداولته الأسماع والأيدي، يعني أنا أقول هنا ينبغي أن يكون فيه شيء من التوسط في هذا الباب عدم الإفراط والتفريط، الأصل بالنسبة لنا نحن معشر أهل الإسلام ونحن معشر أهل السنة على سبيل الخصوص أن نؤمن بالغيب، المسألة ما هي نحن متوقفين على قضية قصة وقعت ولا عذاب سمع أو شوهد، نحن نؤمن بذلك ونوقن، فالمدار في هذه القصص يعني لا نغرق في ذلك، أولًا أن بعض هذه القصص التي تتداول من جهة ثبوتها ومن جهة سندها فأحيانًا تجد هذه القصص فيها مبالغات وأحيانًا القصة في حد ذاتها لم تثبت، يعني قد يكون فيها شيء من اختلاق أو فيها شيء من المبالغة أو نحو ذلك، فهذا أيضًا مسألة مهمة؛ لأنه أحيانًا لما يتأثر بعض الناس ببعض هذا القصص، ثم يتبين أن هذه القصة مختلقة هذا قد يؤدي إلى اضطراب بعض الناس، فالأصل علينا أن نؤمن بالنصوص الشرعية، وهذا حق وهذه القصص يمكن ترد على سبيل الاستئناس على سبيل الاعتضاد لكن لا نعول عليها؛ لأننا أمة مأمورة بأن نؤمن بالغيب سواءً عقلناه أو لم نعقله، لاسيما ما يتعلق بالحياة البرزخية فهي من الغيب، لكن قد يظهر ذلك، في أوقات، فينبغي أن لا نغرق في مثل هذه القصص ويكفينا هذه النصوص التي هي أبلغ وأوضح وأظهر في الدلالة فهي نصوص صحيحة صريحة، نصوص قطعية الثبوت وأيضًا صريحة الدلالة والله أعلم.

يقول: الرؤى التي ترى في الميت بعد موته بأنه مثلًا سواءً يعذب أو أنه في نعيم هل يستند عليها أيضًا؟.

الرؤى أيضًا نحن لا نغرق في موضوع الرؤى، لكن على كلٍ هذه رؤيا الشخص مثلًا بعد وفاته في صورة حسنة هذه نعتبرها من المبشرات ويستأنس بها، لكن أيضًا لا يعول عليها، وكما مر بنا من قبل نحن نرجو للمحسنين لكن لا نؤمنهم، ونخاف على المسيئين ولا نقنطهم، فهذه قد تكون من الأشياء التي يعني الرؤى الحسنة يستبشر بها مثل ما كان العلماء عندما يترجمون للعالم أو للإمام فيقول: توفي كذا ورأيت له رؤى حسنة، فهذه مما يستأنس بها والله أعلم.

بقي عندنا الصراط والميزان.

نبدأ بموضوع الصراط، طبعًا معناه في اللغة واضح: هو الطريق الواضح هذا في اللغة، الصراط لغة: هو الطريق، أو الطريق الواضح والمراد بالصراط هنا هو الجسر المنصوب على متن جهنم -أعاذنا الله من جهنم-.

هذا الصراط يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، ومن ثبت على صراط الله المستقيم في الدنيا سهل عليه المرور على هذا الصراط، أما من تنكب صراط الله المستقيم في الدنيا فهو عرضة للزلل وعرضة للسقوط من خلال هذا الصراط.

هذا الصراط أثبته أهل السنة والجماعة وأنكره بعض المعتزلة، وهذا الصراط يمكن نقول أنه هو جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ﴾ [مريم: 71] وأن المراد بالورود هنا ﴿ وَإِن مِنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ المراد به على أظهر الأقوال هو المرور على الصراط، وجاء في حديث مسلم حديث طويل والشاهد فيه أنه -عليه الصلاة والسلام- سئل ما الجسر؟ الذي هو الصراط؟ قال -عليه الصلاة والسلام-: (دحض مزلة) فهو وصفه -عليه الصلاة والسلام- بأنه: (دحض مزلة) يعني أن الشخص عرضة لأن تزل قدمه على هذا الصراط، قال: (دحض مزلة عليه كلاليب) والكلاليب: جمع كلوب وهي الحديدة المعكوفة، فهذه الكلاليب، قد أذن الله -تعالى- لها أن تأخذ من شاء من العصاة، والناس على هذا الصراط يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالطير، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، أو كالركاب أي الإبل، ومنهم من يمشي وهكذا.

قال -عليه الصلاة والسلام-: بعدها قال: (فناجٍ مُسَّلم) هذا الصنف الأول (وناج مخدوش) والثالث: (ومكدوس في نار جهنم) هكذا جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم، فالأول (ناجٍ مسلم) يعني لا يصيبه شيء من هذه النار أعاذنا الله منها ولا شيء من لهيبها، أما الثاني وهو: المخدوش المرسل، فهذا يصيبه شيء من هذه النار لكنه يرسل ويتجاوز الصراط أما الثالث فهو مكدوس في نار جنهم، أي أنه يسقط في هذه النار.

هؤلاء هم الذين يمرون على الصراط الذي حرره الحافظ ابن رجب -رحمة الله عليه- في كتاب "التخويف من النار": أن الذي يمر على هذا الصراط هم أهل الإسلام بما فيهم أهل النفاق؛ لأن أهل النفاق في الظاهر أنهم من الإسلام ثم يسقطون في هذا عبر هذا الصراط، أما الكفار فظاهر حديث أبي سعيد كما احتج به الحافظ ابن رجب حديث أبي سعيد الخدري الطويل: أن الكفار يلقون في جنهم ابتداءً، كما جاء في الحديث أنه قال: (من كان يعبد شيئًا فليتبعه) فالذين يعبدون الأصنام يتبعون أصنامهم ثم يلقون فيها مع أصنامهم، هذا الصراط يمر عليه أهل الإسلام كما حققه الحافظ ابن رجب في كتابه "التخويف من النار".
انتهينا من الكلام عن الصراط بإيجاز شديد، ننتقل إلى الحديث عن الميزان، الميزان المراد به هو الميزان الذي ينصبه الله -تعالى- يوم القيامة من أجل وزن أعمال العباد؛ إظهارًا لكمال عدله سبحانه، والأحاديث فيه ثابتة ومتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وهو ميزان حقيقي لا يعلم قدره وكيفيته إلا الله -سبحانه وتعالى- هذا الميزان أثبته أهل السنة وأنكره بعض المعتزلة أيضًا، وتأولوا الميزان بأنه العدل، قالوا: الميزان المراد به العدل، لا.. ليس الأمر كذلك، فالميزان واضح من خلال النصوص الشرعية أنه ميزان حقيقي له كفتان كما جاءت في ذلك الأدلة كحديث البطاقة وغيرها، قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾ [الأنبياء: 47].

عندنا حديث البطاقة الذي أخرجه أحمد وغيره وهذا واضح أن الميزان له كفتان كفتة توضع فيها الحسنات، وكفة توضع فيها السيئات، ما الذي يوزن في هذا الميزان؟

العلماء لهم في هذا أقوال: منهم من قال:

القول الأول: أن الذي يوزن هو العمل، وهذا عليه جمهور العلماء، أن العمل هو الذي يوزن، يعني هذا العمل ليس جسمًا ليس جرمًا، لكنه يوم القيامة يكون جرم، ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس شيء أثقل في ميزان العبد من تقوى الله وحسن الخلق) وفي الحديث الآخر قال -عليه الصلاة والسلام-: (كلمتان خفيفتان على اللسان حبيبتان إلى الرحمن ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) فهذا نجد أن جملة من العلماء الذين كتبوا في اليوم الآخر من السابقين ومن المعاصرين يميلون إلى هذا الرأي إلى أن الذي يوزن هو العمل نفسه.

القول الثاني: أن الذي يوزن هو السجلات التي تكتب فيها الأعمال، ويدل على هذا حديث البطاقة الذي ليس معه إلا بطاقة فيها لا إله إلا الله له تسعة وتسعين سجل كل سجل مد البصر من السيئات فتوضع هذه السجلات في كفة وتوضع بطاقة لا إله إلا الله في كفة فترجح هذه البطاقة وتطيش تلك السجلات، فدل هذا الحديث على أن الذي يوزن هي السجلات أو تلك الكتب التي فيها ما كُتِبَ من حسنات أو سيئات.

القول الثالث: أن الذي يوزن هو الشخص نفسه، ويمكن الاستدلال بالحديث الذي أخرجه البخاري، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، واقرءوا إن شئتم ﴿ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ﴾ [الكهف: 105]) وأيضًا استدل بأن ابن مسعود -رضي الله عنه- كان يجني سواكًا فهبت الرياح فكشفت عن دقة ساقيه فضحك من ضحك من حاله فقال -عليه الصلاة والسلام-: (أتعجبون من دقة ساقيه إنهما لأثقل في الميزان من جبل أحد) هكذا جاء في الحديث الصحيح.

على كلٍ من أهل العلم من يرى أنه يجمع هذا وهذا، يعني يجمع بين هذه الأمور أن الوزن يكون للعمل وللعامل والسجلات، والواجب علينا أن نشتغل بما ينفع وأن نسعى إلى تثقيل موازين أعمالنا بالحسنات فهذا هو الأنفع، وفي هذا حصل قصة طريفة وهو أن أحد الملوك سأل أحد علماء المالكية عن الميزان أهو من ذهب أو ورق؟ يقول: من ذهب ولا من فضة؟ فكتب هذا الإمام من أئمة المالكية وقال: حدثنا مالك ثم ساق بسنده أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وستقدم عليه وتعرف، فنقول: أحيانًا يمكن المشكلة التي قد نقع فيها ويقع البعض فيها أن الاستغراق في بعض جزئيات الحديث عن اليوم الآخر وبعض مسائله العلمية قد يشغل عما يجب أن نشتغل به من قضية الاستعداد لهذا اليوم وأن نحاسب أنفسنا، ورضي الله عن الفاروق إذ يقول: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]».

يقول: بالنسبة لفلاسفة الإسلام فهم مع إنكارهم للباطل لا زالوا في دائرة الإسلام وكفرهم -إذا كانوا كفار- كفرهم هل دون كفر اليهود والنصارى يوم القيامة يكون عندهم مثقال ذرة من إيمان أو أنهم يخلدون في النار؟.

لا.. هو يا إخواني حتى لا يصير فيه لبس حتى لما نقول: فلاسفة الإسلام، يعني هذا مصطلح وإلا هذه الفلسفة التي وقعوا فيها التي هي تسمى... يعني لما نقول مثلًا ابن سينا الفارابي هؤلاء وقعوا في هذه الفلسفة، اتبعوا أرسطو وأرسطو الفيلسوف اليوناني كان وثنيًا يقول بِقِدم العالم وعنده من الوثنيات ما عنده، فنحن لما نقول: فلاسفة الإسلام المقصود الفلاسفة الذين عاشوا في بيئة المسلمين، ولا الإسلام ما فيه هذه الفلسفة التي هي الزندقة؛ لأن فلسفة ابن سينا قائمة على إنكار بعث الأجساد -كما سمعنا- إنكار أن الله -تعالى- يعلم الجزئيات -كما مر بنا في مسألة العلم الإلهي- على أنه يقول: أن العالم قديم كقِدم الله -سبحانه وتعالى- فلما نقول: فلاسفة الإسلام المقصود بأنهم فلاسفة عاشوا في بيئات المسلمين، فالعلماء يقولوا فلاسفة الإسلام مرة يقول زنادقة الإسلام، الإسلام ما فيه زندقة، لكنه يقول: هؤلاء الزنادقة عاشوا في مجتمع المسلمين لما نقول: زنادقة الإسلام "المعري ولا الراوندي ولا أبو حيان التوحيدي" هذا المراد، فهذا المقصود وإلا هؤلاء الفلاسفة مثل ابن سينا وغيره، نجد أبو حامد الغزالي وهو أبو حامد الغزالي كفر ابن سينا، كفر لمقالاته الثلاثة، فهؤلاء مذهبهم مشركو العرب يعني مذهب المشركين أقل سوءًا وانحرافًا من مذهب هؤلاء. يعني لما عندهم مثلًا من قضية إنكار الصفات والأسماء؛ لأنهم حتى قضية إثبات توحيد الربوبية لا يثبتونها، يجعلون العالم قديم كقدم الله.

يقول: بالنسبة للحساب والعرض والميزان هل يكون هنا في الأرض على العالم الأرضي أو يكون في السماء؟.

لا.. ما يخفى عليك أن الله -تعالى- قال: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ [الرعد: 48]، وأن الحساب كما ورد في بعض الأحاديث والآثار: أنه في أرض بيضاء كالفضة، فالأرض تتبدل، لكن هل تتبدل عينها أم تتبدل صفاتها؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم، المقصود أنه لا يظن ظان أنها نفس الأرض هذه تمامًا، وعلى كلٍ يجب أن ننبه إلى مسألة مهمة أشار لها أو نستأنس بأثر ابن عباس -رضي الله عنهما- لما قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» وفي رواية أنه قال: «ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء» فكون هناك مثلًا تذكر أسماء في الدنيا وأسماء في الآخرة لا يعني التماثل من كل وجه، وإنما هو اتفاق في القدر المشترك وإلا الحقائق والكيفيات بينها من التباين ما لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى-.

يقول: يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ [الحاقة: 19]، ويقول: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ ﴾ [الحاقة: 25]، ويقول في مقام آخر: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾ [الانشقاق: 10]، السؤال يا شيخ: من هم الذين يأخذون الكتاب وراء ظهورهم؟ والسؤال الثاني: ممكن توضح لنا القنطرة أو قِنطرة نسمع من بعض الشيوخ؟.

الناس على قسمين: إما أن يأخذ كتابه بيمينه أو يأخذ كتابه بشماله، أما ما ذكرت من الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴾ فالذي استظهره بعض العلماء أنهم يجمعون بالأمرين أن الكفار يأخذون كتبهم بشمالهم من وراء ظهورهم، يعني يجتمع فيهم الوصفين، بعض العلماء شذوا وقال: إن الكافر يأخذ كتابه بشماله، والمؤمن يأخذ كتابه بيمينه نعم هذا لا إشكال فيه، قال: والعاصي يأخذ كتابه وراء ظهره، هذا قاله ابن حزم، ولكنه قول مردود؛ لأنه أيهما أشد في العذاب؟ أن يأخذ بشماله فحسب، ولا يأخذه من وراء ظهره، فكيف يكون؟ فالذي أذكره من كلام أهل العلم أن الكفار يجمعون بين الأمرين -نسأل الله العافية- فهم يأخذون كتابهم بشمالهم ومن وراء ظهرهم، كيف يكون هذا؟ العلماء لهم أقوال في هذا، لكن المقصود أنه يجتمع فيهم الوصفين.

أما قضية القنطرة: نعم هذا الحديث ثابت، أن أهل الإيمان إذا عبروا الصراط أنهم يحبسون في قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فبعض العلماء يرى أن هذا صراط آخر، يعني هذا صراط ثاني والبعض يقول: لا.. أن هذه قنطرة كما هو ظاهر الحديث، المقصود أنهم إذا تجاوزوا هذا الصراط عندئذ يمكثون في هذه القنطرة ويقتص حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، نعم هذا ثابت في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام-.

يقول: يسأل عن أحداث يوم القيامة لا شك أن الجدل يكثر فيها ما هو الحدث الذي يبتدئ به العباد؟ هل يحاسبون أو... إلى آخره، فبودنا يا فضيلة الشيخ أن تذكر لنا ترتيبًا يسيرًا لأحداث يوم القيامة؟.

والله أنا ما أجزم أني أعرف شيء في هذا، لكن فيه أحوال نقول يمكن دلت عليها الأدلة، يعني مثلًا الأحوال التي مرت بنا الآن يمكن أن يكون الترتيب ظاهرًا، فلاشك أن البعث هو أسبق فعندنا البعث يليه مثلًا لما نأتي المسألة التي عندنا نقول: يأتي بعده الحساب، ثم يأتي بعده الميزان، ثم إذا حوسبوا الميزان من أجل معرفة مقادير الأعمال، ثم يأتي الصراط، فهذه واضحة من خلال النصوص تدل على شيء من ذلك، فنقول مثلًا: البعث والنشور ثم الحساب ثم الميزان ثم الصراط ثم الجنة والنار، هذا الذي يبدو، هناك تبقى جملة من أحوال اليوم الآخر كما مر بنا فيها خلاف بين أهل العلم أيهما أسبق؟ مثل ما مر بنا في الحوض، فبعضهم يقول لك مثلًا: إن حوض النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل الصراط، وبعضهم يقول: بعد الصراط، والذي يظهر -كما مر بنا- أن الحوض هو قبل الصراط، فالناس عندما يخرجون من قبورهم عطشى يكون هذا الحوض، فيمكن نقول هنا: عندنا البعث والنشور ثم الحوض؛ لأن الحوض يكون؟ في عرصات القيامة، فالمقصود أننا عندنا جملة من أحوال يوم القيامة هي محل اتفاق بين العلماء، الجنة والنار آخر مطاف ما أحد ينازع في هذا، ما بعد الجنة والنار شيء، وهناك أحوال يعني يمكن يظهر الترجيح فيها مثل ما ذكرنا، وهناك أحوال تبقى محل نزاع والله أعلم بالقول الراجح في مثل هذه المسائل التي يقع فيها اختلاف.

يقول: يسأل عن حديث البطاقة يقول: هل يلزم أن تتحقق لا إله إلا الله بشروطها؟ وما رأيكم في من يقول أن هذا العدد ليس له دليل؟.

العدد؟

عدد الشروط وحصرها ليس له دليل.

لا.. ليس كذلك يعني هو صاحب البطاقة هذا كما ذكر أهل العلم، هذا الرجل صاحب البطاقة الذي عنده لا إله إلا الله الذي جعل هذه البطاقة ترجح؛ لأنه قال هذه الكلمة وعنده من اليقين والإخلاص وتحقيق شروطها ما جعلها تثقل بهذه التسع وتسعين سجل، وإلا كل شخص عنده بطاقة من أهل الإسلام، هناك أهل الإسلام عندهم هذه البطاقة، عندهم بطاقة لا إله إلا الله ومع ذلك ترجح سيئاتهم على تلك البطاقة، فما كل صاحب بطاقة لا إله إلا الله ترجح حسنته بسيئاته، فالمقصود أنه كما ذكر ابن القيم وذكر ذلك أيضًا من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليهم-: أن صاحب البطاقة قد قام في قلبه من الإخلاص واليقين ما جعل هذه الحسنة ترجح، وعلى كلٍ الواجب علينا أن نجمع بين النصوص فنقول: ما جاء من الأحاديث مطلق ولم يذكر فيه شروط لا إله إلا الله يضم إلى المقيد، مثلاً حديث: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) نقول: هذا الحديث جاء ما يقيده من جهة الإخلاص، مثل ما قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) فمسلك أهل العلم ومسلك أهل السنة على سبيل الخصوص أن يؤخذ بالنصوص كلها، ما يؤخذ بنص وتترك سائر النصوص. هذا الذي يمكن أن يقال.
والأمر الآخر الذي قال بعض أهل العلم بالنسبة لحديث البطاقة: أن هذا الرجل وفق لقولها عند موته، وقد ورد في الحديث: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) فهذه بعض الأقوال التي ذكره بعض أهل العلم في شأن حديث البطاقة والله أعلم.
أسئلة الحلقة.

السؤال الأول: اذكر دليلين عقليين سمعيين في القرآن على إثبات المعاد؟ يعني أريد أن تذكر دليل يجمع بين الوصفين أنه دليل عقلي وسمعي في نفس الوقت على إثبات المعاد. هذا ما يتعلق بالمسألة الأولى.

السؤال الثاني: ما الحساب اليسير؟ وما الحساب العسير؟ مع الدليل؟

nary_jon
06-04-2008, 07:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس التاسع عشر : من قوله"والجنة والنار مخلوقتان"

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)




الدرس التاسع عشر

من قوله"والجنة والنار مخلوقتان"

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين وأصلي وأسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

أسئلة الحلقة الماضية:

السؤال الأول: اذكر دليلين عقليين سمعيين على إثبات المعاد؟

فقال: أولًا: من قدر على الابتداء مرة فهو على الإعادة أقدر، قال تعالى: ﴿ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿78﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ [يس: 78، 79].

ثانيًا: من قدر على الخلق الأعظم فهو على ما دونه أقدر، قال تعالى: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 57].

إجابة الأخ صحيحة وموفقة، فزاده الله توفيقًا.

السؤال الثاني: ما الحساب اليسير؟ ما الحساب العسير؟ مع الدليل؟

وكانت الإجابة: الحساب اليسير هو العرض وهو أن الله -تعالى- يقرر عبده المؤمن بذنوبه فيقر المؤمن بها، فيقول الله -تعالى-: (إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) وتستدل بقول عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك) قال عائشة -رضي الله عنها-: (أليس الله -تعالى- يقول: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿7﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴾ [الانشقاق: 7، 8]؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: إنها هو العرض).
نعم.. إجابة صحيحة موفقة.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله -تعالى- خلق الجنة والنار قبل الخلق وخلق لهما أهلًا فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد).
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
في هذه العبارة يقرر الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- أن الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان.
نبدأ بالمسألة الأولى وهي مسألة أن الجنة والنار مخلوقتان: نعم الجنة موجودة الآن، والنار -أعاذنا الله منها- كذلك، والأدلة على هذا كثيرة جدًا من الكتاب والسنة، وهذا محل إجماع عند سلف الأمة.
من الآيات الدالة على أن الجنة موجودة والنار موجودة: قوله تعالى عن الجنة: ﴿ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133] وقوله تعالى عن النار: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]، أيضًا قال -عز وجل- عن النار -أعاذنا الله منها-: ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿21﴾ لِلطَّاغِينَ مَآبًا ﴾ [النبأ: 21، 22] وأيضًا مما يدل على أن الجنة موجودة ما جاء في سورة النجم، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿13﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى ﴿14﴾ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾ [النجم: 13- 15] هذه بعض الأدلة القرآنية الدالة على أن النار والجنة موجودتان.
أما الأدلة من السنة: فمن الأدلة من السنة قوله -عليه الصلاة والسلام-: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) هكذا جاء الحديث حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعًا للنبي -عليه الصلاة والسلام-، هذا الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم: أن (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل ذلك) في هذا الحديث أشار الحافظ ابن حجر -رحمه الله- إلى لفتة مهمة فقال: «ينبغي للمرء ألا يزهد في قليل من الخير أن يفعله، وألا يحقر شيئًا من الشر أن يجتنبه، فإنه لا يدري ما الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا يدري ما السيئة التي يسخط الله عليه بها» أو كما قال -رحمه الله-.
أيضًا من الأدلة على أن الجنة والنار موجودتان: ما جاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- مرفوعًا أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار) أخرجه البخاري ومسلم.
وقد مر بنا في حديث سابق لما جاء الكلام عن عذاب القبر ونعيمه أن المؤمن إذا أجاب يقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (فينظر إليهما جميعً).
من الأدلة أيضًا الدالة على أن الجنة والنار موجودتان: حديث عائشة -رضي الله عنها- أم المؤمنين لما ذكرت خسوف الشمس في عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- والشاهد فيه قوله -عليه الصلاة والسلام- قال: (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به) قال: (حتى لقد رأيتني آخذ قطفًا من الجنة حين رأيتموني أقدم، ولقد رأيت جهنم -أعاذنا الله منها- يحطم بعضها بعضًا حين رأيتموني تأخرت) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
فكل هذه الأدلة تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان، وهذا محل إجماع عند السلف حتى جاء القدرية والمعتزلة فأنكروا ذلك، فأنكر المعتزلة والقدرية وجود الجنة والنار الآن.
هؤلاء احتجوا بجملة من النصوص، النصوص التي احتجوا بها لا تدل على أن الجنة والنار ليستا موجودتين، وإنما النصوص التي استدلوا بها إنما تدل على أن الله -تعالى- يحدث من أنواع النعيم، يحدث منها شيئًا بعد شيء عندما يدخل أهل الإيمان الجنة، فالجنة موجودة الآن، لكن هذا النعيم يحصل له تمام الكمال وتمام الإنعام عندما يدخل أهل الإيمان الجنة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
فمثلًا لما يقول -عليه الصلاة والسلام-: (من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة) نقول: هذا الحديث لا يدل على الجنة ليست موجودة، وإنما يدل على أن الشخص إذا دخل الجنة وقد فعل هذا الأمر العظيم -وهو بناء مسجد- أن الله -تعالى- يحدث له من النعيم ما لم يكن من قبل، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
ننتقل للمسألة الثانية وهي قضية أن الجنة لا تفنى ولا تبيد: نعم الجنة لا تفنى ولا تبيد والدليل على هذا ظاهر في كتاب الله -عز وجل- قال تعالى عن الجنة: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ ﴾ [ص: 54] وقال -عز وجل- ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا ﴾ [الرعد: 35] وقال تعالى عن فاكهة الجنة: ﴿ لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ ﴾ [الواقعة: 33].
إذن أيها الإخوة أيها الأخوات: الجنة لا تفنى ولا تبيد كما سمعنا هذه الآيات القرآنية.
من أنكر ذلك؟ من قال إن الجنة تفنى؟ أنكر ذلك الجهم بن صفوان السمرقندي، ومعه أبو الهذيل العلاف من رؤوس المعتزلة، وقال بفناء حركات أهل الجنة، إذن نخلص من هذا: إلى أن الجنة لا تفنى ولا تبيد، والجهم بن صفوان هذا الرجل الذي له من الضلالات ما له زعم أن الجنة تفنى، وبهذا نكون انتهينا من الحديث عن هذه المسألة.
يبقى عندنا إشكال قد يورده البعض وهو: أن الله -سبحانه وتعالى- قال عن نعيم الجنة وعن أهل الجنة: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ [هود: 108] الشاهد هنا قال: ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ فهذا استثناء فوقع شيء من الاشتباه، فالجواب عن هذا الاشتباه أن يقال: إن كون الجنة لا تفنى ولا تبيد وأن أهل الجنة فيها مخلدون هذا أمر محكم مقطوع به، فأهل الجنة في الجنة مخلدون، وهذا الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴾ قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ هذا مما يقع فيه الاشتباه ويحمل قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ﴾ كما قال جملة من المفسرين: إلا مدة بقائهم في الدنيا أو في البرزخ أو في عرصات القيامة، فلا شك أن الناس في الدنيا أهل الإيمان في الدنيا ليسوا في الجنة، وكذلك أيضًا في البرزخ هم أيضًا كذلك ليسوا في الجنة -جنة المأوى- وأيضًا كذلك هم في عرصات القيامة أيضًا هم ليسوا في الجنة. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
ننتقل إلى المسألة الثانية: وهي قضية الكلام عن مسألة فناء النار -أعاذنا الله منها-: هذه المسألة فيها قولان لأهل السنة، القول الراجح والذي دلت عليه الأدلة ويكاد أن يكون محل إجماع ألا وهو: أن النار -أعاذنا الله منها- لا تفنى ولا تبيد، من ذلك مثلًا قوله تعالى عن هذه النار -أعاذنا الله منها- قال تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ [الجن: 23]، وقال -عز وجل- عن هذه النار قال تعالى: ﴿ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ [فاطر: 36] فدلت الآية على أن هذا العذاب دائم لا ينقطع -أعاذنا الله من ذلك- وأيضًا هذا هو المتقرر في كثير من كتب عقائد السلف، وأيضًا هذا مما يقتضيه العقل، فقد يقول قائل: هذا الكافر الذي عاش ستين عامًا وهو كافر كيف يعذب أبد الآباد، ونقول هو -سبحانه وتعالى- هو الحكيم له حكمة البالغة فيما يقدر وهو -سبحانه وتعالى- بعلمه المحيط بكل شيء، يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، هو -سبحانه وتعالى- يعلم أن هذا الكافر لو رد إلى الحياة الدنيا لعاد إلى ما كان عليه من الكفر والشرك بالله، قال -عز وجل-: ﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 28].
هذا الذي يظهر من أقوال أهل العلم، أن القول الراجح في هذه المسألة أن النار لا تفنى ولا تبيد، ومع ذلك فإن القول بفناء النار هو قول قال به بعض الصحابة ونسب إلى بعض الصحابة -رضي الله عنهم- وهذا القول -أعني القول بفناء النار قول له حظ من الأثر ومن النظر-.
من الأدلة على أن له حظ من الأثر والنظر: ما جاء في قوله تعالى: ﴿ لاَبِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ [النبأ: 23] وقوله تعالى: ﴿ أَحْقَابًا ﴾ جمع حقب، والحقب هو المدة الزمنية، فدل ذلك على أن من خلال هذه الآية أن دخولهم النار له مدة معينة، ثم بعدها هذه النار تفنى بمن فيها من أهل الكفار وأهل الشرك.
أيضًا جاء ذلك في آثار عن الصحابة -رضي الله عنهم- من الأدلة التي استدل بها القائلون على أن النار تفنى قوله تعالى: ﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ ﴾ [الأنعام: 128] فجاء ذلك مقيدًا.
وعلى كلٍ البعض يرى البعض في مسألة فناء النار أن ينتهي إلى ما جاء عن بعض الصحابة كما جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال في هذه المسألة قال: «ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء» أو ما جاء أيضًا عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: «انتهى الأمر إلى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾ [هود: 107].
وعلى كلٍ لا نريد أن يشتغل البعض وينهمكوا في الحديث عن هذه المسألة التي وقع فيها خلاف بين أهل السنة، أقول: ننشغل بالخلاف عما هو أهم وأولى، ألا وهو: أن نستعيذ بالله -تعالى- من النار، والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما قال للصحابة -رضي الله عنهم- قال: (ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من جهنم) هذه النار التي في الدنيا هي جزء من سبعين جزءًا، فقال الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا: (يا رسول الله: إن كانت لكافية) لو كانت نار جهنم -أعاذنا الله منها- مثل نار الدنيا لكانت كافية، ثم قال -عليه الصلاة والسلام- قال: (فضلت عليهن -أي نار جهنم- بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حره) هكذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
المقصود أن يشتغل بهذه المسألة فيما يتعلق بالتعوذ بالله من النار والحرص على كل سبب من الأسباب التي شرعها الله التي تمنعنا من الوقوع في هذه النار وعذابه وسخطه -أعاذنا الله من ذلك-.
يبقى عندنا أن نشير ونذكر أنفسنا أن ثمة غفلة عن اليوم الآخر، وتحضرني في هذا المقام عبارة قالها الحسن البصري -رحمه الله- يقول الحسن: لقد أدركت أقوامًا لو رأيتموهم لقلتم هؤلاء مجانين -ولعله يشير إلى ما عندهم من شدة الخوف من الله سبحانه وتعالى- والخوف من عقابه، ثم قال: ولو أدركوكم لقالوا: هؤلاء شياطين، ثم قال -رحمه الله- بعد هذا قال: ولو أدركوا خياركم لقالوا: هؤلاء لا خلاق لهم - لا نصيب لهم، لا حظ لهم- ولو أدركوا شراركم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب، والله المستعان.

يبقى عندنا في العبارة التي بين أيدينا لما قال -رحمه الله-: (وخلق لهما أهلً) نعم الله -سبحانه وتعالى- خلق للجنة أهلًا وخلق للنار أهلًا، والدليل على ذلك ما جاء في مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ﴾ [الأعراف: 179] ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا ﴾ يعني: هيأنا وخلقنا، وجاء في الحديث الذي أخرجه مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) أخرجه مسلم، وجاء في حديث علي -رضي الله عنه- أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (ما من نفس منفوسة إلا قد كتب الله مكانها من الجنة والنار) أخرجه البخاري ومسلم.
المقصود أن هذا أمر قد فُرِغَ منه، وقد عُلِمَ أهل الجنة من أهل النار كما مر بنا في موضوع القدر.
بعد قال الطحاوي -رحمه الله- قال: (وكل يعمل لما قد فُرِغَ له) هذه العبارة قد مرت بنا في قوله في القدر لما قال: (وكل ميسر لما خُلِقَ له) وقوله: (وكل ميسر لما خُلِقَ له) وقوله هنا: (وكل يعمل لما قد فُرِغَ له) كل هذا جاءت به السنة في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (كل ميسر لما خُلِقَ له).
ثم قال بعدها: (والخير والشر مقدران على العباد) نعم الخير والشر قد قدره الله -تعالى-، قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38] وقال سبحانه: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: 49] فلا يقع شيء في هذا الكون من خير أو شر إلا بتقديره -سبحانه وتعالى- ومشيئته، لكن سبق أن مر بنا أن الشر لا يضاف إلى الله -سبحانه وتعالى- استقلالًا باعتبار أنه -سبحانه وتعالى- لا يخلق شرًا محضًا كما قال -عليه الصلاة والسلام- في دعاء الاستفتاح: (والشر ليس إليك) فما يخلقه الله -سبحانه وتعالى- من شر أو مرض أو ألم أو وجع كل ذلك فيه من الحكمة والأسرار الشيء الكثير، نعلم شيئًا ويفوت علينا الشيء الكثير والله أعلم، هذا ما يتعلق بهذا المقطع وننتقل للمقطع الذي يليه.
يقول: إن بعض الناس عندما تخبره بأن الجنة والنار موجودتان الآن يسألك أين توجدان؟ لأننا نعلم بأن الجنة عرضها كعرض السماوات والأرض فنريد من فضيلتكم جوابًا كافيًا لهؤلاء؟.
نحن نجزم ونوقن يقينًا أن الجنة والنار موجودتان الآن، قضية المكان من أهل العلم من تحدث عن هذه المسألة فقال بعضهم: إن الجنة في أعلى عليين، وبعضهم قال: إن الجنة كما سمعنا الآية الكريمة في سورة النجم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴿13﴾ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى ﴿14﴾ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾ فالجنة الذي يظهر أنها بعد السماء السابعة وهي دون العرش؛ لأنه في الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن) فأعلى المخلوقات هو العرش، العرش هو سقف المخلوقات، فالجنة في أعلى عليين وهي فوق السماء السابعة ودون العرش، هذا الذي يظهر والله أعلم.
أما النار -أعاذنا الله منها- فمن أهل العلم من يقرر -كما جاء في بعض الآيات- أنها في سجين والله تعالى أعلم هذا الذي يمكن يقال في هذه المسألة، وعلى كلٍ إذا ما تقرر أو ما حصل جواب جازم محرر في هذه المسألة فيجب على أهل الإيمان أن يؤمنوا بذلك؛ لأن الأحاديث في هذا متواترة، والنصوص القرآنية كذلك من قبل فالواجب علينا أن نؤمن بذلك سواءً عرفنا المكان أو لم نعرفه.
يقول: بالنسبة لمعرفة هذه التفاصيل وجود الجنة وكيفية خلقها وكذلك النار هل نقول: إنه من الواجب على المسلم أن يعرف ذلك؟ أم أنه يكتف بمعرفة ثواب المؤمن وعقاب الكافر دون التفاصيل الدقيقة؟.
لا شك أن على المؤمن أن يؤمن بالجنة والنار -كما مر بنا- الإيمان بالجنة والنار الإيمان باليوم الآخر عمومًا، هذا فرض عين على كل مسلم ومسلمة، هذه من المعرفة الإجمالية التي يعين على كل مسلم ومسلمة، لا شك أن معرفة تفاصيل النعيم أو تفاصيل العذاب والجحيم لا شك أنه إذا عرف الإنسان ذلك -عرف شيئًا من هذه التفاصيل- يكون باعثًا للعمل الصالح وأن يكف عن السيئات باعثًا للخوف والرجاء كما قد مر بنا في درس سابق، فنقول: كون الإنسان يعرف صفة الجنة ويعرف صفة النار لا شك أن من تعرف على ذلك من خلال نصوص الوحيين زاده ذلك إيمانًا، فهذا الذي ينبغي أن يشتغل به، أما قضية الكيفية كيفية نعيم الجنة كيفية العذاب، هذه الكيفية قد استأثر الله بها، وقد مر بنا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [السجدة: 17] وما جاء في الحديث القدسي أن الله -تعالى- يقول: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال واقرؤوا إن شئتم الآية: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾).
وكما قال حبر هذه الأمة ابن عباس -رضي الله عنهما- قال -رضي الله عنه-: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) فلا يظن ظان أن نعيم الجنة هذا النعيم المقيم أنه يماثل نعيم الدنيا أو ما في الدنيا من كل وجه، لا.. أبدًا، الله -تعالى- قال عن خمر الآخرة ﴿ لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ ﴾ [الواقعة: 19] أما خمر الدنيا فهي لا تنفك عن هذا الأذى وعن هذا الوجع، فالقصد من هذا أن على المسلم أن يتعرف على صفة الجنة والنار؛ لأنه كما نلحظ في أنفسنا والكثير من الناس أنهم ركنوا إلى الدنيا، والواجب على العبد أن يعلق قلبه بهذه الجنة التي هي النعيم المقيم مثل ما قال لبيد لما قال:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل ** وكل نعيم لا محالة زائل
فنعم كل نعيم زائل إلا نعيم الجنة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة) فينبغي أن نحرك قلوبنا ونحرك مشاعرنا نحو هذه الدار المقيمة، فواقع الناس ونحن منهم في غفلة، هذه غفلة يجب أن نخفف منها وأن تزول عندما نتعرف ونحرك قلوبنا عندما نسمع هذه النصوص، هذا كلام الله، كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وحي ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122] ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، هذه النصوص إذا حركنا بها قلوبنا لاشك أن هذا توجب الإقبال على الله، والتجافي عن هذه الدار -عن هذه الدنيا- التي هي فعلًا دنيا وهي زائلة، ونعيمها مهما استمر فهو زائل وإلى انتهاء والله المستعان.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نوع التوفيق الذي لا يوصف المخلوق به تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين وسلامة الآلات فهي قبل الفعل وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال الله -تعالى-: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]).
عندنا الآن موضوع الاستطاعة، وهو الاستطاعة هذا هو جزء من موضوع القدر، ونلحظ أن الطحاوي -رحمه الله- في عقيدته أن المسائل يوردها كذا متناثرة لم يجمعها في موضوع واحد، وموضوع القدر يتكرر معنا في مواطن متعددة، ولعله في هذا من التأكيد ما فيه، نبدأ هنا بموضوع الاستطاعة، إذا تأملنا في قول الطحاوي -رحمه الله- نجد أن الاستطاعة تنقسم إلى قسمين:
تأملوا معنا قال هنا: (والاستطاعة التي يجب بها الفعل) يجب يعني يتحقق بها الفعل، ويكون متحققًا واقعًا، قال: (من نحو التوفيق) أي: إلى هداية التوفيق التي تختص الله -سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56] من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق بها، نعم هداية التوفيق هي لله -سبحانه وتعالى- وحده لا شريك له، قال: (فهي مع الفعل) نعم هذه الاستطاعة هي مع الفعل، يعني مقترنة معه.
قال: (أما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات) سلامة الآلات يعني أن يكون الشخص يستطيع أن يصلي قائمًا، كون الشخص يستطيع أن يحج فهذه هي الاستطاعة التي تكون قبل الفعل.
قال: (وبها يتعلق الخطاب) المقصود بالخطاب أي التكليف، قال تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾.
من باب توضيح هذه المسألة يمكن أن نقول لكم: إن الاستطاعة تنقسم إلى قسمين:
- الاستطاعة التي يجب بها الفعل، هذه نسميها الاستطاعة الكونية.
- أما الاستطاعة التي هي من جهة الصحة والوسع فهي الاستطاعة الشرعية.
إذن عندنا:
- استطاعة كونية.
- استطاعة شرعية.
يمكن أن نعرف الاستطاعة الكونية أو نوضح معناها كما قال الطحاوي: (هي التوفيق الذي لا يوصف به المخلوق) أو التوفيق الذي يختص بالله -سبحانه وتعالى-، يعني هذا الشخص متى يتحقق منه الفعل ومتى يصلي فعلًا، إذا الله -سبحانه وتعالى- وفقه، فإذا خذل العبد فإنه لا يصلي، هذه هي الاستطاعة الكونية، وهي التوفيق الذي يختص بالله -سبحانه وتعالى-.
أما الاستطاعة الشرعية، فيكون معناها: الصحة والوسع وسلامة الآلات. ما معنى الصحة والوسع وسلامة الآلات؟ يعني شخص الآن مريض ما يستطيع الصيام فهنا رخص له الشارع في الفطر ثم بعدها يقضي هذا الصيام إذا كان هذا المرض من المرض الذي يرجى برؤه.
لاحظ هنا قلنا:
الفرق الأول: الاستطاعة الشرعية هي: سلامة الصحة والوسع وسلامة الآلات. والاستطاعة الكونية هي: التوفيق الذي لا يوصف به المخلوق، وإنما يختص بالله.
الفرق الثاني: هو أن الاستطاعة الكونية يتحقق معها الفعل فهي موجبة له بمعنى أنه يتحقق معها الفعل، إذا الله -تعالى- وفق فلان للصلاة فإنه حتمًا سيصلي، إذا وفقه لقيام الليل نعم فسيقوم الليل.
أما الاستطاعة الشرعية فهذه ليست موجبة، وإنما مجوزة للفعل. ما معنى مجوزة للفعل؟ يعني صالحة للضدين، يعني نوضح هذا بمثال: يعني شخص الآن عنده زاد وراحلة يعني عنده شرط استطاعة الحج، عنده الزاد وعنده الراحلة، عنده شرط الاستطاعة عمومًا، لكنه ما حج، فهنا الآن هذا الشخص الذي عنده زاد وراحلة يمكن يحج ويمكن ألا يحج أليس كذلك؟ كذلك مثلًا شخص عنده الآن مال بلغ النصاب وحال عليه الحول فهذا الشخص يمكن أن يزكي ويمكن ألا يزكي، عنده استطاعة، فهنا هذه الاستطاعة الشرعية هي صالحة للضدين، يعني يمكن أن يفعل ويمكن ألا يفعل؛ فلهذا قال العلماء: إنها مجوزة أو قالوا: صالحة للضدين، صالحة أنه يفعل وصالحة ألا يفعل.
الفرق الثالث: أن الاستطاعة الكونية هي مع الفعل مقترنة معه، أما الاستطاعة الشرعية فهي قبل الفعل، يعني نلاحظ مثلًا في الحج كون الشخص معه زاد ولا راحلة أو عنده نفقة الحج، هذه تكون كلها قبل الحج.
فإذن الاستطاعة الشرعية التي هي مناط التكليف هي تكون قبل الفعل، أما الاستطاعة الكونية الذي هو التوفيق فتكون مع الفعل، هذه هي الفروق الثلاثة.
طبعًا من باب تتمة الجواب نقول: إن الاستطاعة الكونية هي التي أثبتها الجبرية، الجبرية يثبتون الاستطاعة الكونية، والاستطاعة الشرعية يثبتها القدرية النفاة، ولو تذكرتم موضوع القدر نجد أن هؤلاء القوم إنما يثبتون من الاستطاعة ما يتفق مع مذهبهم فلاحظ مثلًا هؤلاء الجبرية الذين لا يثبتون للعبد فعلًا ولا اختيارًا بطبيعة الحال سيثبت الاستطاعة الكونية، الاستطاعة الكونية التي هي تختص بالله -سبحانه وتعالى- التي هو التوفيق، القدرية النفاة لما كانوا يقولون: إن الإنسان يخلق فعل نفسه سيروق لهم أن يثبتوا الاستطاعة الشرعية؛ لأنها تتعلق بوسع العبد وصحته وسلامة آلاته، لكن أهل السنة والجماعة أثبتوا هذا وذاك، أثبتوا الاستطاعة الكونية، وأثبتوا الاستطاعة الشرعية.
ربما يكون الموضوع فيه شيء من الدقة والخفاء فلعلي أعيد هذه الفروق بإيجاز فنقول: عندنا الاستطاعة تنقسم إلى قسمين:
- استطاعة كونية.
- استطاعة شرعية.
ما الاستطاعة الكونية؟
الاستطاعة الكونية كهداية التوفيق التي تختص بالله -سبحانه وتعالى- وحده لا شريك له.
ما الاستطاعة الشرعية؟
هي الصحة والوسع وسلامة الآلات والحواس، هذا الفرق الأول.
الفرق الثاني: أن الاستطاعة الكونية موجبة ومحققة للفعل، يتحقق معها الفعل، الاستطاعة الشرعية ليست كذلك بل هي مجوزة للفعل، بمعنى أنها صالحة للضدين قد يفعل وقد لا يفعل.
الفرق الثالث: أن الاستطاعة الكونية هي مع الفعل مقترنة مع الفعل، والاستطاعة الشرعية هي قبل الفعل.
الفرق الرابع: أن الاستطاعة الكونية أثبتها الجبرية والاستطاعة الشرعية أثبتها القدرية النفاة، وأهل السنة أثبتوا الجميع.
لعلي أذكر وأختم بمثال وهو يوضح المقصود: الاستطاعة الشرعية هي الاستطاعة التي يستخدمها الفقهاء، يعني لما نأتي مثلًا كتب الفقه أو تقرءون كتب الفقه أو عندما يتكلم أهل العلم والفقه، يقول: هذا الشخص مستطيع ولا لا؟ هم يتحدثون عن الاستطاعة الشرعية التي هي مناط التكليف، ومن ذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]، قال -عليه الصلاة والسلام-: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فصلِّ قاعدًا، فإن لم تستطع فصلِّ على جنب) لكن الاستطاعة الكونية هي التي جاءت في مثل قوله تعالى عن الكفار لما قال تعالى: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا ﴿100﴾ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ [الكهف: 100، 101] فقوله: ﴿ وَكَانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ "لا يستطيعون" لأنهم حرموا من التوفيق بسبب ذنوبهم، وبسبب إعراضهم، هذا ما يتعلق بموضوع الاستطاعة والله أعلم.
تقول: بالنسبة لتارك الصلاة كسلًا وليس جحودًا البعض يحكمون عليه -وإن كان كسلًا- بالكفر، وأنه إن مات لا يُغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين؟ هل هذا الحكم صحيح أم نحكم عليه بأنه من أهل الكبائر، وأن الله يعاقبه ثم يدخله الجنة؟.
يقول: كيف نوفق بين قول أهل السنة والجماعة أن أصحاب المعاصي لا يخلدون في النار، وقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ [الجن: 23] كيف نوفق بين قول أهل العلم وبين قوله تعالى؟.
الأخت الكريمة تسأل عن تارك الصلاة كسلًا وليس جحودً.
سبق أن مر بنا إشارة إلى ذلك، بالنسبة لتارك الصلاة إذا تركها تهاونًا وكسلًا فالذي دل عليه السنة وهو القول الراجح الذي اختاره جمع المحققين، أن تارك الصلاة يُعد كافرًا كما جاء ذلك في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة) فمن ترك الصلاة فهو كافر خارج عن الملة، ولو كان هذا تهاونًا وكسلًا.
أما إذا جحدها، هو إذا جحد الصلاة أو جحد غيرها من شعائر الإسلام أو ما كان معلومًا من الدين بالضرورة، ما يجحده يكون بذلك كافرًا، لكن الصلاة لها من الخصوصية ما لها، وهي العمل الوحيد الذي اختص بذلك؛ ولهذا قال عبد الله بن شقيق -رحمه الله-: «كانوا -أي الصحابة- لا يرون من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة»؛ ولهذا العلماء يقولون: أهل الإسلام ثم يقولون: أهل الصلاة، أهل القبلة لما نأتي مثلًا هنا في كتب الاعتقاد، ويقال: أهل الإسلام أهل الصلاة أهل القبلة، شخص ما يصلي هو معناه أنه لم يتجه لقبله أهل الإسلام فمعنى أنه ليس من أهل الإسلام لما يقول العلماء: أهل الإسلام أهل الصلاة أهل القبلة النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم) فالمقصود أن تارك الصلاة أنه كافر كما سمعنا من خلال حديث بريدة وجابر وغيرهما والله أعلم.
يقول: هل هناك فرق بين من يتركها جحودًا وعدم إيمانًا بوجوبها ومن يتركها تهاونًا وكسلًا؟.
الفرق من الناحية العلمية ظاهر، يعني شخص مثلًا يجحد الشيء فهو بمجرد هذا الجحود يكفر، لكن هنا الآن عندنا الصلاة لها مزية لها خصوصية وإلا لو جحد وجوب الزكاة وجحد وجوب الصيام والحج جحد شعائر الإسلام الظاهرة لو جحد ذلك لكفر، بل الفقهاء يقولون: لو جحده وفعل فإنه يكفر، لو أن شخص مثلًا جحد الحج وحج أو مثلًا جحد الزكاة وأدى الزكاة فهو يكفر بمجرد جحوده، لكن الصلاة هنا لها من المزية والنصوص علقت الكفر بالترك، قال: (من تركه) فهنا الآن هو استحق وصف الكفر لأجل تركها، وليس لأجل الجحود كما هو صريح هذا الحديث.
يسأل عن أهل الكبائر هل يخلدون في النار ويستدل بقوله تعالى: ﴿ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا ﴾؟.
هو سؤال أخينا الكريم لما يأتي الكلام في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ يعني هذه الآية جاءت في الحديث عن الكفار هذا أمر، وينبغي أن يُنظر إلى سياق الآية كما جاء ذلك في سورة الجن.
الأمر الثاني -الذي ذكرناه من قبل-: أن العصيان في القرآن قد يطلق مرة على الشرك، وقد يطلق على ما دون الشرك من كبائر الذنوب، وقد يطلق على الصغائر، فينبغي أن يعرف هذا الأمر، فالله -سبحانه وتعالى- لما قال عن فرعون: ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ﴾ [المزمل: 16] جزمًا أن معصية فرعون لموسى -عليه السلام- ليست كسائر المعاصي أو مطلق الذنوب، وإنما هو كفر وأشرك بالله -سبحانه وتعالى- وقال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى ﴾ [النازعات: 24] ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38]، وقد يطلق العصيان على الكبائر، ومنه ما جاء في بيعة النساء: ﴿ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ [الممتحنة: 12] ومن ذلك ذكر العلماء قضية النياحة، فالنياحة من كبائر الذنوب، النياح على الميت، وقد يطلق العصيان على الصغائر، ومنه ما جاء في سورة الحجرات في قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ [الحجرات: 7]، فينبغي أن يتنبه لهذا أنه قد يطلق العصيان ويراد به الكفر كما في قوله تعالى: ﴿ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ﴾ وأن المراد بالعصيان في قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ المراد بالعصيان هنا ما هو كفر مخرج من الملة والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد).
هذه العبارة المحررة التي ساقها الإمام أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- تبين ما عليه أهل السنة والجماعة من توسط في باب القدر، فهنا قال: (وأفعال العباد خلق الله) لما يقول: (أفعال العباد خلق الله) المقصود هنا كلمة "خلق" هذه مصدر بمعنى اسم المفعول، والمعنى: وأفعال العباد هي من مخلوقات الله، خلق بمعنى مخلوق، وقد مر بنا أنه قد يطلق المصدر ويراد به اسم المفعول مثل ما قال تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [الإسراء: 85] ﴿ مِنْ أَمْرِ ﴾ هذا أمر مصدر بمعنى اسم مفعول أي: من مأموراته -سبحانه وتعالى-، وهذا يرد في لغة العرب، هم يقولون مثلًا: هذا درهم من ضَرْبُ الأمير أي من مضروباته، المقصود أن أفعال العباد هي من مخلوقات الله، لما نقول: ما الدليل؟ نقول: الدليل واضح في قوله تعالى: ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16].
ثم قال -رحمه الله-: (وكسب من العباد) لما يقول: (وكسب من العباد) نعم، فالعبد هو الكاسب يعني هو الفاعل حقيقة، فهو المصلي الصائم، هو السارق هو شارب الخمر على حسب فعله، ينسب إليه الفعل حقيقة، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30] وقال -عز وجل-: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ﴾ [البقرة: 134] إذن يوصف العبد بأنه فاعل حقيقة، فإذا تقرر ذلك فقوله -رحمه الله-: (وأفعال العباد خلق الله) في هذا رد على القدرية النفاة، الذين يزعمون أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وإذا قلنا: (كسب من العباد) أن العبد هو الكاسب هو الفاعل حقيقة، في هذا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله وليس له اختيار ولا مشيئة. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
إذن الكسب المراد به هنا (وكسب من العباد) أي العمل حتى لا يقع الخلط؛ لأن الكسب قد يطلق على المال -كسب المال- وقد يطلق على ما في القلب كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة: 225] لكن الكسب عندنا هنا المراد به السعي والعمل، فالعبد هو العامل أي الكاسب الفاعل حقيقة.
الكسب هنا يمكن أن نقول معناه بإيجاز: هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر، من اللفتات الجميلة التي نبه عليها شيخ الإسلام وهي لفتة إيمانية لطيفة: أن الله -تعالى- قال: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ الفرق لما جاء في الكسب قال: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ لما كان الشيء الذي على العبد قال: ﴿ مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ فما موجب التفريق؟ قال -رحمه الله- قال: تأمل كيف أتى في ما لها في الكسب، الحاصل ولو بأدنى ملابسة، قال: وفيما عليها بالاكتساب الدال على الاهتمام والحرص، فنلاحظ الآن لما نأتي أيهما أبلغ: اكتسب أم كسب؟ لا شك أن اكتسب أبلغ؛ لأن زيادة المبنى تفيد زيادة المعنى، والاكتساب فيه معنى الحرص والاهتمام، فالعبد إنما يؤاخذ بالعمل الذي يؤاخذ ويحاسب ويجازى على ما كان هذا العمل أداه عن حرص واهتمام، لكن فيما يثاب عليه، قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ فأدنى ملابسة وأدنى سعي ولو لم يكن مباشرًا فإن العبد يثاب على ذلك، هذا مما يبين أن رحمة الله سبقت غضبه، وأن رحمته غلبت غضبه (إن رحمتي سبقت غضبي)، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
يبقى عندما من باب التأكيد على كلام سابق وذكره الشارح ابن أبي العز: إن أهل البدع قد يحتجون بنصوص لبدعتهم؛ ولذلك أن الجبرية مثلًا احتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17] فالجبرية قالوا: العبد ما له فعل؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ ﴾ نفى الرمي، قال: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ فنحن نجيب عن هذا كما مر بنا في قاعدة سابقة قررها شيخ الإسلام وأشار لها ابن القيم:
إن صاحب الباطل إذا احتج بدليل صحيح فإن هذا الدليل صحيح إنما ينقض كلامه ويبطل شبهته، فهنا نقول: هذه الآية الكريمة التي احتج بها الجبري على أن اللسان ليس له فعل نقول: هذه الآية الكريمة هي رد عليك، ما وجه الرد على الجبرية؟
وجه الرد على الجبرية أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ إذن أثبت للعبد رميًا أليس كذلك؟ قال: ﴿ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ فالعبد هنا أضيف إليه الرمي، لكن هنا رمي أضيف للعبد، وأثبت له وهناك رمي نفي عن العبد، فما الذي ثبت للعبد؟ وما الذي ينفى عن العبد؟
الرمي الذي يثبت للعبد الذي هو (الحدف)، كونه (يحدف) هذا السهم أو هذا الحجر لكن الإصابة هي تختص بالله -سبحانه وتعالى-، فقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ﴾ يعني العبد ما عليه إلا أن (يحدف) لكن الإصابة بيد الله -سبحانه وتعالى-، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
يقول: بالنسبة للاستدلال المخالف بأدلة صحيحة من الكتاب أو السنة كيف تتعامل معه؟ بعض الناس يقول: لابد أن أرد عليه بدليل غير مستدل به؟.
هو سبق أن قلنا: الأدلة بنصوص الوحيين هي حق، والحق لا يدل إلا على حق، ولما نؤكد على هذه القاعدة التي كان شيخ الإسلام يقولها: أنا ألتزم بأن أي دليل يحتج به الخصم أو صاحب البدعة لبدعته، فإن هي هذا الدليل ما ينقض كلامه، فهذا يعطينا ثقة بهذا المنهج الذي أكرمنا الله به هو منهج أهل السنة والجماعة؛ لأن أهل السنة آمنوا بجميع النصوص، ودائمًا الذي يؤمن بجميع النصوص لا يتناقض، الذي يتناقض هو الذي يأخذ ببعض النصوص ويترك بعضها، هذا الذي يتناقض، أو مثلًا يؤمن ببعض النصوص ويتأول نصوص أخرى على وفق هواه، فنقول: يمكن الرد يكون من جهتين: من جهة أننا ننقض هذا الاستدلال ما دام هذا الدليل صحيح، فنقول: هذا الدليل جزمًا أن في هذا الدليل ما ينقض كلامه، لكن المشكلة التي نقع فيها: المشكلة أن عندنا من قصور العلم وعندنا من الذنوب ما تجعل الإنسان لا يستصحب الدليل، ولا يستصحب الرد على المخالف، وإلا الله -سبحانه وتعالى- قال عن هذا القرآن قال: ﴿ وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان: 33]، وجاء عن مسروق وجاء عن الإمام أحمد وعن الشعبي هؤلاء الأئمة الكبار الثلاثة، كلهم نجد أن لهم عبارة يتفقون فيها على "أن ما من صاحب باطل أو صاحب بدعة إلا وفي القرآن ما يرد عليه، لكننا لا نهتدي له"، لماذا لا نهتدي له؟ إما لقلة علمنا أو لكثرة ذنوبنا، فالإنسان قد لا ينتفع بالقرآن؛ ولهذا نجد العالم الرباني الذي عنده رسوخ في العلم، وعنده مثلًا خوف من الله تجد أنه ينتفع بالقرآن ويتوصل إلى أدلة لا يتوصل إليها غيره والله المستعان.
يسأل عن: الفرق بين حقيقة القدرة وبين حقيقة الاستطاعة؟.
ما فيه فرق، يعني هو كان علينا أن ننبه، يعني سواءً عبرنا عنها القدرة عبرنا عنها الاستطاعة عبرنا عنها الوسع، كلها معاني متقاربة، لما نقول: القدرة فكذلك، لاحظ هنا الطحاوي تكلم عن الاستطاعة واستدل بقوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ فسواءً سمينا استطاعة أو قدرة المعنى متقارب.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: أكمل لما يلي: الجنة والنار مخلوقتان خلافًا......، والجنة لا تفنى خلافًا.......؟ نريد أن يحدد الفرقة أو الطائفة التي غلت في المسألة.
السؤال الثاني: اذكر ثلاثة فروق بين الاستطاعة الشرعية وبين الاستطاعة الكونية؟
يقول: كيف نوفق بين الأحاديث الدالة على قبول التوبة من صاحبها إذا كانت قبل الموت أو قبل قيام الساعة، وبين قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث.. ويسوق الحديث الطويل ثم يقول عن صاحب الخمر إذا لم يتب للمرة الرابعة فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال؟.
لو تعيد الحديث الأخير؟
يستدل بحديث: (من شرب الخمر لم يقبل له صلاة أربعين صباحًا فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صلاة، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال).
وأنا ما أدري عن هذا الحديث، لكن الأصل المحكم الذي دلت عليه الآيات والأحاديث مثل ما ذكر السائل وكما هو معلوم أنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (يقبل الله توبة العبد ما لم يغرغر) فالعبد توبته مقبولة ما لم تصل الروح إلى حد الغرغرة أو حد النزع، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53] هكذا في آية الزمر، وهذه هي كما مر بنا هي في حق التائبين، فمن تاب تاب الله عليه والإسلام يجب ما قبله، لكن هذا الحديث أنا ما أدري عن معناه، وعلى كلٍ نصوص الوعيد إن ثبتت فينبغي أن تُمر كما جاءت فهذا أبلغ في الزجر.
وأمر آخر أنه في أحيانًا في بعض الأحاديث يعني أنا أذكر كلام لأهل العلم في حديث قريب من هذا أنه ورد في حديث حسنه بعض أهل العلم أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (إن الله احتجز التوبة عن كل مبتدع) فقد يشكل، الذي يعرف في هذا الحديث الذي ذكرته لكم؛ ولعله يفيد في بيان الإشكال الذي عرضه السائل، أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: (إن الله احتجز التوبة عن كل مبتدع) المراد من ذلك أنه لا يوفق لها، والله أعلم.
لكن الصحيح يا فضيلة الشيخ هو قبول التوبة من الإنسان؟.
هذا الأصل، لكن الحديث الذي ذكره السائل يحتاج إلى أن يُسأل عنه، وإلا الأصل أن التوبة مقبولة ما دام الشخص ما لم تبلغ الروح الحلقوم وما لم تطلع الشمس من مغربها.

nary_jon
06-04-2008, 07:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس العشرون : من قوله: <ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون>

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)

الدرس العشرون

من قوله: (ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون)

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله رب العالمين، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

أسئلة الحلقة الماضية:

السؤال الأول: أكمل ما يلي: الجنة والنار مخلوقتان... والجنة لا تفنى خلافًا...؟
وكانت الإجابة:
الجنة والنار مخلوقتان خلافًا للمعتزلة والقدرية، فإنهم أنكروا أنها مخلوقة الآن، والجنة لا تفنى خلافًا للجهم بن صفوان إمام المعطلة فإنه قال بفناء الجنة والنار.
الإجابة صحيحة.
السؤال الثاني: الفروق بين الاستطاعة الكونية والاستطاعة الشرعية؟
وكانت الإجابة:
الاستطاعة الكونية هي من التوفيق التي يختص بها الله دون الخلق، وأما الشرعية فهي سلامة الصحة والوسع وسلامة الآلات، وكذلك الكونية موجبة يتحقق بها الفعل، والشرعية مجوزة للفعل، فقد يفعل وقد لا يفعل، وكذلك الكونية مقترنة مع الفعل، والشرعية تكون قبل الفعل.
إجابة سديدة وموفقة.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى- في عقيدته: (ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون، ولا يطيقون ما كلفهم، وهو تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله، نقول: لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد ولا حركة لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله تعالى، وكل شيء يجري بمشيئة الله -تعالى- وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون).
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي -عليه رحمة الله-: (ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون) هذه العبارة فيها أمور:
الأمر الأول: دل عليها قوله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286] وقوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [الأنعام: 152] فقال -عز وجل-: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ في هذه الآية قال الإمام سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ إلا يسرها، فالله -سبحانه وتعالى- من رحمته أنه -سبحانه وتعالى- لم يكلف عباده إلا ما فيه اليسر، كما قال -عز وجل-: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، هذا أمر.
الأمر الآخر: ينبغي أن ننبه الإخوة وننبه من يشاهد هذه الحلقة: أن الشرائع ليس كما يظن البعض أن فيها معنى الكلفة والمشقة لا.. ليس الأمر كذلك، فهذه الشرائع من صلاة وحج وزكاة وسائر هذه الأمور هي قرة العيون، وبهجة النفوس، فلا نجد الراحة والطمأنينة إلا بالالتزام بشرع الله؛ ولهذا كان المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) فالمقصود أن هذه لا يقال عنها تكاليف، نعم هي فيها ما تكرهه النفوس وحظوظ النفوس كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار الشهوات) لكن هذا الشيء الذي تكرهه النفوس من جهة الشهوات هذا الأمر الذي تفعله ويفعله المؤمن من صلاة، وإن خالف هواه سيجد من انشراح الصدر وقرة العين وبهجة النفس ما لا يوصف؛ ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- كما سمعنا: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
فهنا بعدها قال -رحمه الله-: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) يقول الطحاوي: لا يطيق العباد إلا ما كلفهم، هذه العبارة كما أشار ابن أبي العز -رحمة الله عليه- هذه العبارة فيها قلق، بمعنى أن الطحاوي لم تكن عبارته دقيقة في هذه الجملة وهو الآن يقول: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) وليس الأمر كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- لو فرض علينا صلاة سادسة نطيق أم لا نطيق؟ نطيق، ولو فرض الله علينا صيام شهر غير رمضان لأطقنا ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- من رحمته وكرمه -عز وجل- أنه -سبحانه وتعالى- لم يكلفنا إلا ما فيه اليسر كما سمعنا في قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (بعثت بالحنفية السمحة) فهذه الشريعة فيها السماحة واليسر ولله الحمد والمنة، هذا ما ينبغي أن ينبه عليه في هذه العبارة.
يقول: ما الأفضل في مثل هذه العبارة؟
يعني هذه العبارة ليست دقيقة؛ ولهذا ابن أبي العز تعقبها، هو لو قال: ولم يكلفهم الله -تعالى- إلا ما يطيقون، ثم استمر دون هذه العبارة استغني عنها لكان أليق؛ لأنه لما يقول: (ولا يطيقون إلا ما كلفهم) -كما ذكرنا- أن الله -تعالى- لو كلفنا بصلاة سادسة، لو فرض الله علينا مثلًا الزكاة أكثر من مرة في العام لكان هذا في مقدور الناس، لكن الله -سبحانه وتعالى- لم يكلفنا ما فيه طاقتنا، وإنما كلفنا ما فيه اليسر والسهولة علينا ولله الحمد.
يبقى عندنا هنا في تفسير الحوقلة (ولا حول ولا قوة إلا بالله) ذكر عندكم الطحاوي -رحمه الله- التفسير الذي سمعناه قال: (لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله) هذا المعنى الذي ذكره الإمام الطحاوي جاء بمعناه عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فابن مسعود الصحابي الجليل فسر هذه العبارة بما يلي:
يقول ابن مسعود -رضي الله عنه- في تفسير الحوقلة قال: «لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله تعالى» وهذا الكلام الذي قاله الصحابي الجليل ابن مسعود، قال عنه الخطابي في شأن الدعاء قال: هذا أحسن ما فسرت به الحوقلة، وكلام الطحاوي هنا فيما سمعناه قريب من كلام ابن مسعود -رضي الله عنه-.
لكن الذي يبدو -والله أعلم- الذي عليه الجمهور أن الحوقلة أعم من ذلك كله، تلحظون في تعريف الطحاوي ومن قبل الصحابي الجليل ابن مسعود أنهم جعلوا التحول عن المعصية والقوة على الطاعة، لكن الذي يبدو من خلال لفظ الحوقلة أن الأمر أعم من ذلك كله، فأنت الآن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهنا لما تنظر إلى "لا" وهذه نافية للجنس، و"حول" هنا نكرة جاءت في سياق النفي فتفيد العموم، إذن هنا الحوقلة لما نقول: "لا حول" أي لا تحول من أي حال إلى حال، لا تحول مثلًا من المرض إلى الصحة إلا بالله، ولا تحول من المعصية إلى الطاعة إلا بالله، ولا تحول من الفقر إلى الغنى إلا بالله.. وهكذا، فلا تحول من أي حال من الأحوال سواءً الدينية أو الدنيوية إلا به -سبحانه وتعالى- فهو المستعان وعليه التكلان.
ثم نأتي إلى كلمة "ولا قوة" "لا حول ولا قوة إلا بالله" فالمعنى بالقوة هنا: القدرة على ذلك، يعني القدرة على ذلك التحول، القدرة على التحول من الفقر إلى الغنى، القدرة على التحول من الجهل إلى العلم، القدرة على التحول من المرض إلى الصحة، فكل ذلك به -سبحانه وتعالى- فهو المستعان، المقصود أن الذي نقل عن الجمهور واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذه الكلمة كلمة عامة أم تختص بما جاء عن الصحابي الجليل أو ما قاله الطحاوي؟ أنها عامة، لا تحول من أي حال إلى حال، ولا قوة على هذا التحول إلا به -سبحانه وتعالى-، وهنا في ختام الكلام عن الحوقلة نذكر بكلام مهم ذكره ابن القيم -رحمة الله عليه- في كتابه "الوابل الصيب" لما تكلم عن الحوقلة، قال -رحمه الله- كلامًا ما معناه أن هذه الكلمة كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" لها تأثير عجيب في ركوب الأهوال واقتحام الأمور، فالإنسان إذا كان عنه أمور عظيمة يريد أن يؤدي عملًا عظيمًا ومشروعًا كبيرًا وعملًا جسيمًا فعليه بالحوقلة، للأسف أن كثير من الناس أو الكثير من المسلمين لا يقولون الحوقلة إلا في حال المصائب، لا.. ليس الأمر كذلك، هذه الحوقلة تقال عندما يريد الإنسان أن يعزم على عمل، أو يعزم على أمر عليه أن يستعين بالله -سبحانه وتعالى-، وكما كان -عليه الصلاة والسلام- يقول:(اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين) هذا ما يتعلق بهذه الحوقلة.
الكلام الذي بعده ظاهر وبيِّن، ومر بنا في موضوع القدر، لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه) قضائه طبعًا الكوني (وقدره) نعم، قال تعالى: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ ﴾ [الإنسان: 30] ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38] قال بعدها: (وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا، لا يسأل عما يفعل وهو يسألون) هنا تحدث -رحمه الله- عن أنه -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، وهذا الموضوع -كما قلنا- هو من موضوعات القدر، ونتحدث الآن في هذه المسألة عن معنى الظلم، ما معنى الظلم الذي ينزه الله -تعالى- عنه؟
بإيجاز شديد: الظلم معناه في لغة العرب ومعناه عند أهل السنة أيضًا: الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، والله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49] وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ﴾ [يونس: 44]، وجاء في حديث أبي ذر الحديث القدسي، قال -عليه الصلاة والسلام-: قال الله -تعالى-: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالمو) فإذن الله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم وموصوف بأنه -سبحانه وتعالى- أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين -سبحانه وتعالى-.
إذن اتضح لنا ولكم أن الظلم معناه الصحيح الذي جاء في كتب اللغة والذي قرره أهل السنة هو وضع الشيء في غير موضعه؛ ولهذا الذي أشرك بالله هذا يعد ظالمًا، ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]؛ لأنه وضع العبادة في غير موضعها وهكذا، هذا ما يتعلق بالظلم عند أهل السنة.
أما الجبرية بما فيهم الأشاعرة، فقالوا: إن الظلم هو التصرف في ملك الغير. وقالوا: إن الظلم ممتنع عن الله، يقولون: يستحيل، ممتنع عن الله -سبحانه وتعالى-، فنأتي نناقش هذا الكلام، وهو لما نقول: إن الظلم هو التصرف في ملك الغير، ويقولون: هذا الظلم ممتنع مستحيل، فقولهم: إن الظلم ممتنع مستحيل، نحن نسألكم أيها الطلاب: أيهما أحق بالكمال، لما يكون هناك أمير أو ملك لا يظلم أو شخص صعلوك لا قدرة له ولا قوة ولا يستطيع أن يظلم لضعفه ومهانته؟! أيهما أكمل؟!
صاحب القدرة.
نعم لا شك؛ لأن صاحب هذا الملك أو هذا السلطان الذي لا يظلم عنده قدرة أن يظلم ولا ما عنده قدرة؟
نعم.
وأيهما أكمل؟ الذي يقدر أن يظلم فلا يظلم؟ أما الذي لا يظلم لعجزة؟ فهنا كذلك لما يقولون: الظلم ممتنع عن الله ليس كمالًا، لكن نحن نقول: الله -سبحانه وتعالى- يقدر على ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- حرم ذلك على نفسه -سبحانه وتعالى-، هذا أمر.
والله -سبحانه وتعالى- له الكمال، فإذا كان المخلوق مثلًا عندما يقال مثلًا في الحديث الصحيح: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) قال -عليه الصلاة والسلام-: (إمام عادل) لما يأتيك إمام صاحب ولاية وصاحب سلطة ولا يظلم، هذا يعد مدحًا.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- أثنى على النجاشي وقال: (إن فيها ملك لا يظلم)، المقصود أن الظلم ليس ممتنعًا عن الله ولا مستحيلًا فهذا لا يعد كمالًا ولا مدحًا، وإنما هو -سبحانه وتعالى- يقدر على ذلك، لكنه -سبحانه وتعالى- حرم ذلك على نفسه تكرمًا وتفضلًا وتحقيقًا لهذا الكمال المطلق له -سبحانه وتعالى-.
أمر آخر لما يقولون الظلم هو التصرف في ملك الغير، التصرف في ملك الغير ليس أمرًا دقيقًا، ليس أمرًا صائبًا، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك لما يأتي شخص مثلًا الآن ويأخذ المال من جيبه، يخرج المال من جيبه، ماله الذي في جيبه يخرجه ثم يحرقه، هل هذا يعد عدلًا أم يعد سفهًا؟ سفهًا، طيب الآن هذا تصرف في ملكه ولا تصرف في ملك غيره؟ تصرف في ملكه، فهذا لا يعد عدلًا هذا يعد سفهًا، فليس كل تصرف في ملك الإنسان يعد عدلًا.
في المقابل أيضًا في الرد على من يقول: إن الظلم هو التصرف في ملك الغير، نرد على هؤلاء: لما القاضي مثلًا القاضي الشرعي لما يحجر على السفيه أليس كذلك؟ هذا رجل سفيه ليس عنده رشد في تصريف ماله، فيرى القاضي من باب المصلحة الشرعية أن يحجر على ماله، فالآن القاضي تصرف في ملك غيره ولا ما تصرف؟ هل يعد ظالمًا؟ لا..لا.. يعد ظالمًا بل هذا هو عين الحكمة أن يحجر على السفيه، فالمقصود أن تعريف الظلم التصرف في ملك الغير ليس تعريفًا دقيقًا ولا صائبًا، هذا تعريف الظلم عند الجبرية بما فيهم الأشاعرة.
ننتقل إلى الطرف المقابل: فإذا قلنا الظلم عند الجبرية ننتقل إلى الظلم عند القدرية، الذين هم المعتزلة ونحوهم، فهؤلاء ماذا يقولون؟ يقولون: الله -تعالى- منزه عن الظلم، لكن الظلم عندهم ماذا؟ يفسرون الظلم ويقيسون الخالق بالمخلوق قياس تمثيل، ما معنى هذا؟ يقولون: إن الله -سبحانه وتعالى- لو قدر المعصية على العبد وعاقبه لكان ظلمًا؛ ولهذا قالوا: العدل عند المعتزلة أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وهل هذا مدح لله -سبحانه وتعالى-؟ لاحظوا الآن هم يقولون: الظلم، الظلم عندهم ماذا؟ إن الله -تعالى- يقدر على العبد المعصية ثم يعاقبه عليها، العدل عندهم ماذا؟ أن الإنسان يخلق فعل نفسه، فهم أرادوا أن ينزهوا الله -تعالى- عن الظلم لكن وقعوا في شر من ذلك، وهم أنهم أخرجوا أفعال العباد عن ملك الله -سبحانه وتعالى-، فجعلوا مشيئة العبد تغلب مشيئة الله -تعالى- تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ونختم هذا الموضوع بحديث ذكره الشارح، وأورد كلام ابن القيم في معناه وهو حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (لو أن الله عَذَّبَ أهل سماواته وأهل أرضه لعذبه وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم) أخرجه أحمد وأبو داود.
نترك هذه المسألة وننتقل إلى ما بعدها.
يقول: كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" هل هي ذكر أم دعاء؟.
هي لا شك أنها لو قلت دعاء، هي دعاء عبادة، فهي ذكر، قال -عليه الصلاة والسلام- لأبي موسى الأشعري قال: (ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله) فهي يجتمع أنها هي ذكر وهي دعاء، نعم هي ذكر لله -سبحانه وتعالى- لما فيها من الثناء على الله وأن الله -تعالى- هو المستعان وعليه التكلان، فهي ذكر وهي أيضًا دعاء، نعم هي دعاء عبادة، ودعاء العبادة هو الذكر، أنت الآن إذا قلت سبحان الله هو يجتمع فيه الأمران: أنه ذكر وأنه دعاء عبادة، وإذا قلنا إنه دعاء عبادة فدعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، أنت الآن لما تقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله" أنت الآن تثني على الله -سبحانه وتعالى- هذا الثناء وهذا الدعاء الذي هو دعاء عبادة يستلزم المسألة، يستلزم الافتقار والتضرع والانكسار بين يديه -سبحانه وتعالى-، فيجتمع فيه الأمران.
يقول: الطحاوي قال: (ولا تحول لأحد عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله إلا بتوفيق الله) فهل هناك فرق بين معونة الله وتوفيق الله؟.
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يجني عليه اجتهاده
لا..، هو يبدو لما قال هنا: (لا حيلة لأحد ولا حركة لأحد ولا تحول لأحد إلا بمعونة الله) فهنا لما جاء التحول من حال إلى حال، لابد فيه من عون الله سبحانه وتعالى.
ولا قوة لأحد على إقامة طاعة الله والثبات عليه إلا بتوفيق الله، التوفيق هنا بمعنى هو بمعنى الإعانة؛ لأننا نجد العلماء يفسرون التوفيق بالإعانة، والتوفيق يقابله الخذلان، الخذلان أن يكل الله -تعالى- العبد إلى نفسه، فإذا وُكِلَ إلى نفسه لا تتحقق له الإعانة، فيبدو أن المعنى متقارب، لكن نحن كلامنا في هذا يا أخي الكريم أن الطحاوي -رحمه الله- كأنه الآن جعل التحول فيما يتعلق بالمعصية والقوة على الطاعة قريب من كلام ابن مسعود -رضي الله عنه- والصواب العموم أنه يتناول التحول من أي حال إلى حال كما سمعنا كلام شيخ الإسلام، ونسبه إلى الجمهور والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات).
هذه المسألة هي كما تلحظون هي من مسائل الفروع، وسبق أن قلنا أو مر بنا أكثر من مرة: إن أهل السنة يضمنون متون الاعتقاد جملة من مسائل الفروع التي يخالف فيها البدع وتكون شعارًا لهم، وهنا لما يقول: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) هذه المسألة تبحث في كتب الجنائز -كما لا يخفى- وفيها يهدى للميت من القرب والطاعات، فالطحاوي -رحمه الله- أوردها في كتابه مخالفة لأهل الكلام، والشوكاني -رحمه الله- في "نيل الأوطار" نص على أنهم المعتزلة، فالمعتزلة أو أهل الكلام عمومًا يرون أن الميت لا ينتفع بأي شيء، لا ينتفع لا بدعاء ولا بشيء مما يهدى إليه، لا ينتفع بالدعاء ولا بالصدقة ولا غير ذلك، فهذا فيه رد على أهل الكلام القائلين بأن الميت لا ينتفع بشيء من سعي الأحياء.
فهنا لاحظ الطحاوي قال: (وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعة للأموات) فهذا أمر محل اتفاق، أننا إذا دعونا لهذا الميت أنه ينتفع بهذا الدعاء، وأيضًا إذا تصدقنا عنه ينتفع، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة أن الميت ينتفع بهذه الأمور، ينتفع بدعاء المسلمين، ينتفع بالصدقة، كما في الحديث في مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من مسلم يموت ويصلي عليه أربعون شخصًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه) أيضًا عندك الصدقة في حديث سعد بن عبادة لما ماتت أمه قال: (أن أمي أُفتتلت نفسها أفأتصدق عنها؟) فتصدق عنها، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أقر ذلك، فالميت ينتفع بما يهدى إليه من الصدقات، فهذا محل اتفاق، أيضًا الحج كما جاء في قصة الخثعمية الجهنية، لما غسلها قال: (حج عن أبيكِ واعتمري) فهذا محل اتفاق.
أيضًا من الأمور التي هي محل اتفاق بين أهل السنة والجماعة ما تسبب فيه الميت، يعني كون الميت أوقف وقفًا صدقة جارية ينتفع بهذا، قال -عليه الصلاة والسلام- كما في حديث أبي هريرة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له).
يبقى الخلاف الذي أطال فيه الشارح ونقله عن كلام ابن القيم في كتاب "الروح" قضية العبادات البدنية هل ينتفع بها؟ يعني هل يسوغ أن يصلي على الميت أو أن يقرأ القرآن ويهدى ثوابه إلى الميت، فنجد أن مثلًا مذهب أبي حنيفة وأحمد أنهم يتوسعون في ذلك من جهة إهداء ثواب العبادات البدنية ويلحقونها بالعبادات المالية، يعني العبادات المالية مثل الصدقة، الصدقة مشروعة ولا ما مشروعة؟ مشروعة يعني الدليل واضح في هذا، وبعض العلماء يمنعون ذلك، ومنهم مذهب مالك والشافعي، فيقتصرون على العبادات المالية، واضح الخلاف الآن؟ والذي يختاره بعض المحققين ويفتي به المشايخ عندنا هنا -مشايخ اللجنة الدائمة هنا في السعودية-: أن فعل القرب وإهداؤه للميت يقتصر فيه على ما جاء به الدليل، يقتصر فيه على ما ورد به الدليل، الصدقة جاء بها الدليل، الصيام قال -عليه الصلاة والسلام-: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) الحج كما سمعنا، الذي اختاره مشايخ اللجنة الدائمة هنا في السعودية، أن يختصر على ما جاء به الدليل، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
يبقى عندنا مسألة نختم بهذا المسألة الجزئية، وهي قضية أن الذين منعوا أن الميت ينتفع بسعي غيره، احتجوا بآية النجم في قوله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ [النجم: 39] فاحتجوا بهذه الآية على أن الميت لا ينتفع بسعي الأحياء، فالعلماء لهم عدة أجوبة في الرد على هذا الاستدلال، فلعل أظهر وأقوى الردود في هذه المسألة: أن نقول هذه الآية ليس لهم أن يحتجوا بها على أن الميت لا ينتفع بسعي الأحياء، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك تأملوا في الآية الله -تعالى- قال: ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ ﴾ فهنا اللام لام الملك، فالإنسان إنما يملك سعيه، والملك شيء والانتفاع شيء آخر، فهذا الانتفاع ينتفع به الغير، وإن كنت مالكًا له، ومثال ذلك مثلًا لو أن شخص عليه دين ألف ريال، وأنت قضيت هذا الدين عنه، تبرأ ذمته ولا ما تبرأ؟ تبرأ ذمته، لكن من الذي يملك المال؟ أنت ولا هو؟ نعم الذي يملك المال هو الذي قضاه، وانتفع به هذا المدين، واضح الآن؟ إذن نحن نقول: الآية الكريمة هل نفت انتفاع الرجل بسعي غيره؟ أم نفت ملكه لسعي غيره؟ ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ نقت ماذا؟
نفت انتفاعه من سعي غيره.
لا.. ﴿ وَأَن لَّيْسَ ﴾ قلنا اللام لام الملك، إذن نفت أن يملك سعي غيره أو أن ينتفع بسعي غيره؟ ما الذي نفته الآية؟ نفت الآية الكريمة أن الشخص لا يملك سعي غيره، ولم تنف الآية الانتفاع، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
تقول: بالنسبة للحديث الذي ذكرته إن الله -سبحانه وتعالى- لو عذب أهل سمائه وأهل أرضه بعدله -سبحانه وتعالى- لما كان في ذلك شيء، يعني يا شيخ أنا حصل عندي نوع من التعارض كيف ذلك؟ في الآية الكريمة ذكر الله -سبحانه وتعالى- إن في السماء يسبحون له ولا يسئمون ولا يعصون الله ما أمرهم بخلاف أهل الأرض، يعني أهل الأرض ممكن ينطبق عليهم.. إنما أهل السماء هم لا يعصون الله ويسبحون لله، وهم دائمون العبادة، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر: أن في السماء ما فيه موضع أربع أصابع إلا وملك راكع وملك ساجد نرجو من الشيخ توضيح ذلك؟.
الكلام الذي ذكرته السائلة ابن القيم -رحمه الله- ونقل ذلك الشارح شرح هذا الحديث بما يزيل هذا اللبس أو هذا الإشكال، وهو أن قوله -عليه الصلاة والسلام-: (أن الله -تعالى- لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) هنا "لو" حرف امتناع، فالمقصود أن أهل السماء وأهل الأرض مهما عبدوا الله ومهما قاموا بحقه -سبحانه وتعالى- فيبقى أنهم قصروا ولا ما قصروا؟ ولهذا النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لأبي بكر الصديق -أفضل شخص بعد الأنبياء- علمه ماذا أن يقول في صلاته: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)، فالمقصود أن العبد أو الشخص سواءً كان من أهل السماء أو من أهل الأرض إذا نظر إذا نعم الله وإلى فضله وعظيم عطائه -سبحانه وتعالى- ونظر إلى أنه مهما أدى من الطاعة ومهما فعل من الطاعات والصالحات ولو كان صالحًا تقيًا فإنه يبقى مقصرًا ومفرطًا، وصالح البشر هم أفضل من الملائكة على المذهب الذي قرره جمهور أهل السنة والجماعة، ومع ذلك هؤلاء الصالحون لو فعلوا ما فعلوا من الحسنات فيبقى الشخص في مقام التقصير، لكن متى يشعر الشخص بالتقصير؟
أولًا: إذا تذكر ما لله -سبحانه وتعالى- من الأسماء والصفات وما له من الفضل والعطاء قال تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18].
أمر آخر يتعلق بموضوعنا: أن العبد إذا صلى وصام وتصدق ودعا إلى الله وجاهد في سبيل الله هذا كله عمل الله -تعالى- هو الذي وفقه أليس كذلك؟ فالله -سبحانه وتعالى- هو الذي وفقه وأثابه، وكون العبد مثلًا ترك المعاصي من الذي أعانه على ترك المعاصي ويسر له ذلك وجنبه ذلك؟ هو -سبحانه وتعالى-، فالفضل منه -سبحانه وتعالى- أولًا وانتهاءً فأقول: إذا استصحب الشخص هذه الأمور عرف أنه مقصر ومفرط سواءً كان من أهل السماء أو من أهل الأرض والله أعلم.
يقول: بالنسبة لحلقة الأمس: تحدثتم فيها بالقول بفناء النار، وأن هذا القول له حظ من النظر وكذلك الأثر، وأنه منسوب إلى بعض الصحابة، من خلال المراجع في النسخة التي حققها جماعة من العلماء على شرح الطحاوية وكذلك تخريج الشيخ الألباني -رحمه الله- أن يذكر لنا هذه الآثار كلها غير صحيحة في تعليق خمسمائة واحد وتسعين وكذلك في خمسمائة اثنين وتسعين؛ لأنه ليس كذلك الجهم بن صفوان في موضوع الجنة وكذلك النار ليس له سند، وكذلك تضعيف الآثار جميعً.
تقول: ما الحكمة من معرفة كلام المعتزلة والأشاعرة والمذاهب الأخرى؟.
على كلٍ هو ما ذكره السائل قضية الآثار، نعم الآثار فيها كلام، والشيخ الألباني -رحمه الله- وغير الألباني منهم من يطعن في هذه الآثار ومنهم من يثبتها، ابن القيم يثبت شيئًا من هذه الآثار، وعلى كلٍ لا نزيد عما قلناه بالأمس: إن هذا القول -القول بفناء النار- هو قول له حظه من الأثر والنظر، والمسألة ما هي آثار صحابة فقط، بل عندنا أدلة من القرآن وعندنا أدلة مثلًا قضية النظر أن رحمة الله سبقت غضبه، وذكرنا أن القول الراجح في هذا: إن النار لا تفنى ولا تبيد، فالقصد أن هذا القول له حظ، وقال به أئمة، ونجد أن ابن القيم مثلًا في "شفاء العليل" ونجد أن ابن القيم في "حادي الأرواح" يذكرون أدلة ظاهرة لهذا القول وأدلة قوية كاد أيضًا شيخ الإسلام في الرسالة التي طبعت أخيرًا بعنوان "الرد على من قال بفناء الجنة والنار" ذكر أقوالًا وحججًا قوية في هذا، ومع هذا كله يبقى القول الراجح في هذه المسألة إن النار لا تفنى ولا تبيد، أقصد لو قلنا بأن الآثار ما ثبتت عن الصحابة هذا لا يعكر في قوة هذا القول، يبقى هذا القول أيضًا له أدلة من القرآن ذكرنا شيئًا منها، له أدلة من النظر قضية من جهة ما يتعلق بحكمة الله ورحمته، وأن رحمته سبقت غضبه، هذا كله مما يعزز هذا القول، وعلى كلٍ يبقى الراجح أن النار -أعاذنا الله منها- لا تفنى ولا تبيد.
تسأل عن الحكمة من معرفة كلام المعتزلة والقدرية؟.
هو لا شك التعرف على أقوال هؤلاء هو جزء من معرفة سبيل المجرمين، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55] وحذيفة -رضي الله عنه- كان يقول: (كان الناس يسألون رسول الله -عليه الصلاة والسلام- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني) فمذهب الأشاعرة هذا مجود وقائم وله مؤسساته وله جامعاته وهو يقرر هذا المذهب الفاسد، وأيضًا كذلك هناك من تلوث بآراء المعتزلة قديمًا وحديثًا فكون طالب العلم يعرف هذه الأقوال مثل ما مر بنا -يعرفها عرضًا- هذا من معرفة الشر الذي يعينه على أن يعرف الحق، وكما قال الفاروق -رضي الله عنه- عمر قال: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) فمعرفة هذه الجاهلية مما يجعل الإنسان يزداد انشراحًا لهذا الحق وتمسكًا به والله أعلم.
يقول: هل يجوز ختم القرآن عن الميت مثل ما يجوز الحج عن الميت أو العمرة؟.
نحن ذكرنا يعني مثلًا هنا عند الحنابلة يرون أن يقرئ القرآن ويهدى ثوابه إلى الميت، لكن ذكرنا لكم في كلام اللجنة الدائمة وهو كلام قوي في هذا أن يقتصر على ما جاء به الدليل، وهذا لم ينقل عنه -عليه الصلاة والسلام- ولا عن الصحابة الكبار أنهم فعلوا ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وهذا لو كان مشروعًا فهذا مما تتوفر الدواعي لنقله، كونه ما نقل مع توفر الدواعي دل ذلك على أن تركه سنة فيقتصر على ما جاء به الدليل.
يقول: بالمناسبة يا فضيلة الشيخ كثير من الإخوة طرح تساؤل عن هذا الموضوع بالتحديد: ثواب الأعمال للميت وكذا؟.
والله الذي سمعناه أنه يقتصر على ما جاء به الدليل، ويمكن يسأل أهل الفقه في هذا، لكن في هذه المسألة علينا أن نتمسك بما جاء به الدليل، الصدقة جاء بها دليل، الحج جاء به دليل، مات شخص وعليه صيام فرض أو صيام نذر عندنا الحديث: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) فهذه عبادات وقربات والعبادات والقربات مبنية على التوقيف، فليس لنا أن نهدي شيئًا إلا بدليل، والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات، و يملك كل شيء ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله -تعالى- طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر، وصار من أهل الحين، والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى).
في قوله -رحمه الله-: (والله تعالى يستجيب الدعوات ويقضي الحاجات) هذا أمر معلوم وأمر ثابت شرعًا ومعلوم فطرة ومعلوم عقلًا أن الدعاء سبب في حصول الاستجابة، وهذا أمر متقرر، والشخص بفطرته إذا اضطربت عليه الأمور تجده يدعو الله -تعالى- ويسأله، بل هذا معروف عند الفلاسفة من قبل، الفلاسفة الوثنيون مثلًا بطليموس كان يقول عن الدعوات يقول: هذه الدعوات في هياكل العبادات تحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات، هكذا يقول بطليموس وهو وثني من فلاسفة اليونان، يقول: "ضجيج الأصوات بالدعوات يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات"، هكذا قال هذا المشرك، المقصود أن الدعاء سبب في حصول الاستجابة قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60] وقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186].
الدعاء أيها الإخوة هو من أقوى الأسباب في حصول المطلوب، سواءً من جلب المنافع أو دفع المضار، من الذي أنكر ذلك؟
الذي أنكر أن الدعاء سبب وأبطل الدعاء هم قوم من زنادقة الفلاسفة وغلاة الصوفية، فعندنا قوم من المتفلسفة والصوفية أبطلوا الدعاء، بل إن بعضهم ألف كتابًا في إبطال الدعاء، انظروا إلى الخذلان -نسأل الله العافية- ألف كتاب في إبطال الدعاء، يقول: الدعاء ما فيه فائدة، إذا كان الله -تعالى- مقدر أنه يعطيك مال سيأتيك المال، ولا حاجة للدعاء، وإذا كان الله -تعالى- مقدر أنه لن يعطيك مال فلن يعطيك مال ولو دعوت، فنحن نقول: لا.. هذا كلام فاسد، هناك أمورًا الله -تعالى- قدرها بسبب أو بشرط، فالله -تعالى- قدر أن فلان يرزقه مالًا إن دعا، فإن دعا جاء المال، وإن لم يدعو لم يأتي المال، فلان قدر الله له العلم إذا دعا، فإذا دعا الله -تعالى- أن يرزقه العلم النافع حصل له ذلك، وإذا لم يدعو الله انتفى عنه هذا الأمر، المقصود أن الدعاء سبب في حصول الإجابة، وهذا أمر دلت عليه الأدلة وأمر ثابت فطرة وعقلًا.
الأمر الآخر الذي نذكره في هذا الباب: إن الله -تعالى- هو الذي له المنة والكرم عندما يوفق العبد للدعاء، فالله -سبحانه وتعالى- عندما يحرك العبد إلى الدعاء ويجعل عنده شعور بالفقر والاحتياج هذه نعمة عظيمة؛ ولهذا كان عمر -رضي الله عنه- عمر الفاروق يقول: (إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء)؛ لأن عمر يعلم أنه إذا وفق للدعاء ستأتي الإجابة، هذا أمر، وفي هذا المقام نذكر أنفسنا ونذكر الإخوة بالحرص على الدعاء.
مطرف بن عبد الله بن الشخير -رحمه الله- من كبار التابعين يقول: تذاكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير، الصلاة الصيام الصدقة.. كل هذا خير فإذا هذا الخير بيد الله -سبحانه وتعالى-، وما بيده -سبحانه وتعالى- لا ينال إلا بالدعاء، فإذا جماع الخير الدعاء، هكذا جاء عن مطرف -رحمه الله تعالى-.
هنا نؤكد على مسألة سبق أن مر بنا وهي قضية التلازم بين توحيد العبادة والصفات، فالدعاء -كما لا يخفى- عبادة، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18] هذا الدعاء أيها الإخوة يقترب بالصفات؛ ولهذا قال ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله- قال: الدعاء فيه معانٍ منها الرحمة، فالقاسي لا يدعى، منها الكرم، فالبخيل لا يدعى، منها الغنى فالفقير لا يدعى؛ ولهذا أنت الآن لما تدعو الله -تعالى- هذا الدعاء لا ينفك عن إثبات هذه الأسماء، أنت تدعو الغني تدعو الكريم الذي قال -عليه الصلاة والسلام-: (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار) فالمقصود أن جملة من المعاني الأسماء والصفات تندرج في هذه العبادة الجليلة ألا وهي عبادة: الدعاء.
يبقى عندنا: (ويملك كل شيء) نعم الله -سبحانه وتعالى- هو يملك كل شيء هذا أمر معلوم، قال تعالى: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [المؤمنون: 88]، هو -سبحانه وتعالى- هو المالك وهو الغني ونحن الفقراء، والغنى وصف ذاتي له -سبحانه وتعالى-، والفقر وصف ذاتي لنا نحن معشر البشر، ولا يمكن أن نستغني عن الله -تعالى- طرفة عين.
وكما قال شيخ الإسلام -رحمة الله عليه-: فقر العبد إلى الله ليس له نظير، لكن يشبه -من باب التقريب- فقر العبد إلى الطعام والماء، ما أحد يستغني عن الماء، لكن فقر العبد إلى الله أعظم من فقره إلى الماء؛ لأن الشخص إذا فقد الماء يهلك هذا البدن، لكنه إذا لم يفتقر إلى الله يفقد روحه وبدنه، يفقد روحه، والروح هي الأصل؛ فلهذا تجد الذين أعرضوا عن الله تجد أن عندهم من الشقاء والنكد والقلق ما لا يوصف، فصدق الله -سبحانه وتعالى- لما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15] نحن فقراء إلى الله، والفقر إلى الله على قسمين: فقر إلى ربوبيته، وفقر إلى إلهيته، الفقر إلى الربوبية هذا يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر، ما أحد من الناس يستغني عن الهواء الذي خلقه الله ولا أحد يستغني عن الماء الذي أنزله الله، فالجميع فقراء إلى أنه -سبحانه وتعالى- هو الرب المالك المصرف، والفقر إلى عبادته هذا يختص به أهل الإيمان، فأهل الإيمان يفتقرون إلى الله ويعبدون الله ويتضرعون إليه، ويصرفون جميع أنواع العبادة له -سبحانه وتعالى- وحده لا شريك له.
يقول: ذكرتم أن الله -عز وجل- لو عذب أهل الأرض وأهل السماء لم يكن ظالمًا لهم، وذكرتم في معنى هذا النص، أن الإنسان إذا قام بطاعة الله -عز وجل- فإنه لا يمكن أن يضع هذه الطاعة في الموضع الذي يليق بالله -عز وجل- ومن ثم جاء الحديث، هل نقول: إن الله -عز وجل- يجوز له أن يعذب الورى من غير ما ذنب ولا جرم جرى كما ذكر ذلك السفاريني في عقيدته وهذا البيت، يعني سوى إشكالًا وأنتم على علم بذلك عند كثير من العلماء فهم ردوه، لكن الكلام الذي ذكرتموه قد أوقع في نفسي نوعًا من المشابهة بين هذا البيت وبين ما قلتم؟ أو أن البيت يختلف عن المعنى الذي قلتموه؟.
لو تعيد البيت؟
وجاز للمولى يعذب الورى
من غير ما ذنب ولا جرم جرى

هذا البيت للسفارينية أحدث إشكالًا عند العلماء، والمعنى الذي ذكره فضيلة شيخنا، ونحن لا إشكال أننا نعرف مقدار علم الشيخ، هذا البيت أحدث إشكالًا عند العلماء، فهل معنى هذا البيت هو نفس المعنى الذي ذكر في النص أن الله -عز وجل- لو عذب أهل السماوات وأهل الأرض لم يكن ظالمًا لهم؟ وهذا بمعنى الذي فسره شيخنا قلنا: العبد الصالح إذا قام بالطاعة فمهما قام بالطاعة فإنه لا يمكن أن يضع هذه الطاعة في الموضع الذي يليق بالله -عز وجل-، ومن ثم فهو مفرط ومقصر، وهذا المعنى فعلًا أنا قرأته عن شيخ الإسلام ابن القيم، لكن نريد البيان من شيخنا؟.
يقول: عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وعنده علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا علي: سيكون في أمتي قوم ينتحلون حبنا آل البيت لهم.. يسمون الرافضة فاقتلوهم فإنهم مشركون) رواه الطبراني، أريد أعرف ما صحة هذا الحديث؟.
مسألة أخينا الكريم هي مسألة دقيقة، وينبغي ألا نخلط بين ما سمعناه من كلام ابن القيم -رحمه الله- في الحديث الذي مر: (لو أن الله -تعالى- عذب أهل السماوات وأهل الأرض لكان غير ظالم لهم) عرفنا أن هذا معناه بإيجاز أن العبد مهما فعل من النعم، مهما أدى من الطاعات، ومهما أدى من القربات فهو لا ينفك عن التقصير، وعرفنا أن الطاعة التي يوفق لها العبد هي من الله -سبحانه وتعالى-، فالله -تعالى- هو الذي يوفق العبد وفقه وأثابه، وهو -سبحانه وتعالى- هو الذي ألهمه الدعاء واستجاب له، إذا تقرر ذلك ما قاله السفاريني في البيت الذي سمعناه قبل قليل لا يتفق مع ما سمعناه، ما قاله السفاريني هو قريب من مذهب الجبرية ونفس الجبرية، هم ينطلقون من جهة أن الظلم هو التصرف في ملك الغير، فهو الآن يقول لك: الكون كله ملك لله -سبحانه وتعالى-، كله ملك لله -سبحانه وتعالى-، يبقى ما دام أنه ملك لله -سبحانه وتعالى- فكونه مثلًا يدخل هؤلاء كلهم النار بغير جرم يقول هذا يعد عدلًا، لا.. ليس كذلك، فالله -سبحانه وتعالى- منزه عن الظلم، فالمقصود أن ما قاله السفاريني فيما أفهمه والله أعلم أن ما قاله قائم على مذهب من يفسر الظلم بالتصرف في ملك الغير؛ ولهذا يقول لك: إنه لو عذبهم من غير جرم، حكمة الله -تعالى- تأبى ذلك، يعني كيف الله -تعالى- يعذب الخلائق من غير جرم؟!! حكمة الله -تعالى- تأبى ذلك ولا يمكن، وحديث أبي ذر مر بنا: (يا عبادي: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمً)، وإذا كان صاحب البطاقة ما معه إلا بطاقة فقط وعنده تسعة وتسعين سجل، كل سجل مد البصر ومع ذلك يقال: (لا تُظلم) ويؤتى بهذه البطاقة وتطيش بتلك السجلات ويغفر له.
المقصود أن كلام السفاريني بإيجاز: أنه مبني على أن الظلم التصرف في ملك الغير، وكونه يقول: إنه -سبحانه وتعالى- له أن يعذب الورى يعذبهم جميعًا من غير جرم فهذا ليس كذلك وحكمة الله -تعالى- تأبى ذلك.
الحديث الذي ذكرته السائلة أنا لا أعرفه.. الحديث الذي جاء في الكلام عن الرافضة، الذي أعرفه أن الأحاديث في ذم الرافضة لا تثبت يعني بهذا الاسم، نعم الأحاديث جاءت في ذم الخوارج، الأحاديث الصحيحة في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) لكن كما ذكر شيخ الإسلام: هذه الأحاديث التي جاءت في الخوارج وهي أحاديث في الصحيحين يدخل فيها من هو أسوأ منهم ومن هو أشد انحرافًا كالرافضة، لكن حديث جاء في الرافضة بأنفسهم لا يثبت في ذلك حديث فيما أعلم والله أعلم.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: ما تفسير الحوقلة؟
السؤال الثاني: من أنكر تأثير الدعاء؟

nary_jon
06-04-2008, 07:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الواحد والعشرون : من قوله: "ونحب أصحاب رسول الله"

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)




الدرس الواحد والعشرون

من قوله: (ونحب أصحاب رسول الله)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فضيلة الشيخ طرحتم سؤالين في الحلقة الماضية، أجاب الأخ الكريم عن السؤال الأول وهو عن تفسير الحوقلة؟

يقول في جوابه: يقول ابن مسعود -رضي الله عنه- في تفسير الحوقلة قال: لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله تعالى، وهذا الكلام الذي قاله الصحابي الجليل ابن مسعود قال عنه الخطابي في شأن الدعاء: هذا أحسن ما فسرت به الحوقلة.
نقول: بعد بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم هو كما قال، لكن التحقيق في هذا أن الحوقلة -كما ذكرنا في وقت الدرس- أن الحوقلة أعم من ذلك، وهذا الذي نقلناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- وهذا الذي عليه الجمهور أن الحوقلة أعم من ذلك، وأن المعنى أنه لا تحول من أي حال إلى حال إلا به -سبحانه وتعالى- ولا قدرة على ذلك التحول ولا قوة ولا قدرة على ذلك التحول إلا به، فالمقصود أن الحوقلة هي أعم مما جاء عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، وأعم مما ذكره الطحاوي، فإجابة الأخ ليست وافية.

السؤال الثاني: وهو عن الذين أنكروا تأثير الدعاء؟

أجاب الأخ الكريم يقول: الذين أنكروا الدعاء هم الفلاسفة وبعض المتصوفة ويرد عليهم أن الله -تعالى- قدر أن يرزق فلانًا إذا دعا فإن لم يدعو انتفى عنه ذلك.
نعم.. إجابة الأخ إجابة صحيحة، فالذين نفوا ذلك هم طائفة من المتفلسفة والصوفية كما ذكر الأخ جزاه الله كل خير.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).

لعل العبارة (ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نُفْرِطُ) من الإفراط وليس من التفريط.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن والاه، قبل أن نبدأ عندنا مسألتان تتعلقان بالدرس السابق، أحد الإخوة الكرام سأل سؤالًا مهمًا عن قضية ما جاء في الحديث في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لو أن الله -تعالى- عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا من أعمالهم) أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما، فجاء الإشكال الذي أبداه الأخ الكريم من جهة أن هذا قد يكون قريبًا، أو قال: قد يظن أن هذا الحديث قريب مما قاله السفاريني -رحمه الله- في الدرة المضيئة لما قال: «وجاز للمولى أن يعذب الورى من غير ذنب أو جرم جرى» أو كما قال السفاريني، فأجبنا في وقتها ونبين هذا بصورة أكثر وضوحًا، فنقول: ما قاله السفاريني -رحمه الله- في بيته الذي سمعناه:
«وجاز للمولى أن يعذب الورى من غير ذنب أو جرم جرى» قال هذا البيت وهذا البيت ظاهر فيه نفي الحكمة والتعليل، وأن الظلم هو التصرف في ملك الغير، وهذا هو مذهب الجبرية بما فيهم الأشاعرة، نفي الحكمة والتعليل، وأن الظلم هو التصرف في ملك الغير، هذا هو مذهب الأشاعرة والجبرية، والسفاريني تأثر بهذه المسألة في هذا المقام، فهنا البيت حتى تكون المسألة واضحة، السفاريني يقرر أن الله -سبحانه وتعالى- لو عذب شخص بلا ذنب وبلا معصية فله ذلك؛ لأنه يتصرف في ملكه وهذا عدل، والظلم هو التصرف في ملك الغير، هذا كلام السفاريني.
وليس الأمر كذلك؛ لأنه يجب عليه أن يثبت الحكمة والتعليل، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] اللام هنا لام التعليل، والظلم -كما مر بنا- أنه هو وضع الشيء في غير موضعه، هذا معناه الصحيح في لغة العرب، وهذا الذي جاء به التنزيل، وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، فلما نأت للحديث الذي مر بنا لما قال -عليه الصلاة والسلام-: (لو أن الله -تعالى- عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم) فالظلم هنا هو معناه: وضع الشيء في غير موضعه، يعني الله -سبحانه وتعالى- عندما يعذب فلانًا من أهل السماء أو من أهل الأرض، عندما يعذبه لو أنه عذبه هو غير ظالم، فهو -سبحانه وتعالى- لا يعذب إلا من يستحق العذاب، وسبق أن قلنا: إن العبد مهما عمل صالحًا ومهما قدم، فالعبد لا ينفك عن التفريط والتقصير، فينبغي أن يفهم الظلم الذي جاء في الحديث، والظلم الذي ذكره السفاريني في قصيدته "الدرة المضيئة"، هذه مسألة.
المسألة الأخرى: نسينا أن نعلق على عبارة في آخر المطاف، وهي قول الطحاوي -رحمه الله-: (والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى) هذه آخر عبارة نسينا أن نعلق عليها في الدرس الماضي، نقول بإيجاز شديد:
هذه العبارة التي ذكرها الطحاوي -رحمه الله- لما قال: (والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى) في هذه العبارة كما تلحظون مسلك أهل السنة والجماعة في باب الصفات فهو إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل، هو الآن يقول: (والله يغضب ويرضى) هذا إثبات، ولما يقول: (لا كأحد من الورى) أي بلا تمثيل، وأهل السنة -كما لا يخفى عليكم وقد مر بنا مرارًا- أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الصفات بين المشبهة الممثلة وبين المعطلة النفاة.
نعم هو -سبحانه وتعالى- يغضب غضب يليق بجلاله وعظمته كما قال -سبحانه وتعالى- عن نفسه قال -عز وجل-: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ [النساء: 93] وأيضًا جاء في الرضا قال تعالى: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ [الفتح: 18] وقال -عز وجل-: ﴿ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [المجادلة: 22]، فالمقصود أن الرضا والغضب هي من صفاته -سبحانه وتعالى- وهي من صفاته الفعلية المتعلقة بمشيئته واختياره، ونحب أن نذكر بأن سلفنا الصالح يثبتون جميع الصفات ويقابلهم المعتزلة ينفون جميع الصفات، ثم جاء ابن كلاب فسلك مسلكًا بين الفريقين عندما أثبت الصفات الذاتية وأنكر الصفات الفعلية، فابن كلاب هو أول من أنكر الصفات الفعلية الاختيارية، والحق في ذلك أن نثبت جميع الصفات، فكما أثبتنا الصفات الذاتية الملازمة لله -تعالى- أزلًا وأبدًا علينا أن نثبت أيضًا الصفات الفعلية الاختيارية فالقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر، إذا أثبتنا شيئًا من الصفات لله علينا أن نثبت سائرها، فالباب واحد والمتعين علينا أن نثبتها على الوجه اللائق بالله إثباتًا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل.
العبارة التي سمعناها من أخينا لما قال الطحاوي -رحمه الله-: (ونحب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا نفرط في حب أحد منهم) (لا نفرط) يعني لا يصل الأمر إلى حد الإفراط والغلو، (ولا نتبرأ من أحد منهم...) إلى آخر كلامه -رحمه الله-.
في هذا تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة تجاه الصحابة -رضي الله عنهم- وهو أن أهل السنة يحبون الصحابة ويترضون عنهم، ويذكرون فضائلهم ومناقبهم وما هم عليه من المحاسن والمحامد وحالهم كحال أهل الإيمان الذين يقولون -كما حكى الله عنهم-: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].
إذن هذا الواجب علينا نحو هؤلاء الصحب الكرام، يجب علينا أن نحبهم وأن نترضى عنهم، وأن نذكر محاسنهم، وأن ننشر فضائلهم فإن من نظر في سيرة الصحابة -رضي الله عنهم- من نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة علم أنهم خير الناس، وأفضل الأمم، لا كان ولا يكون مثلهم، هذا الذي قرره العلماء وحكاه شيخ الإسلام -رحمة الله عليه- ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" عن أهل السنة والجماعة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
نحن عندما نحب الصحابة ونترضى عنهم في هذا رد على طائفتين:
الطائفة الأولى: الروافض الذين يبغضون الصحابة أو يبغضون جمهور الصحابة ويتبرؤون من الصحابة ويتهمون الصحابة بأنواع من الأكاذيب والإفك.
الطائفة الثانية: رد على النواصب الذين ناصبوا علي بن أبي طالب العداء كالخوارج وبعض المعتزلة.
نحن نترضى عن الجميع، نترضى عن الصحابة نترضى عن الخلفاء الراشدين، وسيأتي معنا أيضًا: نحن نرعى وصية النبي -عليه الصلاة والسلام- في أهل بيته.
قال: (ولا نفرط في حب أحد منهم) لا يصل هذا الأمر إلى حد الإفراط، نترضى عنهم؛ لأن الله -تعالى- رضي عنهم، قال -عز وجل-: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ [الفتح: 18] وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8] هذا وصف المهاجرين، ثم جاء وصف الأنصار، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ ﴾ ما المراد بالدار؟ المدينة ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ من قبل من؟ من قبل قدوم المهاجرين إليهم ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾[الحشر: 9] هذا الذي يجب علينا في شأن الصحابة، وأيضًا علينا أن نتذكر الأحاديث الكثيرة الثابتة المتواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في شأن فضل القوم، قال -عليه الصلاة والسلام-: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) هكذا جاء في حديث عمران بن حصين -رضي الله عنهما- وفي الحديث الآخر قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) هذه جملة من الأحاديث التي جاءت في فضل الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين.
هنا قال بعدها: (ولا نتبرأ من أحد منهم) لما يقول: (ولا نتبر) فيها رد على الروافض الذين يتبرءون من جملة من الصحابة رضي الله عن الصحابة، فلهذا نجد أن سلفنا الصالح ينصون ويقولون: البراءة بدعة، والوَلاية بدعة، فمقصودهم بقولهم: البراءة بدعة، أن يتبرأ من بعض الصحابة، ومقصودهم من قولهم: الولاية بدعة: أن يتولى بعض الصحابة دون بعض.
إذن لما يقول الإمام أحمد وغيره من الأئمة المتقدمين: البراءة بدعة والولاية بدعة، المقصود بالبراءة: أن يتبرأ من بعض الصحابة كما نجده عند الروافض على سبيل الخصوص، وأيضًا لما يقول: الولاية بدعة، فمقصودهم بالولاية بدعة: وهو أن يتولى بعض الصحابة يعني يحبهم وينصرهم، ويترك ويبغض بعض الصحابة، هذا معنى: هذه العبارة.
أيضًا مما يذكر في هذا المقام ألا وهو الموقف من ما وقع من الصحابة أو من بعض الصحابة -رضي الله عنهم- من النزاع والشجار لا يخفى أنه قد وقع شيء من النزاع والخلاف بين علي -رضي الله عنه- وبين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- وما وقع في معركة الجبل وصفين ونحو ذلك، ما الواجب علينا أيها الإخوة؟ الذي قرره علماؤنا قرره سلفه الصالح في مصنفاتهم وما أكثرها ألا وهو: الإمساك عما شجر بين الصحابة.
يجب علينا -أيها الإخوة- أن نكف ألسنتنا وأن نكف أقلامنا عن الخوض في هذه الأمور، ما وقع بين الصحابة من شجار ونزاع علينا أن نكف ألسنتنا، وأن نقول كما قال أهل الإيمان، ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ فإن الدخول في مثل هذه المعارك وفي مثل هذا الشجار قد يوقع في نفس العبد غلًا نحو أحدًا من الصحابة، وقد يؤدي ذلك إلى فتنته وإلى زيغه -أعاذنا الله من ذلك-؛ ولهذا نجد أن ابن بطة -رحمه الله- من علماء السنة يقول: "لا تنظر إلى كتاب الجمل ولا كتاب صفين، ولا تكتبه لنفسك ولا لغيرك" لاسيما أن الكثير من تلك الأخبار التي جاءت في حكاية الشجار الذي وقع بين علي ومعاوية، جملة من هذه الأخبار منها ما هو كذب، منها ما هو موضوع، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، يعني ربما يكون أصله ثابت لكن حصل فيه زيادات ومبالغات، والقليل من هذه الأخبار -إن ثبت- فهم -رضي الله عنهم- هم مجتهدون إما مصيبون وإما مخطئون، فينبغي التنبه لهذا، لاسيما وأن جملة ممن يؤرخون لا يخلون من شيء من التشيع كالمسعودي وابن عبد ربه، كالمسعودي صاحب "مروج الذهب" وابن عبد ربه صاحب "العقد الفريد" والإمام ابن عبد البر من أئمة أهل السنة، فإذا جئنا إلى هؤلاء من أمثال المسعودي صاحب "مروج الذهب" أو "العقد الفريد" لابن عبد ربه، أو اليعقوبي تجد أن هؤلاء لا يخلون من التشيع، فلهذا قد يحصل شيء من التحامل نحو الصحابة -رضي الله عنهم-.
وأيضًا يجب أن نتنبه أن تلك المآخذ اليسيرة في حق بعض الصحابة هذه إن نظرنا إليها فهذا القدر من ما قد يؤخذ عليهم أو يؤخذ على بعضهم، هذا قليل جدًا، هذا قليل نذر مغفور في جنب فضائل القوم، فأنت إذا نظرت إلى فضائل القوم في فضائل الصحابة من الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله والهجرة وجدت أن هذه المآخذ اليسيرة تغتفر في بحر حسناتهم، والماء إذا بلغ حلتين لم يحمل خبث، فينبغي أن نتنبه لهذا وأن نترضى عن الصحابة، وأن نحذر كل الحذر من التطاول على أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- وقد مر بنا حديث الولي: إن الله -تعالى- يقول في الحديث القدسي: (من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب).
يقول: تحدثتم عن عدم الخوض فيما حدث بين الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، ولكن حينما يتحدث طالب العلم بشكل عام عما حدث، ويبين أن الحق كان مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ويبين بعض الأمور بشكل عام، هل نقول: إن هذا فيه محظور أو فيه إشكال؟.
هو ما عندنا إشكال في أن عليًا -رضي الله عنه- أن عليًا أقرب إلى الحق من معاوية؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في شأن الخوارج، قال: (تقتلهم أولى الطائفتين بالحق) والذي قاتل الخوارج هو علي -رضي الله عنه- فما فيه إشكال كون نقول: إن عليًا أقرب إلى الحق، لكن كوننا نقول: أقرب، هذه مسألة غير مسألة أن الإنسان يتطاول على معاوية -رضي الله عنه- أو يتطاول على عمرو بن العاص أو يتطاول على طلحة أو الزبير ونحوهم من الصحابة الأجلاء، فهنا انفكاك، هذه مسألة وتلك مسألة، كوننا نقول: إن عليًا أقرب إلى الحق، هذه مسألة دل عليها الدليل، لكن كون الأمر يصل إلى حد أن الإنسان يطعن في معاوية -رضي الله عنه- وهو خير ملوك الإسلام، وكاتب الوحي، وله من المناقب ما له -رضي الله عنه-، هذا المأخذ وكما قلنا لكم يعني هنا يجب أن نتنبه أن الصحابة لهم هذه المزية هذه الخصيصة وهي الصحبة، وهذه الميزة لا يعدلها شيء، فينبغي التنبه لهذا؛ ولهذا قال العلماء: إن الصحابة كلهم عدول، قرر هذا العلماء ومنهم ابن الصلاح في "المقدمة"، تأتي مثلًا ابن كثير في "الباعث الحثيث" وغيرهم، والأحاديث والنصوص القرآنية في هذا كثيرة، في الثناء عليهم وأن الله -تعالى- رضي عنهم، فالمقصود أن نفرق بين هذه وبين تلك.
يقول: بالنسبة للنواصب الذين يدَّعون الروافض على أهل السنة ما المراد به؟.
ما المراد بالنواصب؟
نعم.
المقصود بالنواصب المعنى الصحيح: هم الذين ناصبوا عليًا العداء، ومنهم الخوارج، ومنهم بعض بني أمية، لكن نقول كما قال الذهبي -رحمه الله-: كل من أبغض عليًا فهو ناصبي، وكل من كفر عليًا فهو خارجي، فنقول: إن الخوارج هم جزء من النواصب، فالذين يناصبون عليًا العداء يقال عنهم نواصب، سواء كانوا من الخوارج، أو ليسوا من الخوارج، مثلًا بعض بني أمية الذين وقعوا في الطعن في علي، وإن كان فرق بين هؤلاء الذين بين بني أمية وبين الخوارج، الخوارج وصل الحد إلى أنهم كفروا عليًا -كما لا يخفى-، أيضًا ممن يدخل في النواصب الذين فسقوا عليًا -رضي الله عنه-، وهذا موجود عند بعض المعتزلة الأوائل الذين كانوا يطعنون في علي-رضي الله عنه-، نحن نقول: المعتزلة الأوائل؛ لأن المعتزلة المتأخرين ظهر فيهم التشيع، فالمعتزلة الأوائل كعمرو بن عبيد عندهم شيء من النصب هذا أمر.
الأمر الأخير نختم به هذه الكلمة: إن الروافض عليهم من الله ما يستحقون يتهمون أهل السنة أنهم نواصب، وعلى كلٍ هذه التهم تتكرر، والعبرة بالحقائق كما قلنا غير مرة فهم يزعمون أن من أحب أبا بكر وعمر فهما نواصب، هم يقولون: لا يمكن أن تحب علي إلا إذا أبغضت الشيخين، يقولون: لا ولاء إلا البراء، لا ولاء لعلي إلا أن تتبرأ من أبي بكر وعمر، ولاشك أن هذا كلام مردود، نحن نحب عليًا وقبل هذا نحب أبا بكر وعمر، فكون الروافض يسمون أهل السنة نواصب كما نسمعه الآن فالعبرة بالحقائق نحن نحب جميع الصحابة وننزلهم منازلهم اللائقة بهم، أما هؤلاء القوم فنجد أن الرافضة يبغضون خيار الصحابة أبو بكر، عمر، عثمان، أم المؤمنين عائشة، حفصة.. ونحو ذلك من الصحابة، وجُل الصحابة عند هؤلاء القوم جلهم مرتدون، هذا الموجود في كتبهم المعتمدة، لا يكاد يسلم من هذه الردة على حد زعمهم إلا قلة قليلة، أما ألوف الصحابة، وكما لا يخفى عليكم حج مع النبي -عليه الصلاة والسلام- مائة ألف في حجة الوداع، يعني هذا العدد الكبير كلهم مرتدون، هكذا يقولون، إلا عدد قليل، البعض يقولون: هذا العدد يصل إلى السبعة، وبعضهم يقول: إلى بضعة عشر، لكن لاحظ الآن، أما هذه الألوف المؤلفة من الصحابة فكلهم عند القوم مرتدون -نسأل الله العافية.
بقي عندنا مسألة نحب أن نشير إليها ما دمنا أشرنا إلى قول الطحاوي: (ونبغض من يبغضهم) نعم نحن نبغض من يبغض الصحابة، نشير إلى مسألة يقع فيها إشكال، وهي مسألة سب الصحابة -رضي الله عنهم- ما حكم من سب الصحابة -رضي الله عنهم-؟ فالمسألة فيها كلام طويل، لكن لعلنا أن نوجزه في جملة مسائل، فنقول:
أولًا: إن استحل سب الصحابة وجوزه، فهذه ردة اتفاقًا. فإذا استحل سب الصحابة وجعل سبهم حلالًا جائزًا فهذه ردة.
ثانيًا: أن يسب الصحابة أو جمهور الصحابة سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم، كأن يقول: إنهم ضُلال، إنهم فساق، إنهم كفار مرتدين، من سب الصحابة سبًا يقدح في دينهم وعدالتهم، كأن يقول: إنهم ضلوا ولا فسقوا ولا كفروا، فكفره متعين، من قال هذا فكفره متعين، ولا شك في كفره.
ثالثًا: أن يسب واحدًا من الصحابة ممن تواترت النصوص بفضله، يعني مثلًا أبو بكر وعمر.. ونحوهما من الصحابة الذين جاءت نصوص متواترة في فضائل هذين الشيخين على سبيل المثال، فإذا سب صحابيًا تواترت النصوص بفضله فهذا السب يخرجه عن الملة.
رابعًا: مما يتعلق بأمهات المؤمنين: لو قذف أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق المبرأة -رضي الله عنها- إذا قذفها بما برأت منه فهذا كافر بالاتفاق من جهتين:
الأمر الأول: من جهة أنه مكذب لعشر آيات من القرآن، آيات الإفك أليس كذلك؟
الأمر الثاني: أن الطعن في أم المؤمنين والوقوع في عرضها -رضي الله عنها- وقذفها هذا طعن في النبي -عليه الصلاة والسلام- وكذا بناء على هذا لو قذف بقية أمهات المؤمنين لو قذف مثلًا حفصة أو أم سلمة أو غيرهما من أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- لو رماهن بالفاحشة فكذلك نعوذ بالله أن هذا الجرم يخرجه من الملة، من هذه الحيثية، من حيثية أن طعن وقذف إحدى أمهات المؤمنين إن ذلك طعن في النبي -عليه الصلاة والسلام-، والطعن في النبي -صلى الله عليه وسلم- وسبه من أعظم أنواع الردة وأعظم أنواع الخروج من الملة، هذا ما يتعلق بهذه المسألة، وقد جاء في الحديث الذي أخرجه الطبراني في "الكبير" وحسنه الألباني قال -عليه الصلاة والسلام-: (من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) هذا ما يتعلق بمسألة حكم سب الصحابة -رضي الله عن الصحابة أجمعين-.
هنا نختم لما قال: (وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) نعم لا شك أن حب الصحابة دين، هذا مما نتقرب إلى الله -تعالى- به، ومما ندين به، أيضًا هو إيمان، فأوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، ولا شك أن أعظم الناس تحقيقًا للإيمان هم الصحابة، فكوننا نحبهم هذا من مقتضيات الحب في الله والبغض في الله الذي هو أوثق عرى الإيمان، وأيضًا هو إحسان، والعكس بغضهم إذا أبغض الصحابة فهذا كفر ونفاق وطغيان، هو كفر -كما مر بنا- أنه مثلًا هذا البغض عن اعتقاد أنهم مثلًا كفار مرتدون هذا لاشك أنه كفر يخرج من الملة، وقد جاء في الحديث أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) فإذا كان ذلك في حق الأنصار فالمهاجرين أحق وأولى أليس كذلك؟ لأن المهاجرين -جنس المهاجرين- لاشك أنهم هم خير وأفضل من الأنصار رضي الله عن الصحابة أجمعين.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونثبت الخلافة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولًا لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه- تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ثم لعثمان -رضي الله عنه-، ثم لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-).
الآن عندنا مسألة خلافة هؤلاء الأربعة -رضي الله عنه- بما ثبتت؟ خلافة الصديق، خلافة عمر، خلافة عثمان، خلافة علي -رضي الله عن الصحابة أجمعين- فبدأ بالصديق، بم ثبتت خلافته؟ عندنا قولان أو عندنا ثلاثة أقوال لأهل السنة:
القول الأول: إن خلافة الصديق ثبتت بالنص. يعني بالنص الصريح بالنص الجلي، كما يرى ذلك ابن حزم وغيره.
القول الثاني: إنها ثبتت بالنص الخفي. أو كما يعبرون بالإشارة والإيماء والدلالة
القوال الثالث: إنها ثبتت بالإجماع. كيف بالإجماع؟ يعني أن الصحابة اجتمعوا في سقيفة بني ساعده، وبايعوا الصديق -رضي الله عنه-.
نذكر بعض النصوص التي جاءت في ذلك: من ذلك أن امرأة جاءت للنبي -عليه الصلاة والسلام- فأمرها أن تأت في العام القابل، فقالت هذه المرأة؟ فإن لم أجدك؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: (إن لم تجدين ستجدين أبا بكر) أخرجه البخاري ومسلم، فابن حزم قال: هذا نص جلي في أن الخليفة هو أبو بكر، أن الخليفة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر.
عندنا من الأحاديث أيضًا التي جاءت ما أخرجه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين -رضي الله عنها- أنه -عليه الصلاة والسلام- في مرضه الذي مات فيه قال لعائشة: (ادع أباك وأخاك) يعني عبد الرحمن (حتى أكتب كتابًا لأبي بكر) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر).
الحديث الثالث: الذي أخرجه البخاري أنه -عليه الصلاة والسلام- في مرضه الذي مات فيه قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس).
أيضًا عندنا من الأحاديث التي فهم من الصحابة وسلف الأمة أنه هو الأحق، ما جاء في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت أبا بكر خليًا ولكن صاحبكم خليل الرحمن) كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبا بكر) والخوخة هي الباب الصغير.
فعندنا أقوال تقول: إن الخلافة ثبتت بالنص سواءً كان جليًا أو خفيًا وعندنا قول بأنها ثبتت بالإجماع.
الذي حققه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمة الله عليه- في هذه المسألة: أنه جمع بين الأمرين، فيقول: إن خلافة الصديق ثبتت بالنص والإجماع، أما الثبوت فبالنص، ثبوت الخلافة بالنص، كونه -صلى الله عليه وسلم- قال: (مروا أبا بكر فليصلي بالناس) هذه إشارة؛ ولهذا الصحابة قالوا: (رضيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لديننا أفلا نرضاه لدنيان) فالشاهد أن النصوص ظاهرة بينة جلية في أنه -رضي الله عنه- هو الخليفة بعد النبي -عليه الصلاة والسلام-.
أما انعقادها، يعني كيف انعقدت؟ كيف تمت؟ فذلك بالإجماع، اجتمعوا في السقيفة حصل مداولة ثم اختاروا الصديق -رضي الله عنه-، فالذي يمكن أن يقال في هذا المقام: إن خلافة الصديق ثبتت بالنص وبالإجماع -رضي الله عن الصديق-.
بعدها ننتقل إلى مسألة خلافة عمر: بم ثبتت خلافة عمر؟ ذكر عندك المؤلف قال: (ثم لعمر) خلافة عمر -كما لا يخفى- ثبت بالاستخلاف، أن الصديق استخلف عمر، وهذا أمر ظاهر أن الصديق فوض الخلافة لأبــي بكر والأمة اتفقت عليه بعد وفاة الصديق -رضي الله عنه-.
وعلى كلٍ الشيخان -رضي الله عنهما- أبو بكر وعمر لهما من الفضائل والمزايا ولا أحد ينازع أنهما أفضل الصحابة، بل تواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- تواتر أنه كان يقول: «خير هذه الأمة بعد نبيها -عليه الصلاة والسلام- أبو بكر ثم عمر، ولما سأله ابنه محمد بن الحنفية كما في البخاري فقال له: «من خير هذه الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال علي -رضي الله عنه-: أو ما تعرف يا بني؟ خير هذه الأمة أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: ثم عمر، قال محمد بن الحنفية قال: فخشيت أن يقول: عثمان بعد عمر، فقلت: ثم أنت؟ فقال علي -رضي الله عنه-: ما أنا إلا رجل من المسلمين» فرضي الله عن الصحابة ورضي الله عن علي في هذا الأثر الذي سمعناه.
ومما يذكر في هذا المقام: أن -الخليفة العباسي- هارون الرشيد سأل مالكًا وقال: يا أبا عبد الله أخبرني عن منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله -عليه الصلاة والسلام-؟ فقال إمام دار الهجرة مالك -رحمه الله- قال: «منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته» منزلة أبي بكر وعمر في حياته -صلى الله عليه وسلم- كمنزلتهما منه بعد وفاته، أين منزلتهم بعد وفاته؟ دفنا معه -عليه الصلاة والسلام-، أليس كذلك؟ دفن أبا بكر وعمر بجانبه، عندنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قبره ثم الصديق ثم عمر، فلما قال مالك هذه العبارة، لما قال: «منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته» قال هارون الرشيد قال: شفيتني يا مالك.
ومن فضائل عمر -كما لا يخفى عليكم- أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (إنه ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غيره) أخرجه البخاري ومسلم.
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم، قال -عليه الصلاة والسلام-: (قد كان في الأمم قبلكم مُحدَّثون) أي: ملهمون (فإن يكن في أمتي فعمر) -رضي الله عن عمر- هذه بعض فضائل عمر -رضي الله عنه-.
الذي يهمنا أن خلافته ثبتت بالاستخلاف -كما مر بنا-.
خلافة عثمان بم ثبتت؟ خلافة عثمان -رضي الله عن الصحابة وعن عثمان- أن عمر لما طعن سنة ثلاثة وعشرين، فعندئذ أوصى أن يكون الأمر لهؤلاء الستة، وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، فالخليفة الراشد الملهم الفاروق عمر رأى أن أمر هؤلاء الستة متقارب، وخشي أنه إذا حدد واحدًا بعينه وأمرهم متقارب وأحدهما له من الفضائل ما ليس من الآخر، خشي عمر -وهذا من تمام خوفه وخشيته من الله- خشي أنه إذا عين شخصًا أنه قد يحصل بولايته شيء من الخلل فيلحقه شيء من ذلك، فجعل الأمر لهؤلاء الستة يتشاورون فيما بينهم، هذا أمر.
والأمر الآخر أنه أراد أن يجمع بين طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- وطريقة الصديق، عمر أراد أن يجمع بين الأمرين، أنتم تعرفون أن الصديق عين عمر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعين شخصًا بعينه، فهو أراد أن يجمع بين الأمرين، وبين المصلحتين بين مصلحة التعيين وعدمه، فجعل الأمر في هؤلاء الستة، فهو لم يترك الأمر هكذا مطلقًا، ولم يحدد شخصًا بعينه؛ لأن أمر هؤلاء الستة وهم بقية العشرة المبشرين بالجنة أمرهم متقارب، فجعل الأمر في هؤلاء الستة طبعًا عندنا أبو عبيدة بن الجراح هذا توفي قبل ذلك في طاعون عمواس، وعندنا سعيد بن زيد عمر استبعده مع أنه من العشرة لماذا؟ لأنه من بني عدي؛ لأنه من قرابة عمر، فعمر من تمام خوفه من الله استبعد سعيد بن زيد وهو من بني عدي من قرابته مع أنه من العشرة، هذا من تمام خوفه وخشيته من الله -سبحانه وتعالى- فاجتمع هؤلاء الستة وتولى الأمر عبد الرحمن بن عوف واختاروا هؤلاء الستة اختاروا عثمان -رضي الله عنه- فبايعه الستة، بقية الستة من العشرة، ثم بايعه أمراء الأجناد الذين كانوا قد حضروا في الحج وقت مقتل عمر واستشهاده -رضي الله عنه-، ثم بايعه سائر أهل الأمصار، هذا بالنسبة لخلافة عثمان.
إذن ثبتت باجتماع هؤلاء الستة الذين اختارهم، لما استشهد عثمان -رضي الله عنه- سنة خمسة وثلاثين في شهر ذي الحجة، عندئذ جاء الصحابة إلى علي وطلبوا منه أن يكون خليفة فأبى فألحوا عليه، فتم ذلك وبايعه الصحابة -رضي الله عنه- فخلافة علي خلافة نبوة كسائر الخلفاء الذين من قبله كما جاء ذلك في حديث "سفينة" مولى النبي -عليه الصلاة والسلام-: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، وآخرها خلافة علي -رضي الله عنه-.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: «من طعن في خلافة علي -رضي الله عنه- فهو أضل من حمار أهله» هذا ما يتعلق بقضية فضائل الصحابة -رضي الله عنهم- ويتعلق بخلافتهم.
يقول: بعض الرافضة يقولون بطلب النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (آتوني بكتاب أكتب لكم) فقال عمر: حسبنا كتاب الله) فقالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يريد أن يكتب خلافة من بعده لعلي -رضي الله عنه-، فعمر امتنع عن هذا فكيف يكون الرد عليها؟.
على كلٍ الكلام الذي ذكرته يجب أن نعظم الصحابة وأن نترضى عنهم، وما جاء في هذه الحادثة نحن نجزم وندين الله -تعالى- أنه -عليه الصلاة والسلام- لم يقبضه الله وقد أدى الرسالة ونصح الأمة وبلغ الرسالة فقضية هذا الكتاب، هل نقول: والله أنه لو أنه كتب أو ما كتب، هل هذا يتعلق بشيء من دين الله يفوت؟ لا ليس الأمر كذلك؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3] فهذا الكتاب جاء مفسرًا، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة قال: (ادع أباكِ وأخاكِ حتى أكتب كتابً) فالنبي -صلى الله عليه وسلم- عزم أن يكتب هذا الكتاب، ثم قال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) ظهر له -عليه الصلاة والسلام- أن هؤلاء الصحابة لا يمكن أن يختلفوا في شأن الصديق، وفعلًا ما اختلفوا حصل تداول في السقيفة وحصل نقاش ثم استقر الأمر، يعني ما وقع من خلاف أو من اختلاف الذي يسوغ؛ ولهذا اجتمعوا عليه ولم يقع شيء من الخلاف الذي يوجب فرقة، الصحابة والأمة لم تختلف اختلاف فيه تفرق وفيه تشرذم إلا بعدما خرج الخوارج ثم جاء بعدهم الروافض وهكذا، هذا الذي يمكن يقال في هذه العجالة والله أعلم.
يقول: بعض الناس يثبتون الخلافة لمعاوية -رضي الله عنه- بعد خلافة علي -رضي الله عنه- فيقولون: خليفة، وبعضهم يقولون: ملك من ملوك المسلمين، ما الفرق بين ملك وخليفة؟
السؤال الثاني: أكثر الناس يسألون: هل معاوية -رضي الله عنه- بايع عليًا -رضي الله عنه-؟.
على كلٍ إن أردت بالخلافة خلافة نبوة التي جاءت في حديث "سفينة" فخلافة النبوة تشمل أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والستة الأشهر التي تولاها الحسن -رضي الله عنه-، فهذه ثلاثين سنة تبدأ من السنة الحادية عشر إلى سنة أربعين، لما تنازل الحسن -رضي الله عنه- لمعاوية عام الجماعة، فإن أردت خلافة النبوة نعم.. فخلافة معاوية ليست خلافة نبوة، واضحة الآن، أما إن أردت بأنه خليفة المسلمين فمصطلح خليفة المسلمين يطلق على معاوية ويطلق على سائر بني أمية، ويطلق على بني العباس، بمعنى خليفة أنه هو الإمام الأعظم ما فيه إشكال في هذا، لكن العلماء لما يذكرون معاوية يقولون: هو أول ملوك أهل الإسلام، ولا شك أنه حصل في عهد معاوية من العدل والرخاء ما حصل، حتى قال بعض التابعين: لو أدركتم معاوية لقلتم: هذا هو المهدي، وهو أوتر بركعة ووصفه ابن عباس بأنه فقيه -رضي الله عن الصحابة أجمعين-.
أما قضية: هل بايع عليًا؟ يعني هذه ينبغي أن تفهم في وقتها، أن معاوية ومعه أهل الشام هو امتنع بادئ الأمر، وأنه لا يمكن أن يبايع عليًا حتى يقتص من قتلة عثمان، فمعاوية كان يطالب بالقصاص من قتلة عثمان، باعتبار أن عثمان من قرابته، وعلي -رضي الله عنه- الأمر لم يستقر له، والقتلة كانوا في معسكره، لكنهم لهم شوكة وشأن، ولا يمكن أن يقتص منهم، وعلي يصر على أهل الشام أن ينقادوا، وأن يدخلوا تحت ولايته فهو خليفة المسلمين، ومعاوية باعثه الغيرة على هذا الخليفة الراشد كيف أن عثمان يقتل دون أن يؤخذ ويقتص من القتلة؟ فهذا يعني الباعث على هذا هو ما سمعناه: أن معاوية يريد الانتصار لأمير المؤمنين، وعلي -رضي الله عنه- ما عنده، علي لا يستطيع أن يقتص من هؤلاء القتلة؛ لأن لهم شوكة ولهم قبائل، وهذا الأمر استمر بدليل أن معاوية -رضي الله عنه- لما استقر له الأمر لم يستطع أيضًا أن يقتص من قتلة عثمان، لكن لله الأمر من قبل ومن بعد، وما لنا في هذه الحالة إلا أن نقول كما قلنا ونقول ونؤكد ونذكر لا نقول إلا كما قال تعالى عن أهل الإيمان: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ فهذه الأشياء التي وقعت من علي أو معاوية -رضي الله عنهم- كما قلنا هم مجتهدون إما مصيبون وإما مخطئون، وإن كانوا مصيبون فلهم أجران، وإن كانوا مخطئين فلهم أجر واحد، وفضائل القوم ومحاسنهم هذه الأشياء اليسيرة تغتفر في جنب محاسن القوم وفضائلهم -رضي الله عنهم-.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون، وأن العشرة الذين سماهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبشرهم بالجنة نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقوله الحق وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة -رضي الله عنهم أجمعين-).
قوله -رحمه الله-: (وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون) هذه العبارة جاءت في حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- لما قال: (وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موعظة زرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله: كأنها موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم فسيرى من بعدي اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور..) الحديث.

المقصود هنا: أن المراد بالخلفاء الراشدين هم الذين ذكروا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم أجمعين-، وهنا لما قال -عليه الصلاة والسلام- وصفهم بأنهم: (الراشدون المهديون) الرشد هو العمل بالحق، وضده الغي، قال تعالى: ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256] فالرشد هو العمل بالحق، وأما الهدى لما قال: (الأئمة المهديون، فالهدى هو العلم بالحق، فهم -رضي الله عنهم- جمعوا بين العلم والعمل، علموا الحق والهدى وعملوا به، هذا الرشد العمل بالحق، والهدى هو العلم بالحق هذا ما يتعلق بشأنهم -رضي الله عنهم-. ثم ذكر العشرة، ولا شك أن للعشرة من الفضائل ما ليس لغيرهم، وحسبنا أنهم قد بشروا بالجنة، هؤلاء العشرة الذين ذكروا لما قال عندنا:
طلحة: الذي هو طلحة بن عبيد الله.
الزبير بن العوام: حواري النبي -عليه الصلاة والسلام-.
وسعد: الذي هو ابن أبي وقاص خال النبي -عليه الصلاة والسلام-، والذي قال فيه -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ارم فداك أبي وأمي».
وسعيد: الذي هو سعيد بن زيد أيضًا من العشرة.
وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-.
وأبو عبيدة قال: هو أمين هذه الأمة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة) -رضي الله عن الصحابة أجمعين-، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.
لكن نلحظ لما نأت لواقع هذه الأمة كيف أن هؤلاء العشرة الذين ينبغي أن نحبهم ونترضى عنهم وأن نجلهم نجد الروافض في القديم والحديث يبغضون هؤلاء العشرة، حتى وصل الحمق إلى أنهم يبغضون رقم عشرة حتى كما يقول شيخ الإسلام في "المنهاج" منهاج السنة، إذا أراد أحدهم أن يبني بيتًا واحتاج إلى أن يتخذ مثلًا عشرة من الأعمدة إما أن يجعلها تسعة وإما أن يجعلنا أحد عشر، يكرهون رقم عشرة، وكما قال: يكرهون رقم عشرة ويحبون التسعة، والتسعة هي عبارة عن عشرة ناقص واحد كما لا يخفى على أي عاقل، وهذا من الحمق يعني رقم عشرة لا يقدم ولا يؤخر، أليس كذلك؟ قد يكون هؤلاء العشرة مؤمنين، قد يكون هؤلاء العشرة كافرين، فهذا عدد، لكن هذا من الحمق والبغض الدفين، مجرد أن العشرة يقال العشرة المبشرين صاروا يبغضون الرقم في حد ذاته، يعني هذا يذكرك بحماقة العرب في الجاهلية، أنهم يبغضون أيام ويتشاءمون من أيام ويتطيرون، ومثل ما هو عندنا الآن التطير في الوقت الحاضر -كما هو عند الغرب- يتطيرون من رقم ثلاثة عشر، على كلٍ المقصود أنه علينا أن نترضى عن الصحابة ونخص منهم هؤلاء العشرة، فهؤلاء العشرة هم خير الصحابة -رضي الله عنهم-، والصحابة هم خير الناس بعد الأنبياء (خير الناس قرني) هكذا قال -عليه الصلاة والسلام- ومما جرت به الأقدار أن هؤلاء الذين يبغضون الصحابة يحصل لهم في الدنيا قبل الآخرة من العقوبات والمثلات الشيء الكثير، وقد ذكر أحد المقادسة، الضياء المقدسي في كتاب "النهي عن سب الأصحاب وما فيه من الإثم والعقاب" ذكر حكايات مسندة بأسانيده وأشار إليها شيخ الإسلام في "الصارم المسلول" أن هؤلاء الذين يتطاولون على الصحابة بالسب والشتم والوقيعة أن هؤلاء تقع عليهم العقوبات والمثلات وربما بعضهم مُسِخَ إلى قردة وخنازير نسأل الله العافية.
يقول: هناك بعض العلماء المهتمين بالتاريخ وما يسمى بنقد التاريخ الإسلامي وغيره، ويتعرضون لبعض المواقف التي اتخذها بعض الخلفاء الراشدين مثل عثمان -رضي الله عنه- وعلي أيضًا سواءً أن يوافقوهم أو يخالفوهم فيما اتخذوا، هل هذا يدخل في الخوض فيما شجر بني الصحابة أو في نقد الصحابة أو في الحديث عنهم؟.
والله أنا يبدو لي بادئ الرأي إذا كان الشخص الذي يبحث هذه المرويات التاريخية باعثه في هذا ألا وهو تمحيص هذه الروايات والذب عن الصحابة لا شك أن هذا من أعظم القربات، أن الشخص يمحص هذه الروايات إن كان عنده أهلية في هذا، ويبين ما في هذه المرويات من الزيف مثل ما فعل عندما مثلًا من السابقين ابن العربي المالكي -رحمه الله- لما ألف كتاب "العواصم من القواصم" وأورد بعض المثالب التي تنسب للصحابة وذب عن الصحابة -رضي الله عنهم-، فنقول: إذا كان الباعث هو تقويم هذه الروايات التي تداولها المؤرخون دون نكير، نقول: هذا لاشك أنه مما يحمد، أما إذا كان الشخص مجرد ولوغ في هذه الأخبار، وإبراز لهذه الفتن فينبغي للإنسان أن يكف عن ذلك، ونحن نُحذر عمومًا ممن يشتغل بالبحث ألا ينخدع البعض بما يسمى البحث العلمي، أو ما يسمونه بالموضوعية، فتجد أحيانًا البعض ينتقد الصحابة ويقوم ويعدل كما لو كان الصحابة كسائر الناس، لا ليس الأمر كذلك، فلا يتعلل بعض المتعللين بهذه العلة العليلة في حق الصحابة لما يقول: باسم الموضوعية أو باسم البحث العلمي فنجده مثلًا ينتقد معاوية ولا ينتقد عمرو بن العاص ولا ينتقص عثمان -رضي الله عنه- ويورد بعض المثالب هنا وهناك باسم البحث العلمي، لا.. الصحابة لهم شأن، وينبغي أن تكون نظرتنا موقفنا العلمي مبني على عقائدنا الثابتة، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تسبوا أصحابي) وقال: (الله الله في أصحابي)، وقال في الحديث الآخر قال: (فمن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أبحهم فبحبي أحبهم) فنحن ينبغي أن ننطلق في دراساتنا لتاريخهم من خلال هذا النفس العقيد السني السلفي، والله أعلم.
يقول: بعض العلماء قاموا بترتيب الصحابة من ناحية الأفضلية، هل يذكر شيء من ذلك مثلًا بعض الكتب التي اختصت بهذا الجانب؟ مسألة ترتيب الصحابة أفضلهم وهكذ.
والله أنا ما أذكر شيء، لكن فيه بعض الرسائل العلمية يمكن أن يستفاد منها، فيه رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية أو في جامعة أم القرى لست متأكدًا هنا عندنا في السعودية بعنوان "عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام" للباحث ناصر الشيخ، أذكر أنه عقد فصلًا في قضية فضائل الصحابة وترتيبهم، هذا ما يتعلق بهذا الموضوع.
لكن نحن نؤكد أن موضع الفضل بالنسبة للأربعة، هكذا التفضيل، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، يبقى نزاع ثم عثمان ثم علي أو مسألة اجتهادية يسعى فيها الخلاف من جهة الفضل، أم مسألة يضلل فيها المخالف؟ فيها قولان لأهل السنة:
- من أهل العلم من يرى أن هذه ليست مسألة اجتهادية أنه لا يجوز أن يقال: إن عليًا أفضل من عثمان، وهذا الذي جاء عن الإمام أحمد عن أيوب السختياني عن الدارقطني وقالوا: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار.
أسئلة الحلقة.
السؤال الأول: ما الواجب علينا تجاه الشجار أو النزاع الذي وقع بين بعض الصحابة؟
السؤال الثاني: ما التحقيق في ثبوت خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- يعني بم ثبتت؟ بالنص ولا بالإجماع؟

nary_jon
06-04-2008, 07:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الثاني والعشرون : من قوله: «ومن أحسن القول في...»

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)


الدرس الثاني والعشرون

من قوله: «ومن أحسن القول في...»

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

شيخنا الكريم طرحتم سؤالين في الحلقة الماضية السؤال الأول: ما الواجب تجاه النزاع الواقع بين الصحابة رضوان الله عليهم؟

وكانت الإجابة: الجواب الذي قرره أهل العلم هو الإمساك عن الخوض فيما شجر بين الصحابة -رضوان الله عليهم- وأن نقول: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحشر: 10] والدخول في الشجار يؤدي إلى الفتنة والزيغ والغل لاسيما وأن جملة من الأخبار التي وردت بهذا الصدد هي أخبار أغلبها كذب وموضوع.. إلى آخر كلامه.
إجابة الأخت إجابة صحيحة وموفقة ومسددة.

السؤال الثاني: تحقيق الخلافة في أبي بكر رضي الله عنه؟
وكانت الإجابة تقول: الجواب فيها ذكره ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن يقال هذا قول جميع أهل السنة، بل ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبي بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف، في مذهب أحمد وغيره، وقد تقول إن أحمد عنده روايتان أحدها أنها ثبتت بالاختيار والرواية الثانية أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة.

أي.. لكن التحقيق في هذا أننا ذكرنا الخلاف الذي وقع بين أهل السنة هو خلاف سائغ، هل ثبت بالنص ولا ثبت بالإجماع، ثم ذكرنا كلام شيخ الإسلام أنه ثبت بهذا وذاك، أن خلافة الصديق ثبتت بالنص والإجماع، من جهة صحتها فالبنص، ومن جهة انعقادها فبالإجماع.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

ما ذكره الإمام أبو جعفر الطحاوي -رحمه الله- في شأن أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- وزوجاته وآله، هذه العبارة التي سمعناها عندما قال: (ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله..) إلى أن قال: (..فقد برئ من النفاق) هذه العبارة التي قالها الإمام الطحاوي قد قررها بعض المتقدمين من أمثال أيوب السختياني، فأيوب السختياني -رحمه الله- يقول: «من أحسن الثناء في أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام- فقد برئ من النفاق» هنا قال: في أصحاب رسول الله، والصحابة -لا يخفى عليكم- تعريف الصحابي، هو أن الصحابي من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على ذلك.

ثم قال: (وأزواجه) نعم أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- هن أمهات المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6] فزوجات النبي -عليه الصلاة والسلام- هن أمهات المؤمنين، وهن -رضي الله عنهن- أمهات المؤمنين من جهة التحريم لا من جهة المحرمية، يعني هن أمهات المؤمنين من جهة التحريم فلا يجوز التزوج عليهن بعد النبي -عليه الصلاة والسلام- كما هو معلوم، فهن أمهات المؤمنين من هذه الحيثية، من جهة التحريم، لا من جهة المحرمية، يعني لا يكون كل مسلم محرمًا لتلك الأمهات. هذه المسألة.
ثم قال: (وذريَّاته) يبقى الكلام عندنا هنا في الحديث عن المراد بآله -عليه الصلاة والسلام- من آل النبي عليه الصلاة والسلام؟ التحقيق في ذلك والذي يختاره بعض المحققين: أن آل محمد -صلى الله عليه وسلم- يشمل زوجاته -رضي الله عنهن- ويشمل الذين تحرم عليهم الصدقة من آل محمد -عليه الصلاة والسلام-، فزوجاته من آل بيته وكذا أيضًا من تحرم عليهم الصدقة وهم المذكورون في حديث زيد بن أرقم -رضي الله عنه- حديث لما خطب النبي -عليه الصلاة والسلام- في غدير يدعى "خمًا" فقال -عليه الصلاة والسلام-: في هذا الحديث: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، فقال السائل - قال الراوي عن زيد- قال يا زيد: أليس نساؤه من أهل بيته؟ فقال زيد رضي الله عنه: بلى نساؤه من أهل بيته، لكن أهل بيته من تحرم عليهم الصدقة، فقال الراوي: من هم؟ فقال زيد -رضي الله عنه- قال: هم آل علي وآل جعفر وآل عباس وآل عقيل) هذه البيوت الأربعة هم الذين تحرم عليهم الصدقة، تحرم عليهم الزكاة الواجبة، آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس.

إذن نخلص من هذا أن آل محمد -عليه الصلاة والسلام- يشمل زوجاته ويشمل الذين تحرم عليهم الصدقة وهم البيوت الأربعة: آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل.
هؤلاء هم الذين ذُكروا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33] قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ﴾ وقد مر بنا أن الإرادة قد تكون كونية وقد تكون شرعية دينية، فهنا الإرادة على ماذا تحمل؟ أهي الإرادة الكونية القدرية بمعنى المشيئة؟ أم الإرادة الشرعية الدينية بمعنى المحبة؟

هي الإرادة الشرعية الدينية، فيكون المعنى بالنسبة للآية الكريمة أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ﴾ أي يحب ذلك، ويأمركم بذلك، إذن هذا أمر ومحبة مثل ما قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾ [البقرة: 185] يعني أنه يحب ذلك، فلا يتوهم متوهم أن ذلك خبر، ويظن ظان أن كل شخص من آل البيت أنه يحصل فيه هذا الطهر، ليس الأمر كذلك؛ لأن آل البيت منهم من المطيع ومنهم من ليس كذلك، منهم الصديق ومنهم من ليس كذلك، وكما قال سيد الخلق -عليه الصلاة والسلام-: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) هكذا قال -عليه الصلاة والسلام-.

إذن نخلص من هذا أنها إرادة شرعية دينية، وأن المراد من ذلك أن الله -تعالى- يأمرهم بما يوجب الطهارة، هذا أمر بما يوجب الطهارة. انتهينا من هذه المسألة.

بعدها قال: (فقد برئ من النفاق) يقول: (من أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق) قبل أن نتحدث عن كلمة (فقد برئ من النفاق) طبعًا قولهم: (من كل دنس) الدنس هو الوسخ، (وذرياته المقدسين) أي المطهرين (من كل رجس) والرجس كذلك هو بمعنى القدر.

نشير قبل هذا إلى زوجات النبي -عليه الصلاة والسلام- وأنهن تسعة من النساء -رضي الله عنهن- أفضلهن خديجة بنت خويلد وعائشة بنت الصديق -رضي الله عنهن- جميعًا لكن أيهما أفضل؟ خديجة -رضي الله عنها- أم عائشة رضي الله عنها؟

في هذا خلاف، والذي يراه بعض المحققين أن لخديجة -رضي الله عنه- من الفضل في أول الإسلام ما ليس لعائشة، ولعائشة -رضي الله عنها- من إظهار السنة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ونشرها ما ليس لخديجة، فهذه فضلها في الأول وتلك فضلها في الآخر، فضل خديجة واضح، لما قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم- في أول البعثة: (كلا والله لا يخزيك الله أبدًا..) إلى آخر الحديث، وأيضًا هي من أوائل من أسلم كما هو معلوم، وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لها جهدها الظاهر البيِّن من خلال أنها روت الكثير من الأحاديث ونشرتها وبلغت سنن النبي عليه الصلاة والسلام.

هنا لما قال: (فقد برئ من النفاق) إذن الذي يحسن في حق الصحابة ويترضى عنهم قد سلم من النفاق، بين العلماء وجه ذلك فقالوا:

الأمر الأول: الذين يطعنون في الصحابة -رضي الله عنهم- هذا الطعن وهذا التطاول على الصحابة إنما نشأ من عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم نفاقًا، وهو الذي وضع بذرة مذهب الرفض والتشيع، هذا وجه كونه قد سلم من النفاق، من جهة أن الطعن في الصحابة ابتدأه عبد الله بن سبأ، فأصل الرفض هو إنما أحدثه هذا المنافق الذي أسلم نفاقًا وطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- وهذا الطعن استمر للأسف عند الرافضة إلى هذه الساعة. هذا أمر.

الأمر الثاني: أن الطعن في الصحابة هو نوع من النفاق كما بينه الإمام أبو زرعة الرازي -رحمه الله- في عبارته المشهورة لما قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك بيِّن كما بينه أيضًا أبو زرعة؛ لأن القرآن حق، وسنن النبي -عليه الصلاة والسلام- وما جاء به الرسول الكريم حق، فإذا طعنوا في الصحابة -وهم النقلة- الطعن في النقلة يؤدي إلى الطعن في المنقول، فإذا طعنوا في الصحابة وهم الشهود وهم الرواة هذا يترتب عليه الطعن في صحة القرآن، والطعن في صحة أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى كلٍ الطعن في الصحابة هو طعن في القرآن وطعن في سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- وطعن في هذه الرسالة التي جاء بها نبينا الكريم -عليه الصلاة والسلام- هذا أمر.

الأمر الثالث: أيضًا نحب أن نشير أيضًا إلى أن الذين يطعنون في الصحابة من أمثال الروافض -كما جاء ذلك في التاريخ القديم والحديث- أن عندهم من المشابهة لأهل النفاق الشيء الكثير، فإذا جئت مثلًا حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- لما قال -عليه الصلاة والسلام-: (أربع من كن فيه كان منافقًا أو كانت فيه خصلة من أربعة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ) فهذه الخصال التي جاءت في حديث عبد الله بن عمرو وجاءت في حديث أبي هريرة: (آيات المنافق ثلاث) نجد أن للرافضة من هذه الصفات أوفر الحظ والنصيب، لا من جهة الكذب ولا من جهة الخيانة ولا من جهة الخصومة، هذا ظاهر لمن قرأ تاريخ الرافضة في القديم والحديث، بل الأمر أشد من ذلك الرافضة الآن يدَّعون أنهم يحبون آل البيت أليس كذلك؟ يدعون ذلك، وهذه في الواقع هي مجرد دعوة، لكن إذا نظرنا إلى كتبهم نجد أنهم حتى آل البيت لم يسلموا منهم، فسبق أن مر في الدرس الماضي أن القوم يحكمون على جمهور الصحابة بالتضليل والتفسيق والتكفير ويدخل في ذلك جملة من آل البيت؛ ولهذا نجدهم أنهم يطعنون في العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام، يطعنون في العباس على سبيل الخصوص، يطعنون في ابنه حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- هذا موجود في كتبهم المعتبرة، بل وصل الأمر هذا النفاق إلى أن طعنوا في بنات النبي -عليه الصلاة والسلام- ما عدا فاطمة، يعني طعنوا مثلًا في زينت في أم كلثوم ولا يخفى أنهن زوجات عثمان -رضي الله عن عثمان ورضي الله عنهن- فطعنوا في بنات النبي -عليه الصلاة والسلام- ما عدا فاطمة، بل وصل الحمق في الواقع إلى أن ينكروا ويقولون: النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يكن له إلا فاطمة، يعني لاحظ المكابرة إنكار البديهيات، وهذا أمر ظاهر عند القوم، قضية إنكار البديهيات إنكار ما كان ظاهرًا بينًا تجده عند القوم، يعني عامة المسلمين يعرف أن من بنات النبي -صلى الله عليه وسلم- زينب وأم كلثوم، من إنكار البديهيات عندهم مثلًا ينكرون أن الصديق -رضي الله عنه- ولا عمر -رضي الله عنه- أنهما دفنا عند النبي -عليه الصلاة والسلام-، ينكرون ذلك، هذه من حماقات القوم أن ينكروا مثل هذه البديهيات المعلومة عند كل مسلم. هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا في قضية الكلام عن الطعن في عائشة وسبق أن مر بنا الكلام في هذا أن من قذف عائشة وهي الطاهرة المبرأة بنص القرآن في عشر آيات أن من قذفها فقد كفر؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿ يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 17] والإمام مالك -رحمه الله- إمام دار الهجرة يقول: من سب عائشة -رضي الله عنها- قُتل، فسئل لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن، من رماها -يعني رماها بما برئت منه فقد القرآن- قال الإمام ابن حزم معلقًا على كلام الإمام مالك، قال: وقول مالك هاهنا صحيح، قال: وهي ردة تامة وتكذيب لله -تعالى- في قطعه ببراءتها.

فالمقصود أن آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسلموا من الرافضة، وحسبك أن تعلم أيضًا أن سقوط بغداد سنة ستة وخمسين وستمائة من الهجرة على يد التتار كان بتواطؤ من الرافضة، وكان الرافضة لهم دور وكانوا لهم سبب رئيس في تسلط التتار على قتل بني هاشم، فالتتار لما أسقطوا بغداد قتل الكثير من بني هاشم، والسبب في ذلك الرافضة؛ لأن ابن العلقمي الرافضي هو الذي حرض التتار على دخول بغداد وإسقاطها، هذه جملة مما يبين أن القوم أن عندهم من النفاق ما عندهم.

يبقى عندنا مسألة نحب أن نشير إليها في ختام هذا الأمر: أن علينا أن نبين دين الله، وأن ننشر الدين الصحيح ونبلغ سنة سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- فهذه السنة إذا ظهرت وانتشرت فسرعان ما تزيل هذه البدع تلقائيًا، هذه البدع التي هي بدع الرفض ونحوها لا تظهر إلا في الأماكن التي يغلب فيها الجهل، وتختفي فيها الحجج الرسالية، لكن إذا ظهرت السنن وبلغنا دين الله -سبحانه وتعالى- وبلغنا سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- سرعان ما تزول هذه البدع وتتقشع.

يقولون: "لا تتحدثي في مكان فيه سراج" يشير إلى العالم وطالب العلم، فمذهب القوم لا يكون في الأماكن التي فيها نور النبوة، وإنما في أماكن الضلال ومستنقعات الجهل، فهذا يؤكد علينا نحن معشر المنتسبين للسنة أن نبذل قصار جهدنا في تبليغ دين الله، وفي هذا إقامة الحجة وفي ذلك إنقاذ لهؤلاء القوم ولغيرهم من هذه البدعة، ونحن نخاطب هؤلاء الذين تلبسوا وتلوثوا بهذا الرفض وبهذا التطاول، نقول لهم: أين تذهب عقولكم؟ نقول: فكروا بعقولكم حرروا عقولكم من رق واستعباد هؤلاء الذين يسمون "آيات" أو يسمى أحدهم "مُلا" أو نحو ذلك، فكروا بعقولكم نقول: انظروا إلى القرآن إن كنتم تحتجون به، تأملوا في سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- فمن فكر بعقله عرف ما في هذا المذهب أي مذهب الرافضة من التناقض والاضطراب، وأنه لا يقبله لا صاحب عقل ولا صاحب دين، هذا أمر.

الأمر الأخير: أن هؤلاء الذين ينصرون البدع ويفترون على الله أن هؤلاء يُخشى عليهم من غضب الله وعذابه في الدنيا والآخرة، وهذا أمر ظاهر، وأيضًا قضية الذل والمهانة، دائمًا -أيها الإخوة الكرام- الذين يتطاولون على دين الله ويفترون على الله ويفترون على نبيه -عليه الصلاة والسلام- نجد أن هذا الوعيد ينالهم غضب الله وعذابه، وأيضًا كذلك الذل، وكل ذلك ذكره العلماء وأشاروا إليه عند قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: 152] قال بعض السلف ومنهم أبو قلابة -رحمه الله- قال: "هذه الآية في كل مفترٍ"، كل من افترى على الله تجد أن له نصيب من هذا الوعيد، ومن هذا الخزي والمهانة، و لهذا لما ظهر العبيديون في مصر وكانت لهم في مصر وفي بلاد المغرب والذين سموا بالفاطميين كذبًا وزورًا مع أنه كانت لهم دولة وشوكة وقوة ومع ذلك كانوا أذلاء، وسبب هذا هذه البدع التي تلبسوا بها، هذه تذل صاحبها وإذا كانت المعصية -كما لا يخفى عليكم- توقع العبد في الذل، المعصية تذل مثل ما قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إنهم وإن طغت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، فإن ذل المعصية في أعناقهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه" -عافانا الله وإياكم- فإذا كان المعصية تفعل ذلك فما بالك بالبدعة، وجنس البدعة أشنع وأشد من المعصية، والله أعلم.

يقول: بالنسبة للتقية معنى التُقْيَة أو التَقِيَة هل في الإسلام هذا الشيء؟ مع أن الرافضة يعتقدون هذه المسألة؟.

يعني هو التَقِيَة والتُقْيَة هي تعتبر دين عند الرافضة، يعني يتدينون بالكذب -نسأل الله العافية- فإذا كان أهل الإسلام لاسيما أهل السنة على سبيل الخصوص يدينون الله -تعالى- بصدق ويلتزمون بالوصية التي مرت بنا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119] أو ما جاء في وصف المهاجرين: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15] فالقوم يتدينون بالكذب الذي يسمونه التقية، وهم يقولون: التقية تسعة أعشار الدين، وهذه التَقِيَة أو التُقْيِة تجد أنهم يستخدمونها في كل حال، فلا يعاشرون أحدًا إلا استعملوا معه هذا النفاق، بل تجدهم ينافقون مع الضعفاء ومن لا حاجة لهم إليه، هذا أمر.

أما أحيانًا البعض منهم بعض الناس يعني قد يشكل عليه ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ [آل عمران: 28] فالأمر ليس كما يزعم هؤلاء؛ لأن هنا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ أن على الإنسان أن يظهر دين الله على حسب استطاعته، وما لا يقدر على إظهاره فنحن نقول: ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16] ونقول: ﴿ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ ففرق بين أن الشخص شيء من دين الله قد لا يستطيع إظهاره وبين أن يكذب، فالقوم يكذبون في السراء والضراء وفي كل حال، ويتدينون بالكذب، فهذا مما يذكر عن هؤلاء القوم وهذا موجود في كتبهم، لا نتقول عليهم بل في كتبهم المعتمدة المعتبرة تجد هذا النفاق الذي يسمونه التَقِيَة أو التُقْيِة.

يقول: نسمع كثيرًا في كلام العلماء: "الزنديق والزنادقة" فما معنى "الزندقة" ومن هم الزنادقة؟.

يعني الذي أنا أعرفه في الزنديق هي طبعًا الكلمة -كما لا يخفى عليكم- الكلمة ليست عربية، لكن الزنديق عندما تطلق هنا- في كلامنا هنا- المراد بها المنافق، الزنديق عند الفقهاء هو المنافق، هذا معناها عند الفقهاء، وقد تطلق الزنديق على الثانوية الملاحدة الذين يقولون: بإله النور وإله الظلمة، وقد تطلق على ما هو أوسع من ذلك، فقد تطلق أحيانًا على من يكون صاحب فجور وانحلال، لكن المعروف عند الفقهاء إذا قيل: الزنديق أراد به المنافق.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل).

هنا قال الإمام الطحاوي: (وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير) مكتوب عندكم (أهل الخير) لكن في بعض النسخ (أهل الخبر) هذه العبارة (أهل الخبر) جاءت في كتاب "نور اليقين في أصول الدين" لحسن البسنوي وهو من العلماء المتأخرين الذين شرحوا هذه العقيدة المباركة، وأيضًا ممن نقلها على أن المقصود (أهل الخبر) أيضًا ابن العطار -رحمه الله- من تلاميذ النووي -رحمه الله- فابن العطاء في كتابه في الاعتقاد نقل عبارة الطحاوي وأثبتها على أنها (أهل الخبر) ولعل الذي يبدو -والله أعلم- أنها كذلك، أن المراد والأدق أن يقال: (أهل الخبر) بقرينة أنه قال: (الأثر) أما أنهم (أهل الخير) فهذا تحصيل حاصل أليس كذلك؟ أهل الخير هذه تطلق على من دونهم بمراحل، فلعل الأقرب والذي يتفق مع السياق أن يقال: (أهل الخبر) باعتبار أن العلماء اعتنوا بالأخبار والآثار كما هو معلوم في مذهب أهل الحديث.

الواجب عليهم تجاه العلماء كما أشار الطحاوي -رحمه الله- أن نجلهم ونحن تجاه العلماء وسط بين الإفراط والتفريط بين الذين ينتقصون العلماء ويحصل منهم الجفاء وبين الذين غلوا في العلماء فجعلوهم مشرعين يحللون ويحرمون، فالمسلك هو الوسط بين الغلو والجفاء.

يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: (العلماء ورثة الأنبياء) أخرجه أحمد، وجاء في الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: (ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا قدره أو حقه) هكذا أخرجه الحاكم وحسنه الألباني.

يبقى عندنا مسألة أشار لها الشارح وهي: أنه قد نجد من العلماء الأكابر والأئمة الأفاضل من يخالف الدليل فبين العلماء ومنهم شيخ الإسلام في رسالته الرائعة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" أننا إذا رأينا عالمًا من هؤلاء العلماء قد خالف الدليل فهؤلاء لهم عذر، وجماع أعذارهم تنحصر في ثلاثة أمور، يعني لما نأتي إلى عالم ويستغرب البعض كيف هذا العالم ما أخذ بهذا الدليل؟ فنقول: هذا العالم له عذر، وجماع هذه الأعذار تنحصر في هذه الثلاثة:

أولًا: إما أن هذا الدليل لم يبلغه.

والثاني: أنه ربما أنه بلغه لكنه ظن أن هذا الدليل لا يراد به تلك المسألة بعينها.
والثالث: أنه ربما ظن أن هذا الحديث أو هذا النص منسوخ.
وهذا مما ذكر في هذا المقام.

لما قال عندك هنا: (ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل) نعم هو على غير سبيل المؤمنين، فسبيل المؤمنين هو محبة العلماء وإجلالهم وتقديرهم وأن يعرف لهم حقهم وفضلهم والله أعلم.

قال -رحمه الله تعالى-: (ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء -عليهم السلام- ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء).

هنا قال: (ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء -عليهم السلام- ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) هذه العبارة هي رد على الاتحادية، ورد على جهلة الصوفية، والمقصود بالاتحادية هذه الطائفة الغالية التي وقعت في الزندقة والكفر البواح وهم الذين يزعمون أن الخالق -سبحانه- اتحد مع المخلوق تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، فهؤلاء اتحادية أرباب وحدة الوجود يزعمون أن الأولياء أفضل من الأنبياء، ومن أشهر من أظهر هذه الزندقة ابن عربي الطائي، الذي فضل نفسه على خاتم الأنبياء نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.

فهنا لما يقول لك: (نبي واحد أفضل من جميع الأولياء) نعم لا شك، فالأنبياء هم أفضل الناس والأولياء إنما صارت لهم الولاية، وصارت لهم المنزلة بسبب اتباعهم للأنبياء -عليهم السلام- فإذن نقول: هذه العبارة رد على هؤلاء الصوفية الزنادقة الذين هم الاتحادية أتباع ابن العربي ومن سلك سبيله.

نحب أن نشير في هذه العجالة أن هؤلاء فضلوا الولي على النبي، وعندنا الفلاسفة فضلوا الفيلسوف على النبي، لو جئت مثلًا إلى الفارابي الذي يلقب بالمعلم الثاني نجد أن الفارابي -نسأل الله العافية- فضل الفيلسوف على النبي، وعندنا الطائفة المخذولة طائفة الرافضة هؤلاء فضلوا أئمتهم على الأنبياء -عليهم السلام- وقالوا في كتبهم لاسيما عند المتأخرين منهم مثل ما جاء عند الخميني وغيره لما قالوا: إن لأئمتنا مقامًا لا يصل إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب.

فعندنا كم طائفة الآن؟ عندنا ثلاث طوائف:

- الاتحادية ونحوهم من زنادقة الصوفية فضلوا الولي على النبي.
- والفلاسفة فضلوا الفيلسوف على النبي.

- والرافضة فضلوا الأئمة على النبي، والمقصود بالأئمة الأئمة الإثنى عشر عندهم الذي يبدأ بعلي -رضي الله عنه- وينتهون بإمامهم الغائب المعدوم محمد بن الحسن العسكري، هؤلاء هم فضلوا أولئك على الأنبياء -عليهم السلام-.

ابن عربي مثلًا ونحن في هذا المقام قال بيتًا من الشعر -نسأل الله العافية- يقول:
مقام النبوة في برزخ ** فوق الرسول ودون الولي

هو الآن يجعل مرتبة الولي أو مرتبة الولاية هي أعلى شيء، ثم تأتي مرتبة النبوة؛ لأنه يقول: في برزخ، ثم تأتي مرتبة الرسالة، هذا الانتكاس، يعني عكس ما جاء به الشرع، نحن نعلم أيهما أفضل النبي ولا الرسول؟

الرسول -كما لا يخفى- فالترتيب الصحيح الذي جاءت به الأدلة عندنا: الرسول ثم النبي ثم الولي، لكن هذا الرجل وقع في هذه الزندقة التي ما سبقه إليها أحد، بل بلغت به الزندقة أنه فضل نفسه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، زعم أنه خاتم الأولياء، يقول محمد -عليه الصلاة والسلام- خاتم الأنبياء، وأنا ابن عربي يتحدث عن نفسه يقول: إنه خاتم الأولياء، وقال: إن هذا النبي -عليه الصلاة والسلام- هو عبارة عن لبنة مثل ما جاء في حديث اللبنة لما قال: (مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فجمله وحسنه إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون بهذا البناء ويقولون: ما أجمله ما أحسنه لولا وضعت هذه اللبنة قال -عليه الصلاة والسلام-: فأنا هذه اللبنة وبي ختم النبيون) هكذا جاء الحديث بمعناه، فهنا يأتي ابن عربي وماذا يقول عن هذا الحديث؟ يقول: هذه اللبنة لها ظاهر وباطن، الظاهر هو النبي خاتم الأنبياء والباطن هو خاتم الأولياء، والظاهر فضة والباطن ذهب، كل هذا من أجل أن يفضل نفسه على النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل بلغ الحمق الذي لا يقبله عقل أنه يقول: إن خاتم الأنبياء يستفيد من خاتم الأولياء، يعني لاحظ الحمق هذا ما يقوله أي إنسان عنده ذرة عقل، يعني هل بالله عليك أيهما الذي يستفيد من الآخر المتقدم يستفيد من المتأخر ولا المتأخر يستفيد من المتقدم؟!! أكيد المتأخر، فهو الآن جعل المتقدم النبي -عليه الصلاة والسلام- يستفيد من هذا المتأخر، مثل ما قالوا: لا عقل ولا قرآن -نسأل الله العافية-.

هذا بعض ما وقع فيه ابن عربي الطائي، ومع ذلك ومع هذا كله للأسف لا يزال أهل الإسلام ينخدعون بابن عربي الطائي وهناك من يعظمونه ويصفونه بأنه الإمام الأكبر وصاحب السر وإلى ذلك ونحو ذلك، ورحم الله الحافظ الذهبي لما قال عن كتاب ابن عربي كتاب "الفصوص" قال: إن لم يكن الفصوص فيه كفر وزندقة فما على وجه الأرض كفر، يقول: إن لم يكن هذا الكتاب فيه كفر وزندقة فما على وجه الأرض كفر، وهذا كلام واضح أن الكتاب طافح بالزندقة البينة الجلية الظاهرة والله المستعان.

يقول: كيف نعرف أن هذا المرء من الأولياء؟ وكيف نرد على بعض أهل البدع ممن يغالي في الأولياء ويعتقد بالكرامات الخرافية؟.

على كلٍ كيف نعرف أن هذا ولي؟ يعني عندنا المقياس الشرعي الذي هو الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿ أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿62﴾ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62، 63] من كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا ومن لا فلا، فهذا هو السبب وهو شرط الولاية، شرط الولاية الإيمان والتقوى؛ ولهذا قال إمام مصر الليث بن سعد -رحمة الله عليه- فقيه مصر الليث بن سعد من الأئمة المتقدمين قال: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به، حتى تنظروا مدى اتباعه للكتاب والسنة، يقول: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء، فبلغ ذلك الإمام الشافعي، بلغ الإمام الشافعي مقالة الليث فماذا قال: قال: قَصَّرَ الليث، ثم قال الشافعي قال: لو رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء أيهما أشد استحالة وأشد خرقًا للعادة؟ الطيران، يقول: لو صار الأمر أعظم من ذلك لو رأيتموه يطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، إذن هذا هو شرط الولاية عندنا، شرط الولي كما جاء في نصوص الكتاب والسنة ألا وهو الإيمان والتقوى.
أما قضية الكرامات سيأتي معنا في العبارة.

يقول: بعض الناس يَرد عليهم مثلًا بعض الأشياء المعجزة مثلًا يتنبأ بشيء فيحدث أو يؤول رؤية فتقع، هل يدخل هذا فيما نتطرق إليه الآن؟ أو أنه من توفيق الله؟.
يعني كيف أنه يحصل ماذا؟ أنه يرى رؤية ثم..؟

مثلاً يخبر بشيء في المستقبل يتنبأ بشيء في المستقبل قد يحدث كذا في وقت كذا...
إذا كانت المسألة قد تكون أحيانًا من باب الفراسة، يتفرس أنه سيحصل في المستقبل كذا سيحصل كذا، الفراسة العلماء تحدثوا عنها، وبينوا أن الفراسة قد تكون فراسة إيمانية سببها الإيمان والتقوى والصلاح وأكل الحلال والبعد عن الحرام والمشتبهات، فهذه فراسة إيمانية تقع لجملة من الصالحين وجملة من الأولياء، وقد تكون الفراسة النوع الثاني كما يقولون: فراسة رياضية، ما هي الرياضة المعهودة، وإنما المقصود أنه يروض بدنه، فبعض الناس مثلًا يروض بدنه لا يكثر من الأكل لا يكثر من النوم يتخفف من هذه الأمور الجسمانية الجسدية فيحصل عنده صفاء روح، فهذا يكون عنده فراسة، لكن هذه الفراسة التي يسميها العلماء الفراسة الرياضية هذه قد تكون للمؤمن والكافر والبر والفاجر، وهناك فراسة كما يقولون خلقية، يعني أنه من خلال الخلق يعرف الخُلق، مثلًا يقول لك: والله مثلًا هذا فلان رأسه كبير إذن هذا عقله كبير، يستنبطون من خلال توقد العينين على صفات تتعلق بأخلاقه وآدابه، العلماء يتحدثون عنه في موضوع الفراسة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم).

(قد نؤمن بما جاء من كراماتهم) يعني كرامات الأولياء (وصح عن الثقات من رواياتهم) يعني هذه العبارة (صح عن الثقات) كما نبه بعض العلماء هذه العبارة جميلة من الطحاوي من جهة أن الكرامات يقع فيها مبالغات، وأخبار لا تثبت، وأخبار لا تصح، فالعبرة بالكرامات بما ثبت وصح.

نبدأ بالحديث عن الكرامة من جهة التعريف: الكرامة هي أمر خارق للعادة، يظهره الله -تعالى- على يد عبد صالح إكرامًا له، إكرامًا لمن؟ إكرامًا لهذا العبد، الصالح.
الأمر الأول: كرامات الأولياء هي من آيات الأنبياء؛ ولهذا كما قال ابن القيم وغيره: لا حاجة إلى أن نشغل أنفسنا بالحديث عن الفرق بينهما؛ لأن هذه الكرامة التي تحصل للولي تعتبر معجزة للنبي، أليس كذلك؟ من جهة أن هذا الولي الصالح ما حصلت له هذه الكرامة إلا بسبب اتباعه لهذا النبي، بسبب إيمانه وتقواه والتزامه بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا أمر.

الأمر الآخر الذي نؤكد عليه: أن علينا وعليكم أن نحرص على الإيمان والتقوى، هذا هو المطلوب، الاستقامة على طاعة الله، لا يكون الإنسان يستشرف ويتشوف للكرامة، إنما عليه أن يحرص على ما طُلِبَ منه شرعًا، المطلوب منا الإيمان، المطلوب منها أن نتقي الله، ليس المطلوب منا أن تحصل لنا كرامات؛ ولهذا قال أبو علي الجوزجاني -رحمه الله- قال: كن طالبًا للاستقامة، لا طالبًا للكرامة، لماذا؟ لأن الله -سبحانه وتعالى- فرض عليك الاستقامة، وأما النفس فهي التي تميل وتستشرف إلى الكرامة.

هذه الكرامات أثبتها أهل السنة، وأنكرها المعتزلة ونحوهم، فهؤلاء أنكروا كرامات الأولياء وإنكارهم لكرامات الأولياء هو في الواقع إنكار لأمر محسوس؛ لأن هذا أمر ظاهر بين.

يقول: بالنسبة كنا قرأنا في كتب للأستاذ محب الدين الخطيب أنه قال عن الرافضة: إنهم يقولون: إنهم عندهم مصحف مثل مصحفكم ليس فيه آية من آياتكم، هذا كنا قرأناه من فترة، فهل لكل ما يعتقده الرافضة من أن الولي -كما ذكرت حضرتك في الحلقة الماضية- أعلى من النبي، أو لما يقولونه من سب الصحابة أو للمعتقدات الفاسدة كلها عندهم، هل هم على هذا الوضع يعتبرون ليسوا من ضمن طوائف المسلمين؟.

سؤال الأخ في قضية ما ذكره محب الدين الخطيب، يعني محب الدين الخطيب له جهده المشكور في الرد على الرافضة سواء من خلال رسالته "الخطوط العريضة" والرسائل المباركة الموجزة أو من خلال تعليقاته -رحمه الله- على كتاب "العواصم من القواصم" لابن العربي المالكي، نعم هذا المعروف في كتبهم، وأنا أنصح الإخوة في هذا الدرس بأن يرجعوا إلى رسالة الأصول أصول الشيعة الإثنى عشرية للدكتور ناصر القفاري، رسالة في ثلاث مجلدات عرض للمسألة التي ذكرها السائل في قضية معتقدهم في المصحف، فالموجود في جملة من كتبهم أنهم يرون أن هذا المصحف الذي بين أ يدينا هذا القرآن العظيم الذي يبدأ من الفاتحة وينتهي بسورة النساء، يرون أنه محرف ومبدل، وأن عندهم مصحف يسمى مصحف فاطمة، طبعًا هذا موجود عند جملة من أئمة الضلال منهم وإلا عوامهم وهؤلاء الهمج الرعاع لا يعلمون شيئًا، وربما أنك تجد عوام الرافضة بما عند بعضهم من بقايا الفطرة وبقايا الإسلام تجد أنهم يقرءون القرآن كما يقرأه سائر الإسلام فلا يظن البعض أن فيه تعارض من جهة أن هذا هو الموجود في كتبهم، وهذا المتقرر عند هؤلاء الروافض؛ ولهذا يندر في الروافض من يكون حافظًا للقرآن؛ لأنهم لا يعتبرون هذا القرآن له منزلة ولا قيمة، وبناءً على هذا نجد أن جملة من العلماء المحققين يحكمون على الروافض بخروجهم عن الملة، يعني هذه القضية يا إخوان دين نحن لا نريد أن نجامل أحدًا، والذي يقرأ كلام العلماء المتقدمين من أمثال الإمام البخاري -رحمة الله عليه- الذي كان يقول: «ما أبالي صليت خلف يهودي أو نصراني أو خلف جهمي أو رافضي» هذا الإمام البخاري ما أحد يقول: إنه وهابي، ولا يقول أحد: إنه كذا، هذا الإمام البخاري الذي توفي في زمن متقدم سنة ستة وخمسين ومائتين، وكلامه هكذا، فما بالك بما ظهر من عقائد الرفض التي فيها من الزندقة ما لم يظهر في العصور السابقة، جملة من عقائد الرافضة المضللة والزندقة المكشوفة لم تظهر إلا في عصور متأخرة، فكيف إذا انضم إلى ذلك قضية الطعن في الصحابة وتضليل الصحابة والاستغاثة بالأئمة وعبادة الأئمة كيف إذا انضم إلى ذلك عقيدة التقية وعقيدة البداء؛ ولهذا لو رجعتم إلى هذا الكتاب الذي ذكرته فقد عقد المؤلف فصلًا مستقلًا وتتبع كلام العلماء من المتقدمين والمتأخرين في مسألة الحكم على الرافضة وبيَّن أن القوم بعقائدهم هذه قد خرجوا من ملة الإسلام، والله المستعان.
نرجع إلى موضوع كرامات الأولياء، نحب أن نشير إلى أن بعض كرامات الأولياء، يعني الكرامة التي حصلت: مثلًا أسيد بن حضير -رضي الله عنه- أنه لما كان يقرأ سورة الكهف تنزلت السكينة أو تنزلت الملائكة لقراءته -رضي الله عنه- ومن ذلك مثلًا أن عمران بن حصين -رضي الله عنهما- كانت الملائكة تسلم عليه، هذا من كرامات بعض الصحابة، أيضًا كان سلمان الفارسي -رضي الله عنه- وأبو الدرداء -رضي الله عنه- كان متآخين كانا يأكلان في صحفة طعام -في وعاء طعام- فسبح هذا الوعاء أو سبح ما فيه.
أيضًا نجد مثلًا خبيب بن عدي -رضي الله عنه- لما كان أسيرًا عند المشركين في مكة كان يأكل العنب ولم يكن في مكة ولا عنبة واحدة.

أيضًا نجد مثلًا أم أيمن -رضي الله عنها- خرجت مهاجرة فأدركها العطش وكادت أن تهلك فإذا بها بدلو من ماء ينزل فتشرب منه وبعد هذا الشرب لم تظمأ بعد ذلك أبدًا.
هذه جملة من كرامات هؤلاء الصحابة الكرام، والكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة، وهذا يؤكد أن الكرامة ليست شرطًا في الوَلاية، لاحظ أن الكرامة في التابعين أكثر منها في الصحابة، ولا أحد يشك أن الصحابة أفضل، وكما قال بعض العلماء -رحمة الله عليهم- قال: مشى أقوام على الماء من باب الكرامة، وهلك بالعطش من هو أفضل منهم، فالكرامة ليست هي علامة وليست شرطًا، وإنما الشرط هو الإيمان والتقوى، وإن حصلت الكرامة فهذا من عاجل بشرى المؤمن، وإلا على المؤمن أن لا يستشرف لها، هذا أمر.
الأمر الآخر الذي نحب أن نؤكد عليه أنه أحيانًا في بعض كتب العقائد يفرقون بين الكرامة وبين المعجزة بتفريق ينبغي أن نقف عنده، فيقولون: المعجزة شرطها التحدي والكرامة ليس من شرطها ذلك، وهذا كلام غير صحيح، أولًا من جهة المعجزة، معجزات الأنبياء، أو بالأحرى آيات الأنبياء قد تقع بدون تحدي، أليس كذلك؟ يعني كونه -عليه الصلاة والسلام- في حضرة الصحابة -رضي الله عنهم- والطعام يسبح في يده الشريفة في يده الكريمة -عليه الصلاة والسلام-، هذا ما فيه تحدي، أيضًا العكس لما يقولون: إن الكرامة يجعلونها من شرطها عدم التحدي، ليس الأمر كذلك فقد يقع في الكرامة يقع التحدي، ومن ذلك قصة خالد بن الوليد لما حاصر قوم من الكافرين وطلبوا من أجل أن يتأكدوا من صدقه أن يتعاطى السم فتعاطاه -رضي الله عنه- ولم يضره، هذا تحدي، أيضًا مثلًا أبو مسلم الخولاني في قضية النار التي أوقدت له من الأسود العنسي، وغلام الأخدود هذه من قبل، غلام الأخدود تحداهم ولا ما تحداهم؟

كذلك أيضًا البعض يقول لك: إن الكرامة ليس فيها إظهار، يعني ويقول لك: إن المعجزة فيها إظهار، نقول أيضًا هذا غير دقيق، بل أيضًا يحصل في الكرامة إظهار، يعني عندك العلاء بن الحضرمي لما مر بهم هذا البحر وهو يغزو في سبيل الله أظهر كرامته، أليس كذلك؟ واستطاع أن يتجاوز هذا البحر دون أن يصيبهم غرق.

أيضًا مثلًا قضية عمر لما قال الفاروق: يا سارية الجبل، هذا أمر ظاهر ولا خفي؟ أمر ظاهر بدليل أن سارية وهو بينه وبين عمر مسافات شاسعة، سمع قول عمر وهذا كرامة لعمر، سمعه وفعلًا لزم الجبل وحصل له الخير والنصر.

يقول: هناك ما يعرف بتصنيف "ديوي" للكتب، ونجد في تصنيفه تقديم كتب الفلسفة وعلم النفس على كتب الدين الإسلامي، فما واجب المسلمين تجاه ذلك؟.

يعني هذا التصنيف معروف تصنيف عالمي الذي يسمونه تصنيف "ديوي" في الكتب، على كلٍ أقول هذا التصنيف ليس توقيفيًا وليس له قداسة كما يقال يعني يمكن يعدل ويوظف فتجده مثلًا هو يجعل الدين يجعل له رقم معين، فنحن مثلًا بالنسبة لنا أصحاب العلوم الشرعية أصحاب العقائد أصحاب الحديث نجد أن ما يتعلق بالتراث الشرعي الديني هو أهم شيء عندنا، لكن هو مثلًا يضع لك الفلسفة يضع لك ما يسمونه مثلًا الفنون الجميلة، فيمكن يعدل أقول يعدل وما كان حقه التقديم يقدم وما كان حقه التأخير يؤخر.
أسئلة الحلقة القادمة.

السؤال الأول: من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام؟
السؤال الثاني: ما تعريف الكرامة؟

nary_jon
06-04-2008, 08:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الدرس الثالث والعشرون : من قوله: <ونؤمن بأشراط الساعة...>

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)




الدرس الثالث والعشرون

من قوله: (ونؤمن بأشراط الساعة...)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

شيخنا الكريم طرحتم في الدرس الماضي سؤالين:

السؤال الأول: كان عن ال بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أجابت الأخت الكريمة بقولها: ال بيت النبي صلوات ربي وسلامه عليه هن زوجاته أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- ويشمل كذلك الذين تحرم عليهم الصدقات، وهم: ال علي، وآل عباس، وآل جعفر، وآل عقيل، وذُكروا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33].

إجابة الأخت الكريمة إجابة صحيحة وإجابة وافية.

كذلك يا شيخنا الكريم السؤال الثاني: كان عن معنى الكرامة وقد أجاب الأخ الكريم بقوله: إن الكرامة هي أمر خارق للعادة يظهره الله -تعالى- على يد عبد صالح إكرامًا له.
أيضًا إجابة الأخ الكريم إجابة صحيحة ووافية.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونؤمن بأشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم -عليه السلام- من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعه).

بسم الله الرحمن الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أما بعد:
فنبدأ بهذه العبارة التي قررها الإمام أبو جعفر الطحاوي وذكر شيئًا من أشراط الساعة.
مما أخذه ابن أبي العز الشارح على الإمام الطحاوي -رحمة الله عليهم جميعًا- أن الطحاوي -رحمه الله- في تقريره لهذه العقيدة يورد جملة من مسائل العقيدة بشيء من التفرق والتبديد، فهذا الموضوع له صلة -كما لا يخفى- باليوم الآخر، واليوم الآخر قد مر بنا في دروس سابقة، وعلى كلٍ نتحدث عن هذه العبارة كما جاءت، قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (ونؤمن بأشراط الساعة) المراد بأشراط الساعة: هي علامات الساعة، يقال عنها: علامات، يقال عنها: أمارات، كما جاء ذلك في حديث جبريل المشهور لما قال جبريل -عليه السلام- لنبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (فأخبرني عن أماراته) فقال -عليه الصلاة والسلام-: (أن تلد الأمة ربته) وفي لفظ للبخاري: (أن تلد الأمة ربها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاع الشاء يتطاولون في البنيان) سواءً سميت علامات أو سميت أمارات أو أشراط المعنى متقارب.

وهنا لما يقول: (نؤمن بأشراط الساعة) المراد بأشراط الساعة علامات القيامة التي تدل على قربها، فعلامات القيامة هي تسبق اليوم، تسبق القيامة، وتدل على قربها وعلى حصولها.

علامات الساعة أو أشراط الساعة نجد أن بعض أهل العلم يقسمونها إلى قسمين: علامات صغرى وعلامات كبرى، والبعض أحيانًا يقسمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار آخر فيقول: هناك علامات وقعت ومضت وهناك علامات وقعت واستمرت، وهناك علامات لم تقع بعد وإنما تقع مستقبلًا.

فمن العلامات التي وقعت ومضت: كانشقاق القمر، كما قال تعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: 1].

ومنها: النار التي خرجت من أرض الحجاز فأضاءت لها قصور الشام في بصرى، فهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم وغيره أنه -عليه الصلاة والسلام- أخبر وقال: (لن تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى) بصرى في الشام، فهذه العلامة وقعت كما ذكر النووي -رحمه الله- وغيره، وقعت سنة أربعة وخمسين وستمائة من الهجرة. والمقصود أن هناك علامات وقعت ومضت.

القسم الثاني: علامات وقعت واستمرت، كما هو في قضية كثرة شرب الخمر، وظهور الجهل، وكثرة الهرج الذي هو القتل، هذه علامات وقعت في السابق، ولا تزال واقعة في العصر الحاضر.

القسم الثالث: هي العلامات التي تقع مستقبلًا، ومنها علامات الساعة الكبرى العشر، هذا تقسيم.

التقسيم الآخر: أن يقال: هناك علامات صغرى وهناك علامات كبرى، والفرق بين العلامات الصغرى والعلامات الكبرى: أن الصغرى قد لا تكون خارقة للعادة كما هو في العلامات الكبرى، العلامات الكبرى تلحظون لما سمعنا هنا طلوع الشمس من مغربها، هذا أمر خارق للعادة، قضية الدجال وما عنده من الخوارق ونحو ذلك، كذلك أيضًا الدابة التي تخرج، كل ذلك علامات فيها عجائب وفيها خرق للعادة، فعلامات الساعة الصغرى ليس فيها كما في العلامات الكبرى، بل ربما البعض منها قد يكون أقرب للمعتاد كما هو في جملة منها كتطاول الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان، هذا صار أمرًا معتادًا.

الفرق الآخر: أن علامات الساعة الصغرى نجد أن جملة منها وقع منذ سنين عديدة، أليس كذلك؟ فمثلًا عندك بعثة محمد -عليه الصلاة والسلام- لها مئات السنين -كما لا يخفى- وهي من علامات الساعة، قال -عليه الصلاة والسلام-: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أما العلامات الكبرى فهي إنما تقع عندما تقرب الساعة، فالعلامات العشر، العلامات الكبرى، هذه إنما تقع عند قرب الساعة أو عند حصولها، هذه بعض الفروق بين العلامات الصغرى والعلامات الكبرى.

نستعرض بعض العلامات التي ذكرها الإمام الطحاوي -رحمه الله- قال: (خروج الدجال) الدجال: جاءت الأحاديث فيه متواترة عنه -عليه الصلاة والسلام-، وأثبته أهل السنة كما جاء ذلك في الأحاديث المتواترة، وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، أنكره الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، فالجهمية كانوا يزعمون أن الدجال هو كل رجل خبيث، وهذا كلام فاسد ومردود ترده الأحاديث الصريحة فالأحاديث المتواترة نصت على أن الدجال رجل وأنه شاب أعور العين اليمنى، وجاء وصفه وذكر صفاته الخَلقية والخُلقية، فلا مجال أن يقال أن الدجال هو كل رجل خبيث.

النبي -عليه الصلاة والسلام- ذكر من الأحاديث التي وردت في ذلك قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن ربكم ليس بأعور، وإن الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية) والمراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: (طافية) أي أنها ليست بارزة ظاهرة وليست أيضًا غائرة، وإنما هي بين ذلك. هذا ما يتعلق بشيء مما جاء فيه الحديث.

قلنا: جاء الحديث بوصفه بأنه شاب، وأنه قصير، وأنه جعد الرأس، وأنه ممسوح العين، وهو سمي المسيح؛ لأنه ممسوح العين، أعور عين اليمنى، وقال بعضهم: أنه سمي المسيح؛ لأنه يمسح الأرض، يعني يسير في الأرض، وعلى كلٍ سواءً قلنا هذا أو ذاك، فالمعنى صحيح، لكن كونه ممسوح العين هذا جاء فيه النص في صحيح مسلم: أنه سمي المسيح؛ لأنه ممسوح العين.

أيضًا من الصفات التي ذكرها النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- محذرًا أمته -عليه الصلاة والسلام- ذكر من علاماته: (أنه مكتوب بين عينيه ك ف ر) هكذا في حروف الهجاء، وفي رواية: (مكتوب بين عينيه كافر) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (يقرأه كل مؤمن قارئ وغير قارئ) فالمؤمن يقرأ ذلك سواءً كان قارئًا أو ليس قارئ، يقرؤه بعين البصيرة التي يمن الله -تعالى- بها على من يشاء من عباده ويثبتهم أمام هذه الفتنة العظيمة الشديدة، هذه جملة من صفات المسيح الدجال.

أيضًا مما يذكر في صفاته: أن الدجال يخرج من المشرق من جهة خراسان، وجاء في بعض الروايات تحديد ذلك من أصفهان، من حي أو من مكان يقال له يهودية، فهو مكان في أصفهان يقال له يهودية، يخرج الدجال من جهة المشرق، ومعه سبعون ألف من يهود أصفهان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -عليه الصلاة والسلام-، هذه جملة من صفاته التي ذكرها النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقد بين -عليه الصلاة والسلام- أنه ما من نبي إلا وقد حذر وأنذر أمته المسيح الدجال.

لا شك أن فتنة المسيح الدجال فتنة عظيمة، فهو معه جنة ونار، وإن كانت جنته نار، وناره جنة، لكن عنده من الخوارق الحقيقية ما يوجب فتنة كثير من الناس؛ ولهذا جاء التحذير والإنذار والتذكير بخطر المسيح الدجال وسلوك سبل السلامة منه.

وإذا أردنا السلامة من فتنة المسيح الدجال فأعظم الأسباب: هو اللجوء إلى الله، أن نستعيذ بالله -تعالى- من فتنة المسيح الدجال، قال -عليه الصلاة والسلام-: (إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليقل:- يعني قبل أن ينصرف من الصلاة بالسلام، عليه أن يقول في دبر كل صلاة-: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) هذا الحديث من السنن المؤكدة، بل إن من أهل العلم أوجبه كطاووس -رحمه الله- تلميذ ابن عباس، فكان طاووس يقول لابنه: هل قلت هذا الدعاء في صلاتك؟ فإن قال الابن: لا، قال: أعد صلاتك، والمقصود أنه من السنن المؤكدة التي ينبغي أن نحرص عليها، إذن إذا أردنا السلامة من هذا الدجال فعلينا أن نستعيذ بالله منه في دبر كل صلاة قبل أن نسلم من صلاة مفروضة أو نافلة.

الأمر الثاني مما يحفظنا نحن وإياكم من فتنة هذا المسيح الدجال ألا وهو: أن يحفظ العبد عشر آيات من أول سورة الكهف أو من أواخرها، قد جاء بهذا الحديث وثبت هذا وذاك، فمن حفظ عشر آيات من أول الكهف أو من آخرها كما في الحديث الآخر فهذا يحفظه من فتنة المسيح الدجال أيضًا.

أمر ثالث مما تتحقق به السلامة من هذا المسيح الدجال ألا وهو: أن الدجال إذا ظهر، على المسلم أن يبتعد وأن ينأى عنه، كما جاء ذلك في الأحاديث منها قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من سمع بالدجال فلينأى عنه) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (فو الله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه مما يبعث به من الشبهات) أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.

فتلحظ أن الدجال عنده من الخوارق والأحوال ما أن الرجل قد يكون مؤمنًا فهو يأتي ويظن أنه سيثبت عندئذ تجده ينساق مع هذا الدجال.

فالمتعين علينا أن نبتعد عن الدجال، وهذا متعين في كل الفتن: (من سمع بالدجال فلينأى عنه)، هذه ثلاثة أمور مما يحصل بها السلامة.

أيضًا مما ذكر أهل العلم: سكنى مكة والمدينة، أيضًا يحفظ العبد من هذا الدجال، فالدجال لا يمكن أن يصل إلى مكة والمدينة، فهاتان المدينتان، هذان الحرمان عليهما ملائكة معهم سيوف، لا يستطيع الدجال أن يصل إلى تلك البلد، مكة أو المدينة. هذه جملة مما جاءت به الأدلة والله أعلم.

وعلى كلٍ نؤكد على أن الواجب علينا أن نسلم لهذه النصوص الشرعية، وأن نؤمن بالغيب، وألا نتكلف في فهم هذه النصوص كما وقع عند بعض العصرانيين مما ردوا هذا الحديث، أو تأولوه تأويلات فاسدة، فبعض العصرانيين من أصحاب المدرسة الذين يسمون بالعقلانيين وهم في الواقع امتداد لمدرسة أهل الأهواء في القديم، هؤلاء يزعمون أن الدجال هو رمز الخرافة، رمز الدجل، وربما بعضهم قال: إنه هو الحضارة الغربية، لا... ليس الأمر كذلك، وإن كانت الحضارة الغربية فيها من الدجل ما فيها، لكن المقصود أن الدجال الذي أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام- قد جاء تحديد صفاته، أنه شاب وأنه أعور العين اليمنى وأنه قصير وأنه أجعد الرأس، فعلينا أن نسلم بهذه النصوص، وهو -عليه الصلاة والسلام- هو أفصح الناس وأنصح الناس وأعلم الناس فقد بلغ البلاغ المبين -عليه الصلاة والسلام-.

هذا ما يتعلق بفتنة المسيح الدجال -أعاذنا الله من ذلك-.
يقول: سبب ورود مثل علامات الساعة في دروس العقيدة، مع أنها قد لا تحسب أنها من العقيدة؟.

لا.. هي من العقيدة ولا شك؛ لأنها هي من اليوم الآخر، سبق أن مر بنا أن اليوم الآخر يبدأ من موت الإنسان (فإذا مات الإنسان قامت قيامته) فاليوم الآخر يشمل ما في الموت، ويشمل ما في البرزخ من قضية الفتنة وسؤال منكر ونكير ونعيم القبر وعذابه، وأيضًا يشمل كذلك علامات الساعة، فعلامات الساعة الصغرى والكبرى أو التي مضت وستقع، أو التي مضت واستمرت كل ذلك داخل في موضوع اليوم الآخر؛ ولذلك نجد أن الذين يكتبون في اليوم الآخر يوردون هذه العلامات، مثلًا القرطبي -رحمه الله- في "التذكرة" يورد ذلك، الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في "النهاية" يذكر ذلك، وهكذا، فنجد أن الذين صنفوا في هذا يذكرون ذلك، السفاريني مثلًا في "البحور الزاخرة" وغيرهم كثير، نجد أنهم عندما يتحدثون عن اليوم الآخر يجعلون هذه العلامات تسبق هذا اليوم باعتبار أن هذه مقدمات لهذا اليوم والله أعلم.

إذن هي من الأمور التي يجب الإيمان بها ومن الغيبيات التي يجب الإيمان به.
أي والله.. من الغيبيات التي يجب علينا أن نؤمن بها وأن نصدق بها.

يقول: بالنسبة للساعة جاء في بعض الروايات -لا أدري أنه حديث-: (كالعقد الذي ينفرط) هل هذه العلامات الكبرى أم الصغرى؟ إذا كانت الكبرى إذا تأتي متتالية، العقد الذي ينفرط يأتي متتاليًا بسرعة يعني؟ الكبرى أم الصغرى؟.

لا.. هو الحديث الذي أشرت إليه، حديث أخرجه أحمد أن هذا الوصف الذي جاء في الحديث هو في علامات الساعة الكبرى، العلامات العشر، وأنها كنظم عقد انقطع فيتتابع هذا العقد، فالمراد به علامات الساعة الكبرى، هذا الذي يمكن أن نجزم به، وعندنا من الأحاديث ما يدل على ذلك، عندنا حديث في مسلم يشير إلى ذلك حديث عبد الله بن عمرو قال -عليه الصلاة والسلام-: (أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربه) ثم قال: (وخروج الدابة على الناس ضحى قال: أيهما وقعت فالأخرى على إثرها قريبة) فدل هذا الحديث على أنها علامات متتابعة، فالذي يظهر -والله أعلم- أن المراد بذلك علامات الساعة الكبرى والله أعلم.

يقول: بالنسبة لخروج الدجال تكون أيامه اليوم الأول كسنة ثم كشهر فسؤالي يا شيخ: إذا كان يومه كسنة كيف تكون الصلوات الخمس؟.

هو الحديث يمكن الإخوان يعرفونه: وهو أنه يمكث في الأرض أربعين، يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة أي كأسبوع، وسائر أيامه كسائر أيامكم، فالصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، وهذا من تمام حرص الصحابة على ما ينفع فسألوا عن الصلاة في ذاك اليوم الذي يعدل سنة، فهل تكفي الصلاة في ذاك اليوم الذي يعدل سنة كالصلاة في يوم واحد؟ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا.. اقدروا له قدره) فهذا اليوم الذي هو كسنة لا يعني أن الشخص في هذا اليوم الذي يعدل سنة تكفيه خمس صلوات، وإنما (اقدروا له قدره) كما قال -عليه الصلاة والسلام-، هكذا جاء الحديث والله أعلم.

يقول: ما هو ترتيب علامات الساعة؟ هل أول علامة من علامات الساعة الدجال أو طلوع الشمس من مغربها؟ وهل هناك ترتيب ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم؟.

يعني هذه المسألة يمكن أن نجيب عنها بكلام للإمام الطيبي عند في هذه البطاقة: أن علامات الساعة الكبرى منها ما نعتبره علامة على قربها، ومنها ما هو علامات على حصولها، فالذي على القرب يكون متقدمًا، وعلى الحصول يكون متأخرًا، فعندنا مثلًا في قضية مثلًا: الدجال، نزول عيسى، يأجوج ومأجوج، والخسف -خسف في المشرق وفي المغرب وفي جزيرة العرب- هذه كلها علامات تدل على القرب.

لكن علامات الحصول أنها أوشكت تمامًا: عندك طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من مغربها انقطع باب التوبة، وكذلك أيضًا خروج الدابة، خروج الدابة يعني كما يرجح الحافظ ابن حجر أنهما في يوم واحد، فإذا طلعت الشمس من مغربها تخرج هذه الدابة التي تَسم هذا بالإيمان وذاك بالكفر إيذانًا بانتهاء الأمر، وكذا أيضًا النار، النار التي تخرج من قعر عدن، وتسوق الناس إلى أرض المحشر.

إذن يبدو -والله أعلم- نستطيع أن نقول: عندنا علامات الساعة الكبرى منها علامات تؤذن بقربها، وعندنا علامات تؤذن بحصولها:

فالعلامات التي تؤذن بالقرب التي ذكرناها: الدجال، نزول عيسى -عليه السلام-، يأجوج ومأجوج، ولاحظ العلامات الثلاثة كلها متقاربة كما جاءت بذلك الأحاديث، ثم عندنا الخسوف الثلاثة، هذه الست علامات، العلامة الثلاثة والخسوف الثلاثة، خسف في المغرب في المشرق في جزيرة العرب.

يبقى عندنا العلامات الأربع كما يرى الطيبي -رحمه الله- التي هي: طلوع الشمس من مغربها، الدابة، النار التي تخرج من قعر عدن، وأضاف الدخان، هذه كلها علامات تدل على حصولها والله أعلم.

يقول: هل هذا حديث صحيح أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: (يخرج من أمتي أربعون دجالًا كلهم سيدعون النبوة)؟.

يعني هو جاء في موضوع أدعياء النبوة لكن هل يقال أربعون ولا قال ثلاثون، النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنه سيكون في هذه الأمة ثلاثون كذابًا كلهم يزعم أنه نبي، فلما قال -صلى الله عليه وسلم-: (وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي) فجاء هذا في أدعياء النبوة، ولا شك أن الذين يدعون النبوة هم من الدجالين، لكن العلماء يقولون عن الدجال الذي نتحدث عنه يقولون عنه: الدجال الأكبر، فالدجال يدعي الإلهية، فالذي يذكر في هذا الحديث الذي أشرت إليه في أدعياء النبوة، وبين العلماء أن أدعياء النبوة كثر -لا كثرهم الله- لكن الذين ذكروا في هذا الحديث أنهم ثلاثون المراد بهم -كما يرى بعض الشراح-: يحمل الحديث على من كان لهم شوكة ولهم اتباع مثل مسيلمة الكذاب ونحوه.

نبدأ بالعلامة الثانية: نزول عيسى -عليه السلام-:

نزول عيسى -عليه السلام- الأحاديث فيه متواترة عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وجاء وصف عيسى -عليه السلام- عندما ينزل أنه ربعة من الرجال يعني ليس بالطويل ولا بالقصير، وأنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وجاء وصفه وكيفية نزوله أنه واضع كفيه على أجنحة ملكين، هذا نزول عيسى -عليه السلام- عندما ينزل كما أخبر -عليه الصلاة والسلام- ينزل ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة عنه -عليه الصلاة والسلام-.

من أهل العلم من يرى أن نزول عيسى -عليه السلام- جاء ذكره في القرآن في قوله تعالى:﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ [الزخرف: 61] وقرأ بعضهم: ﴿ وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾.

أيضًا مما يحصل في عهد عيسى -عليه السلام- أنه يكثر الخير والرخاء حتى أن اللقحة من الإبل تكفي الفئام من الناس، وأيضًا يتحقق الأمن بصورة خارقة للعادة حتى أن الصبيان والأطفال يلعبون بالحيات، كل ذلك جاءت به الأحاديث عنه -عليه الصلاة والسلام-، ويمكث سبع سنين -عليه السلام- ثم تأتي الريح الطيبة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة ومنهم عيسى -عليه السلام-. هذا ما يتعلق بنزول عيسى عليه السلام.

أيضًا من العلامات التي ذكرها المؤلف: (طلوع الشمس من مغربها) وهذا جاء في قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ [الأنعام: 185] فجملة من المفسرين قالوا: إن المراد بذلك طلوع الشمس من مغربها، وقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون) ثم قال -عليه الصلاة والسلام-: (فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرً) أخرجه البخاري ومسلم.

وجاء في الحديث الذي أخرجه مسلم أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

يبقى عندنا ما ذكره الطحاوي لما قال: (وخروج دابة الأرض من موضعه) فهذه الدابة تخرج، وهذا جاء في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ﴾ [النمل: 82].

قال -عليه الصلاة والسلام-: (ثلاث إذا خرجنَّ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) وهي ماذا؟ (طلوع الشمس من مغربها)، ثم قال: (والدجال، ودابة الأرض) أخرجه مسلم.
ماذا تكون هذه الدابة؟

اختلف العلماء في ذلك على أقوال الله أعلم بها، لكن ماذا تعمل هذه الدابة؟ جاء الوصف أنها تَسم المؤمن بالإيمان والكافر بالكفر، هذا ما يتعلق بهذه العلامة والله أعلم.
ولازلنا نؤكد ونذكر أنفسنا أن مثل هذه الأمور ينبغي أن تكون حافزًا لنا لتذكر اليوم الآخر، وأيضًا علينا أن نؤمن بهذه النصوص دون إفراط أو تفريط، فلا نحمل هذه النصوص مالًا تحتمل، ولا نردها فعلينا أن نتلقاها بالقبول والتسليم، ونبتعد عن التأويلات المكلفة والمستكرهة والله أعلم.
يقول: من أين تخرج الدابة؟.

جاءت آثار وأحاديث أنها تخرج من مكة -حرسها الله- وقيل تخرج من الحرم والله أعلم بالتحقيق في ذلك، لكن جاء ذلك في بعض الأحاديث.

هل يعني أنها موجودة حاليًا يا فضيلة الشيخ؟ بعض الناس يقول: إنها موجودة ولها مكان؟.

ما أدري والله، هم اختلفوا ماذا تكون هذه الدابة؟ أهي فصيل ناقة صالح على المشهور، لكن أقوال: أنا ما أدري ما التحقيق في ذلك، نحن نقول: إنها دابة كما جاء بذلك القرآن، ولا نتكلف؛ لأن بعض المتحذلقين من العصرانيين يقول لك: إن الدابة هذه جراثيم وما أدري... ، هذا كله كلام ترده النصوص، الحديث واضح والآية واضحة أنها دابة، والله أعلم.

يقول: بالنسبة لعلامات الساعة: هل هناك ضابط للتوسل -مثل ما تفضلتم قبل قليل- وصف بعض الأشياء التي وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتقادات معينة توقعات أن مثلًا يأجوج ومأجوج هم شعب الصين مثلًا وأن الدجال يقع في مكان كذا وكذا؟ هل هناك ضوابط معينة فضيلة الشيخ في فهم تلك العلامات والإيمان بها؟.

يعني هو دائمًا الآن فيه خاصة في السنوات الأخيرة في موضوع أحاديث الفتن والملاحم، وأيضًا كذلك ما يتعلق بحديث أشراط الساعة هو الذي يحصل أنه أحيانًا بعض الكُتَّاب والمعاصرين خاضوا فيه هذه المسائل وحملوا النصوص ما لا تحتمل، فينظرون إلى وقائع معينة وأحداث واقعة فيقولون: هذا هو تفسير كلام النبي -عليه الصلاة والسلام- وتجد أن هذا التفسير لا يخلو من تكلف وتصنع، فنحن نؤكد إنه علينا أن نحذر من هذا المسلك، مسلك هذا التكلف وهذا التصنع، نحن نثبت الحديث ونصدق به، قاله الصادق المصدوق -عليه الصلاة والسلام-، أما أن الحديث يحمل ويتكلف كما وقع عند بعض العصرانيين والعقلانيين أو كما وقع عند بعض الكُتَّاب في هذا الوقت فهذا مسلك مردود، والعبرة بظاهر الحديث، أما أن يُقال مثلًا أن الدابة هي كذا، أو يقول لك الدجال هو كذا، مثل ما بعضهم يقول لك: الدجال هو الشخص الفلاني، حد يقول مثلًا أحد الطواغيت أو أحد الموجودين المعاصرين أو الهالكين هذا كله من التكلف ومن التصنع.

النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر صفاته وذكر شيئًا من علاماته وأبلغ وأنذر، أما كونه يحمل هذا على شخص بعينه دون دليل ودون قرائن معتبرة فهذا من التكلف والله أعلم.
قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة).

هنا لما يقول -رحمه الله-: (ولا نصدق كاهنًا ولا عرافً) الكاهن والعراف هما متقاربان؛ ولهذا الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- يقول: الكاهن نحو العراف، الإمام البغوي كذلك، يعني مرة يقول لك: إن الكاهن هو الذي يدعي علم المستقبل والعراف هو الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على معرفة المسروق ومكان الضالة، ثم تجد البغوي يقول: إن الكاهن بمعنى العراف، كذلك أيضًا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك يقول: العراف اسم للكاهن والمنجم والرَّمال.

نخلص من كلام هؤلاء العلماء: أن هذه الكلمات متقاربة، فسواءً قلنا: كاهن أو قلنا: عراف، أو قلنا: منجم، أو قلنا: رمَّال؛ فالمعنى متقارب يجمعهم دعوى علم الغيب، فالكاهن والعراف كلاهما يدعي علم الغيب، والمنجم يتعاطى التنجيم ويدعي علم الغيب عن طريق النجوم، والتنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى يقول: والله إذا اجتمع الكوكب الفلاني مع الكوكب الفلاني أو ظهر الكوكب الفلاني فيقول لك: طالع هذا الكوكب أنه يحصل كذا ترتفع الأسعار، تحصل حرب إلى آخر هذه الدعاوى، وأيضًا الرمَّال، الرمَّال شخص يخط في الرمل ويدعي من خلال ذلك علم الغيب، وأيضًا يلحق بذلك ما هو في الوقت الحاضر ممن يسمون ويقرءون في الكف، يعني يأتي بعضهم عند هؤلاء الأفاكين الدجالين فينظر في كفك وفي تلك الخطوط الموجودة في هذا الكف فيقولون: يقرأ مستقبلك أو حظك على حد زعمهم أو ما يسمى بالقارئ أو القارئة في الفنجان، كل ذلك دعوى علم الغيب، أو من خلال ما يسمى بحروف أبي جاد، يتوصلون من خلال حروف أبي جاد إلى ادعاء المستقبل؛ ولهذا قيل لابن عباس عن قوم يكتبون أبا جاد، فقال ابن عباس -رضي الله عنهما- قال ابن عباس: ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق.

نرجع إلى موضوعنا ونتحدث ونشير إلى حكم إتيان الكهان والعرافين ونحوهم، نقول: هذه المسألة جاءت واضحة جلية محسومة في كلام الذي لا ينطق عن الهوى -عليه الصلاة والسلام-، لما قال كما في الحديث الذي أخرجه مسلم عن بعض أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومً) أخرجه مسلم.
إذن هذا الحديث يبين لنا ولكم أن مجرد إتيان العراف ويدخل في ذلك الكاهن ونحوه أن مجرد الإتيان والسؤال هذا يوجب هذا الوعيد الشديد ألا وهو أنه لا تقبل صلاة هذا العبد أربعين يومًا.

الحالة الأخرى: إذا أتاه مصدقًا فقد جاء ذلك في حديث أبي هريرة قال -عليه الصلاة والسلام-: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) وفي رواية: (فقد برئ مما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم) فتلحظ الحديث قال: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم).

إذن هؤلاء الذين يأتون الكهان والعرافين ويصدقونهم في دعوى علم الغيب هؤلاء قد كفروا وخرجوا عن الملة، ما وجه ذلك؟ وجه ذلك:

الأمر الأول: أن علم الغيب قد استأثر الله به، فكما أنه لا خالق إلا الله، فأيضًا كذلك لا يعلم الغيب إلا هو، قال -عز وجل-: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿26﴾ إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ﴾ [الجن: 26، 37] وقال عز وجل: ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ ﴾ [النمل: 65]، هذه مسألة ينبغي أن تكون واضحة ومحكمة وبينة، هذا أمر.

الأمر الثاني: نؤكد أن هؤلاء الكهان يعني كما قال -عليه الصلاة والسلام- لما سئل عنهم سئل عن الكهان فقال -عليه الصلاة والسلام-: (ليسوا بشيء) هؤلاء حقهم التحقير، ليسوا بشيء، وليس عندهم حق ولا عندهم علم ولا عندهم بينة ولا براهين، وإنما هم أفَّاكون كذابون، يعني يكذبون مائة كذبة، وربما صدق مرة واحدة، يعني هذا أيضًا مما ينبغي أن يكون نصيب هؤلاء الكهان وأولئك العرافين.

الأمر الثالث: ينبغي ألا ننخدع بتلك القنوات الفضائية التي بدأت تبث هؤلاء الأفاكين الدجالين، ولا ننخدع بالأسماء، يعني ينبغي أن ننظر إلى حقائق الأمور، العبرة بالحقائق ليست بالألفاظ والمباني، هؤلاء يخرجون الآن في الفضائيات أو في المجلات ويسمي نفسه المعالج، ويسمي نفسه الحكيم، وربما سمى نفسه الشيخ، ونحو ذلك، فلا ننخدع بهذه الأسماء، لا يمكن أن يأتي راعي الباطل بكل صفاقة وبكل بلاهة يقول: أنا كاهن أو يقول: أنا دجال يعني هو يصف نفسه بأنه المعالج والحكيم إلى آخره فالعبرة بالحقائق، شخص ادعى علم الغيب فهو أفَّاك ودجال من إخوان الشياطين. هذا مما ينبغي أن يذكر في هذا المقام.
تقول: "عمر أعسر أيسر" لماذا قال "أعسر"؟ والأعسر صفة لليسرى وأيضًا ليست صفة لليد اليسرى؟.
هذه صفة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه؟.
نعم.

هي تقول صفة لعمر بن الخطاب "أنه أعسر أيسر" كيف يجمع بين هذه الصفتين؟.
والله ما أدري عن عمر -رضي الله عنه- كونه يقال عنه أعسر أيسر أنا ما أدري، لكن إن ثبت أنه أعسر، والأعسر معروف أنه ممن يتعاطى الكتاب بشماله، فربما لما يقال: أعسر الكرم والجود توصف بها اليمين، فربما حتى لا يتوهم أن عمر أعسر أنه ليس كريمًا فهو أعسر لكنه أيضًا أيسر من باب الثناء على عمر، فهو من باب المشاكلة، فهو أعسر يعني إذا صار يتعاطى وعمله بشماله لكنه ليس فيه معنى العسر الذي هو ضد اليسر، بل هو أعسر أيسر، يعني أقصد ربما يكون هذا من باب التأدب من عمر الفاروق -رضي الله عنه- والله أعلم.

يقول: سبق أن ذهب إلى هؤلاء الكهان وسمع منهم، كيف الطريقة إلى التوبة من هذا؟.
إذا تاب تاب الله عليه، كما قال -عليه الصلاة والسلام-: (الإسلام يجب ما قبله) والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53] فمن تاب تاب الله عليه، هذا الذي يمكن أن يقال في هذا.

هل هناك كفارة معينة يفعلها أو شيء؟.

لا ليس هناك كفارات على هذه الفعلة، هو ما دام أنه تاب، والتوبة هنا بشروطها الثلاثة المعروفة: الندم عما سلف، والإقلاع عن ذلك، والعزم على ألا يعود، فإذا حقق هذه الأمور الثلاثة فتوبته مقبولة -إن شاء الله-.

يقول: ما هي العلامات التي يمكن للمسلم أن يعرف بها هذا الشخص المعالج إذا كان كاهنًا أو عرافًا أو غير ذلك؟.

يعني هو كما قال عثمان بن عفان أمير المؤمنين -رضي الله عنه- قال: «ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله -عز وجل- على وجهه وفلتات لسانه» هي ستظهر هذه الأمارة حتمًا، يعني لا ينظر إلى حاله، لما يكون مثلًا هذا الساحر أو الكاهن أو العراف عنده شيء مثلًا من الخوارق، فقد مر بنا في موضوع الولاية أنه ينظر هل الرجل ملتزم بالسنة؟ هل هو مؤمن؟ هل هو تقي؟ هذا مما يظهر.

الأمر الآخر دعوى علم الغيب بينة فلما يدعي علم الغيب بأي صورة من الصور فهذا نجزم بأنه من أولياء الشيطان.

أيضًا كذلك إذا ادعى لنفسه النفع والضر إذا مثلًا طلب مثلًا من الشخص الذي يأتيه طلب منه أن يشرك بالله، يذبح لغير الله، يستغيث بالجن، إذا طلب هذا مثلًا عملًا كفريًا إهانة المصحف، وكما قلنا في السحر نقول هنا بالنسبة للكهان العرافين: هؤلاء لا ينفكون عن أربعة أمور: إحداها يكفي في إخراجهم عن الملة، فكيف إذا اجتمعت؟!!

الأول: أنهم ربما اعتقدوا لأنفسهم أو ظن الناس فيهم، ظنوا أن بيدهم النفع والضر.
الأمر الثاني: ألا وهو: أن هؤلاء ربما طلبوا ممن يأتيهم أو هم يقارفوهم الشرك في العبادة، فربما استغاثوا بغير الله، ربما ذبحوا لغير الله، وربما أمروا من يأتيهم بهذا الصنيع.
الأمر الثالث: ألا وهو: دعوى علم الغيب، يدعون ذلك لأنفسهم، وبعض السذج والدهماء يظنون أن هذا المعالج أو هذا الذي يسمونه الحكيم أنه يعلم الغيب.

الأمر الرابع: أن هؤلاء الأفَّاكون تجد أنهم لا يترددون في عمل الكفر، فربما أهان المصحف -نسأل الله العافية- من أجل التقرب لشياطين الجن، وكذلك بعض الذين يذهبون إلى هؤلاء السحرة أو أولئك الكهان لو طلب من الساحر أن يفعل هذا العمل الكفري البعض تجده يفعل ذلك ولا يتردد -عافانا الله وإياكم من ذلك-.

لكن أيضًا أحب أن أشير أن هؤلاء الذين الآن بدءوا يبرزون في الإعلام ويبرزون في الفضائيات ويظهرون على أنهم لهم شأن، هؤلاء ينبغي أن ننزلهم المنزلة اللائقة بهم، هؤلاء -كما قلنا- أفاكون في غاية الخسة في غاية الدناءة في غاية الاحتقار، هؤلاء في غاية الخذلان والخسران، ألم يقل الله -تعالى- في حق الساحر: ﴿ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69].

الله -سبحانه وتعالى- نفى الفلاح عن الساحر نفيًا عامًا كليًا، فهؤلاء الذين نفى الله -تعالى- عنهم الفلاح لن يجدوا في الدنيا قبل الآخرة إلا الخذلان والحرمان، فهذا أمر ينبغي أن نتنبه له، وأيضًا كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره أن هؤلاء تجد أنه عنده من الإثم والحرمان والخزي والخذلان والذل والصغار ما لا يوصف، وسبق أن قلنا لكم وذكرنا قول الله -تعالى- عن اليهود في قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: 152]. قال أبو قلابة -رحمه الله- قال: هذه الآية في كل مفترٍ، فهؤلاء يفترون على الله ويكذبون يدعون لأنفسهم علم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى- هذا أعظم الإفك والافتراء؛ ولهذا تجد أن عليه من الذل والصغار ما لا يوصف، لكن المصيبة عندنا ضعاف الإيمان عندنا المسلمين الذين عندهم شيء من السجاذة والجهل الكبير هم الذين يبرزون هؤلاء لما يأتون إليهم ويحتفون بهم، والمصيبة أنك عندما تجد الحكومات لا تقيم عليهم لا حكم الله، وإلا لو أقيم حكم الله -تعالى- على هؤلاء الأفَّاكون لاندفع الكثير من هذا الشر، وكما قال عثمان -رضي الله عنه- أمير المؤمنين: «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» والله المستعان.

يقول: الآن كما تعلمون انتشرت القنوات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وغيرها الذي يتصل بهم ويسأل هل يدخل في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أتى عرافًا...) أو من يسمع كلامهم ويصدق بعض كلامهم كذلك؟.

الذي أعرف من كلام بعض فتاوى المشايخ المعاصرين الشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ عبد الرحمن البراك والشيخ عبد العزيز الراجحي وهم من أهل العلم في هذا البلد، أنهم أصدروا فتيا مشتركة بأن مجرد النظر إلى تلك القنوات التي تبث هذه البرامج -هذه القنوات السحر والدجل والإفك والشعوذة مجرد النظر إليها بقصد الفرجة فقط أن هذا محرم، وعلى كلٍ الذي يمكن يقال وبلا تردد أن مجرد سؤالهم في هذه القنوات حتى لو لم يصدق أن ذلك أقل ما يقال أنه ذريعة إلى الكفر والشرك بالله -سبحانه وتعالى- والشريعة جاءت بسد الذرائع، لو قال: والله أنا أسأل وأنا عندي يقين بأني لن أصدقه وأنهم أفاكون، هذا السؤال قد يؤول بهم إلى تصديقهم، فالسؤال في حد ذاته ممنوع، وعندنا الحديث الذي مر بنا، حديث أم المؤمنين لما قالت: قال -عليه الصلاة والسلام-: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومً) فهذا الإتيان مجرد أنه يأتيهم أو مجرد أنه والله يجلس يقلب على الفضائيات وتستوقفه هذه القناة التي عندها هذا الدجل والإفك ويتابعها يقول: يا جماعة أنا ما أصدقهم مجرد هذا المتابعة هي نوع من الإتيان لهم، وقد يكون ذلك ذريعة إلى تصديقهم في دعوى علم الغيب، فهنا نقول لهؤلاء: لما قال معاوية بن الحكم السلمي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "ومنا رجال يتكهنون" قال: (فلا تأتهم).

ليسوا بشيء، هؤلاء في غاية الحقارة، فمن احتقارهم ألا ننظر إليهم، نعم إذا جاء عالم أو طالب علم راسخ، أو داعية صاحب علم، وصاحب حجة، واتصل بهؤلاء الأفَّاكون من أجل أن يكشف عوراتهم فنقول: أحسنت كما فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما قال لابن صياد -وهو أحد الدجالين- لما قال -عليه الصلاة والسلام- له: (اخسأ فلن تعدو قدرك).


يقول: هل قطع الأرحام وسوء الجوار وظهور الفساد من أشراط الساعة الصغرى؟.. مع ذكر الدليل إذا وجد؟. من هو ذي القرنين؟ وهل يعرف مكان يأجوج ومأجوج أم لا؟





ي قول: ظهور قطع الأرحام والحسد وانتشار بعض الذنوب والمعاصي هل هي دليل على قرب الساعة؟.
يعني هو عمومًا كثرة المعاصي وجنسها نعم، جاء ذلك في الأحاديث يعني قضية مثلًا عقوق الوالدين هذه من العلامات مثلًا أشرنا إلى قضية شرب الخمر كثرة القتل، هذه كلها من الذنوب، فالعقوق هذا ظاهر في حديث: (أن تلد الأمة ربه) فمن ضمن كلام شرح الحديث في معنى هذا الحديث: (أن تلد الأمة ربه) وهو أن الرجل الذي هو الابن أو البنت يعامل أمه معاملة السيد لتلك الجارية -نسأل الله العافية- هذا كله وارد، وأنا أنصح الإخوة بكتاب سهل العبارة وسهل التناول وهو كتاب "علامات الساعة" للدكتور يوسف..، رسالة علمية من جامعة أم القرى مطبوعة متداولة، هذه الرسالة جيدة تتميز بالإيجاز والوضوح وحسن الترتيب.

بقي عندنا لما قال: (ولا من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة) يقول: لا نصدق من يدعي شيئًا يخالف الكتاب والسنة بإجماع الأمة، يعني أيضًا ممن لا نصدقهم ولا ننخدع بهم الذين يدعون أشياء تخالف نصوص الوحيين، الشارح ابن أبي العز ذكر جملة من هؤلاء منهم أصحاب الأحوال الشيطانية كالسحرة والمشعوذين، وهذا مر الإشارة إلى هذا، أيضًا كذلك أشار إلى ما عند الصوفية مما يسمى بتسليم الحال، فمن الصوفية من يقول: "الفقراء يسلم إليهم حالهم" الفقراء: الذين هم الصوفية، يعني يسلم إليهم حالهم: يعني لا يعترض عليهم، إذا فعلوا أفاعيل لا تقول: لم فعلتم ذلك؟ لم صنعتم ذلك؟ يعني يقال: يسلم إليهم حالهم، فهذا الكلام مردود، يعني كلمة أنه يسلم لهم حالهم ولا يعترض عليهم لا...، وكما قال ابن عقيل الحنبلي -رحمه الله- كلمة جميلة قال: "وليس لنا شيخ يسلم له حاله، ولو كان لنا شيخ يُسلم له حاله لكان الصديق الأكبر -رضي الله عنه- أبو بكر" والصديق ماذا قال لما خطب؟ قال: "وإن اعوججت فقوموني" ما قال: "إذا اعوججت فسلموا لي" فالشخص إذا فعل فعلًا أو قال قولًا لا يقال أنه يترك ويسلم له ذلك يعني يسلم له أنه لا يعترض عليه بل يعرض فعله على الكتاب والسنة. هذا ما يمكن أن يقال في هذا المقام.
أسئلة الدرس.
السؤال الأول: اذكر أمرين يتحقق بهما السلامة من فتنة المسيح الدجال؟
السؤال الثاني: ما حكم إتيان الكهان والعرافين مع الدليل؟

nary_jon
06-04-2008, 08:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الدرس الرابع والعشرون والأخير :من قـوله "ونرى الجماعة حقًا

وصوابًا"

فضيلة الشيخ/ د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف (http://www.islamacademy.net/Index.aspx?function=Author&id=318&lang=)



الدرس الرابع والعشرون والأخير

من قـوله (ونرى الجماعة حقًا وصوابً)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين وأصلي وأسلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

أسئلة الحلقة الماضية:

السؤال الأول: اذكر أمرين يتحقق بهما السلامة من فتنة المسيح الدجال.

وكانت الإجابة: أولًا: الاستعاذة بالله -تعالى- من فتنة المسيح الدجال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا جلس أحدكم في دبر كل صلاة عليه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال..) الحديث.
ثانيًا: أن يحفظ العبد عشر آيات من أول سورة الكهف، أو عشر آيات من آخره.

نعم، إجابة الأخت صحيحة ووافية.

بالنسبة للسؤال الثاني وهو: عن حكم إتيان العرافين والكهنة مع الدليل؟
وكانت الإجابة: إن إتيان العرافين والكهنة فيه خسارة العبد صلاته أربعين يومًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أتى عرافًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، ومن أتاهم فصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد) -صلى الله عليه وسلم- للحديث: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله عن شيء فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد).

وأيضًا إجابة الأخت إجابة صحيحة ووافية وموفقة.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ونرى الجماعة حقًا وصوابًا والفرقة زيغًا وعذابً).

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

قول الإمام أبي جعفر الطحاوي في هذه العبارة: (ونرى الجماعة حقًا وصوابًا والفرقة زيغًا وعذابً) الحق قد مر بنا معناه: أن الحق يراد به الثابت الموجود وقد يطلق الحق ويراد به النافع المقصود، ولا شك أن الجماعة هي حق وصواب، والفرقة هي زيغ وعذاب، والمراد بالعذاب أي أنها سبب في استحقاق العذاب.

أهل السنة والجماعة يطلق عليهم هذا الاسم أهل السنة والجماعة، ويقابلهم في ذلك أهل البدعة فيقال: أهل البدعة والفرقة، فهم أهل سنة؛ لأنهم التزموا بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- قولًا وعملًا، وهم الجماعة الذين يلتزمون باتباع الحق ويجتمعون على الإمام الشرعي على وفق مقتضى الشرع، هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

وقد جاءت النصوص التي تأمر بالاجتماع كما في قوله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103] وجاء ذلك أيضًا في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿118﴾ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ﴾ [هود: 118، 119] فدل ذلك على أن الخلاف عذاب، وأن الرحمة في الاجتماع والاتفاق، هذا أمر.

الأمر الثاني الذي نحب أن نشير إليه ونؤكد عليه: أنه لا يتحقق الاجتماع ولا الائتلاف إلا باتباع ما جاء عن الله وما صح عن رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، هذه مسألة ينبغي أن تكون في الحسبان.

إذا أردنا لأهل الإسلام وأردنا قبل هذا لأهل السنة اجتماعًا وائتلافًا واتفاقًا فإن ذلك لا يتحقق إلا بأن نأخذ الدين كله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208] وقد قال الله -سبحانه وتعالى- عن النصارى قال -عز وجل-: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ [المائدة: 14] فدلت الآية الكريمة على أن سبب العداوة والبغضاء الذي وقع بين النصارى أنفسهم أنهم أخذوا شيئًا من كتاب الله وتركوا بعضه، وما وقع عند النصارى وقع في هذه الأمة كما في حديث: (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة في القذة..) الحديث، فوجد في أهل الإسلام -بل للأسف- وجد عند بعض المنتسبين لأهل السنة من يأخذ بعض الدين ويفرط في البعض الآخر، فالمقصود إذا أردنا الاجتماع والائتلاف عليها بأن نأخذ الدين كله، ورضي الله عن الصديق الأكبر أبي بكر -رضي الله عنه- لما ارتد من ارتد فقال بعض الصحابة للصديق قالوا له: تألف الناس وهم أرادوا بذلك ألا يقاتل بعض المرتدين قالوا للصديق: تألف الناس، فما كان من الصديق -رضي الله عنه- بكل علم ورسوخ وشجاعة إلا أن قال: أعلى ما أتألفهم؟ أتألفهم على شعر مفتعل أم حديث مفترى؟ فلا يمكن أن يتألف الناس على الباطل وعلى خلاف الكتاب والسنة، والصديق قال: أعلى ما أتألفهم؟ على شعر مفتعل أم حديث مفترى؟ هذا ما يتعلق بهذه المسألة والله أعلم.

قال الإمام الطحاوي -رحمه الله تعالى-: (ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام قال الله -تعالى-: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ﴾ [آل عمران: 19] وقال الله -تعالى-: ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، وهو بين الغلو والتقصير وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس).

قوله -رحمه الله-: (ودين الله في الأرض والسماء واحد) لعل مقصوده -رحمه الله- بهذه العبارة أن يبين لنا ولكم أن دين الله في الأرض وفي السماء أي عنده هو الإسلام، فهنا لما يقول: (في السماء) جاءت الآية الكريمة ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ﴾ فدين الله واحد سواءً كان في الأرض أو في السماء وهو الإسلام كما سمعنا الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ ﴾ قال تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] فهذا الدين -دين الإسلام- الذي جاء به نبينا محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- هو الدين الناسخ، ويجب على البشر جميعًا أن يؤمنوا به وأن يأخذوا بهذا الدين، قال -عليه الصلاة والسلام-: (ما من أحد من هذه الأمة من يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار) هذا ما يتعلق بهذه المسألة.

والإسلام -كما مر بنا ونؤكد- أن الإسلام معناه: الاستسلام لله -تعالى- وحده، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك وأهله، فلابد من الاستسلام لله وحده، فمن استسلم لله ولغيره فهذا مشرك، ومن لم يستسلم لله فهذا مستكبر عن عبادة الله.

إذن: الإسلام يقابله أمران: يقابله الشرك والكبر، فمن استسلم لله ولغيره فهذا مشرك، ومن لم يستسلم لله ولم يخضع لعبادة الله فهذا مستكبر، والمشرك والمستكبر كلاهما كافر، المشرك والمستكبر عن عبادة الله كلاهما كافر خارج عن الملة، هذا أمر.

وبهذه المسألة إذا تقرر أن الإسلام هو الدين الناسخ وسمعنا قول الله -تعالى- ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ يتضح لكم -أيها الإخوة- أمرًا ينبغي أن يذكر في هذا المقام ألا وهو: هذه الدعوة الخبيثة القديمة الجديدة وهي الدعوة إلى ما يسمى بوحدة الأديان، هذه الدعوة إلى ما يسمى بوحدة الأديان والتي تريد أن تسقط الفوارق الأساسية بين الإسلام وبين النصرانية واليهودية، وتسوغ اليهودية والنصرانية، وتجعل اليهودية والنصرانية دينًا سائغًا جائزًا هذه دعوة خبيثة، تردها الأدلة الصريحة الصحيحة في أن الإسلام الذي جاء به محمد -عليه الصلاة والسلام- هو الدين الناسخ، وأن ما عدا ذلك فهو منسوخ مبدل وفيه من الباطل ومن التغيير ما فيه، فمن أراد أن يجمع بين الإسلام الذي جاء به محمد -عليه الصلاة والسلام- وبين اليهودية والنصرانية الموجودة الآن فهو كحال الذي يجمع بين النقيضين، كحال من يجمع بين الحق والباطل وكحال من يجمع بين التوحيد والشرك الأكبر -والعياذ بالله من ذلك- فينبغي التنبه لهذه الدعوة والتحذير منها، وكما قلنا: إنها دعوة قديمة دعا إليها جملة من الزنادقة من زنادقة الصوفية كابن فود وابن سبعين والتلمساني ونحوهم من الصوفية السابقين الذين جعلوا اليهودية والنصرانية والإسلام أيضًا جعلوا ذلك كالمذاهب الأربعة، فكما أن الإنسان يسوغ أن يكون حنبليًا أو شافعيًا أو مالكيًا أو حنفيًا فكذا قالوا: يسوغ له أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا، فسوغوا ذلك وجوزوه، فهذا أمر ينبغي الحذر منه من هذه الدعوة التي دعا إليها هؤلاء، ومن دعا إليها في هذا العصر والله أعلم.

فالمقصود: أن هذه الدعوة -الدعوة إلى وحدة الأديان- هي تكذيب لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ يقول القاضي عياض -رحمه الله- في كتاب "الشفاء" يقول: ولهذا نكفر من دان بغير ملة الإسلام، ثم قال: ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين أو وقف فيهم، يعني توقف في هؤلاء الكفار، أو شك، أو صحَّح مذهبهم.

فنلحظ أن القاضي عياض يقرر في هذه المسألة تكفير من دان بغير ملة المسلمين، ويكفر أيضًا من توقف في تكفيرهم أو شك فيهم أو صحَّح مذهبهم، هذا الكلام الذي قاله القاضي عياض هو الذي ذكره أيضًا الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لما ذكر من النواقض العشر، من نواقض الإسلام ما ذكره عندما قال: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم فقد كفر إجماعًا.

قال بعدها: (وهو بين الغلو والتقصير) نعم هذا الدين الذي أكرمنا الله وإياكم به -ولله الحمد والمنة- هو وسط بين الغلو والتقصير، والغلو هو مجاوزة الحد، والمبالغة في الشيء، والتشديد فيه. أو يمكن يقال: أن الغلو هو مجاوزة الحد المشروع، هذا هو الغلو. ويقابله التقصير، والتقصير هو الإضاعة والتفريط والجفاء، فدين الله وسط بين الغلو والتقصير، وهذا واضح لما نأتي مثلًا للنصارى نجد أن النصارى غلو في الصالحين، غلو في علمائهم، أو في أحبارهم ورهبانهم، عندهم هذا الغلو، ويقابل أولئك اليهود الذين حصل عندهم الجفاء في حق الأنبياء فهم قتلة الأنبياء -كما هو معلوم- نحن لسنا كحال النصارى الذين غلوا في المخلوقين وغلوا في الصالحين ولسنا كحال اليهود الذين جفوا الأنبياء فوصل الأمر إلى أن صاروا قتلة للأنبياء.

نحن وسط بين هذا وذاك، نحن نؤمن بالأنبياء ونجلهم وننزلهم المنزلة اللائقة بهم دون أن يصل ذلك إلى حد غلو النصارى.

كذلك اليهود مثلًا غلو في قضية مثل قضية إزالة النجاسة لدرجة أن بعضهم إذا أصابته النجاسة في ثوبه يقطع هذا الثوب الذي أصابته النجاسة فعندهم هذا الغلو.

الحائض عندهم لا يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقتربون منها، النصارى العكس نجد النصارى في باب النجاسة نجد أنهم ربما يؤدي أحدهم الصلاة وهو على نجاسة أو على جنابة لسنا مع هؤلاء المتنطعين المتشددين الذين هم اليهود، ولسنا مع هؤلاء المفرطين المقصرين وهو النصارى.

المقصود: أنك إذا تأملت أن هذا الدين أن الإسلام وكذا مذهب أهل السنة هو وسط بين الإفراط والتفريط أو بين الغلو والتقصير.

قال: (وبين التشبيه والتعطيل) هذا قد مر بنا مرارًا فالمذهب الحق هو وسط بين التشبيه وبين التعطيل، التشبيه الذين يشبهون الله -تعالى- بخصائص المخلوقين فيقولون: سمع الله كسمعنا، ويد الله كأيدينا، هذا تشبيه وتمثيل، والله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 4] .

التعطيل: هؤلاء الذين عطلوا يعني نفوا الصفات، والتعطيل في لغة العرب معناه: الخلو والفراغ، هذا معناه في اللغة الخلو والفراغ، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ ﴾ [الحج: 45]، هذا معناه في اللغة، والمراد بالتعطيل هنا: الإنكار والجحود، إنكار الصفات ونفيها، فنحن نثبت الصفات لكنه إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾.

ثم قال: (وبين الجبر والقدر) فنحن وسط بين الجبر والقدر، الجبر: الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله، ليس له اختيار ولا مشيئة وإنما هو كالريشة في مهب الريح، لسنا مع هؤلاء الجبرية، ولسنا مع القدرية الذين يقولون: إن الإنسان يخلق فعل نفسه، وإنما نحن وسط، نحن نثبت أن الله -تعالى- خالق أفعال العباد، ﴿ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: 16] ردًا على القدرية النفاة، لكن نثبت أن للعبد فعلًا وكسبًا كما قال تعالى: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286] ﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

(وبين الأمن والإياس) وهذا قد مر بنا لما قال الإمام الطحاوي -رحمه الله-: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام وسبيل الحق بينهم) فالأمن: أي الأمن من مكر الله، واليأس: أي اليأس من رحمة الله، قال تعالى: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأعراف: 99] وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87] قال -عز وجل-: ﴿ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56]، فنحن وسط بين هذين الانحرافين: الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله؛ ولهذا مر بنا يعني الموقف من الذين يموتون من أهل الإسلام: أن من كان منهم محسنًا فنرجو له، لكن لا يصل حد الرجاء، إلى حد الأمن من مكر الله، ومن مات مسيئًا مقصرًا مفرطًا فهذا لا نخاف عليه، لكن لا يصل حد الخوف إلى اليأس من روح الله، فنحن نرجو للمحسنين ولا نؤمنهم، ونخاف على المسيئين ولا نقنطهم.

هذه جملة من وسطية هذا الدين الذي أكرمنا الله نحن وإياكم به.

يقول: أنتم تطرقتم قبل قليل إلى مسألة ما يطلق عليه "التقريب بين الأديان" والدعوة إلى جعل الدين دين واحد، فيه أيضًا فضيلة الشيخ التقريب بين الطوائف والملل، مثل التقريب بين أهل السنة والرافضة مثلًا أو غيرها من الفرق، هل لهذا وجه يا فضيلة الشيخ؟.

هو أنت لما تذكر مثال على قضية التقريب بين أهل السنة والرافضة فسبق أن مر بنا إشارة إلى ذلك، أن هذه الدعوة كانت قديمة في العصر الحاضر، يعني هذه الدعوة قد مر عليها أكثر من خمسين سنة، وتبناها بعض أهل السنة -للأسف- ربما هؤلاء الذين تبنوا هذه الدعوة كان ذلك بسبب جهلهم بمذهب أهل السنة، فالواقع هذه التجربة تجربة التقريب بين أهل السنة والرافضة هي تجربة متعثرة، تجربة فاشلة، وقد حكا الدكتور ناصر الجفاري في رسالة علمية متميزة هذه التجربة في كتابه "التقريب بين أهل السنة والشيعة" فهذه التجربة متعثرة، وكما قال أبو يعلى -رحمه الله- من قبل وهو من الحنابلة المتقدمين يقول: ولو قال قائل: إنه لا مجال لمناظرة هؤلاء والاقتراب منهم لما أبعد عن الصواب؛ لأنك عندما تريد أن تحاور شخصًا وأن تناقشه فلابد أن ترجع أنت وإياه إلى مرجع، تتفق أنت وإياه، فهؤلاء الروافض تقول: نرجع إلى القرآن، هم يرون أن القرآن محرف.....

أحب إليهم من أن يتحدث بذلك، فقال -عليه الصلاة والسلام-: (أو قد وجدتموه؟ ذاك محض الإيمان) وفي رواية قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) فكون الوسوسة تعرض لنا هذا أمر واقع وارد، لكن المتعين علينا أن نكره تلك الوساوس ولا أن نسترسل ولا نستسلم لها، ولاسيما أن الشخص كلما زاد إيمانًا ورسوخًا وعلمًا كلما حرص الشيطان على الوسوسة له فعليه أن يدفع ذلك باللجوء إلى الله والاستعاذة والاشتغال بالعلم النافع والعمل والصالح.

يقول: من يقول: إن الأمة قد هلكت، ولن تنتصر فقد أصابها ما أصابها، فهل هذا يدخل في اليأس من رحمة الله؟.

يعني لا شك أن هذا نوع من اليأس، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (من قال: هل الناس فهو أهْلَكَهُم) أو: (فهو أهْلَكُهُم) جاء هذا وهذا، والله تعالى قال: ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83] ومن أشراط الساعة التي ذكرها العلماء: أنه لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، حتى يتكلم الشجر والحجر ويقول: ورائي يهودي فاقتله، إلا شجر الغرقد فإنه من شجر اليهود.. المقصود أن العاقبة للمتقين، وهذا وعد الله -سبحانه وتعالى- ووعده متحقق، فعلى الإنسان أن يحسن الظن بالله -سبحانه وتعالى- ويعلم أن الأمر له -سبحانه وتعالى- فلا ييأس؛ لأن اليأس كما مر بنا إما أن يكون من كبائر الذنوب، وربما وصل إلى ما هو أشد من ذلك، والله المستعان.

تقول: بالنسبة لمسائل العقيدة وأهميتها هل هي واجب على كل مسلم تعلمها؟ أم أن هناك مسائل خاصة لا يُعذر المسلم بجهلها؟ وهل هناك كتاب مبسط لعامة الناس على المسائل التي لا يُعذر المسلم بجهلها؟.

هذا السؤال مر بنا في أول درس من هذا الكتاب المبارك "العقيدة الطحاوية" وهو أن المعرفة الإجمالية الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، الإيمان المجمل، المعرفة الإجمالية الإيمان بأركان الإيمان الستة هذا فرض عين على كل مسلم ومسلمة، فهذا هو الذي يجب على كل مسلم ومسلمة، أما ما زاد على ذلك فهو من فروض الكفاية، هذا أمر، وقلنا في وقتها: إن من سمع علمًا من هذه الأركان وغيرها من الدين، من سمع علمًا فيجب عليه ما لا يجب على غيره، أليس كذلك؟ فهذا الذي يمكن أن يقال.
أما قضية كتاب ميسر في هذا، فالكتب في هذا كثيرة جدًا، يمكن الاستفادة من كتاب مثلًا "الأصول الثلاثة" للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، ويمكن الاستفادة مما كتبه الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمة الله عليه- "الدروس المهمة لعامة الأمة" هذا وذاك وما جاء في معناه، يمكن الاستفادة منه وهي نافعة للعامة وغير العامة.

يقول: بالنسبة لحديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) هل هذا حديث صحيح؟ وأنتم ربما تكون في بلد ما أغلب أهل البلدة أنت تعتقد بمنهجهم أنه خاطئ، فهل أنت تكون خارج عن الجماعة؟ تكون شاذ أنت؟ يعني مثلًا هم صوفية وأنت تعتقد أن هذا المنهج غير صحيح؟ وهم كلهم مسلمون؟.

لكن قصدك أنهم اجتمعوا على بدعة؟

نعم، مبتدعة. فأنت تكون خرج عن الجماعة؟.

لا.. الجواب عن هذا نحن ينبغي أن نفهم الجماعة، الجماعة كما قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك، لا نفهم الجماعة هي الدهماء والغوغاء والكثرة والغالبية، لا...، الكثرة جاءت في القرآن على سبيل الذم، ولهذا العلماء قالوا مثلًا: الإمام أحمد هو الذي ثبت في زمن المحنة، أليس كذلك؟ فالإمام أحمد ومن تبعه وإن كان شخصًا واحدًا أو أفرادًا هم الجماعة، وما عدا هؤلاء هم الشاذون، فالمقصود أن الجماعة هي ما وافقت الحق ولو كان الشخص وحده، كما بين ذلك ابن مسعود، الله -تعالى- قال: ﴿ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾ [الأنعام: 116]، هذا أمر.

فأنت لما تقول في بلد يغلب فيها البدع ويكون أهل الحق قلة هذا مما يؤكد صحة معنى الحديث، (لا تجتمع أمتي على ضلالة) أنه لا يمكن أن يجتمع أهل الإسلام كلهم على الضلال، يعني الله -تعالى- جعل هذه الأمة مرحومة، أنها لا يمكن أن تجتمع على ضلالة، نعم يقع الضلال، يكثر يقوى يغلب، لكن أن تجتمع على ذلك لا...، ليس كذلك.

يقول: بالنسبة للغيب النسبي في تصديق الساحر، الغيب النسبي كسرقة أو مال. تصديقها هل يبطل العقيدة؟ وما رأيكم بقول: إن الشياطين بعد البعثة.. يسترقون السمع، ويحتمل معرفة بعض الغيب هل هذا القول راجح؟.

على كلٍ الغيب -كما مر بنا- الغيب لا يعلمه إلا الله -سبحانه وتعالى-، ولا نريد أن نجعل من كلمة ما يسمى "الغيب النسبي" ذريعة في تهوين الذهاب إلى هؤلاء، هم أولًا لا يدعون الغيب النسبي، هم يدعون شيئًا مما هو من خصائص الله، يدعي أمرًا خارقًا للعادة، يدعي أمرًا مستقبليًا، فلا نريد أن نجعل من كلمة الغيب النسبي ذريعة أن يفهم من هذا التهوين من الذهاب إلى هؤلاء، نعم البعض ربما يقول لك مثلًا: هذا الشيء الذي أنت فقدته ويعرفه فلان هو بالنسبة لك غيب وبالنسبة لمن يعرف هذا ليس غيبًا، فيقول: هذا غيب نسبي، لكن إذا كان الكلام عن هؤلاء السحرة، هؤلاء الكهان، هؤلاء العرافين. هؤلاء ينازعون الله -سبحانه وتعالى- في شيء من خصائصه -سبحانه وتعالى- وقد عرفنا أن من قال ذلك أو فعل ذلك فقد خرج عن الملة، وكان مكذبًا لقوله تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴾.. الآية [الجن: 26].

أما ما ذكره الأخ في السؤال الثاني: الاستراق هل الشياطين يذهبون.. في هذه المسألة هذه الذي يظهر والله أعلم: أنهم كانوا يسترقون السمع قبل بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام- لكن زمن البعثة شدد كما في الآية الكريمة: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴾ [الجن: 8] لكن بعد وفاته -عليه الصلاة والسلام- نعم وجد، فاستراق السمع لا يزال موجودًا، هذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، وأيضًا كذلك أيضًا الحافظ ابن حجر وغيرهم، فالاستراق موجود لكن -كما قلنا لكم وكما جاءت بذلك الأدلة- أنه ربما أخذ كلمة من الحق وخلط بها مائة كذبة كما جاء ذلك في الأحاديث وكما أيضًا اعترفوا بذلك، رئيس المنجمين في دمشق يعترف أمام ابن تيمية يقول: والله إنا نكذب مائة كذبة ونصدق مرة واحدة، فهذا جاءت به الأدلة وجاء به واقع هؤلاء الكذابين الأفاكين.


يقول: السؤال الأول: ما موقفنا من التعامل مع من يختلف معنا في العقيدة وهل هل علينا حقوق عامة؟ السؤال الثاني: عندما يسب بعض الصوفية بعض العلماء بسبب اختلافهم معهم كيف نرد عليهم؟.



يقول: بالنسبة للرافضة لا إشكال -إن شاء الله تعالى- في أن دين الرافضة وضع أساسه اليهودي عبد الله بن سبأ وهو دين قائم على الفلسفة والمنطق اليوناني والحس والعاطفة المنحرفة وخليط من ديانات المجوس كما بين ذلك علماؤنا رحم الله -عز وجل- الجميع، والفوارق بين الرافضة وأهل السنة في الأصول والفروع لا يخفى كما بين ذلك صراحة الإمام محب الدين الخطيب في مقدمته " منهاج السنة"، وهم كما قال لنا الإمام الذهبي: هم أكذب الناس في النقليات وأسفه وأجهل الناس في العقليات، ورغم ذلك اغتر بهم جهلاء أهل السنة، وتعاطفوا معهم، ووقفوا بجوارهم ودافعوا عنهم، وحجتهم أنهم يقولون: أن هؤلاء يقولون "لا إله إلا الله" أليسوا مسلمين؟ فلما لم ندعو لهم ونقف معهم؟ وخصوصًا الحادثة المشهورة عندما قام الحزب الشيطاني اللبناني بمحاربة إسرائيل، فهل لشيخنا حفظه الله -عز وجل- أن ينصح الناس وأن يبين أصل هؤلاء، وأنه لا يمكن أن يجتمعوا من أهل السنة بحال من الأحوال، وهم نصوا على ذلك، قالوا: لا نجتمع معهم لا على دين ولا على نبي ولا على قول، فكثير ما تعاطفوا معهم.
يسأل عن: التعاون مع من يختلف معنا في العقيدة؟.

على كلٍ الذي يختلف معنا في العقيدة هذا سؤال واسع جدًا، لكن نجيب بإيجاز نقول: هؤلاء الذين يخالفوننا نحن علينا أن نتعامل معهم بعلم وعدل، وينظر إلى حجم المخالفة، فإن كانت البدعة مكفرة فينبغي أن يدعو إلى الإسلام والسنة، وإن كانت البدعة ليست مكفرة فهم لا يزالون من أهل القبلة، لهم حقوق أهل الإسلام لهم ما لنا وعليهم ما علينا كما مر بنا في حديث قوله -عليه الصلاة والسلام-: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما للمسلم وعليه ما على المسلم) المقصود أنه ينظر إلى حجم المخالفة، إن كانت تخرج من الملة أم لا تخرج، إن كانت تخرج من الملة فهؤلاء يدعون إلى الإسلام والسنة، وإن كانت المخالفة لا تخرج فهم من أهل الإسلام لهم حقوق، وأيضًا يبغضون على قدر بدعتهم، ويدعون إلى السنة التي خالفوا فيها أهل السنة المحضة.

السؤال الثاني: يسأل عن الصوفية في سبهم للعلماء كيف يرد عليهم؟.

يعني الصوفية أو غير الصوفية إذا سبوا العلماء فالواجب علينا أن نذب عن العلماء وأن ندافع عنهم بما نستطيع من علم وحجة، هذا هو مقتضى النصرة لأهل الإيمان، ولأهل العلم على سبيل الخصوص.

يسأل عن: من أراد أن يتوسع في علم العقيدة بعد هذا الكتاب المبارك، هل هناك بعض الكتب المعنية بهذا العلم؟.

طيب، حتى أخونا الكريم. بإيجاز نقول: كلامك أنت ذكرت بما فيه الكفاية ونحن أشرنا إلى شيء من ذلك فالذي يهمنا كجانب عملي تجاه الرافضة ألا وهو كما قلت ونؤكد ألا وهو: أن جملة من مواقف أهل السنة التي فيها شيء من الخور وفيها شيء من الضعف، جملة منها سببه الجهل بمذهب الرافضة، وللأسف أحيانًا بعض أهل السنة جاهل بمذهب أهل السنة أنفسهم، فنحن بحاجة إلى أن نبدأ بأهل السنة ونفقههم في دينهم، وهذه النعمة التي قَصَّرَوا فيها، ونبين لهم عقائد الروافض، هذه عقائد القوم، هذه كتبهم المعتمدة، هكذا يقولون، هذه مواقفهم من أهل السنة في القديم والحديث، أنا أتصور مهما كان إذا كان الإنسان منصفًا سيكون له موقف يتميز بالعلم والعدل لما يرى عقائد الرافضة ومناقضتها لبديهيات الإسلام، ويرى أيضًا مواقفهم القديمة والحديثة والمشينة ضد أهل السنة على سبيل الخصوص، هذا أمر.

والأمر الثاني الذي نؤكد عليه: أن الواجب علينا تجاه هؤلاء القوم ألا وهو نشر السنة، هؤلاء الذين تلبسوا بشيء من الرفض أو التشيع دعوتهم هي من السهولة بمكان، دعك من هؤلاء المتعصبين أئمة الضلال، لكن العامة منهم وأشباه العامة وما أكثرهم وهم الأكثرية والأغلبية هؤلاء دعوتهم سهلة جدًا، لكن تحتاج منا إلى عزيمة وثقة واعتزاز بهذا المنهج الذي انتهجناه، ولا نكون عندنا تلك الانهزامية، بل يكون عندنا قوة ورسوخ فتجارب الدعاة على قلتها وعلى محدوديتها وعلى ضعفها مع ذلك أثبتت نجاحًا كبيرًا، وجملة من هؤلاء -ولله الحمد والمنة والفضل- تحولوا وصاروا من أهل السنة، فهذه تجارب موجودة وواقعة، هذا مما يشجعنا على أن نخوض هذا الباب من أبواب الخير.

أما ما ذكره الأخ الكريم في قضية ما بعد هذا الكتاب؟ هو لا شك أن تلقي العقيدة كغيرها من العلوم الشرعية ينبغي أن يكون وفق سلّم يتدرج فيه الشخص من الكتب المختصرة إلى الكتب المتوسطة إلى الكتب المطولة، هذا لا شك أنه أمر علمي لابد منه، فالبعض يرى أن بعد الطحاوية وبعد شرح ابن أبي العز لها، يمكن ينتقل مثلًا إلى "الرسالة التدمرية" لابن تيمية لما فيها من القواعد المهمة في باب الأسماء والصفات، وأيضًا من القواعد المهمة في باب الشرع والقدر، يمكن ينتقل بعد هذا إلى الكتب المطولة في كتب العقائد التي تروي بالسند كـ"اللالكائي" مثلًا أو "السنة" لعبد الله أو "الشريعة الآجري".
وعلى كلٍ المقصود أن العبد أو أن طالب العلم يتنقل، ينتقل من الكتب المختصرة إلى الكتب المتوسطة إلى الكتب المطولة والله أعلم.

أيها الأحبة الكرام في ختام هذه الدورة المباركة لدرس العقيدة الطحاوية لا يسعني بعد شكر الله -جل وعلا- أن أتقدم بالشكر الجزيل لصاحب الفضيلة الشيخ الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين بالرياض على ما بذله في هذه الدورة المباركة من جهد نسأل الله أن لا يحرمه الأجر والمثوبة وأن يجزيه عنا خير الجزاء، شكر الله لكم فضيلة الشيخ وبارك الله فيكم.

وأنا أشكركم وقبل هذا نحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على هذا التيسير وعلى هذا التسهيل، ونسأله -سبحانه وتعالى- لنا ولكم القبول، كما نشكر أيضًا لأخينا عبد الرحمن الريس جهده وحسن تعامله معنا في هذا البرنامج، ونشكر الإخوة الكرام الذين حضروا معنا، ونشكر أيضًا كذلك الذين معنا في هذا المكان ممن هم من وراء الكواليس، فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يثيب الجميع، ونشكر الإخوة الذين تابعونا من خلال هذه الدورة ونسأله -سبحانه وتعالى- أن يجعل عملنا وعملكم خالصًا لوجهه الكريم، وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

كوكب
09-01-2008, 03:23 AM
جهد مبارك أخيتي ناري جون
العقيدة الطحاوية من أهم ما ينبغي تدريسه .. ودراسته ..
.. ..

nary_jon
01-24-2009, 03:37 PM
حياكِ الله وبياكِ كوكب