مكسرات
07-07-2010, 01:36 AM
عثمان بن مظعون
فارس تبريزيان الحسّون
إنّ الذي حرّضني على انتخاب هذا الموضوع والكتابة عنه جهات عديدة ، أهمّها شُبهةٌ وُجّهت ـ ولا تزال توجّه ـ إلى الشيعة : بأنّهم لا يحترمون صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقعون فيهم سبّاً وطعناً . وهذه الشبهة لا أساس لها من الصحة ، فإنّ الشيعة تضع وافر احترامها في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعظّمهم ، وتقتدي بهم ، وتجعلهم مناراً تستنير به ، أولئك الذين لم يرتدّوا ولم يبدّلوا ولم يبدعوا في الدين وبقوا على منهج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فالشيعة تجري قواعد الجرح والتعديل على الجميع حتّى الصحابة ، فمن كان منهم على دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)ومات وهو على يقين من أمره ، ولم يشك في دينه ، فتجعله في أعلى القمم ، وتقتدي به ، ومن أبدع وشكّ في نبيّه ودينه وبدّل وغيّر ، فالشيعة وكلّ حرّ جعل العقل إمامه يرفضه وينبذه
ولا يقتدي به ، لأنه إذا اقتدى به اقتدى ببدعته وضلاله وشكّه .
وأمّا ما روي من أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ، واحفظوني في أصحابي ، ولا تسبّوا أصحابي . و... فهي أحاديث ضعيفة السند ، غير قابلة للاعتماد عليها ، ومع فرض صحّة سندها ، فإنّها محمولة على الأصحاب الذين بقوا على الدين ، والتزموا بشرائط الصحبة ، لا أولئك الذين بدّلوا وغيّروا وأبدعوا ... ، وحاشا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر أمّته باتباع مَن أبدع وغيّر ، وشكّ فى دينه ، لمجرّد أنه صحابي .
والقرآن والحديث شاهدان على هذا المطلب ، وهو ليس كلّ صحابي وكلّ من له صحبة مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب الاقتداء به واحترامه :
قال تعالى : ( إنّ الذين يبايعونك إنّما يُبايعون الله يدُ الله فوق أيديهم فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومَن أوفى بما عاهد عليهُ الله فسيؤتيه أجراً عظيماً )(1).
وقال تعالى : ( .. ومن أهل المدينة مَردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرّتين ثم يُردون إلى عذاب عظيم )(2) .
وقال تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهدُ إنك لرسول الله واللهُ يعلم إنك لرسولهُ والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا ثمّ كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون )(3) .
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة ، الدالة على أنّ في الأصحاب منافقين وغير مؤمنين بالله ولا برسوله .
وأما الأحاديث فكثيرة جدّاً ، منها :
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع : فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض(4) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إليّ رجال منكم ، حتّى إذا أهويتُ لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربي أصحابي ! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك(5) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أيّها الناس فرطكم على الحوض ، فإذا جئت قام رجال ، فقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، فأقول : قد عرفتكم ، ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى(6) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لشهداء أحد : هؤلاء أشهد عليهم ، فقال أبو بكر : ألسنا يا رسول الله إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا ؟! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي !!!(7)
فالشيعة تقتدي بالصحابة الصلحاء المتّقين ، الذين آمنوا بالله ورسوله وماتوا وهم على يقين مما هم عليه ، كعثمان بن مظعون الذي عقدنا لأجله هذه الرسالة الوجيزة ، حتّى نتعرّف على جوانب من حياته ، ونجعلها قدوة نقتدي بها .
فإنّ الشيعة مطبقة على عدالته ووثاقته ، وجعله في أعلى مرتبة الصالحين والمتقين ، ومن الذين أبلوا بلاءً حسناً في صدر الإسلام ، وجاهدوا بكلّ ما لديهم من قوّة لأجل إعلاء كلمة الإسلام ، حتى قال الشيخ المامقاني : فالرجل فوق مرتبة الوثاقة والعدالة(8) .
وحاولت في هذه الرسالة أن أعتمد على مصادر الفريقين ، ليخرج البحث متكاملا .
اسمه ونسبه وصفته :
عثمان بن مظعون ـ بالظاء المعجمة ـ بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب ، الجُمحي القرشي ، ويكنّى أبا السائب(9) .
وكان شديد الأدمة ، ليس بالقصير ولا بالطويل ، كبير اللحية ، عريضها(10) .
وقيل : كان عثمان بن مظعون أخا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الرضاعة(11) .
ولادته :
ولد في عصر ملؤه الجهل وانحطاط القيم الإنسانيّة ، في عصر كان يسوده الظلم والجور ، وعدم مراعاة حقوق الإنسان ، لكنه ـ رضوان الله عليه ـ لم ينخرط في سلك أهل عصره ، بل جعل عقله قائده وراشده ، وسلك في حياته مسلك العقلاء والحكماء ، حتّى قيل : إنه كان من حكماء العرب في الجاهلية(12) .
تحريمه الخمر في الجاهليّة :
وممّا يدلّ على حكمته قبل الإسلام ، وسموّ عقله ، ما اتفق عليه أصحاب السير والتاريخ من أنه حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال :
لا أشرب شراباً يذهب عقلي ، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي ، ويحملني على أن أنكح كريمتي ، أو : ويحملني على أن أُنكح كريمتي مَن لا أريد .
وقيل : إنه لمّا حرّمت الخمر ، أتي وهو بالعوالي ، فقيل له : يا عثمان قد حرّمت الخمر ، فقال : تبّاً لها ، قد كان بصري فيها ثاقباً(13) .
وتنظّر البعض في ذيل الكلام ، وهو : وقيل إنه لمّا حرّمت الخمر أتي وهو بالعوالي ... ، وذكروا وجه النظر بأنّ آية التحريم نزلت بعد وفاة عثمان .
وأقول : عند أكثر أهل السنة أن الآية الثالثة في تحريم الخمر تدلّ على التحريم ، والآية الأولى والثانية لا يستفاد منهما التحريم ، وعند الشيعة أن الآية الأولى تدل على التحريم ، والثانية والثالثة مؤكدتان للحكم ، فلعلّ القول بأنه لما حرّمت الخمر قيل لعثمان : يا عثمان قد حرّمت الخمر فقال : ... ، ناظر إلى الآية الأولى ، والله العالم .
ومع اتفاق كلّ المصادر على أنّ عثمان بن مظعون حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية ، فقد أخرج ابن المنذر ، عن سعيد ابن جبير قال : لمّا نزلت : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ... )شربها قوم لقوله : (منافع للناس ) ، وتركها قوم لقوله : ( إثم كبير ) ، منهم : عثمان بن مظعون ... وهذا افتراء صريح على هذا الصحابي الجليل ، فإنه متى شربها حتّى تركها(14) ؟ .
وهذا ـ أيضاً ـ يدلّ على أنّ أول آية في الخمر ـ وهي : ( يسألونك عن الخمر والميسر ... ) ـ نزلت في حياة عثمان ، وهي دالّة على التحريم في نظر الشيعة .
التسمية بعثمان :
ولسموّ مرتبة عثمان بن مظعون وقربه من الله ـ تعالى ـ ونبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومكانته العالية في قلوب المؤمنين ، سمّى الكثير من الأولياء والصلحاء أولادهم بـ (عثمان) ; لشدّة تعلّقهم بعثمان بن مظعون ومحبتهم له وإحياءً لذكراه .
ذكر الثقفي في تاريخه ، عن هبيرة بن مريم ، قال : كنّا جلوساً عند علي (عليه السلام)، فدعا ابنه عثمان ، فقال له : يا عثمان ، ثمّ قال : إني لم اسمّه باسم عثمان ... ، إنّما سمّيته باسم عثمان بن مظعون(15) .
وفي زيارة الناحية المقدسة : السلام على عثمان ابن أمير المؤمنين سميّ عثمان بن مظعون(16) .
وروي ـ أيضاً ـ عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال : إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون(17) .
اُسرته :
أمّه : سُخيلة بنت العنبس بن وهبان ـ أهبان ـ بن وهب بن حذافة بن جمح .
وإخوته : عبد الله بن مظعون ، توفي سنة 30 هـ ، وقدامة بن مظعون ، مات سنة 36 هـ .
وأولاده : السائب ، وعبد الرحمن ، أمّهما خولة بنت حكيم .
وزوجته : خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة الأوقص السُّلميّة ، ويقال لها : خُوَيلَة .
وهي الّتي قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاة خديجة : يا رسول الله ، ألا تتزوّج ؟ قال : مَن ؟ قالت : إن شئت بكراً ، وإن شئت ثيباً ، قال : فمن البكر ؟ قالت : بنت أبي بكر ، قال : ومَن الثيّب ؟ قالت : سودة بنت زمعة ، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول ... قال : فاذهبي فاذكريهما عليّ ، فذهبت إلى أبويهما وخطبتهما ، فقبلا وتزوّجهما(18) .
وروت خولة عدّة أحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(19) . وذكر أنها إحدى خالات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(20) .
إسلامه :
وأسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلا ، انطلق هو وجماعة حتّى أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه ، فأسلموا جميعاً ، وذلك قبل دخول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها(21) .
وروي أنّ عثمان بن مظعون قال : نزلت آية : ( إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان ... ) على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا عنده ، وذكر أنّه شاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على غير حالته الطبيعية ، فلمّا سأله : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأيتك فعلت الّذي فعلت اليوم ، ما حالك ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ولقد رأيتَه ؟ فأجابه عثمان : نعم ، قال رسول الله : ذاك جبرئيل لم يكن لي همّة غيره ، ثم تلا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ما أنزل عليه .
قال عثمان : فقمت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معجباً بالّذي رأيت ، فأتيت أبا طالب وقرأتُ ما أوحي إلى النبيّ ، فعجب أبو طالب ، وقال : يا آل غالب اتبعوه ترشدوا وتفلحوا ، فو الله ما يدعو إلاّ إلى مكارم الأخلاق ...
وروي أيضاً : أن عثمان قال : كان أول إسلامي حبّاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ تحقق ذلك اليوم لمّا شاهدت الوحي إليه ، واستقرّ الإيمان في قلبي(22) .
الآيات النازلة في عثمان :
1 ـ ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربّهم وأنّهم إليه راجعون )(23) .
قوله تعالى : ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) نزلت في علي (عليه السلام)وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر وأصحاب لهم رضي الله عنهم(24) .
2 ـ ( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم ...)(25) .
نزلت في عدّة من الصحابة ، منهم : عثمان بن مظعون وعمّار بن ياسر وسلمان ، حرّموا على أنفسهم الشهوات وهمّوا بالإخصاء(26) .
وروي : أنّ علياً (عليه السلام) وعثمان بن مظعون ونفراً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعاقدوا أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل ، ولا يأتوا النساء ، ولا يأكلوا اللحم ، فبلغ ذلك رسول الله ، فأنزل الله تعالى : ...(27)
وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : نزلت في علي (عليه السلام) وبلال وعثمان بن مظعون ، فأمّا علي (عليه السلام) فإنّه حلف أن لا ينام بالليل أبداً إلاّ ما شاء الله ، وأمّا بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً ، وأمّا عثمان بن مظعون فانه حلف أن لا ينكح أبداً ...
ولمّا أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيبات ، ألا أنّي أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي ، فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك ، فأنزل الله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم )(28) . ورويت أحاديث كثيرة بهذا المعنى(29) ، نكتفي منها بهذا المقدار .
3 ـ ( ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طَعِموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثمّ اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحبّ المحسنين )(30) .
نزلت في عدّة منهم عثمان بن مظعون ، وكان عثمان قد همّ بطلاق زوجته وأن يختصي ويحرم اللحم والطيب ، فردّ عليه النبي واُنزل في ذلك : ...(31) .
4 ـ ( وضرَب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلّ على مولاه أينما يوجّهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومَن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم )(32) .
قال الشيخ الطبرسي : ... وقيل إنّ الأبكم أبي بن خلف ، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون ، عن عطاء(33) .
وصف أمير المؤمنين لعثمان :
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يُعظمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه ، وكان خارجاً من سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإن قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين ، وكان ضعيفاً مستضعفاً ، فإن جاءَ الجِدّ فهو ليثُ غاب وصِلُّ واد ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً ، وكان لا يلومُ أحداً على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذارَه ، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند برئه ، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل ، وكان اذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم ، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه . فعليكم بهذه الأخلاق فالزموها وتنافسُوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير(34) .
والمشار إليه بـ (كان لي فيما مضى أخ في الله) عثمان بن مظعون على أحد الأقوال ، وقيل : أبوذر ، وقيل : غيرهما(35) .
ويدلّ على أن المراد بالأخ هنا عثمان بن مظعون ما ورد من وصف أمير المؤمنين لعثمان بالأخ ، كقوله (عليه السلام)في وجه تسمية ولده بعثمان : إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون(36) .
وكان عثمان بن مظعون من الملازمين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى نشاهد أنّ اكثر الآيات النازلة في حقّ عثمان هي في حقّ عليّ (عليه السلام)وسائر أصحابه .
ولو كان من المقدّر أن يبقى عثمان بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لكنت تراه يقف موقف سلمان وأبي ذر وعمار والمقداد في قِبال الأحداث ، ولشاهدته من حواري أميرالمؤمنين(عليه السلام).
تعذيب قريش لعثمان وهجرته وزهده :
وبعد أن أسلم عثمان (قدّس الله روحه) وأعلن إسلامه ، واجهته قريش بالأذى والسطوة ، كما هو ديدنها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه . وكانت بنو جُمح تؤذي عثمان وتضربه وهو فيهم ذو سطوة وقَدْر(37) .
ولمّا اشتدّ أذى المشركين على الذين أسلموا ، وفتن منهم من فتن ، أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة ، التي كانت متجراً لقريش يجدون فيها رفقاً من الرزق وأماناً . فخرجوا متسلّلين سرّاً ، وأميرهم عثمان بن مظعون ، فيسّر الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار ، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة ، وخرجت قريش في أثرهم ، ولمّا وصلوا البحر لم يدركوا منهم أحداً .
ومكث عثمان بن مظعون وأصحابه في الحبشة ، حتّى بلغهم أنّ قريشاً قد أسلمت ، فأقبلوا نحو مكة ، وما إن اقتربوا منها حتّى عرفوا أنّ قريشاً لم تسلم ، وأنها ما زالت على عدائها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فثقل عليهم أن يرجعوا ، وتخوّفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار من بعض أهل مكة ، فمثكوا مكانهم حتّى دخل كلّ رجل منهم بجوار من بعض أهل مكة ، ودخل عثمان بن مظعون مكة بجوار الوليد بن المغيرة .
ولمّا رأى عثمان ما يلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه من الأذى والبلاء ، وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة ، قال : والله ، إنّ غدوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء في الله ما لا يصيبني ، لنقصٌ كبير في نفسي .
فمضى إلى الوليد بن المغيرة ، فقال له : يا أبا عبد شمس ، وفَت ذمّتك ، وقد كنتُ في جوارك ، وقد أحببت أن أخرج منه الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلي به وأصحابه أسوة .
فقال الوليد : فلعلك يا بن أخي أوذيتَ أو انتهكتَ ؟
قال عثمان : لا ، ولكن أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره .
قال : فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتُك علانية .
فانطلقا ، حتّى أتيا المسجد .
فقال لهم الوليد : هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري ، فقال عثمان : قد صدق ، قد وجدته وفياً كريم الجوار ، ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره(38) .
ومرّ عثمان بن مظعون بمجلس من قريش ، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي ينشدهم : آ«ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلآ» .
فقال عثمان : صدقت .
فقال لبيد : آ«وكلُّ نعيم لا محالة زائلُآ» .
فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول أبداً .
فقال لبيد : يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟
فقال رجل : إنّ هذا سفيه من سفهائنا قد فارق ديننا ، فلا تجدن في نفسك من قوله .
فردّ عليه عثمان ، فقام إليه ذلك الرجل ، فلطم عينه فخضرها .
فقال الوليد بن المغيرة لعثمان : إن كانت عينك لغنية عمّا أصابها ، لِمَ رددت جواري ؟
فقال عثمان : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة لمثل ما أصاب أختها في الله ، لا حاجة لي في جوارك .
وفي بعض المصادر :
فقال الوليد : هل لك في جواري ؟
فقال عثمان : لا أرَبَ لي في جوار أحد الاّ في جوار الله(39) .
ثم قال عثمان بن مظعون فيما أصيب من عينه :
فان تك عيني في رضا الربّ نالها *** يدا ملحد في الدين ليس بمهتد
فقد عوض الرحمن منها ثوابه *** ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
فإنّي وإن قلتم غويّ مضلّل *** سفيه على دين الرسول محمد
أريد بذاك الله والحقّ ديننا *** على رغم مَن يبغي علينا ويعتدي(40)
وقال أبو طالب (رضي الله عنه) ـ وقد غضب لعثمان بن مظعون حين عذّبته قريش ونالت منه ـ :
أمَّن تذكّر دهرَ غير مأمون *** أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمَّن تذكّر أقوامَ ذوي سفه *** يغشون بالظلم مَن يدعو إلى الدين
ألا ترون ـ أذلّ الله جمعكم ـ *** أنّا غضبنا لعثمان بن مظعونِ
ونمنع الضيمَ مَن يبغي مضامتنا *** بكلّ مطرد في الكفّ مسنونِ
ومرهقات كأنّ الملح خالطها *** يشفى بها الدّاء من هام المجانين
حتّى تقرّ رجال لا حلوم لها *** بعد الصعوبة بالإسماح واللين
أو تؤمنوا بكتاب منزل ، عجب *** على نبيّ كموسى أو كذي النونِ(41)
وذكر مثل هذه الأبيات أبو نعيم الاصفهاني ، منسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، قالها فيما أصاب من عين عثمان بن مظعون :
أمن تذكر دهر غير مأمون *** أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمن تذكر أقوام ذوي سفه *** يغشون بالظلم مَن يدعو إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما سلموا *** والغدر فيهم سبيل غير مأمون
ألا ترون ـ أقلّ الله خيرهم ـ *** أنّا غضبنا لعثمان بن مظعونِ
إذ يلطمون ولا يخشون مقلته *** طعناً دراكاً وضرباً غير مأفونِ
فسوف يجزيهم إن لم يمت عجلا *** كيلا بكيل جزاءً غير مغبونِ(42)
واشتدّ البلاء من قريش على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم ، وسطت بهم عشائرهم ، ولقوا منها تعنيفاً شديداً ، وصعب عليها ما بلغها عن النجاشي من حسن جواره لهم ، فأذن لهم رسول الله بالخروج مرّةً ثانية إلى أرض الحبشة .
وهل خرج معهم عثمان بن مظعون ؟
صرّح بهجرته ـ مرّة ثانية ـ إلى أرض الحبشة ابن سعد بالاعتماد على رواية محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عمر ، والنووي(43) .
وفيه نظر ، لأن الذين هاجروا الهجرة الأولى رجعوا إلى مكة قبل الهجرة النبوية ، والذين هاجروا الهجرة الثانية رجعوا عام خيبر ، أي بعد وفاة عثمان بن مظعون الّذي اشترك في حرب بدر ، وهي قبل خيبر . ولعل منشأ الاشتباه تصريح البعض بمهاجرة عثمان الهجرتين(44) ، فحملوه على الأولى والثانية للحبشة ، والظاهر أن الأولى إلى الحبشة ، والثانية إلى المدينة .
وصرّح ابن الأثير الجزري : أنّ عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرةَ الأولى مع جماعة من المسلمين ، وذكر كيفية رجوعه وما جرى له مع لبيد وقال : ثمّ هاجر عثمان إلى المدينة وشهد بدراً(45) .
وقال البعض : قد ذكر في هذه الهجرة الثانية جماعة ممّن شهد بدراً ، فإمّا أن يكون هذا وهماً ، وإمّا أن يكون لهم قدمة أخرى قبل بدر ، فتكون لهم ثلاث قدمات : قدمة قبل الهجرة ، وقدمة قبل بدر ، وقدمة عام خيبر ، ولذلك قال ابن سعد وغيره : إنهم لمّا سمعوا هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثمان نسوة ، فمات منهم رجلان بمكة ، وحبس بمكة سبعة ، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلا(46) .
وعلى أيّ حال ، فهجرة عثمان بن مظعون من مكة إلى المدينة أمرٌ مقطوع به ، فقد هاجر هو وأخواه قدامة وعبد الله وابنه السائب إلى المدينة ، ونزلوا على عبد الله بن سلمة العجلاني ، وقيل : على خذام بن وديعة(47) .
قال الواقدي : آل مظعون ممن أوعب في الخروج إلى الهجرة رجالهم ونساؤهم ، وغلقت بيوتهم بمكة(48) .
وروي عن أمّ العلاء ، قالت : نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمهاجرون معه المدينة في الهجرة ، فتشاحت الأنصار فيهم أن ينزلوهم في منازلهم ، حتّى اقترعوا عليهم ، فطار لنا عثمان بن مظعون على القرعة ، تعني : وقع في سهمنا(49) .
وأما زهده وقناعته بالشيء القليل وتركه الدنيا فيدل عليه : ما روي من أنّه دخل يوماً المسجد ، وعليه نمرة قد تخلّلت فرقّعها بقطعة من فروة ، فرقّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورقّ أصحابه لرقته ، فقال : كيف أنتم يغدو أحدكم في حلّة ويروح في أخرى ، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى ، وسترتم البيوت كما تستر الكعبة ؟ قالوا : وددنا أنّ ذلك قد كان يا رسول الله فأصبنا الرخاء والعيش ، قال : فإنّ ذلك لكائن ، وأنتم اليوم خير من اُولئك(50) .
مؤاخاته واشتراكه في بدر :
آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين عثمان بن مظعون وبين أبي الهيثم بن التّيهان الأنصاري(51) .
وشهد عثمان بن مظعون بدراً باتفاق المؤرخين(52) . وأُسّر حنظلة بن قبيصة بن حذافة على يد عثمان بن مظعون(53) . وقُتل أوس بن المغيرة بن لوذان على يد عليّ (عليه السلام) وعثمان بن مظعون(54) .
عثمان والرواية :
كان عثمان بن مظعون من الأوائل الّذين أسلموا ، ومن الأوائل الّذين لبّوا نداء ربّهم ، وتوفي في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بادئ الإسلام ، ونال درجة عالية بعد وفاته بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه ، ولم يروِ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ قليلا ، وذلك لعدم دركه من زمان الإسلام إلاّ أوائله .
فيروي عثمان بن مظعون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(55) ، ورواياته عن رسول الله قليلة جدّاً .
ويروي عن عثمان بن مظعون : عبد الله بن جابر(56) ، وسعد بن مسعود الكناني (الكندي)(57) .
عبادته واجتهاده واعتزاله النساء وحياؤه :
كان عثمان ـ رضوان الله عليه ـ من أشدّ الناس اجتهاداً في العبادة ، يصوم النهار ويقوم الليل . ووصل به الحدّ في العبادة أنه ترك وتجنّب الشهوات بالمرة ، واعتزل النساء(58) . حتّى روي : أنّ زوجته دخلت على نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها : ما لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلك ! قالت : ما لنا منه شيء ، أمّا ليله فقائم ، وأمّا نهاره فصائم . فدخل النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فذكرن ذلك له ، فلقيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال : أما لك بي أسوة ؟ قال : بأبي وأمّي وما ذاك ؟ قال : تصوم النهار وتقوم الليل ؟ قال : إنّي لأفعل ، قال : لا تفعل ، إنّ لعينيك عليك حقّاً ، وإنّ لجسدك حقّاً ، وإنّ لأهلك حقّاً ، فصلِّ ونمْ وصم وافطر .
وفي رواية أخرى : يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة ، أصوم وأصلي وألمس أهلي ، فمن أحبّ فطرتي فليستن بسنّتي ، ومن سنّتي النكاح .
وفي رواية أخرى قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي آتي النساء وأفطر بالنهار وأنام الليل ، فمن رغب عن سنّتي فليس مني ، وأنزل الله ـ تعالى ـ : ( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيّباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون)(59) .
فأتتهن زوجة عثمان بعد ذلك عطرةً كأنّها عروس ، فقلن لها : مه ؟ قالت : أصابنا ما أصاب الناس(60) .
وروي : أنّ عثمان قال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ! لا أحبّ أن ترى امرأتي عورتي ، قال : ولِمَ ؟ قال : استحيي من ذلك ، قال : إنّ الله قد جعلها لك لباساً ، وجعلك لباساً لها ... ، فلمّا أدبر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ ابن مظعون لحييّ ستير(61) .
الرهبانية والسياحة والتبتّل :
خلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ الإنسان ليكون نواة صالحة ، وكائناً عاملا في كلّ نواحي الحياة الإنسانية ، وليس من حكمة خلق الله للإنسان أن يترهّب ويعتزل المجتمع ، ويعيش لوحده يعبد ربّه .
وفي بادئ الإسلام كانت فكرة الرهبانية ، وترك المجتمع والملذّات الدنيوية ، تدور في خُلد بعض المتديّنين ، وذلك لشدّة تديّنهم وحرصهم على العبادة وترك الدنيا .
ومن الأوائل الذين فكّروا بالرهبانية والسياحة عثمان بن مظعون ـ رضوان الله عليه ـ فإنّه أول ما أقدم عليه من عمل هو : أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار ، وترك زوجته بالمرّة ، وبعدها استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرهبانية والسياحة والتبتّل وطلاق زوجته والخصاء ، فنهاه عن ذلك وردّه عليه(62) .
فعن ابن شهاب : أنّ عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أَليس لك فيّ أسوة حسنة ؟ فأنا آتي النساء وآكل اللحم وأصوم وأفطر ، إنّ خصاء أمّتي الصيام ، وليس من أمّتي من خصى أو اختصى(63) .
وروي أيضاً عن عثمان أنه قال : قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله ! أردت أن أسألك عن أشياء ، فقال : وما هي يا عثمان ؟ قال : قلت : إنّي أردتُ أن أترهب ، قال : لا تفعل يا عثمان ، فانّ ترهّب أمّتي القعود في المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة .
قال : فإني أردت يا رسول الله ! أن أختصي ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تفعل يا عثمان ، فإنّ اختصاء أمّتي الصيام(64) .
وروي أيضاً أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ نفسي تحدّثني بالسياحة وأن ألحق الجبال ، قال : يا عثمان لا تفعل ، فإنّ سياحة أمّتي الغزو والجهاد(65) .
وروي : أنّه اتخذ بيتاً يتعبّد فيه ، فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذ بعضادتي البيت وقال : يا عثمان ، إنّ الله لم يبعثني بالرهبانية ـ مرّتين أو ثلاثاً ـ ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة(66) .
وروي عنه ـ أيضاً ـ أنّه قال : يا رسول الله ! إني رجل تشقّ عليّ العزبة في المغازي ، أفتأذن لي في الخصاء ؟ قال : لا ، ولكن عليك بالصوم ، فانه مَجْفَر (محصن)(67) .
وروي عنه ـ أيضاً ـ : أنه همّ بطلاق زوجته ، وأن يختصي ويحرم اللحم والطيب ، فردّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واُنزل في ذلك : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثمّ اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحبّ المحسنين )(68) .
وروي أيضاً : أنه توفي ابن لعثمان بن مظعون ، فاشتدّ حزنه عليه ، حتّى اتخذ داره مسجداً يتعبّد فيه ، فبلغ ذلك رسول الله ، فأتاه ، فقال له : يا عثمان ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانيّة ، إنّما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ، يا عثمان بن مظعون ! للجنة ثمانية أبواب ، وللنار سبعة أبواب ، فما يسرّك أن لا تأتي باباً منها إلاّ وجدت ابنك إلى جنبك آخذاً بحجزتك يشفع لك الى ربك ، قال : بلى ...(69)
شعره :
ولم يكن عثمان من الشعراء المعروفين ، لكنه كان قادراً على نظم الشعر ، والذي وصل إلينا شيء منه .
وقد مرّت منه عدّة أبيات في فصل تعذيب قريش لعثمان وهجرته . فمن شعره حينما هاجر إلى أرض الحبشة ، وبلغه أنّ أمية ابن خلف شتمه ، فقال :
أتيم بن عمرو الّذي فار ضغنه *** ومن دونه الشرمان والترك أجمع
أأخرجتني من بطن مكّةَ آمناً *** وألحقتني من صرح بيضاء تقدع ؟
تريش نبالا لا يؤاتيك ريشُها *** وتبري نبالا ريشها لك أجمع
فكيف إذا نابتك يوماً ملمةٌ *** وأسلمك الأوباش ما كنت تجمع ؟(70)
وفاته :
نصّ كثير من المؤرّخين : على أنّ عثمان بن مظعون أول من مات بالمدينة من المهاجرين(71) .
وأمّا تاريخ وفاته ، فإنّه كان بعد أن شهد بدراً ، وفي تحديد تاريخ وفاته عدّة أقوال :
(أ) في شعبان بعد سنتين ونصف من الهجرة(72) .
(ب) في السنة الثانية من الهجرة(73) .
(ج) بعد اثنين وعشرين شهراً من مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة(74) ، وهذا يدلّ على أنه توفي في أواخر سنة اثنتين .
(د) بعد مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة بستة أشهر(75) ، وهذا إنما يكون بعد مقدمه من غزوة بدر ، لأنه لم يختلف أحد في أنه شهدها .
وذكرت أم العلاء أنّ عثمان بن مظعون اشتكى عندهم ، وقالت : مرّضناه ، فلمّا توفي جعلناه في أثوابه . فدخل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأكب عليه يقبّله ويقول : رحمك الله يا عثمان ، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك شيئاً .
وحديث تقبيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعثمان وهوميّت نقله الكل وبصور مختلفة ، فبعض ذكر أنه قبله ـ بعد الغسل والتكفين ـ بين عينيه ، والآخر ذكر أنه قبّله على خدّه . وبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على عثمان بن مظعون طويلا ، ودموعه تسيل على خدّ عثمان بن مظعون(76) .
وأمّا ما روي من أنه لما مات عثمان دخل عليه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فأكبّ عليه ، فرفع رأسه ، فرأوا أثر البكاء ، ثم جثا الثانية ، ثمّ رفع رأسه ، فرأوه يبكي ، ثمّ جثا الثالثة ، فرفع رأسه وله شهيق ، فعرفوا أنّه يبكي ، فبكى القوم ، فقال : مه هذا من الشيطان ، ثمّ قال : أستغفر الله ، أبا السائب لقد خرجت منها ولم تلبّس منها بشيء(77) .
فغير صحيح ، لأنه فيه جعل البكاء من الشيطان ، مع أنّه ثبت من طريق الفريقين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بكى على ابنه ابراهيم ، وفاضت عيناه على بنت بنته ، وأنه بكى على عثمان بن مظعون كما ذكرنا قبل قليل وذكرنا مصادره .
ويؤيّده أيضاً ما روي عن ابن عباس : لمّا ماتت ابنة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألحقي بسلفنا الخيّر عثمان بن مظعون ، فبكت النساء ، فجعل عمر بن الخطاب يضربهنَّ بسوطه ، فأخذ رسول الله بيده (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال : مهلا يا عمر ، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ابكين ، وإيّاكنّ ونعيق الشيطان ، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة ، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان(78) .
ومع ما كان عليه عثمان بن مظعون من عظيم الدرجة والسبق إلى الإيمان ، فقد سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)امرأة تقول :
هنيئاً لك أبا السائب الجنة ، أو : أذهب عنك أبا السائب ! شهادتي عليك لقد أكرمك الله ، أو طِبْ أبا السائب ! نفساً إنّك في الجنة .
فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وما يدريك ، أو ما علمك بذلك ؟
فقالت : يا رسول الله ! أبو السائب ، أو كان يا رسول الله ! يصوم النهار ويصلّي الليل ، أو فارسك وصاحبك ، أو : لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فمن .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): والله ما نعلم إلاّ خيراً ثم قال : حسبك أن تقولي : كان يحب الله ـ عزّ وجلّ ـ ورسوله ، أو أجل ما رأينا إلاّ خيراً أنا رسول الله والله ما أدري ما يصنع بي ، أو أمّا هو فقد جاءه اليقين . والله ، إني لأرجو الخير ، وإني لرسول الله ، وما أدري ما يفعل بي(79) .
واختلفت المصادر في ذكر اسم المرأة التي قالت هذا القول لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعضها ذكرت أنها زوجته أم السائب ، وفي بعضها أنها أم العلاء الأنصارية ، وفي بعضها أنها أم خارجة بن زيد ، وفي بعضها أنها عجوز .
وكذلك اختلفت المصادر في كيفية وقوعها ، ففي بعضها أنها قالت هذا القول وراء جنازته ، وفي بعضها أنها قالت هذا القول لمّا وضع في قبره ، وفي بعضها لمّا قبر ، وفي بعضها غير هذا .
وعلى كلّ حال فإن ما قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن نقصاً في درجة عثمان بن مظعون ، أو تشكيكاً فيه ، لأنه قرنه بنفسه ، ووصفه بصفات المتقين ، ولكن كان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)تعليماً لنا ، بأنّ الإنسان مهما كثرت عبادته واتقي لابدّ من أن يبقى بين الخوف والرجاء ، ولا يجزم بأنه من أهل الجنة ومن عباد الله المقرّبين ، ويدلّ على كراهية جزم الإنسان بأنه من أهل الجنة .
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنه قال : لمّا مُرّ بجنازة عثمان بن مظعون : ذهبت ولم تلبّس منها بشيء(80) .
وروي أنه لمّا رفع عثمان على السرير قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : طوباك (طوبى لك) يا عثمان ، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها(81) .
وتحدّث أم العلاء : بأنها رأت في المنام لعثمان عيناً تجري ، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال : ذلك عمله(82) .
وحظي عثمان بن مظعون بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه(83) ، وبمشاركته في تشييعه ودفنه ، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم)قائماً على شفير القبر الذي نزل فيه كلّ من عبد الله بن مظعون ، والسائب بن عثمان بن مظعون ، ومعمر بن الحارث .
ولمّا انتهى الدفن ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل : هلمّ تلك الصخرة فاجعلها عند قبر أخي أعرفه بها ، أدفن إليه مَن دفنت من أهلي (أهله) ، فقام الرجل فلم يطقها ، فاحتملها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى شوهد بياض ساعديه ، ووضعها عند قبره ، وقال : هذا قبر فرطنا ، وكان الحجر بمثابة العلامة .
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يزور قبر عثمان بن مظعون(84) .
واتفق أصحاب السير والتاريخ أنّ أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون ، إلاّ نادراً ممّن ذكر أنّ أسعد بن زرارة أول من دفن بالبقيع .
ولم يكن البقيع قبل دفن عثمان مقبرة ، وكان يقال له : بقيع الخبخبة ، وكان أكثر نباته الغرقد(85) .
وروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أن يبسط على قبر عثمان بن مظعون ثوب ، وهو أول قبر بسط عليه ثوب(86) .
وروي أيضاً أنه (صلى الله عليه وآله وسلم)رشّ قبر عثمان بن مظعون بالماء بعد أن سوّى عليه التراب(87) .
وقيل : إنّ أول مَن تبعه إبراهيم ابن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا توفي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحق بسلفنا (بسلفك) الصالح عثمان بن مظعون ، ودفن ابراهيم إلى جنب عثمان(88) .
ولمّا ماتت ابنة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : اِلحقي بسلفنا الخيّر (الصالح) عثمان بن مظعون وأصحابه(89) .
وكان إذا مات ميّت قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قدموه على فرطنا ، نعم الفرط لأمّتي عثمان بن مظعون ، فيدفن عند عثمان بن مظعون(90) .
ولمّا توفي عثمان بن مظعون قالت زوجته :
يا عين جودي بدمع غير ممنونِ *** على رزيّة عثمان بن مظعونِ
على امرىء بات في رضوان خالقه *** طوبى له من فقيد الشخص مدفونِ
طاب البقيعُ له سكنى وغرقده *** وأشرقت أرضُه من بعد تفتينِ
وأورث القلبَ حزناً لا انقطاع له *** حتّى الممات فما ترقى له شونِي(91)
فارس تبريزيان الحسّون
إنّ الذي حرّضني على انتخاب هذا الموضوع والكتابة عنه جهات عديدة ، أهمّها شُبهةٌ وُجّهت ـ ولا تزال توجّه ـ إلى الشيعة : بأنّهم لا يحترمون صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقعون فيهم سبّاً وطعناً . وهذه الشبهة لا أساس لها من الصحة ، فإنّ الشيعة تضع وافر احترامها في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعظّمهم ، وتقتدي بهم ، وتجعلهم مناراً تستنير به ، أولئك الذين لم يرتدّوا ولم يبدّلوا ولم يبدعوا في الدين وبقوا على منهج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
فالشيعة تجري قواعد الجرح والتعديل على الجميع حتّى الصحابة ، فمن كان منهم على دين محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)ومات وهو على يقين من أمره ، ولم يشك في دينه ، فتجعله في أعلى القمم ، وتقتدي به ، ومن أبدع وشكّ في نبيّه ودينه وبدّل وغيّر ، فالشيعة وكلّ حرّ جعل العقل إمامه يرفضه وينبذه
ولا يقتدي به ، لأنه إذا اقتدى به اقتدى ببدعته وضلاله وشكّه .
وأمّا ما روي من أحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ، واحفظوني في أصحابي ، ولا تسبّوا أصحابي . و... فهي أحاديث ضعيفة السند ، غير قابلة للاعتماد عليها ، ومع فرض صحّة سندها ، فإنّها محمولة على الأصحاب الذين بقوا على الدين ، والتزموا بشرائط الصحبة ، لا أولئك الذين بدّلوا وغيّروا وأبدعوا ... ، وحاشا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأمر أمّته باتباع مَن أبدع وغيّر ، وشكّ فى دينه ، لمجرّد أنه صحابي .
والقرآن والحديث شاهدان على هذا المطلب ، وهو ليس كلّ صحابي وكلّ من له صحبة مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يجب الاقتداء به واحترامه :
قال تعالى : ( إنّ الذين يبايعونك إنّما يُبايعون الله يدُ الله فوق أيديهم فمَن نكث فإنّما ينكث على نفسه ومَن أوفى بما عاهد عليهُ الله فسيؤتيه أجراً عظيماً )(1).
وقال تعالى : ( .. ومن أهل المدينة مَردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرّتين ثم يُردون إلى عذاب عظيم )(2) .
وقال تعالى : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهدُ إنك لرسول الله واللهُ يعلم إنك لرسولهُ والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا ثمّ كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون )(3) .
إلى غير ذلك من الآيات الكريمة ، الدالة على أنّ في الأصحاب منافقين وغير مؤمنين بالله ولا برسوله .
وأما الأحاديث فكثيرة جدّاً ، منها :
قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في خطبة حجّة الوداع : فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض(4) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا فرطكم على الحوض ، ليرفعن إليّ رجال منكم ، حتّى إذا أهويتُ لأناولهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربي أصحابي ! يقول : لا تدري ما أحدثوا بعدك(5) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أيّها الناس فرطكم على الحوض ، فإذا جئت قام رجال ، فقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، وقال هذا : يا رسول الله أنا فلان ، فأقول : قد عرفتكم ، ولكنّكم أحدثتم بعدي ورجعتم القهقرى(6) .
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)لشهداء أحد : هؤلاء أشهد عليهم ، فقال أبو بكر : ألسنا يا رسول الله إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا ؟! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : بلى ، ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي !!!(7)
فالشيعة تقتدي بالصحابة الصلحاء المتّقين ، الذين آمنوا بالله ورسوله وماتوا وهم على يقين مما هم عليه ، كعثمان بن مظعون الذي عقدنا لأجله هذه الرسالة الوجيزة ، حتّى نتعرّف على جوانب من حياته ، ونجعلها قدوة نقتدي بها .
فإنّ الشيعة مطبقة على عدالته ووثاقته ، وجعله في أعلى مرتبة الصالحين والمتقين ، ومن الذين أبلوا بلاءً حسناً في صدر الإسلام ، وجاهدوا بكلّ ما لديهم من قوّة لأجل إعلاء كلمة الإسلام ، حتى قال الشيخ المامقاني : فالرجل فوق مرتبة الوثاقة والعدالة(8) .
وحاولت في هذه الرسالة أن أعتمد على مصادر الفريقين ، ليخرج البحث متكاملا .
اسمه ونسبه وصفته :
عثمان بن مظعون ـ بالظاء المعجمة ـ بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب ، الجُمحي القرشي ، ويكنّى أبا السائب(9) .
وكان شديد الأدمة ، ليس بالقصير ولا بالطويل ، كبير اللحية ، عريضها(10) .
وقيل : كان عثمان بن مظعون أخا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من الرضاعة(11) .
ولادته :
ولد في عصر ملؤه الجهل وانحطاط القيم الإنسانيّة ، في عصر كان يسوده الظلم والجور ، وعدم مراعاة حقوق الإنسان ، لكنه ـ رضوان الله عليه ـ لم ينخرط في سلك أهل عصره ، بل جعل عقله قائده وراشده ، وسلك في حياته مسلك العقلاء والحكماء ، حتّى قيل : إنه كان من حكماء العرب في الجاهلية(12) .
تحريمه الخمر في الجاهليّة :
وممّا يدلّ على حكمته قبل الإسلام ، وسموّ عقله ، ما اتفق عليه أصحاب السير والتاريخ من أنه حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية وقال :
لا أشرب شراباً يذهب عقلي ، ويضحك بي مَن هو أدنى منّي ، ويحملني على أن أنكح كريمتي ، أو : ويحملني على أن أُنكح كريمتي مَن لا أريد .
وقيل : إنه لمّا حرّمت الخمر ، أتي وهو بالعوالي ، فقيل له : يا عثمان قد حرّمت الخمر ، فقال : تبّاً لها ، قد كان بصري فيها ثاقباً(13) .
وتنظّر البعض في ذيل الكلام ، وهو : وقيل إنه لمّا حرّمت الخمر أتي وهو بالعوالي ... ، وذكروا وجه النظر بأنّ آية التحريم نزلت بعد وفاة عثمان .
وأقول : عند أكثر أهل السنة أن الآية الثالثة في تحريم الخمر تدلّ على التحريم ، والآية الأولى والثانية لا يستفاد منهما التحريم ، وعند الشيعة أن الآية الأولى تدل على التحريم ، والثانية والثالثة مؤكدتان للحكم ، فلعلّ القول بأنه لما حرّمت الخمر قيل لعثمان : يا عثمان قد حرّمت الخمر فقال : ... ، ناظر إلى الآية الأولى ، والله العالم .
ومع اتفاق كلّ المصادر على أنّ عثمان بن مظعون حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية ، فقد أخرج ابن المنذر ، عن سعيد ابن جبير قال : لمّا نزلت : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ... )شربها قوم لقوله : (منافع للناس ) ، وتركها قوم لقوله : ( إثم كبير ) ، منهم : عثمان بن مظعون ... وهذا افتراء صريح على هذا الصحابي الجليل ، فإنه متى شربها حتّى تركها(14) ؟ .
وهذا ـ أيضاً ـ يدلّ على أنّ أول آية في الخمر ـ وهي : ( يسألونك عن الخمر والميسر ... ) ـ نزلت في حياة عثمان ، وهي دالّة على التحريم في نظر الشيعة .
التسمية بعثمان :
ولسموّ مرتبة عثمان بن مظعون وقربه من الله ـ تعالى ـ ونبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومكانته العالية في قلوب المؤمنين ، سمّى الكثير من الأولياء والصلحاء أولادهم بـ (عثمان) ; لشدّة تعلّقهم بعثمان بن مظعون ومحبتهم له وإحياءً لذكراه .
ذكر الثقفي في تاريخه ، عن هبيرة بن مريم ، قال : كنّا جلوساً عند علي (عليه السلام)، فدعا ابنه عثمان ، فقال له : يا عثمان ، ثمّ قال : إني لم اسمّه باسم عثمان ... ، إنّما سمّيته باسم عثمان بن مظعون(15) .
وفي زيارة الناحية المقدسة : السلام على عثمان ابن أمير المؤمنين سميّ عثمان بن مظعون(16) .
وروي ـ أيضاً ـ عن عليّ (عليه السلام)أنّه قال : إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون(17) .
اُسرته :
أمّه : سُخيلة بنت العنبس بن وهبان ـ أهبان ـ بن وهب بن حذافة بن جمح .
وإخوته : عبد الله بن مظعون ، توفي سنة 30 هـ ، وقدامة بن مظعون ، مات سنة 36 هـ .
وأولاده : السائب ، وعبد الرحمن ، أمّهما خولة بنت حكيم .
وزوجته : خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة الأوقص السُّلميّة ، ويقال لها : خُوَيلَة .
وهي الّتي قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاة خديجة : يا رسول الله ، ألا تتزوّج ؟ قال : مَن ؟ قالت : إن شئت بكراً ، وإن شئت ثيباً ، قال : فمن البكر ؟ قالت : بنت أبي بكر ، قال : ومَن الثيّب ؟ قالت : سودة بنت زمعة ، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول ... قال : فاذهبي فاذكريهما عليّ ، فذهبت إلى أبويهما وخطبتهما ، فقبلا وتزوّجهما(18) .
وروت خولة عدّة أحاديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(19) . وذكر أنها إحدى خالات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(20) .
إسلامه :
وأسلم عثمان بن مظعون بعد ثلاثة عشر رجلا ، انطلق هو وجماعة حتّى أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه ، فأسلموا جميعاً ، وذلك قبل دخول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها(21) .
وروي أنّ عثمان بن مظعون قال : نزلت آية : ( إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان ... ) على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنا عنده ، وذكر أنّه شاهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على غير حالته الطبيعية ، فلمّا سأله : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأيتك فعلت الّذي فعلت اليوم ، ما حالك ؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ولقد رأيتَه ؟ فأجابه عثمان : نعم ، قال رسول الله : ذاك جبرئيل لم يكن لي همّة غيره ، ثم تلا عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ما أنزل عليه .
قال عثمان : فقمت من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) معجباً بالّذي رأيت ، فأتيت أبا طالب وقرأتُ ما أوحي إلى النبيّ ، فعجب أبو طالب ، وقال : يا آل غالب اتبعوه ترشدوا وتفلحوا ، فو الله ما يدعو إلاّ إلى مكارم الأخلاق ...
وروي أيضاً : أن عثمان قال : كان أول إسلامي حبّاً من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ تحقق ذلك اليوم لمّا شاهدت الوحي إليه ، واستقرّ الإيمان في قلبي(22) .
الآيات النازلة في عثمان :
1 ـ ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربّهم وأنّهم إليه راجعون )(23) .
قوله تعالى : ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) نزلت في علي (عليه السلام)وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر وأصحاب لهم رضي الله عنهم(24) .
2 ـ ( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم ...)(25) .
نزلت في عدّة من الصحابة ، منهم : عثمان بن مظعون وعمّار بن ياسر وسلمان ، حرّموا على أنفسهم الشهوات وهمّوا بالإخصاء(26) .
وروي : أنّ علياً (عليه السلام) وعثمان بن مظعون ونفراً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تعاقدوا أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل ، ولا يأتوا النساء ، ولا يأكلوا اللحم ، فبلغ ذلك رسول الله ، فأنزل الله تعالى : ...(27)
وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) : نزلت في علي (عليه السلام) وبلال وعثمان بن مظعون ، فأمّا علي (عليه السلام) فإنّه حلف أن لا ينام بالليل أبداً إلاّ ما شاء الله ، وأمّا بلال فإنه حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً ، وأمّا عثمان بن مظعون فانه حلف أن لا ينكح أبداً ...
ولمّا أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال : ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيبات ، ألا أنّي أنام بالليل وأنكح وأفطر بالنهار ، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي ، فقام هؤلاء فقالوا : يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك ، فأنزل الله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم )(28) . ورويت أحاديث كثيرة بهذا المعنى(29) ، نكتفي منها بهذا المقدار .
3 ـ ( ليس على الّذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طَعِموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثمّ اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحبّ المحسنين )(30) .
نزلت في عدّة منهم عثمان بن مظعون ، وكان عثمان قد همّ بطلاق زوجته وأن يختصي ويحرم اللحم والطيب ، فردّ عليه النبي واُنزل في ذلك : ...(31) .
4 ـ ( وضرَب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلّ على مولاه أينما يوجّهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومَن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم )(32) .
قال الشيخ الطبرسي : ... وقيل إنّ الأبكم أبي بن خلف ، ومن يأمر بالعدل حمزة وعثمان بن مظعون ، عن عطاء(33) .
وصف أمير المؤمنين لعثمان :
قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): كان لي فيما مضى أخ في الله ، وكان يُعظمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه ، وكان خارجاً من سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإن قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين ، وكان ضعيفاً مستضعفاً ، فإن جاءَ الجِدّ فهو ليثُ غاب وصِلُّ واد ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً ، وكان لا يلومُ أحداً على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذارَه ، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند برئه ، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل ، وكان اذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم ، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه . فعليكم بهذه الأخلاق فالزموها وتنافسُوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير(34) .
والمشار إليه بـ (كان لي فيما مضى أخ في الله) عثمان بن مظعون على أحد الأقوال ، وقيل : أبوذر ، وقيل : غيرهما(35) .
ويدلّ على أن المراد بالأخ هنا عثمان بن مظعون ما ورد من وصف أمير المؤمنين لعثمان بالأخ ، كقوله (عليه السلام)في وجه تسمية ولده بعثمان : إنّما سمّيته باسم أخي عثمان بن مظعون(36) .
وكان عثمان بن مظعون من الملازمين لأمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى نشاهد أنّ اكثر الآيات النازلة في حقّ عثمان هي في حقّ عليّ (عليه السلام)وسائر أصحابه .
ولو كان من المقدّر أن يبقى عثمان بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لكنت تراه يقف موقف سلمان وأبي ذر وعمار والمقداد في قِبال الأحداث ، ولشاهدته من حواري أميرالمؤمنين(عليه السلام).
تعذيب قريش لعثمان وهجرته وزهده :
وبعد أن أسلم عثمان (قدّس الله روحه) وأعلن إسلامه ، واجهته قريش بالأذى والسطوة ، كما هو ديدنها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه . وكانت بنو جُمح تؤذي عثمان وتضربه وهو فيهم ذو سطوة وقَدْر(37) .
ولمّا اشتدّ أذى المشركين على الذين أسلموا ، وفتن منهم من فتن ، أذن الله سبحانه لهم بالهجرة الأولى إلى أرض الحبشة ، التي كانت متجراً لقريش يجدون فيها رفقاً من الرزق وأماناً . فخرجوا متسلّلين سرّاً ، وأميرهم عثمان بن مظعون ، فيسّر الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار ، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة ، وخرجت قريش في أثرهم ، ولمّا وصلوا البحر لم يدركوا منهم أحداً .
ومكث عثمان بن مظعون وأصحابه في الحبشة ، حتّى بلغهم أنّ قريشاً قد أسلمت ، فأقبلوا نحو مكة ، وما إن اقتربوا منها حتّى عرفوا أنّ قريشاً لم تسلم ، وأنها ما زالت على عدائها لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فثقل عليهم أن يرجعوا ، وتخوّفوا أن يدخلوا مكة بغير جوار من بعض أهل مكة ، فمثكوا مكانهم حتّى دخل كلّ رجل منهم بجوار من بعض أهل مكة ، ودخل عثمان بن مظعون مكة بجوار الوليد بن المغيرة .
ولمّا رأى عثمان ما يلقى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه من الأذى والبلاء ، وهو يغدو ويروح بأمان الوليد بن المغيرة ، قال : والله ، إنّ غدوّي ورواحي آمناً بجوار رجل من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء في الله ما لا يصيبني ، لنقصٌ كبير في نفسي .
فمضى إلى الوليد بن المغيرة ، فقال له : يا أبا عبد شمس ، وفَت ذمّتك ، وقد كنتُ في جوارك ، وقد أحببت أن أخرج منه الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلي به وأصحابه أسوة .
فقال الوليد : فلعلك يا بن أخي أوذيتَ أو انتهكتَ ؟
قال عثمان : لا ، ولكن أرضى بجوار الله ولا أريد أن استجير بغيره .
قال : فانطلق إلى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتُك علانية .
فانطلقا ، حتّى أتيا المسجد .
فقال لهم الوليد : هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري ، فقال عثمان : قد صدق ، قد وجدته وفياً كريم الجوار ، ولكني أحببت أن لا أستجير بغير الله ، فقد رددت عليه جواره(38) .
ومرّ عثمان بن مظعون بمجلس من قريش ، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي ينشدهم : آ«ألا كلّ شيء ما خلا الله باطلآ» .
فقال عثمان : صدقت .
فقال لبيد : آ«وكلُّ نعيم لا محالة زائلُآ» .
فقال عثمان : كذبت ، نعيم الجنة لا يزول أبداً .
فقال لبيد : يا معشر قريش ، والله ما كان يؤذى جليسكم ، فمتى حدث هذا فيكم ؟
فقال رجل : إنّ هذا سفيه من سفهائنا قد فارق ديننا ، فلا تجدن في نفسك من قوله .
فردّ عليه عثمان ، فقام إليه ذلك الرجل ، فلطم عينه فخضرها .
فقال الوليد بن المغيرة لعثمان : إن كانت عينك لغنية عمّا أصابها ، لِمَ رددت جواري ؟
فقال عثمان : بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة لمثل ما أصاب أختها في الله ، لا حاجة لي في جوارك .
وفي بعض المصادر :
فقال الوليد : هل لك في جواري ؟
فقال عثمان : لا أرَبَ لي في جوار أحد الاّ في جوار الله(39) .
ثم قال عثمان بن مظعون فيما أصيب من عينه :
فان تك عيني في رضا الربّ نالها *** يدا ملحد في الدين ليس بمهتد
فقد عوض الرحمن منها ثوابه *** ومن يرضه الرحمن يا قوم يسعد
فإنّي وإن قلتم غويّ مضلّل *** سفيه على دين الرسول محمد
أريد بذاك الله والحقّ ديننا *** على رغم مَن يبغي علينا ويعتدي(40)
وقال أبو طالب (رضي الله عنه) ـ وقد غضب لعثمان بن مظعون حين عذّبته قريش ونالت منه ـ :
أمَّن تذكّر دهرَ غير مأمون *** أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمَّن تذكّر أقوامَ ذوي سفه *** يغشون بالظلم مَن يدعو إلى الدين
ألا ترون ـ أذلّ الله جمعكم ـ *** أنّا غضبنا لعثمان بن مظعونِ
ونمنع الضيمَ مَن يبغي مضامتنا *** بكلّ مطرد في الكفّ مسنونِ
ومرهقات كأنّ الملح خالطها *** يشفى بها الدّاء من هام المجانين
حتّى تقرّ رجال لا حلوم لها *** بعد الصعوبة بالإسماح واللين
أو تؤمنوا بكتاب منزل ، عجب *** على نبيّ كموسى أو كذي النونِ(41)
وذكر مثل هذه الأبيات أبو نعيم الاصفهاني ، منسوبة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، قالها فيما أصاب من عين عثمان بن مظعون :
أمن تذكر دهر غير مأمون *** أصبحت مكتئباً تبكي كمحزون
أمن تذكر أقوام ذوي سفه *** يغشون بالظلم مَن يدعو إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما سلموا *** والغدر فيهم سبيل غير مأمون
ألا ترون ـ أقلّ الله خيرهم ـ *** أنّا غضبنا لعثمان بن مظعونِ
إذ يلطمون ولا يخشون مقلته *** طعناً دراكاً وضرباً غير مأفونِ
فسوف يجزيهم إن لم يمت عجلا *** كيلا بكيل جزاءً غير مغبونِ(42)
واشتدّ البلاء من قريش على من قدم من مهاجري الحبشة وغيرهم ، وسطت بهم عشائرهم ، ولقوا منها تعنيفاً شديداً ، وصعب عليها ما بلغها عن النجاشي من حسن جواره لهم ، فأذن لهم رسول الله بالخروج مرّةً ثانية إلى أرض الحبشة .
وهل خرج معهم عثمان بن مظعون ؟
صرّح بهجرته ـ مرّة ثانية ـ إلى أرض الحبشة ابن سعد بالاعتماد على رواية محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عمر ، والنووي(43) .
وفيه نظر ، لأن الذين هاجروا الهجرة الأولى رجعوا إلى مكة قبل الهجرة النبوية ، والذين هاجروا الهجرة الثانية رجعوا عام خيبر ، أي بعد وفاة عثمان بن مظعون الّذي اشترك في حرب بدر ، وهي قبل خيبر . ولعل منشأ الاشتباه تصريح البعض بمهاجرة عثمان الهجرتين(44) ، فحملوه على الأولى والثانية للحبشة ، والظاهر أن الأولى إلى الحبشة ، والثانية إلى المدينة .
وصرّح ابن الأثير الجزري : أنّ عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرةَ الأولى مع جماعة من المسلمين ، وذكر كيفية رجوعه وما جرى له مع لبيد وقال : ثمّ هاجر عثمان إلى المدينة وشهد بدراً(45) .
وقال البعض : قد ذكر في هذه الهجرة الثانية جماعة ممّن شهد بدراً ، فإمّا أن يكون هذا وهماً ، وإمّا أن يكون لهم قدمة أخرى قبل بدر ، فتكون لهم ثلاث قدمات : قدمة قبل الهجرة ، وقدمة قبل بدر ، وقدمة عام خيبر ، ولذلك قال ابن سعد وغيره : إنهم لمّا سمعوا هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلا ومن النساء ثمان نسوة ، فمات منهم رجلان بمكة ، وحبس بمكة سبعة ، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلا(46) .
وعلى أيّ حال ، فهجرة عثمان بن مظعون من مكة إلى المدينة أمرٌ مقطوع به ، فقد هاجر هو وأخواه قدامة وعبد الله وابنه السائب إلى المدينة ، ونزلوا على عبد الله بن سلمة العجلاني ، وقيل : على خذام بن وديعة(47) .
قال الواقدي : آل مظعون ممن أوعب في الخروج إلى الهجرة رجالهم ونساؤهم ، وغلقت بيوتهم بمكة(48) .
وروي عن أمّ العلاء ، قالت : نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والمهاجرون معه المدينة في الهجرة ، فتشاحت الأنصار فيهم أن ينزلوهم في منازلهم ، حتّى اقترعوا عليهم ، فطار لنا عثمان بن مظعون على القرعة ، تعني : وقع في سهمنا(49) .
وأما زهده وقناعته بالشيء القليل وتركه الدنيا فيدل عليه : ما روي من أنّه دخل يوماً المسجد ، وعليه نمرة قد تخلّلت فرقّعها بقطعة من فروة ، فرقّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ورقّ أصحابه لرقته ، فقال : كيف أنتم يغدو أحدكم في حلّة ويروح في أخرى ، وتوضع بين يديه قصعة وترفع أخرى ، وسترتم البيوت كما تستر الكعبة ؟ قالوا : وددنا أنّ ذلك قد كان يا رسول الله فأصبنا الرخاء والعيش ، قال : فإنّ ذلك لكائن ، وأنتم اليوم خير من اُولئك(50) .
مؤاخاته واشتراكه في بدر :
آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين عثمان بن مظعون وبين أبي الهيثم بن التّيهان الأنصاري(51) .
وشهد عثمان بن مظعون بدراً باتفاق المؤرخين(52) . وأُسّر حنظلة بن قبيصة بن حذافة على يد عثمان بن مظعون(53) . وقُتل أوس بن المغيرة بن لوذان على يد عليّ (عليه السلام) وعثمان بن مظعون(54) .
عثمان والرواية :
كان عثمان بن مظعون من الأوائل الّذين أسلموا ، ومن الأوائل الّذين لبّوا نداء ربّهم ، وتوفي في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بادئ الإسلام ، ونال درجة عالية بعد وفاته بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه ، ولم يروِ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ قليلا ، وذلك لعدم دركه من زمان الإسلام إلاّ أوائله .
فيروي عثمان بن مظعون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(55) ، ورواياته عن رسول الله قليلة جدّاً .
ويروي عن عثمان بن مظعون : عبد الله بن جابر(56) ، وسعد بن مسعود الكناني (الكندي)(57) .
عبادته واجتهاده واعتزاله النساء وحياؤه :
كان عثمان ـ رضوان الله عليه ـ من أشدّ الناس اجتهاداً في العبادة ، يصوم النهار ويقوم الليل . ووصل به الحدّ في العبادة أنه ترك وتجنّب الشهوات بالمرة ، واعتزل النساء(58) . حتّى روي : أنّ زوجته دخلت على نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها : ما لكِ ؟ فما في قريش أغنى من بعلك ! قالت : ما لنا منه شيء ، أمّا ليله فقائم ، وأمّا نهاره فصائم . فدخل النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فذكرن ذلك له ، فلقيه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال : أما لك بي أسوة ؟ قال : بأبي وأمّي وما ذاك ؟ قال : تصوم النهار وتقوم الليل ؟ قال : إنّي لأفعل ، قال : لا تفعل ، إنّ لعينيك عليك حقّاً ، وإنّ لجسدك حقّاً ، وإنّ لأهلك حقّاً ، فصلِّ ونمْ وصم وافطر .
وفي رواية أخرى : يا عثمان لم يرسلني الله بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة ، أصوم وأصلي وألمس أهلي ، فمن أحبّ فطرتي فليستن بسنّتي ، ومن سنّتي النكاح .
وفي رواية أخرى قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي آتي النساء وأفطر بالنهار وأنام الليل ، فمن رغب عن سنّتي فليس مني ، وأنزل الله ـ تعالى ـ : ( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيّباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون)(59) .
فأتتهن زوجة عثمان بعد ذلك عطرةً كأنّها عروس ، فقلن لها : مه ؟ قالت : أصابنا ما أصاب الناس(60) .
وروي : أنّ عثمان قال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ! لا أحبّ أن ترى امرأتي عورتي ، قال : ولِمَ ؟ قال : استحيي من ذلك ، قال : إنّ الله قد جعلها لك لباساً ، وجعلك لباساً لها ... ، فلمّا أدبر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ ابن مظعون لحييّ ستير(61) .
الرهبانية والسياحة والتبتّل :
خلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ الإنسان ليكون نواة صالحة ، وكائناً عاملا في كلّ نواحي الحياة الإنسانية ، وليس من حكمة خلق الله للإنسان أن يترهّب ويعتزل المجتمع ، ويعيش لوحده يعبد ربّه .
وفي بادئ الإسلام كانت فكرة الرهبانية ، وترك المجتمع والملذّات الدنيوية ، تدور في خُلد بعض المتديّنين ، وذلك لشدّة تديّنهم وحرصهم على العبادة وترك الدنيا .
ومن الأوائل الذين فكّروا بالرهبانية والسياحة عثمان بن مظعون ـ رضوان الله عليه ـ فإنّه أول ما أقدم عليه من عمل هو : أنه كان يقوم الليل ويصوم النهار ، وترك زوجته بالمرّة ، وبعدها استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الرهبانية والسياحة والتبتّل وطلاق زوجته والخصاء ، فنهاه عن ذلك وردّه عليه(62) .
فعن ابن شهاب : أنّ عثمان بن مظعون أراد أن يختصي ويسيح في الأرض ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أَليس لك فيّ أسوة حسنة ؟ فأنا آتي النساء وآكل اللحم وأصوم وأفطر ، إنّ خصاء أمّتي الصيام ، وليس من أمّتي من خصى أو اختصى(63) .
وروي أيضاً عن عثمان أنه قال : قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله ! أردت أن أسألك عن أشياء ، فقال : وما هي يا عثمان ؟ قال : قلت : إنّي أردتُ أن أترهب ، قال : لا تفعل يا عثمان ، فانّ ترهّب أمّتي القعود في المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة .
قال : فإني أردت يا رسول الله ! أن أختصي ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تفعل يا عثمان ، فإنّ اختصاء أمّتي الصيام(64) .
وروي أيضاً أنه قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ نفسي تحدّثني بالسياحة وأن ألحق الجبال ، قال : يا عثمان لا تفعل ، فإنّ سياحة أمّتي الغزو والجهاد(65) .
وروي : أنّه اتخذ بيتاً يتعبّد فيه ، فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأخذ بعضادتي البيت وقال : يا عثمان ، إنّ الله لم يبعثني بالرهبانية ـ مرّتين أو ثلاثاً ـ ، وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة(66) .
وروي عنه ـ أيضاً ـ أنّه قال : يا رسول الله ! إني رجل تشقّ عليّ العزبة في المغازي ، أفتأذن لي في الخصاء ؟ قال : لا ، ولكن عليك بالصوم ، فانه مَجْفَر (محصن)(67) .
وروي عنه ـ أيضاً ـ : أنه همّ بطلاق زوجته ، وأن يختصي ويحرم اللحم والطيب ، فردّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، واُنزل في ذلك : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثمّ اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحبّ المحسنين )(68) .
وروي أيضاً : أنه توفي ابن لعثمان بن مظعون ، فاشتدّ حزنه عليه ، حتّى اتخذ داره مسجداً يتعبّد فيه ، فبلغ ذلك رسول الله ، فأتاه ، فقال له : يا عثمان ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانيّة ، إنّما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله ، يا عثمان بن مظعون ! للجنة ثمانية أبواب ، وللنار سبعة أبواب ، فما يسرّك أن لا تأتي باباً منها إلاّ وجدت ابنك إلى جنبك آخذاً بحجزتك يشفع لك الى ربك ، قال : بلى ...(69)
شعره :
ولم يكن عثمان من الشعراء المعروفين ، لكنه كان قادراً على نظم الشعر ، والذي وصل إلينا شيء منه .
وقد مرّت منه عدّة أبيات في فصل تعذيب قريش لعثمان وهجرته . فمن شعره حينما هاجر إلى أرض الحبشة ، وبلغه أنّ أمية ابن خلف شتمه ، فقال :
أتيم بن عمرو الّذي فار ضغنه *** ومن دونه الشرمان والترك أجمع
أأخرجتني من بطن مكّةَ آمناً *** وألحقتني من صرح بيضاء تقدع ؟
تريش نبالا لا يؤاتيك ريشُها *** وتبري نبالا ريشها لك أجمع
فكيف إذا نابتك يوماً ملمةٌ *** وأسلمك الأوباش ما كنت تجمع ؟(70)
وفاته :
نصّ كثير من المؤرّخين : على أنّ عثمان بن مظعون أول من مات بالمدينة من المهاجرين(71) .
وأمّا تاريخ وفاته ، فإنّه كان بعد أن شهد بدراً ، وفي تحديد تاريخ وفاته عدّة أقوال :
(أ) في شعبان بعد سنتين ونصف من الهجرة(72) .
(ب) في السنة الثانية من الهجرة(73) .
(ج) بعد اثنين وعشرين شهراً من مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة(74) ، وهذا يدلّ على أنه توفي في أواخر سنة اثنتين .
(د) بعد مقدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة بستة أشهر(75) ، وهذا إنما يكون بعد مقدمه من غزوة بدر ، لأنه لم يختلف أحد في أنه شهدها .
وذكرت أم العلاء أنّ عثمان بن مظعون اشتكى عندهم ، وقالت : مرّضناه ، فلمّا توفي جعلناه في أثوابه . فدخل عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأكب عليه يقبّله ويقول : رحمك الله يا عثمان ، ما أصبت من الدنيا ولا أصابت منك شيئاً .
وحديث تقبيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعثمان وهوميّت نقله الكل وبصور مختلفة ، فبعض ذكر أنه قبله ـ بعد الغسل والتكفين ـ بين عينيه ، والآخر ذكر أنه قبّله على خدّه . وبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على عثمان بن مظعون طويلا ، ودموعه تسيل على خدّ عثمان بن مظعون(76) .
وأمّا ما روي من أنه لما مات عثمان دخل عليه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فأكبّ عليه ، فرفع رأسه ، فرأوا أثر البكاء ، ثم جثا الثانية ، ثمّ رفع رأسه ، فرأوه يبكي ، ثمّ جثا الثالثة ، فرفع رأسه وله شهيق ، فعرفوا أنّه يبكي ، فبكى القوم ، فقال : مه هذا من الشيطان ، ثمّ قال : أستغفر الله ، أبا السائب لقد خرجت منها ولم تلبّس منها بشيء(77) .
فغير صحيح ، لأنه فيه جعل البكاء من الشيطان ، مع أنّه ثبت من طريق الفريقين أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بكى على ابنه ابراهيم ، وفاضت عيناه على بنت بنته ، وأنه بكى على عثمان بن مظعون كما ذكرنا قبل قليل وذكرنا مصادره .
ويؤيّده أيضاً ما روي عن ابن عباس : لمّا ماتت ابنة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ألحقي بسلفنا الخيّر عثمان بن مظعون ، فبكت النساء ، فجعل عمر بن الخطاب يضربهنَّ بسوطه ، فأخذ رسول الله بيده (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال : مهلا يا عمر ، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ابكين ، وإيّاكنّ ونعيق الشيطان ، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة ، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان(78) .
ومع ما كان عليه عثمان بن مظعون من عظيم الدرجة والسبق إلى الإيمان ، فقد سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)امرأة تقول :
هنيئاً لك أبا السائب الجنة ، أو : أذهب عنك أبا السائب ! شهادتي عليك لقد أكرمك الله ، أو طِبْ أبا السائب ! نفساً إنّك في الجنة .
فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وما يدريك ، أو ما علمك بذلك ؟
فقالت : يا رسول الله ! أبو السائب ، أو كان يا رسول الله ! يصوم النهار ويصلّي الليل ، أو فارسك وصاحبك ، أو : لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، فمن .
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): والله ما نعلم إلاّ خيراً ثم قال : حسبك أن تقولي : كان يحب الله ـ عزّ وجلّ ـ ورسوله ، أو أجل ما رأينا إلاّ خيراً أنا رسول الله والله ما أدري ما يصنع بي ، أو أمّا هو فقد جاءه اليقين . والله ، إني لأرجو الخير ، وإني لرسول الله ، وما أدري ما يفعل بي(79) .
واختلفت المصادر في ذكر اسم المرأة التي قالت هذا القول لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعضها ذكرت أنها زوجته أم السائب ، وفي بعضها أنها أم العلاء الأنصارية ، وفي بعضها أنها أم خارجة بن زيد ، وفي بعضها أنها عجوز .
وكذلك اختلفت المصادر في كيفية وقوعها ، ففي بعضها أنها قالت هذا القول وراء جنازته ، وفي بعضها أنها قالت هذا القول لمّا وضع في قبره ، وفي بعضها لمّا قبر ، وفي بعضها غير هذا .
وعلى كلّ حال فإن ما قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن نقصاً في درجة عثمان بن مظعون ، أو تشكيكاً فيه ، لأنه قرنه بنفسه ، ووصفه بصفات المتقين ، ولكن كان قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)تعليماً لنا ، بأنّ الإنسان مهما كثرت عبادته واتقي لابدّ من أن يبقى بين الخوف والرجاء ، ولا يجزم بأنه من أهل الجنة ومن عباد الله المقرّبين ، ويدلّ على كراهية جزم الإنسان بأنه من أهل الجنة .
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنه قال : لمّا مُرّ بجنازة عثمان بن مظعون : ذهبت ولم تلبّس منها بشيء(80) .
وروي أنه لمّا رفع عثمان على السرير قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : طوباك (طوبى لك) يا عثمان ، لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها(81) .
وتحدّث أم العلاء : بأنها رأت في المنام لعثمان عيناً تجري ، فأخبرت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال : ذلك عمله(82) .
وحظي عثمان بن مظعون بصلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه(83) ، وبمشاركته في تشييعه ودفنه ، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم)قائماً على شفير القبر الذي نزل فيه كلّ من عبد الله بن مظعون ، والسائب بن عثمان بن مظعون ، ومعمر بن الحارث .
ولمّا انتهى الدفن ، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل : هلمّ تلك الصخرة فاجعلها عند قبر أخي أعرفه بها ، أدفن إليه مَن دفنت من أهلي (أهله) ، فقام الرجل فلم يطقها ، فاحتملها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى شوهد بياض ساعديه ، ووضعها عند قبره ، وقال : هذا قبر فرطنا ، وكان الحجر بمثابة العلامة .
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يزور قبر عثمان بن مظعون(84) .
واتفق أصحاب السير والتاريخ أنّ أول من دفن بالبقيع عثمان بن مظعون ، إلاّ نادراً ممّن ذكر أنّ أسعد بن زرارة أول من دفن بالبقيع .
ولم يكن البقيع قبل دفن عثمان مقبرة ، وكان يقال له : بقيع الخبخبة ، وكان أكثر نباته الغرقد(85) .
وروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر أن يبسط على قبر عثمان بن مظعون ثوب ، وهو أول قبر بسط عليه ثوب(86) .
وروي أيضاً أنه (صلى الله عليه وآله وسلم)رشّ قبر عثمان بن مظعون بالماء بعد أن سوّى عليه التراب(87) .
وقيل : إنّ أول مَن تبعه إبراهيم ابن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلمّا توفي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الحق بسلفنا (بسلفك) الصالح عثمان بن مظعون ، ودفن ابراهيم إلى جنب عثمان(88) .
ولمّا ماتت ابنة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : اِلحقي بسلفنا الخيّر (الصالح) عثمان بن مظعون وأصحابه(89) .
وكان إذا مات ميّت قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قدموه على فرطنا ، نعم الفرط لأمّتي عثمان بن مظعون ، فيدفن عند عثمان بن مظعون(90) .
ولمّا توفي عثمان بن مظعون قالت زوجته :
يا عين جودي بدمع غير ممنونِ *** على رزيّة عثمان بن مظعونِ
على امرىء بات في رضوان خالقه *** طوبى له من فقيد الشخص مدفونِ
طاب البقيعُ له سكنى وغرقده *** وأشرقت أرضُه من بعد تفتينِ
وأورث القلبَ حزناً لا انقطاع له *** حتّى الممات فما ترقى له شونِي(91)